السيرة النبوية - الحلقة الرابعة والعشرون
- •في السنة السادسة من الهجرة أسلم حمزة وعمر، مما أدى لزيادة معارضة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم.
- •حاول المشركون استمالة النبي بالمال والجاه، ثم حاولوا قتله مرات عدة كمحاولة أبي جهل وعقبة بن أبي معيط.
- •رزق النبي بابنه عبد الله الذي لقب بالطيب والطاهر، ثم توفي فحزنت خديجة، وواساها النبي بأنه في الجنة.
- •جمع أبو طالب بني هاشم وبني المطلب وطالبهم بحماية النبي، فاستجابوا مسلمهم وكافرهم.
- •قرر المشركون محاصرة المسلمين، فكتبوا صحيفة ظالمة علقوها على الكعبة تنص على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب.
- •تضمنت المقاطعة عدم التعامل معهم في البيع والشراء والزواج والمجالسة حتى يسلموا النبي لقتله.
- •استمرت هذه المقاطعة ثلاث سنوات، عانى خلالها المسلمون الجوع والعذاب والتضييق.
- •طمأن النبي أصحابه أن الله سينصره حتى تسير الظعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخاف إلا الله.
مقدمة الدرس والافتتاح بالصلاة والسلام على النبي المصطفى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع أنوار النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته العطرة نعيش هذه اللحظات، عسى أن يجعله ربنا يوم القيامة لنا شفيعًا، وبذكره تتنزل الرحمات.
إسلام حمزة وعمر وتصاعد حراك المشركين ضد النبي في السنة السادسة
في السنة السادسة من الهجرة [أي من البعثة] أسلم حمزة وأسلم عمر، وبدأت حياة جديدة اضطر معها المشركون لأن يزيدوا من حراكهم. فذهبوا إلى أبي طالب ليكفّ عنهم دعوة ابن أخيه صلى الله عليه وسلم، لكنهم رأوا أنه لم يفعل شيئًا.
فذهب عتبة بن ربيعة يعرض عليه [على النبي ﷺ] مباشرة المال والجاه والملك والسلطان، فرفض النبي صلى الله عليه وسلم. وعتبة كان ابنُ أبي حذيفة قد أسلم، وكان في قلبه [أي قلب عتبة] ميلٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن العصبية والجاهلية حرمته [من الإسلام].
الوليد بن المغيرة ومجادلة المشركين للنبي ورفضه المداهنة
والوليد بن المغيرة، وقد أسلم خالد [ابنه] بعد غزوة أحد، وأسلم ابنه الوليد قديمًا - الوليد بن الوليد - ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يجادلونه، ولكنه رفض هذه المداهنة.
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9]
محاولة أبي جهل قتل النبي أثناء سجوده وحماية جبريل له
بعد حادثة من أبي جهل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا، فأراد أن يقتله بحجر، وذهب إلى النبي بالحجر، ثم إنه ألقى الحجر وولّى الفرار.
أبو جهل فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ فقال: لقد رأيت فحل إبل يكاد يلتهمني، ما رأيت أكبر منه قط، وما رأيتُ صلبًا أعظم من صلبه.
فلما أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بما قال أبو جهل، تبسم وقال: هذا جبريل، والله لو قاربني لأخذه [أي لأهلكه].
محاولة عقبة بن أبي معيط خنق النبي وإنقاذ أبي بكر له
سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السنة تعرض لهذا الموقف، وتعرض أيضًا لـعقبة بن أبي معيط في محاولة قتله مرة. ذكرنا أنه هو [الذي] وضع الأوساخ وأحشاء الذبيحة على ظهره، لا، هذه غير هذه.
لقد جاء وهو [النبي ﷺ] ساجد بعباءته ولفها على عنقه وجلس يخنقه، حتى جاءوا إلى أبي بكر وقالوا: أدرك صاحبك! فخرج [أبو بكر] بضفائر أربعة - بضفائر أربعة يعني له أربع ضفائر - يجري ويقول حتى لحق بالنبي ودفع عقبة بن أبي معيط:
﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ﴾ [غافر: 28]
أبو طالب يرصد الأحداث ويحمي النبي من مؤامرات المشركين
من الذي يرصد هذه الأحداث وغيرها؟ أبو طالب، أبو طالب الأب الرحيم الحامي لرسول الله، يرصد هذه الأحداث.
ولادة عبد الله بن النبي وتسميته بالطيب والطاهر لولادته في الإسلام
في هذه السنة أيضًا رُزِقَ النبي [صلى الله عليه وسلم] بعبد الله، وكانت خديجة عليها السلام متشوقة لأن تُرزق بالولد بعد القاسم الذي مات، ولأنه وُلِدَ في الإسلام كذا فسمُّوه الطيب الطاهر.
فكانوا ينادونه بالطيب وبالطاهر، وبعض الكتب ظنت أن عبد الله والطيب والطاهر والقاسم من أبناء النبي [أي أنهم أشخاص مختلفون]، لكنه هو عبد الله كانوا ينادونه بالطيب وينادونه بالطاهر؛ لأنه وُلد في الإسلام، ففرحت أيما فرح عليها السلام.
وفاة عبد الله وحزن خديجة وتعزية النبي لها بأنه في الجنة
ثم مات عبد الله فحزنت السيدة خديجة، ودخل عليها النبي مرة وكان قد جاء لها لبن في صدرها للرضاعة؛ لأنها كانت في فترة الرضاعة والولد توفي منذ أسبوعين أو ثلاثة.
فوجدت لبنًا في صدرها، فلما وجدت لبن الرضاعة بكت وتذكرت ابنها الرضيع، فدخل عليها سيدنا [النبي ﷺ] فوجدها تبكي فقال: ما بكِ يا خديجة؟ قالت: تذكرت عبد الله وأنه لم يستوفِ رضعته، يعني بعض اللبن الذي يرزقنا الله به لنعطيه للطفل لم يكمله.
فقال [النبي ﷺ]: هو في الجنة ترضعه مرضعة هناك، وإن أحببتِ أسمعتكِ صوته عليه السلام. قالت: لا، آمنتُ بالله ورسوله.
إيمان خديجة اليقيني وعدم حاجتها لدليل حسي على صدق النبي
هذا هو الإيمان، والله كأنها تراها [الجنة]، ليست محتاجة أن تسمع الصوت لكي تصدقه. هناك أناس تريد هذا الدين مثل الساحر، يعني حسنًا أسمعني هكذا.
يعني أنا أتخيل بعض الناس لو كانوا في عصرنا هذا لقالوا لسيدنا [النبي ﷺ]: ماذا؟ حسنًا أسمعني هكذا! يعني كأنه ماذا يريد أن يثبت؟ حالة! يريد أن يجمع أرشيفًا، ليس مؤمنًا هكذا بحيث أنه يرى الجنة بعينه، يرى المرضعة، هذه خلاص، النبي قال.
هذا الفرق بيننا وبينهم: اليقين في الإيمان، الوصول إلى هذه المرتبة من التصديق الذي لا يشوبه شك ولا ريب. قال: وإن أحببتِ أسمعتُكِ صوته في الجنة. قالت: لا، آمنتُ بالله والرسول. انظر كيف ربطت هذا بذاك.
أبو طالب يجمع بني هاشم وبني المطلب لحماية النبي من القتل
استشعر أبو طالب من أحداث السنة أن هؤلاء الجماعة يريدون قتل سيدنا النبي؛ أبو جهل والوليد يعمل، وعقبة بن أبي معيط يعمل، وعتبة بن الربيع يعمل، والوليد بن المغيرة يعمل.
فأحس أن هناك أمرًا ما، فجمع بني هاشم وبني المطلب وقال: تعالوا يا أبناء محمد، إذا أُخذ من بيننا فستكون هذه مذلة إلى يوم الدين، وأنا لست موافقًا، وأنا كبيركم لست موافقًا على أن يُؤخذ، هو حر يفعل ما يشاء.
استجابة بني هاشم والمطلب لنداء أبي طالب بحماية النبي مسلمهم وكافرهم
بعد الفاصل نكمل: ماذا أجاب بنو هاشم وبنو المطلب على كبيرهم أبي طالب؟ والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
جمع أبو طالب بني هاشم وهم الأقرب، وبني المطلب أيضًا من بني عبد مناف، وطالبهم بحماية النبي صلى الله عليه وسلم، فلبى مسلمهم وكافرهم.
الدرس المستفاد من استعانة النبي بالمسلم والكافر في إقامة الدين
هذا يُعلِّمنا أنَّ النبي [صلى الله عليه وسلم] عندما أعيش في بلاد غير المسلمين ماذا أفعل؟ لا أقطع الأواصر؛ فها هو استعان بالمسلم واستعان بالكافر، واستعان بالقريب واستعان بالبعيد.
بعض الناس يصوِّرون الإسلام على أنه يحتاج إلى حياة خاصة، لا! الإسلام موجود في كل العالم، سواء كنت في بلاد الكفر أو في بلاد الشرك أو في بلاد تحارب الإسلام أو في بلاد مع الإسلام أو في بلاد مختلطة، فأنت تستطيع أن تقيم الإسلام؛ لأن سيدنا النبي ترك لنا نموذجًا لكل شيء ومن ضمنها هذا.
انتهاء السنة السادسة ودخول السابعة وتساؤل المشركين عن كيفية التعامل مع النبي
عاش [النبي ﷺ] وحماه بنو طالب [أي بنو هاشم] وبنو المطلب. أخذ العهد عليهم أبو طالب، ومضت على هذا الشكل سنة ستة، ودخلنا في سنة سبعة [من البعثة].
اجتمع المشركون من قريش وقالوا: ماذا سنفعل مع هذا الرجل؟ نصحناه فلم ينتصح، حاولنا قتله فلم نجد فائدة، عذبنا أتباعه فلم نجد فائدة، طاردناهم حتى هاجروا إلى الحبشة فلم نجد فائدة، قلبنا عليه العرب لا فائدة، نصحنا أهله وأبا طالب وهو لم يرضَ أن يفعل شيئًا.
ماذا نفعل في هذا الرجل؟ وفي كل يوم يزداد الناس حوله، ونحن الآن بدأنا نخاف.
تقسيم مراحل الدعوة النبوية بين السرية والجهرية حتى السنة السابعة
في أي سنة نحن الآن؟ سنة سبعة. قلنا ماذا؟ قلنا إن هناك ثلاث سنوات، وإن هناك سبع سنوات، وإن هناك ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات الأولى كانت سرًّا، بعد ذلك أصبحت الدعوة جهرية، ولكن ما زالت شيئًا فشيئًا، إلى أن دخل عمر وحمزة، فأصبحت هي في سنة ستة من سبعة عشرة. انتهينا من المرحلة الثانية لعشرة من سبعة عشرة.
قرار المشركين بمحاصرة بني هاشم في شعب الجبال وكتابة الصحيفة الظالمة
قالوا: حسنًا ماذا نفعل بهم الآن؟ قالوا: نحاصرهم ونضعهم في شِعب الجبال، في شِعب الجبال.
وكتبوا صحيفة كتبها شخص - سبحان الله - ما هو ربنا الكريم، اسمه بغيض بن عامر. بغيض يعني شيء قبيح، اسمه هكذا سبحان الله، يعني بغيض بن عامر، أي بغيض اسمه هكذا، بغيض بن عامر.
ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه فشُلَّت يده. سيدنا النبي كان مستجاب الدعاء، كان عندما يدعو يُستجاب مرة في الأذية.
قصة عتيبة بن أبي لهب وإهانته للنبي ودعاء النبي عليه
وكنا لا نزال في سنة ستة. عتيبة الولد عتيبة بن أبي لهب، عتيبة بن أبي لهب هذا كان متزوجًا ابنته [أي ابنة النبي ﷺ]؛ عتبة وعتيبة [تزوجا] رقية وأم كلثوم. كان الولد عتيبة هذا متزوجًا أم كلثوم؛ لأنه متوارث من أبيه بغض النبي أو هذه الثورة، لم يكونوا يعرفون ماذا يفعلون في الحقيقة.
فقال عتيبة له [للنبي ﷺ]: ألن تخلصنا من قصتك هذه؟ ثم مزق قميص سيدنا النبي، وجاء الخبيث ليبصق على وجه النبي، فلم تصل البصقة، بل سقطت بعيدًا.
فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ما الذي فعلته؟ أنت الآن مزقت قميصي وبصقت عليّ أيضًا، سيأكلك كلب من الكلاب، سيأكلك كلب من الكلاب.
تحقق دعاء النبي على عتيبة بن أبي لهب وافتراسه بأسد في الزرقاء
فعندما قال له رسول الله هذا، يعني سخر منه ومضى وما إلى ذلك، لكن في قلبه أنه سيُقتل بهذه الطريقة.
وذهب في رحلة إلى الشام ونزل بالزرقاء - هذه الزرقاء تجدها في الأردن الآن - هو وأصحابه، فجاءهم أسد بليل وجاء إليه فذبحه. فلما رأى الأسد من بعيد هكذا قال: قتلني محمد وأنا بالشام وهو بمكة! الله!
إذا كنت تعلم أن محمدًا مستجاب الدعاء، وإذا كنت تعلم أن... فهؤلاء الناس كانوا يخافون ولا يستحيون، وقتله الأسد وأكله والتهمه.
بنود صحيفة المقاطعة الظالمة ضد بني هاشم وبني المطلب
وضعوا الصحيفة، والصحيفة تقول إن بني هاشم وبني المطلب الذين عقدوا الاتفاق مع أبي طالب:
- ألا نتزوج منهم ولا نشتري منهم ولا نبيع لهم.
- وأن نضطرهم إلى أضيق الطرق.
- ولا يجلسوا في مجالسنا.
- ولا يوجد أحد لسانه يعاتب لسانهم، ولا تكلموهم حتى يسلمونا محمدًا.
عرض المشركين مبادلة عمارة بن الوليد بالنبي ورفض أبي طالب القاطع
وعرضوا على أبي طالب قائلين له: حسنًا، نحن لدينا عمارة ابن الوليد بن المغيرة، وعمارة هذا جميل جدًّا. أتريدون أن تأخذوه وتعطونا محمدًا لنقتله؟
سبحان الله، أأنتم مجانين؟ لأنني الآن سآخذ عمارة وأغذيه وأنفق عليه وأعلمه وأربيه وأفعل ذلك، وأعطيكم ابني لكي تقتلوه؟ بئس ما ذهبتم إليه!
فقال عقبة بن معيط: لا، نحن هكذا قد رضيناك بما فيه، كفى! قالوا: لله إنكم مجانين! فإذا كان هؤلاء الناس ليس لديهم عدل، فلا يوجد عدل ولا إنصاف. أيعطيهم ابنه ليربوه؟
وعمارة أيضًا مات من ضمن الذين ماتوا. لقد قلنا بخصوص أولاد الوليد، ما هو الوليد بن الوليد وخالد بن الوليد، هم الذين أسلموا.
تعليق الصحيفة الظالمة في الكعبة ومعاناة المسلمين ثلاث سنوات
المهم أنهم كتبوا الوثيقة، هذه الوثيقة الظالمة الطاغية التي تنص على ألا يقترب أحد من بني المطلب وبني هاشم، وظلت هذه الوثيقة معلقة تحت ستر الكعبة لمدة ثلاث سنوات.
خلال هذه السنوات الثلاث وإلى أن تم فكها، فتح الله سبحانه وتعالى الفرج، حيث لاقى المسلمون العناء الشديد من الجوع والعذاب والتضييق وتشويه السمعة، إذ فعلوا هذا كلما ازداد المسلمون تمسكًا بدينهم.
شكوى خباب بن الأرت وبشارة النبي بنصر الله وأمن الطريق
خباب ابن الأرت جاء وقال: يا رسول الله، والله لقد تعبنا من العذاب ومن هذه الأمور.
فقال [النبي ﷺ]:
قال رسول الله ﷺ: «ألا إني رسول الله ولينصرني الله حتى تسير الظعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها»
وهذا الحديث رُوي بروايات كثيرة: من مكة إلى صنعاء، من مكة إلى الحيرة. وقد رُوي فيه أنه قال: استعرض بنا هذا الوادي وخفف عنا العذاب. ورُوي غير ذلك، ورُوي بالظعينة، ورُوي بالمسافر، يعني ذكرًا وأنثى إلى آخره، روايات كثيرة جدًّا لهذا الحديث.
خلاصة الصحيفة الظالمة وبطلانها والوعد بتفصيل كيفية نقضها
لكن الحاصل أنهم كتبوا وثيقة ضيقوا فيها على عباد الله، وحرموهم الحقوق الأساسية، وخالفوا بها المعقول والمنقول والقيم والأخلاق، ولذلك كانت صحيفة ظالمة ارتدت على أصحابها بالبطلان، والحمد لله رب العالمين.
في لقاء آخر نستوفي حال هذه الصحيفة وتلك السنوات الثلاث، وكيف هُدمت هذه الصحيفة. فإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
