السيرة النبوية - الحلقة الخامسة والعشرون - السيرة, سيدنا محمد

السيرة النبوية - الحلقة الخامسة والعشرون

21 دقيقة
  • قررت قريش مقاطعة بني هاشم وبني المطلب بعد رفض أبي طالب تسليم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليقتلوه.
  • كتب بغيض بن عامر صحيفة المقاطعة، فدعا عليه النبي فشُلت يده.
  • تضمنت الصحيفة منع التعامل مع بني هاشم وبني المطلب حتى يسلموا محمداً للقتل، وعُلقت في جوف الكعبة.
  • استمرت المقاطعة ثلاث سنوات، عانى المسلمون خلالها من الجوع حتى اضطروا لأكل الجلود وورق الشجر.
  • كان بعض المشركين من ذوي المروءة كحكيم بن حزام وأبي البختري يسربون الطعام سراً للمحاصرين.
  • قرر هشام بن عمرو وآخرون إنهاء المقاطعة، فجمعوا خمسة أشخاص وأثاروا الرأي العام ضدها.
  • أخبر النبي عمه أبا طالب أن الأرضة أكلت الصحيفة إلا "بسمك اللهم"، فتحدى أبو طالب قريشاً بفتحها.
  • وجدوا الصحيفة كما أخبر النبي، فانتهت المقاطعة.
  • لم يستخدم المسلمون في تاريخهم التجويع كوسيلة للعقاب أو الضغط، بل كانوا يحسنون للأسرى.
محتويات الفيديو(33 أقسام)

مقدمة الدرس والوقوف عند أحداث السنة السابعة من النبوة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

نعيش هذه اللحظات مع سيدنا صلى الله عليه وسلم وأنواره، وكنا قد وقفنا عند السنة السابعة بعد يأس المشركين من أبي طالب، وإرادتهم أن يُسلِم النبي صلى الله عليه وسلم لهم ليقتلوه، فأبى.

تجمع بني هاشم وبني المطلب لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم

فجمع بنو هاشم وبنو المطلب وناصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلمهم وكافرهم، ووقفوا معه؛ لأنها عار عند العرب أن يتركوا ابنهم وهو من أحسابهم وأنسابهم ومن عِلية القوم فيهم يُقتل.

فقررت قريش قرارًا عجيبًا وهو المقاطعة، وجاؤوا بشخص كان يُسمى على الصحيح بغيض بن عامر، فكتب هذه الصحيفة الظالمة الفاجرة.

دعاء النبي على بغيض بن عامر كاتب الصحيفة وشلل يده

وبغيض [بن عامر] دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشُلَّت يده، اليد التي كتبت هذه الصحيفة البغضاء.

والعجب العجاب أن اسمه بغيض، والده سماه بغيضًا! يعني كان الله سبحانه وتعالى ينصر نبيه بالغيب. فمن الذي سماه بغيضًا؟ والده، ولكن عندما ظهر، تبين أن هذا الولد بغيض هو الذي كتب [الصحيفة]، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستُجيب له على حاله.

استجابة دعاء النبي على المشركين الذين آذوه عند الكعبة

كان [النبي صلى الله عليه وسلم] دائمًا إذا دعا فإنه يُستجاب له. دعا على مجموعة كما قال عبد الله بن مسعود عند الكعبة عند إيذائه والسخرية منه ومن دينه، فدعا عليهم.

فقال [ابن مسعود]: والله لقد رأيتهم كلهم صرعى في بدر. كان منهم أبو جهل، وكان منهم الوليد بن عتبة، وكان منهم عتبة أبوه عتبة بن ربيعة، وعمه شيبة بن ربيعة، وكان منهم ممن دعا عليهم أمية بن خلف وأُبيّ بن خلف.

مقتل أُبيّ بن خلف من جرح بسيط بسبب دعاء النبي عليه

وأصيب أُبيّ بن خلف بخدش بسيط في غزوة أحد، فمات من جرح بسيط كان من الممكن أن يلتئم، فمات منه وقال: قتلني محمد! سألوه: كيف؟ قال: قال [لي]: سأقتلك، هكذا فقط [بالدعاء عليه].

أسرة أبي لهب وإيذاؤهم للنبي ومقتل عتبة بن أبي لهب بدعائه

ومنهم عتبة ابن أبي لهب، ومنهم عتيبة ابن أبي لهب، وكانوا هو وأبو لهب وأمه أم جميل أروى وعتبة وعتيبة وأبو لهب وأمهم أسرة ما يعلم بها إلا ربنا، وآذوا رسول الله كثيرًا.

وعتبة هذا قُتل في الشام وهاج عليه أسد، فقال: قتلني محمد وهو بمكة، من الدعاء عليه.

تحذير زوجة أمية بن خلف له من دعاء النبي قبل غزوة بدر

وعندما أراد أمية بن خلف أن يخرج، ضغط عليه أبو جهل ليخرج معهم في غزوة بدر، فقالت له زوجته: أنسيت دعاء أخيك اليثربي؟ أليس الرجل الذي من يثرب [يعني النبي صلى الله عليه وسلم] دعا عليك؟ ومع ذلك تخرج؟

فقال: أعددت لها، فأحضر ناقة سريعة للهروب حتى إذا اشتدت المعركة يهرب عليها، فلم تنفعه ومات فيها.

تأييد الله لنبيه باستجابة دعائه على كل ظالم

فيها تأييد [من الله لنبيه]، يعني هو هذا تأييد، فما دعا على أحد إلا واستُجيب له فيه؛ لأنه [المدعو عليه] كان ظالمًا، نعم.

بنود صحيفة المقاطعة الظالمة ضد بني هاشم وبني المطلب

فبغيض هذا كتب الصحيفة وذكر فيها أننا لا نتزوج ولا نشتري ولا نبيع ولا نتكلم ولا نجاور ولا نُسلِّم ونحن سائرون على أحد من بني هاشم ولا بني المطلب حتى يُسلموا محمدًا للقتل.

إذا أردتم فك الحصار [فسلّموه]، كل بني هاشم وبني المطلب دخلوا الشِّعب وعانوا بأولادهم ونسائهم جميعًا، ما عدا أبا لهب فقد وقف مع المقاطعة ومع قريش.

تعليق الصحيفة في جوف الكعبة وتسريب بعض الناس للطعام سراً

وقد علقوا هذه الصحيفة في جوف الكعبة، وجوف الكعبة يعني أنه ليس فيها طيور في الداخل، فهي مغلقة مثل خزانة حفظ، انتبه جيدًا.

حسنًا، وكانوا هم يغسلون الكعبة ويهتمون بها ويعظمون شأنها، ليس أي بيت عادي هكذا. فالحاصل أنه في هذه السنوات السبع، بعض الناس من الشهامة كانوا يأخذون قمحًا، يأخذون ماءً، يأخذون دقيقًا، ويذهبون به إلى الشِّعب لكي يعطوه ليلًا.

حكيم بن حزام ابن أخي خديجة يسرب الطعام لبني هاشم سراً

من ضمنهم حكيم بن حزام. حكيم بن حزام هذا هو تكون عمته السيدة خديجة، فهي خديجة بنت خويلد، وهو حكيم بن حزام بن خويلد، أي أن السيدة خديجة عمته بالتأكيد، يعني أنها أخت أبيه.

فكان يتصرف سرًا وهو ليس مسلمًا في ذلك الوقت. فكان حكيم يمشي ليلًا ويذهب ليعطي القمح لعمته.

أبو جهل يكتشف حكيم بن حزام وأبو البختري يدافع عنه

اكتشفهم مَن؟ أبو جهل. كان أبو جهل مترصدًا ويريد أن يضيق عليهم المسالك، فاكتشفه ومشى وراءه وقال له: تعال هنا، أنت تخالف القانون! هذه الصحيفة أصبحت قانون المشركين، تعال الآن لنفضحك ونوقع عليك العقاب وسأحولك [إلى المحاكمة].

فتعرض له أبو البختري بن هشام، وكان عطوفًا على المسلمين أيضًا. هذا أبو البختري لم يسلم، فقد مات مشركًا، لكن كانت لديه شهامة.

حوار أبي البختري مع أبي جهل حول دين حكيم لخديجة

قال له [أبو البختري]: ألا تستحي يا أبا جهل؟ إن هذا دين لخديجة عليه. قال له: إذا كان دينًا، فلا بأس، ماذا سيفعل بدين؟ هل سترد الدين أم ستأخذ الدين حتى تعيرك العرب؟

قال [أبو جهل]: نرده. قال له [أبو البختري]: حسنًا، دعه، إن هذا دين لخديجة عليه، فماذا يفعل؟ فتركه واستحى.

المشرك قد يكون صاحب مبادئ وشهامة كما في حديث خياركم في الجاهلية

الله! هل المشرك يستحي؟ نعم، عنده مبادئ أيضًا.

قال رسول الله ﷺ: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا»

يعني هو المشرك بين يوم وليلة يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، لكنه كان صاحب مبادئ يسير عليها.

رأفة بعض المشركين بالمسلمين وتسريبهم الطعام ورفضهم للمقاطعة

فحكيم بن حزام وأبو البختري وغيرهم كانت لديهم رأفة بالمسلمين، وكانوا يسربون لهم الطعام على سبيل التهريب.

وكانوا يرون أن المقاطعة ظلم وأنها ضد الإنسانية وضد المبادئ السامية وضد الشهامة وضد القرابة وصلة الرحم. يبدو الأمر هكذا، ليس هكذا يكون العقاب.

محاولات أبي لهب لمنع وصول الطعام إلى المحاصرين في الشعب

لما فعلوا بسيدنا صلى الله عليه وسلم، ووقف معه أناس كانوا يخرجون إلى مكة قبل دخول القوافل حتى يشتروا ويبيعوا.

أبو لهب انتبه إلى أنهم يتسرب إليهم أشياء من الخارج، فهرع ليشتري بأعلى الأسعار أو ليمنعهم من الخروج أو يمنع القوافل من البيع. ما هذا؟ إنه حقد شديد! لكن كل هذا دفاعًا عن المصالح وعما كان عليه المشركون.

معاناة المسلمين الشديدة في الشعب من أكل الجلود وورق الشجر

اضطر المسلمون أن يأكلوا الجلود؛ إذا أحضرها لهم أحد شاة فيذبحونها يأكلون اللحم ويأكلون الجلد أيضًا، واضطروا أن يأكلوا ورق الشجر.

وكان كثيرًا ما يبكي الصبيان وهم يحضرون لهم قليلًا من الماء ويضعون فيه ورق الشجر ويقولون [لهم اشربوا] حتى ينام الأطفال. تعبوا ثلاث سنوات وهم يحاربونهم بهذه الطريقة القذرة.

المسلمون لم يستخدموا التجويع سلاحاً ضد أحد في تاريخهم

لم يفعل المسلمون هذا بأحد في العالمين. انظر إذن الفرق، إذن وبعد الفاصل نتحدث كيف كان هذا.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ذكرنا مقاطعة المشركين عن طريق التضييق على السلع الأساسية من مأكل ومشرب وملبس على المسلمين في الصحيفة الملعونة القاطعة الظالمة.

المسلمون لم يمنعوا الطعام عقوبةً حتى في الحروب الصليبية

وقلنا إن المسلمين لم يفعلوا هذا بأحد في العالمين، ولم يجعلوا منع الطعام ولا الحاجات الأساسية نوعًا من العقوبة. ما من عقوبة عندنا تُسمى حرمانًا من الطعام، لا يوجد هذا.

حتى إن الحروب الصليبية امتدت مائتي سنة، لم يقطع المسلمون خط طريق الحرير الذي ينقل البضائع من الهند ومن الصين إلى أوروبا، وكانوا يستطيعون، كانوا يقدرون يقطعون الطريق.

موقف الإسلام من التفريق بين الشعوب والحكومات في الحروب

ولكن قال لك الله: ماذا علاقة الشعوب بالحكومات؟ الحكومة حركت الجيش لاحتلالي، ما ذنب الشعب الذي هناك حتى أقتله من الجوع؟

فكانت هذه يعني ومضة مضيئة في تاريخ المسلمين وفي فهمهم وفي عمقهم وفي إنسانيتهم. كثير من الناس لا يقولون هذا الكلام ولا يعرفونه. لقد حمينا أوروبا حتى وهم يحتلوننا، ونحن لدينا الإنسانية العارمة، وبعد ذلك يشوهون صورتنا وصورة تاريخنا.

شهادة التاريخ بأن المسلمين لم يستعملوا التجويع وسيلة ضغط أو عقوبة

لم يستعمل المسلمون أبدًا التجويع كوسيلة من وسائل الضغط ولا كوسيلة من وسائل العقوبة، وشهد تاريخهم بذلك، لا أثناء دخولهم البلاد المفتوحة ولا أثناء الحرب.

﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]

ما هو الأسير؟ [هو عدو] ضدي وكافر وكل شيء، في أمان الله ولكنه يأكل ويشرب ويتعالج وكذا. ما هذا؟ هذا بنص القرآن.

فهم المسلمين الصحيح لدينهم في معاملة الكافر والتشويش المعاصر

ولذلك كان المسلمون يفهمون دينهم فهمًا سديدًا صحيحًا. أما الآن فهناك تشويش، يقول لك: أليس كافرًا؟ نعم، أنا أعرف أنه كافر، لكن أنت تعامله معاملة الكافر أم تعامله معاملة المسلم؟ هذه هي القضية.

ولذلك نقول إننا في نور النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه تصرف هكذا، لأنه هو الذي وقع عليه الظلم لكنه لم يظلم. فإذا وقع على الإنسان ظلم فلا ينبغي أن يصبح ظالمًا، هذا غير مقبول.

معاناة بني هاشم ثلاث سنوات ومجيء هشام بن عمرو لنقض الصحيفة

وقد كتب بغيض وثيقة المقاطعة وعلقها، وظلت ثلاث سنوات عانى فيها بنو هاشم وبنو المطلب، مسلمهم وكافرهم، العناء الشديد، لكنهم كانوا رجالًا.

جئنا ووصلنا إلى محرم سنة عشرة من النبوة من الوحي، فجاء واحد اسمه هشام بن عمرو، وكان أيضًا من الناس الذين يسربون البضائع هكذا ليأكلوا. لكن طبعًا بنو هاشم وبنو المطلب كثيرون، لا يكفيهم كيس قمح ولا كيسان.

هشام بن عمرو يتألم لحال المحاصرين ويسعى لإيجاد حلفاء لنقض الصحيفة

فجلس هشام هكذا وقال: يا ربي أنا آكل وهؤلاء الناس محرومون، وأنا آكل وهؤلاء الناس عراة، وأنا آكل وهؤلاء الناس في ضيق وضنك، والله إنه لظلم!

وذهب إلى شخص آخر يحدثه اسمه زهير، قال له: يا زهير، أيعجبك هذا الذي يحدث في أبناء أخوالك؟ قال: وماذا أصنع وأنا رجل وحيد؟ قال: فإذا وجدت ثانيًا؟ قال: إذا وجدت ثانيًا قمت فنقضتها.

تجميع خمسة رجال من قريش للمطالبة بنقض صحيفة المقاطعة

قال له [هشام]: قد وجدتُ ثانيًا. قال له: مَن؟ قال له: أنا. قال له: ابحث عن ثالث، ابحث لنا عن شخص ثالث لكي نصبح جماعة، فأقل الجماعة ثلاثة، فلنكن ثلاثة.

قال له: حسنًا. فذهبوا إلى أبي البختري: يا أبا البختري، أيرضيك هذا؟ قال: لا، ولم يرضني هذا قط، وأنا ما كنت [إلا مدافعًا عن] حكيم بن حزام عندما كان يحمل شيئًا لعمته، وقفت له، وقلت له: لا، بل تدخل هذه الأشياء، ونهيت أبا جهل.

انضمام المطعم بن عدي وشخص خامس لمجموعة نقض الصحيفة

قال له [أبو البختري]: نحن معك. فقال له: كيف تكونون معي؟ من أنتم؟ قال له: أنا هشام وهذا زهير، وكن معنا الآن. فقال: لكن أحضروا لنا شخصًا رابعًا حتى تكون المسألة مربعة، أي تكون [قوية].

نجد لك رابعًا. فذهبوا إلى المطعم ابن عدي، وكان مسنًا. المطعم ابن عدي في هذا الوقت كان عنده - لأنه مات قبل بدر، فهكذا قبل أربع سنوات - كان عمره اثنين وتسعين سنة في هذه السنة.

بعض المشركين لم يسلموا لكنهم ناصروا النبي بعطفهم ورحمتهم

المطعم بن عدي لم يُسلم، وأبو البختري لم يُسلم. الذي أسلم هشام وزهير بن أمية، لكن هذا أبو البختري والمطعم بن عدي لم يسلموا، ماتوا على الشرك.

إنما كانوا يتمتعون بعطف ورحمة ونصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمطعم قال له: حسنًا، أما ترى لنا خامسًا ونأخذه؟ انتبه، ذهبوا وأحضروا شخصًا خامسًا.

زهير يتحدث عند الكعبة مطالباً بنقض الصحيفة وأبو جهل يعارض

وقال لهم زهير: أنا فصيح بعض الشيء وناصح في الكلام، دعوني أبدأ أنا. فقالوا له: حسنًا.

فذهب إلى الكعبة، وقام زهير وتحدث بأن هذا ظلم وهذه قطيعة رحم، وما كنا نرضى بذلك. فقال له أبو جهل: كذبت، نحن نأخذ الرأي والمشورة وكل شيء، كيف تقول الذي أنت تقول له ذلك؟

تأييد المطعم وهشام وأبي البختري لزهير واتهام أبي جهل بالتآمر الليلي

ردَّ عليه المطعم وقال له: بل أنت الكاذب، هو عنده حق. فقال هشام: نعم، هو عنده حق. فقال أبو البختري: صحيح والله.

ما هي واضحة الحكاية! والله هذا أمر رُتِّب في الليل! أنتم ماذا تفعلون؟ متفقون علينا في الليل هناك، هذا يقول وذاك يقول، ويوزعون [الأدوار]، يقوموا بصناعة رأي عام، وهذا الرأي العام مهم وضاغط على الناس.

أبو طالب يخبر قريشاً بوحي النبي عن أكل الأرضة للصحيفة

أبو طالب في ذلك الوقت كان [موقفه] معجزة للنبي. كان النبي قد قال له بالأمس: على فكرة، الصحيفة لا وجود لها. فقالوا: كيف؟ إنها داخل الكعبة ومقفل عليها.

قال: حسنًا، لقد أكلتها الأرضة إلا "باسمك اللهم"، هذه فقط هي الموجودة. قال له [أبو طالب]: يا محمد لا تفعل هكذا، فهذه خطيئة [إن لم تصدق]. قال له: أقول لك هكذا يا عم، الذي حصل هكذا، ربنا أوحى إلي بذلك. قال له: أهذا وحي؟ قال له: نعم.

أبو طالب يجلس بعيداً يراقب ثم يتحدى قريشاً بفتح الصحيفة

كأن أبا طالب في قلبه من الداخل يصدق سيدنا النبي والوحي صلى الله عليه وسلم. فذهب أبو طالب وجلس صامتًا بعيدًا هكذا، لم يشترك مع أي من أحداث وإنشاء الرأي العام الذي صنعه هشام وأبو البختري والمطعم وزهير بن أمية وغيرهم إلى آخره.

لا، لم يفعل هكذا، بل جلس بعيدًا هو يراقب الأمر. فلما رأى الناس كلها لديها توجه [لنقض الصحيفة]، قال لهم: تعالوا انتظروا.

أبو طالب يعرض على أبي جهل فتح الصحيفة للتحقق من صدق الوحي

تعال يا أبا جهل، أنت تقول عليهم كاذبون وهم يقولون عليك كاذبًا، أنا أريد أن ننهي هذه القصة. قال له: كيف؟

قال له: ابن أخي أخبرني أن الصحيفة ستفتحونها ولن تجدوها. قال: أين ذهبت؟ قال: أكلتها الأرضة ولم يبق منها إلا "باسمك اللهم". فإن صدق فذاك، وإن كذب فخذوه واقتلوه.

إيمان أبي طالب القلبي بالنبي وفتح الصحيفة وتصديق الوحي

إذن ماذا يكون هذا؟ آه، هذا هو، هذا مؤمن هكذا، نعم، هذا أبو طالب، إنه مؤمن نعم. وما كان ليُسلم ابن أخيه أبدًا، ولكن الله يقول له، الله هو الذي يقول، هذا وحي.

إذا صدق الوحي انتهى الأمر، وإذا لم يصدق خذوه واقتلوه، دعوها ننتهِ.

ففتحوا فوجدوا الصحيفة على ما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهت [المقاطعة] وكبّر المؤمنون.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.