السيرة النبوية - الحلقة الخامسة والأربعون - السيرة, سيدنا محمد

السيرة النبوية - الحلقة الخامسة والأربعون

20 دقيقة
  • وصل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة، ودخلها من جهة قباء، وكان له رحلات أخرى يعقد فيها معاهدات مع القبائل.
  • في محرم من السنة الثانية، وجد اليهود يصومون عاشوراء فسألهم عن سبب صومهم، فقالوا إنه يوم نجاة موسى، فقال: "نحن أولى بموسى منكم" وصامه وأمر بصيامه.
  • في رمضان من السنة الثانية، فُرض صيام شهر رمضان مما نسخ فرضية صيام عاشوراء، وأصبح صيامه سنة ونافلة.
  • صام النبي صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات، وكان معظمها تسعة وعشرين يوماً.
  • في بدر كان مع النبي ثلاثمائة واثنا عشر صحابياً، وقد حفظت أسماؤهم جميعاً لأن النبي فضلهم على سائر المسلمين.
  • العشرة المبشرون بالجنة هم أفضل الصحابة، وكان المسلمون يتوسلون بأهل بدر في دعائهم إلى الله، وكانوا ينظمون قصائد تضم أسماءهم.
محتويات الفيديو(20 أقسام)

مقدمة الدرس والوقوف مع الأنوار المحمدية وبناء الأمم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع الأنوار المحمدية نعيش هذه اللحظات، نطلب هدايته ونقف عند فعله وقوله صلى الله عليه وسلم، ونرى كيف كان يبني الأمم سيدنا صلى الله عليه وسلم.

دخول النبي المدينة من قِبَل قباء واستقبال أهلها له

دخل [النبي صلى الله عليه وسلم] المدينة في ربيع الأول من السنة الأولى التي أسميناها بالهجرة، فكانت هذه هي السنة الأولى. وفي السنة الأولى كان صلى الله عليه وسلم يستطلع ما حوله؛ لما دخل المدينة من قِبَل قباء دخلها من الجنوب.

وفي مرة من المرات كان على سفر فدخلها من ثنية الوداع، فاستقبله أهل المدينة:

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، ووجب الشكر علينا ما دعا لله داعٍ، أيها المبعوث فينا، جئت بالأمر المطاع، جئت شرفت المدينة، مرحبًا يا خير داعٍ.

التحقيق في أن نشيد ثنيات الوداع لم يكن في الهجرة بل في رحلة أخرى

والمسلمون يذكرونها [أي هذه الأنشودة] في الهجرة، وهي في الحقيقة كانت في ثنيات الوداع. وثنيات الوداع ليست في الجنوب من المدينة؛ فقد دخل [النبي صلى الله عليه وسلم] من قِبَل قباء من مضارب عمرو بن عوف، وليس من ثنيات الوداع.

ولذلك ثنيات الوداع هذه كانت في رحلة أخرى لم تُذكر، فوضعوها مكان الهجرة: "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع".

فالنبي صلى الله عليه وسلم كانت له رحلات أيضًا يذهب إلى هناك، وذلك من أجل أن يعقد المعاهدات مع قبيلة جهينة ومع قبيلة مدلج وغيرها، فكانت له سفريات أخرى غير الدخول [الأول إلى المدينة].

صيام النبي يوم عاشوراء بعد رؤية اليهود يصومونه

فكان [النبي صلى الله عليه وسلم] عندما دخل في مرة من المرات وجد اليهود يصومون في يوم العاشر، في أول تشري، الذي كان العاشر من المحرم الذي هو عاشوراء.

فقال: ما هذا؟ يعني ما هذا الشأن؟ قالوا: هذا يوم نجّى الله فيه موسى. قال:

«نحن أولى بموسى منكم»

فصامه وأمر أصحابه بصيامه، وصاموه على سبيل الفرض.

نزول فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة

وبعد ذلك، ويبدو أن هذا [صيام عاشوراء فرضًا] كان في محرم في السنة الثانية. جاء رمضان في السنة الثانية وأنزل الله فيه فرض الصيام، وأنزل الله فيه كيفية التعامل مع هذا الفرض:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ﴾ [البقرة: 185]

إذن فُرِضَ رمضان في هذه السنة.

عدد رمضانات النبي وأغلبها كانت تسعة وعشرين يوماً

وعندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم الهلال، كان يرى في التاسع والعشرين من شعبان الرؤيا، فهو صام فرضًا: اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية وتسعة وعشرة، صام تسع سنوات قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى، يعني تسع رمضانات.

وورد أن أغلب التسعة صامها ناقصة، يعني سبعة أو ستة من التسعة كانوا تسعة وعشرين يومًا رمضان، وأنه مرتين أو ربما ثلاثة على الأكثر صامهم كاملة.

لكن أغلب رمضانات التي صامها النبي عليه الصلاة والسلام، التي هي التسع سنين هذه من اثنين إلى عشرة، تسع سنين كانت ناقصة أي تسعة وعشرين يومًا.

طبيعة السنة القمرية ودورتها المثمنة كل ثماني سنوات

الخلق هكذا يعني، هذا شيء خاص بربنا؛ لأن السنة الهجرية هذه أو السنة القمرية إما أن تكون:

  • ثلاثمائة وواحد وخمسين يومًا،
  • ثلاثمائة وثلاثة وخمسين يومًا،
  • أو ثلاثمائة وأربعة وخمسين يومًا،
  • أو ثلاثمائة خمسة وخمسين يومًا.

تختلف، ولها دورة مثمنة كل ثماني سنوات تأتي دورة هكذا وتدور. يعني خمسة وخمسين يومًا أو أربعة وخمسين أو ثلاثة وخمسين؛ ثلاثة وخمسين تأتي مرة واحدة في كل ثماني سنوات.

فإذا كان [النبي صلى الله عليه وسلم] يصوم رمضان، صام رمضان على هذه الهيئة.

نسخ فرض عاشوراء بفرض رمضان وتحوله إلى سنة ونافلة

لما جاءه رمضان من السنة الثانية بدأ هنا حيث بدأ المسلمون بالصيام، فنُسخ فرض عاشوراء. يعني عندما فُرض عليهم في محرم من السنة الثانية أن يصوموا عاشوراء صاموه فرضًا، أي لا يمكن لأحد أن يتركه.

جاء رمضان فنسخه، ثم جاء محرم سنة ثلاث فأصبح صوم عاشوراء نافلة وسُنَّة، وكانت الصحابة حريصة عليه.

فضل التوسعة على العيال يوم عاشوراء وتجربة ابن المبارك

فورد أن قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«من وسَّع على عياله يوم عاشوراء، وسَّع الله عليه سائر سنته»

فكان الناس يحتفلون بعاشوراء. وقال ابن المبارك: جربناه ستين سنة فكان صحيحًا.

جربناه كيف؟ أي وسَّع على العيال في يوم عاشوراء فتوسعت عليه، ثم جاء في سنة ونسي، نسي أن يُوسِّع، فضاقت عليه. التجربة هكذا أنه في السنة القادمة قال: لا، سنوسع الآن لكي يوسع الله علينا.

والتوسعة من غير إسراف؛ كان المصريون يصنعون حلوى تسمى عاشوراء مثل المهلبية تقريبًا لكي يوزعوا هذه التوسعة.

مظاهر التوسعة يوم عاشوراء وتذكر أيام الله

أو مثلًا تقول للفلاحة: أنت لماذا تحتفظي بذكر البط هذا؟ فتقول لك: لأجل الموسم لذبحه في يوم عاشوراء، توسعة للأطفال ليأكلوا البط في هذا اليوم وأشياء حلوة كهذه، نتذكر فيها أيام الله، وذكرهم بأيام الله.

فالنبي عليه الصلاة والسلام في محرم من السنة الثانية أمرهم بعاشوراء، ونزل فرض الصيام في رمضان في السنة الثانية، وهي السنة التي حاربوا فيها في بدر. نرى الذي حدث استعدادًا في أرض بدر بعد الفاصل.

وصول النبي إلى بدر وموقعها وقبور الشهداء فيها

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

في بدر عندما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الموضع جنوب المدينة بمائة وستين كيلومترًا، وهو الآن مدينة يعيش فيها الناس، وقبور أهل بدر موجودة بارزة مشهورة حفظها الله.

وهم الشهداء الذين استشهدوا في بدر، وأهل بدر كانوا ثلاثمائة واثني عشر مع سيدنا الرسول، وقد ذكرنا خلافات في العدد في حلقات ماضية.

مراتب التفضيل عند المسلمين والعشرة المبشرون بالجنة

حُفِظَتْ أسماء هؤلاء [أهل بدر]؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فضَّلهم على سائر المسلمين. وأصبحت مراتب التفضيل: العشرة المبشَّرون بالجنة، هؤلاء سادة العالم وسادة المسلمين وهم الذين في المرتبة العليا.

وذلك أن النبي كان معهم، قيل كانوا عشرة وهو الحادي عشر، وقيل كانوا تسعة وهو عاشرهم. فاهتز جبل أحد هزة أرضية، فقال:

«اثبت أحد، فإن عليك نبي وصديق وشهيد»

من الذين عليك [أي من هؤلاء العشرة]. والنبي صلى الله عليه وسلم تكلم عن عشرة هم مبشرون بالجنة.

تبشير السيدة خديجة بالجنة وأدب رد السلام المأخوذ منها

يعني هؤلاء [العشرة المبشرون بالجنة] غير بعض المبشرين الآخرين؛ بشّر خديجة بالجنة وقال:

«إن جبريل يرسل إليكِ سلام ربك ويقول: بشرها ببيت من قصب في الجنة، من قصب لا وصب فيه ولا صخب»

ليس فيه تعب وليس فيه ضوضاء. فقالت: عليك وعليه السلام، عليك وعلى جبريل عليه السلام.

وأخذ المسلمون منه [من هذا الموقف] أنه إذا أتاك شخص وقال لك: فلان يُسلّم عليك، تقوم وتقول له: عليك وعليه السلام. من أين أخذوا هذا؟ من كلام السيدة خديجة عليها السلام.

أسماء العشرة المبشرين بالجنة وترتيبهم في الخلافة

فالنبي عليه الصلاة والسلام، الثلاثمائة وثلاثة عشر هؤلاء هم القمم.

وأهمهم ماذا؟ العشرة المبشرون بالجنة، منهم:

  1. سيدنا أبو بكر،
  2. سيدنا عمر،
  3. سيدنا عثمان،
  4. سيدنا علي.

والنبي بشرهم، لكنهم أيضًا الذين تولوا الخلافة بهذا الترتيب.

ومنهم عبد الرحمن بن عوف، ومنهم سعد بن أبي وقاص، ومنهم أبو عبيدة بن الجراح، ومنهم الزبير بن العوام، ومنهم طلحة، ومنهم سعيد [بن زيد]. فهؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة.

المبشرون بالجنة غير العشرة وقصة عكاشة والحسن والحسين وفاطمة

وهناك أشخاص آخرون مبشرون بالجنة؛ السيدة خديجة منهم. عكاشة قال: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة. قال:

«إنك من أهل الجنة»

فشخص آخر يحب طبعًا ألا يترك الفرصة، قال: وأنا يا رسول الله؟ قال:

«سبقك بها عكاشة»

لن نجلس ونقول: وأنا وأنا، لا، سبقك بها؛ يعني فضل الله يؤتيه من يشاء، والحمد لله.

وبشر النبي صلى الله عليه وسلم بشر الحسن والحسين بأنهم من أهل الجنة، بشر السيدة فاطمة بأنها من أهل الجنة، وهكذا.

إذن، فالمبشرون بالجنة غير العشرة كثيرون، ولكن العشرة هم أهمهم.

قصيدة جالية الكدر وذكر أسماء أهل بدر والتوسل بالصالحين

من ضمن المبشرين بالجنة أهل بدر الثلاثمائة والاثني عشر. وكان دأب المسلمين عبر التاريخ أنهم ينظمون قصيدة ويأتون فيها أسماء الثلاثمائة واثني عشر ويسمونها "جالية الكدر".

وعندما يكون هناك دعاء نريد أن ندعو به إلى الله سبحانه وتعالى ونتوسل بالصالحين، وهل هناك صالحون أكثر من ذلك من هؤلاء الذين حموا الإسلام ونشروا الدعوة وصدوا الشرك وأهله ونصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعزروه؟

نأتي بالقصيدة ونتلوها ثم ندعو: يا ربِّ بحقِّ هؤلاءِ وما أكرمتَهم وما إلى آخره، يا ربِّ نتوسلُ إليك.

الرد على من يزعم أن التوسل بالصالحين شرك وبيان بطلان ذلك

ولذلك الناسُ المسكينةُ الذين يقولون لكَ إنَّ التوسلَ شركٌ، يعني اتَّهمونا بالشرك بثلاثمائةٍ واثني عشرَ! كلامٌ لا علاقةَ له بالواقع، كلامٌ كذب. هذا ليس شركًا ولا شيء؛ فنحنُ عند ذكرِ الصالحين تتنزَّلُ الرحمات، فنحنُ نتوسلُ إلى الله سبحانه وتعالى.

يقول لك التوسل شرك؟ كيف يكون شركًا إذا كان ثابتًا في الكتاب والسنة؟

فنحن إذن أمام هجمة شرسة على ما فهمه المسلمون من الإسلام، يريدون تغييره وفقًا لأهوائهم هم، على رأيهم. لن يعرفوا لأنهم ليسوا علماء وليسوا أتقياء، الحمد لله، لا علم ولا تقوى لديهم.

فيصبح إذن ماذا سيتبقى؟ ظاهر هكذا فقط، الحمد لله.

نظم أسماء أهل بدر في قصائد ولوحات كحضارة إسلامية للتوسل

المسلمون كانوا على غير ذلك [أي على غير هذا الفهم المغلوط]، وقاموا بذكر الثلاثمائة واثني عشر بأسمائهم. فعندما وجدوها أسماء هكذا متتابعة، نقول: سيدنا أبو بكر الصديق وسيدنا عمر بن الخطاب وسيدنا عثمان بن عفان وسيدنا علي بن أبي طالب وسيدنا الحارث وسيدنا فلان وسيدنا كذا.

حسنًا، بعد ذلك هم نظموها قصيدة لكي تكون سهلة ولكي يحفظها الأولاد، وصنعوا منها لوحات لكي يعلقوها. ثقافة، حضارة، حوّلوا هذه المعاني إلى حضارة، ولكي يتوسلوا إلى الله سبحانه وتعالى بأفعال هؤلاء الصالحين.

حديث الغار في البخاري والتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة

سيدنا النبي علّمنا أن ثلاثة أشخاص دخلوا غارًا، واسمه حديث الغار في البخاري. فلما دخلوا غارًا فوقعت صخرة عظيمة سدّت الغار، فأصبحوا في ورطة وهم داخل الغار، وأوشكوا على الهلاك، فتوسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة.

فقال الأول:

«يا رب، إني كان عندي أجير فلم يأخذ أجرته، وعندما لم يأخذ أجرته، أخذت أجرته واستثمرتها له»

فجاء [الأجير] فوجد قطيعًا كبيرًا من الغنم والبقر نتيجة لذلك بعد عشر أو عشرين سنة. فقال له: أنا كان لي عندك خمسة وعشرون قرشًا. قال له: نعم، واستثمرتها لك وأصبحت هذا المبلغ. قال له: والله دعك، لا تسخر مني، أعطني الخمسة والعشرين قرشًا وأنا سأذهب. فقال له: والله أبدًا، كل هذا لك. فأخذه ومشى، فانفرجت الصخرة.

تتمة حديث الغار والتوسل بأعمال أهل بدر والخاتمة

فلما انفرجت الصخرة، لم يستطع أحد منهم الخروج، لم يخرج. الثاني متوسلًا والثالث متوسلًا فبدأت [الصخرة تنفرج]؛ الثاني توسل والثالث توسل، فكل واحد استفاد بفعل أخيه. فيصبح كل واحد مستفيدًا بفعل أخيه.

فاللهم يا رب، لأجل هؤلاء الناس الذين فعلوا في بدر كذا وكذا، اغفر لنا. نعم، هذا ينفع وهو من حديث البخاري.

وهكذا [نختم هذه الحلقة]، تشويش وتخليط [من أهل البدع في مسألة التوسل]. إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.