السيرة النبوية - الحلقة الخمسون
- •تروي القصة أحداث غزوة بدر حيث ذهب النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر لاستطلاع المنطقة، واستدل من علف بعير على قرب قريش، مما يبرز أهمية العلم والمعرفة.
- •استخدم النبي التورية عند سؤال الأعرابي له عن هويته فقال: "أنا من ماء"، مبيناً أهمية كتمان الأسرار خاصة وقت الحرب.
- •تم القبض على غلام من معسكر قريش، وبدلاً من ضربه للحصول على المعلومات، استخدم النبي الذكاء فسأله عن عدد الجمال المذبوحة ليستنتج عدد المشركين.
- •كان المسلمون ثلاثمائة واثني عشر رجلاً مقابل قرابة ألف من المشركين، لكنهم تميزوا بالإيمان والموقع الاستراتيجي والماء.
- •قسم النبي الجيش إلى خمسة أقسام (الميمنة والميسرة والمقدمة والقلب والمؤخرة)، وراعى تجميع المتآلفين معاً.
- •دعا النبي ربه في العريش قائلاً: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض"، وانتصر المسلمون بإذن الله.
مقدمة الدرس والعيش مع أنوار السيرة النبوية الشريفة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع سيرة المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم، نعيش مع أنواره الكريمة الشريفة هذه اللحظات، نستهدي هدايته ونتمتع بأنواره صلى الله عليه وسلم.
استطلاع النبي لمنطقة بدر وأهمية العلم الموسوعي في القيادة
من سيرته الشريفة ما حدث يوم بدر؛ عندما نزل النبي صلى الله عليه وسلم في بدر، ذهب يستطلع هو وأبو بكر ما حول المنطقة، ووجد بَعَرًا واستدل به على أن هذا من علف قريش.
وهنا يظهر مدى أهمية العلم، بل والعلم الموسوعي. العلم قوة وسلطة؛ فمن يمتلك العلم والمعلومات هو الأقوى. أدرك [النبي صلى الله عليه وسلم] أن هذا من علف قريش، إذن قريش قريبة هنا لكن لم تظهر بعد.
سؤال النبي للأعرابي وجمع المعلومات الاستخباراتية قبل المعركة
ووجد [النبي صلى الله عليه وسلم] نارًا فعدَّها، وسأل الأعرابي الذي في المنطقة عن أخبارهم: هل كان هنا عدد من الأشخاص؟ كيف كان شكلهم؟ كان كذا إلى آخره، والأعرابي يجيب.
ثم انصرف النبي [صلى الله عليه وسلم]، فقال الأعرابي: سألتني فأجبتك، من أين أنت؟ فالأعرابي يحب الكلام ويحب أن يعرف من أين هذا الشخص وقادم أين؛ لكي أيضًا يقول لغيره.
جواب النبي الذكي للأعرابي بقوله أنا من ماء وحيرة الأعرابي
فقال [النبي صلى الله عليه وسلم]: «أنا من ماء» وانطلق. والأعرابي في ذهول قليلًا هكذا ويقول: والله لا أدري أمن ماء مصر أم من ماء العراق! الماء عنده يعني النهر.
وسيدنا النبي [صلى الله عليه وسلم] قالها على قوله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ [الأنبياء: 30]
يعني أنا من ماء، بهذا المعنى. لكن الأعرابي فهمها أنه [يقصد] النهر. النهر موجود أين؟ في مصر نهر النيل، وفي العراق نهر الفرات. قال: والله لا أدري أمن ماء العراق أم من ماء مصر. لكنه شبّههم هكذا: ليسوا من هنا ولا من هنا، هؤلاء من إخواننا الذين حولنا.
الدرس المستفاد من عدم كذب النبي مع الحفاظ على الأسرار العسكرية
ما هذه القصة؟ يُؤخذ من هذا أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان لا يكذب لكنه كان لا يُفشي الأسرار، وأن ما قد لا يُعَدُّ سرًّا في وقتٍ ما، يُعَدُّ سرًّا في وقت الحرب.
من أنت؟ أنا محمد. ومن هذا؟ أبو بكر. وماذا تفعلون هنا؟ قادمون لنقاتل المشركين. الله! حسنًا، إذن انكشف الحال هكذا. يكفي أن يقول محمد وأبو بكر، انتهى الأمر.
خصوصية زمن الحرب في حفظ الأسرار وحماية الأمن الوطني
فما يُعَدُّ سرًّا في وقت الحرب قد لا يكون سرًّا في غير وقت الحرب. يقول لك: ممنوع الاقتراب والتصوير، حسنًا، في وقت الحرب هكذا، حتى لو صوّرنا، وحتى لو كانت لدي صورة لها قبل الحرب أُخفيها؛ لأن هذا سر وطني.
فالنبي عليه الصلاة والسلام علّمنا أنه ينبغي أن يكون لدينا سر لكي تنجح الأشياء.
مشورة الحباب بن المنذر وبناء العريش للنبي في ساحة بدر
وذكرنا أن بعضهم وهو الحُباب بن المنذر قال له: يا رسول الله، اجعل الماء خلفنا. فجعله [النبي صلى الله عليه وسلم] خلفه.
وذهبوا هناك فوجدوا تلة كبيرة هكذا، فبنوا عليها عريشًا، والعريش يعني شيئًا كالمظلة؛ لكي يُشرف سيدنا صلى الله عليه وسلم على المعركة، [فيرى] الجميع ويرى ما هو قادم من هنا وما هو قادم من هنا وما هو قادم من هنا.
وهذا العريش جلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم بدر، لكنه بُنِيَ له في ساحة المعركة.
القبض على الغلام من جيش قريش وخصوصية أحكام زمن الحرب
هكذا ثلاثمائة واثنا عشر رجلًا يمشون، فوجد [المسلمون] صبيًّا يبلغ من العمر خمسة عشر عامًا أو ستة عشر سنة، يبدو أنه كان من المرافقين لجيش قريش، فقُبِضَ عليه. نعم، هكذا حدث؛ لقد دخل في المنطقة العسكرية، فيجب أن يُقبَض عليه.
ويُقبَض عليه لأننا في زمن حرب، إذن زمن الحرب له خصوصية. ينبغي أن يكون كذلك. الخيانة بئست البطانة، لكنها في زمن الحرب تصل بالعقوبة إلى الإعدام؛ لأنها فيها ضياع للدين والدنيا والمستقبل، ليس الدين والدنيا فقط، بل المستقبل أيضًا.
التحقيق مع الغلام الأسير وموقف النبي من ضربه وتصديقه
قبضوا على هذا الغلام وحققوا معه. قالوا له: كم لديهم من الجنود؟ قال: لا أعرف، لا أعرف كم لديهم. طيب، كم شخصًا هم؟ قال: لا أعرف. فضربه أحدهم على قفاه.
فالنبي عليه [الصلاة] والسلام قال له: لكنّ الولد صادق، إنه لا يعرف طبعًا. إنهم كثيرون، هو جالس يعدّهم؟! لكنه لا يعرف. هو يقول لك لا أعرف، انظر في عينيه، وانظر إن كان صادقًا أم كاذبًا؛ فالعيون تفضح. لا تضربه ولا أي شيء.
ذكاء النبي في استنباط عدد جيش قريش من عدد الجمال المذبوحة
تعال يا حبيبي، هل هم ذبحوا؟ هل يأكلون ويشربون؟ قال: ذبحوا. كم جملًا [ذبحوا]؟ قال له: عشرة. قال [النبي صلى الله عليه وسلم]: القوم بين التسعمائة والألف. عشرة؛ لأنه شدّ العشرة وأخذهم وعدّهم عدّ عشرة، لكنه ليس عادًّا ألفًا، فهو فعلًا لا يعرف.
فيوجد فن للوصول إلى المعلومة، وهو ليس بالضرب ولا بالإهانة ولا بالتعذيب ولا بغير ذلك، إنه بإعمال العقل. اسأل السؤال المناسب إذا كنت قادرًا [على] أنك تستنبط الاستنباط المناسب.
تقدير النبي لعدد جيش قريش والوقوف عند أهمية العلم والذكاء
فقال له [النبي صلى الله عليه وسلم]: كم ذبحتم من جمل يا بني؟ قال له: ذبحنا عشرة. قال: القوم بين تسعمائة إلى ألف، يزيدون أو ينقصون شيئًا بسيطًا، ألف أو ألف وخمسين أو ألف وسبعين، لا يحدث شيء مهم.
فإذن الذكاء والعلم تأخذ من هذا الوقوف عند العلم، وأنّ من يمتلك المعلومات فهو الأقوى.
بعد الفاصل نكمل ما كان من سيدنا [النبي صلى الله عليه وسلم] قبل المعركة.
موازين القوى بين المسلمين والمشركين يوم بدر من حيث العدد والعتاد
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
المسلمون ثلاثمائة واثنا عشر مع سيدنا القائد الأعلى [صلى الله عليه وسلم]، والمشركون أضعاف ذلك ثلاث مرات تقريبًا. وقد يزيد [الفارق]؛ المسلمون معهم فَرَسان، المشركون معهم سبعون فَرَسًا.
القوة عندما يقف واحد لا بد أن يقف أمام اثنين، ولكن هؤلاء ثلاثة. حسنًا، سبعون [فارسًا عند المشركين]، دعنا نجعلهم معنا خمسة وثلاثين، لا، هؤلاء اثنان من الفرسان. إذن إذا كنا نتخيل أولًا قوة غير متوازنة.
مراكز قوة المسلمين يوم بدر من الإيمان والموقع والماء والتدريب
ما هي ميزة المسلمين؟
- أولًا: الإيمان.
- ثانيًا: الموقع؛ فهم قادمون صحيح من مسافة مئة كيلومتر، لكنهم قادمون مرتاحين ومتدربين، لقد جعلوها تدريبًا. والآخرون قادمون من ثلاثمئة كيلومتر متعبون.
- الماء معنا لكنه ليس معهم.
إذن هذه أسباب القوة الظاهرة: هذه بلادنا لكنها ليست بلادهم.
الفرق بين المسلم والمشرك في مفهوم الموت والشهادة في سبيل الله
أنا إذا مت سأدخل الجنة، هو [المشرك] لا يعرف أين سيذهب أصلًا إذا مات؛ لأنه ليس لديه جنة ولا نار. هو يعتقد أنه سيفقد حياته. لماذا سيفقد حياته؟ لا توجد قضية، ليس لها معنى؛ لأن الكرامة والعزة تعني انتحارًا أو ما يشبه الانتحار. أنت تهينني، حسنًا، سأقتل نفسي بشيء كهذا.
أما الثاني [المسلم] فهو يقاتل لكي يدخل الجنة. صاحبنا الثاني هذا [المشرك] لا يتخيل الجنة ولا يتخيل أن هناك نارًا ولا يتخيل أن هناك يوم قيامة، فالموت عنده العدم ليس حياة.
والموت عند صاحبنا هذا [المسلم] حياة:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًا بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]
إذن هم أحياء، هو هنا يبدأ حياة جديدة بهذه المعركة، وهذا لا ينهي الحياة. فإذن المعاني مختلفة، وهذا يختلف كثيرًا جدًّا.
مراكز القوة والضعف عند المسلمين والمشركين في معركة بدر
هذه الوضعية كانت هي مراكز القوة عند المسلمين: الموقع والإيمان هما القضية، والماء إذا صح التعبير.
الآخرون [المشركون] قوتهم في العدد وفي السلاح، وضعفهم في المسافة وفي الغربة، غربة المكان وما إلى ذلك، وفي قلة الماء.
تنظيم الجيش الإسلامي في بدر وتقسيمه إلى خمسة أقسام تسمى الخميس
بدأت المعركة باسم الله. قبل المعركة كان النبي [صلى الله عليه وسلم] في العريش، والجيوش قديمًا كانت خمسة أقسام: الميمنة والميسرة والمقدمة والقلب والمؤخرة. جناحين ووسط، وفي وراء الوسط هذا قلب، وخلف القلب هذا مؤخرة تحمي الجيش من نهايته أو من مؤخرته.
ولذلك كان الجيش يُطلق عليه الخميس. الخميس يعني ماذا؟ يعني الجيش. وسمّوا الجيش الخميس لماذا؟ لأنه مُخمَّس، لأنه خمسة أقسام، خميس.
نظام الألوية والرايات وتوزيع الأقارب معًا لتثبيت القلوب في القتال
كل جزء من الخميس، كل جزء منه له لواء. كان اللواء الخاص [بـ] الجيش كله أبيض، خاصته هكذا هو أبيض، لكن كل واحد يرفع راية خاصة به حتى يعرف أن هؤلاء تابعون له.
النبي عليه الصلاة والسلام كان في الحروب وبدأها في بدر أن يجعل الأصحاب مع بعضهم؛ فيجب أن تُنشئ علاقة إنسانية بين المقاتلين. لا تُحضر المقاتل وهو يقاتل هكذا: لا أعرف زميلي هذا ولا أعرف زميلي هذا. لا، هذا ينظر هنا: والله إني أعرفك، هذا ابن عمي، هذا ابن خالتي، هذا أخي، هذا جاري. فيحدث تثبيت للفؤاد وإننا ندافع عن شيء ليس غريبًا، فنحن نعرف بعضنا.
شعارات الكتائب في جيش بدر ومراقبة النبي من العريش لتنظيم الجيش
وكان [النبي صلى الله عليه وسلم] يجعل لكل جزء من الخميس عنوانًا هكذا أو شعارًا: يا بني عبد الله. من هم بنو عبد الله هؤلاء؟ لا يوجد، هو الشعار هكذا: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الغفور، يا بني وهكذا. شعارات لكل مكان في الجيش، ويجعلهم أقارب بعضهم.
فهو [صلى الله عليه وسلم] في العريش في الأعلى يراقب تخميس الجيش بشكل صحيح. كل مُخمَّس، كل كتيبة هذه يكون لها قائد، القائد واقف في مكانه، والناس نشيطة، وهو يراقب من فوق، ولا يوجد أحد يريد أن يهرب أو يريد أن يجري أبدًا.
عظمة أهل بدر ونزول الملائكة لنصرة المسلمين لاختلال ميزان القوة المادية
ولذلك أهل بدر هؤلاء يعني فعلوا شيئًا عجيبًا جدًّا بإذن الله وبنصرة الله؛ لأنه أمدّهم من عنده بالملائكة تقاتل؛ لأن ميزان القوة المادية مختل.
فنزلت الملائكة نصرةً [للمسلمين]، ما زالت تنزل تنصر المؤمنين.
دعاء النبي في العريش يوم بدر ومعنى كلمة العصابة في اللغة العربية
فسيدنا [صلى الله عليه وسلم] في العريش يراقب الحال، وهو في العريش يراقب الحال أخذ يدعو ربه، وكان من دعائه:
«اللهم إن تُهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض»
كل الأرض كانت على الشرك أو على مشارف الشرك. اللهم إن تُهلك هذه العصابة.
كلمة العصابة معناها مجموعة الناس، العُصبة. القوة في العُصبة معناها مجموعة الناس (العصابة)، وليس معناها كما هو [شائع اليوم]. عصابة يقول لك: تشكيل عصابي، تشكيل عصابي يعني هم مشتركون مع بعضهم، أي في العصابة.
وتُطلق على الأتقياء الأنقياء، وتُطلق على الأشرار أيضًا؛ فلو كان هناك مجموعة من الأشرار دبّروا جريمةً سويًّا، نسميهم عصابة أيضًا. تُطلق على هذا، تُطلق على هذا.
شدة دعاء النبي يوم بدر وتثبيت أبي بكر الصديق له وبدء المعركة وانتصار المسلمين
فقال [النبي صلى الله عليه وسلم]:
«اللهم إن تُهلك هذه العصابة لن تُعبد في الأرض أبدًا»
ورفع يديه حتى ظهر بياض إبطيه، ووقعت العباءة من على كتفه. فقال له أبو بكر [الصديق رضي الله عنه]: يا رسول الله، كفاك مناشدتك لربك؛ فإنه ناصرك. يعني كلام الصديقين: فإنه ناصرك.
وبدأت المعركة، وفاز المسلمون بإذن الله.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
