الشيخ عبدالوهاب الشعراني | ح #30 | مصر أرض الصالحين | أ.د. علي جمعة
- •عبد الوهاب الشعراني العالم الزاهد والفقيه المحدث الذي وُصف بالقطب الرباني، ينحدر من الدوحة العلاوية الهاشمية، وكان أجداده من سلاطين المغرب.
- •وُلد عام 897 هجرية في ساقية أبي شعرة بالمنوفية، وانتقل مع والده إلى القاهرة في عمر الثالثة عشرة بعد حفظه للقرآن.
- •حظي بلقاء الإمام السيوطي الذي ألبسه خرقة الصوفية قبل وفاته بخمسة وستين يوماً.
- •درس سبعة عشر عاماً وحفظ متون كثيرة في الفقه وأصوله واللغة العربية.
- •تأثر بشيخه علي الخواص الذي عُرف بالتقوى والشفافية، وألف الشعراني كتاباً عن فتاواه.
- •عاش خلال فترة حكم المماليك ثم العثمانيين، وترك مكتبة ضخمة من مؤلفاته بلغت نحو مائة كتاب.
- •دُفن في المدرسة القادرية بباب الشعرية التي تحولت إلى مسجد، وتوفي عام 973 هجرية عن عمر يناهز 76 عاماً.
رسالة عمر بن الخطاب إلى نيل مصر ودعاء البركة
[الشيخ]: كتب عمر بن الخطاب إلى نيل مصر، فقال: «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإن كنت إنما تجري من قِبَلك ومن أمرك فلا تجري، فلا حاجة لنا فيك، وإن كنتَ إنما تجري بأمر الله الواحد القهَّار وهو الذي يُجريك، فنسأل الله تعالى أن يُجريك».
فاللهم نسألك كما سألك عمر أن تُجري نيلنا، وأن تصدَّ عنَّا كيد الكائدين ومكر الماكرين، اللهم آمين.
التعريف بالإمام عبد الوهاب الشعراني مؤرخ الأولياء وعالم التصوف
[المذيع الأستاذ/ عمرو خليل]: هو العالم الزاهد والفقيه المحدث، أطلق عليه مريدو الصوفية بأنه القطب الرباني؛ جمعت أسرته ما بين الملك والتصوف، لأنه ينحدر بالأساس من الدوحة العلوية الهاشمية، وكان أجداده من سلاطين المغرب.
له الكثير من الأعمال، والكثير من المؤلفات، منها ما أثار الجدل سواء في حياته أو بعد الممات. نتوقف اليوم مع الإمام عبد الوهاب الشعراني في برنامج مصر أرض الصالحين.
[الشيخ]: عبد الوهاب الشعراني مؤرخ الأولياء؛ سخَّر جهده وعلمه لجمع وتوثيق سير أعلام الصوفية في كل العصور، وفي ذكر أحوالهم وكراماتهم التي اختصهم الله بها، والمعاني التي كانوا يدعون إليها، والأخلاق التي تخلَّقوا بها.
كان كاتبًا بارزًا في ميدان الفقه وأصوله وفي ميدان التاريخ والتأريخ، ذاع صيته في البلاد، وتوافد عليه طلبة العلم حتى أن زاويته كان يُسمع لها دويٌّ كدوي النحل ليلًا ونهارًا من كثرة تلاوتهم للقرآن، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
نسب الإمام الشعراني وأصوله المغربية الملكية وكيفية نشأته
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، اليوم نتحدث عن العارف بالله سيدي الشعراني، وقطعًا له الكثير من المحبين خصوصًا في منطقة القاهرة ثم منطقة باب الشعرية على وجه الخصوص. فاسمحوا لي في البداية أن أرحب بفضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور/ علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلا بكم مرحبا.
[المذيع]: فضيلة الدكتور نسب الإمام الشعراني هو مغربي، يُقال أن أصوله ملكية من أهل الحكم وفقًا للجدود وللأسرة، فأرجو من حضرتك أن تضعنا في كيفية النشأة والأسرة التي تربى فيها.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومَن والاه.
هم أناس من أجداده قدموا إلى مصر واستقروا فيها، وُلِدَ أبوه في ساقية أبي شعرة، وساقية أبي شعرة هي من أعمال المنوفية. وكانت أمه من قرية من القليوبية، ولكن تزوجها (أحمد) أبو السيد/ عبد الوهاب وأنجبت عبد الوهاب، وعاش في قرية أبي شعرة.
تاريخ ميلاد الشعراني وانتقاله إلى القاهرة في عصر المماليك
هذا الكلام يفيد أن الإمام أبا المواهب عبد الوهاب الشعراني وُلِدَ في ثمانمائة وسبعة وتسعين هجرية، يعني فاضل ثلاثة سنين حتى تأتي تسعمائة، وهو ما نسميه القرن التاسع، وبعدها دخلنا في التسعمائة فيصبح القرن العاشر.
وكان عمره ثلاثة عشر عامًا بعد ما حفظ القرآن في القرية، قرية أبي شعر، انتقل أبوه ومعه عبد الوهاب ومعه إخوة له إلى القاهرة. كان أبوه من أهل العلم والوعي، حيث أتى عام أحد عشر، وعبد الوهاب كان عمره ثلاثة عشر عامًا، تسعمائة وأحد عشر هجرية.
دخل العثمانيون مصر عام تسعمائة وخمسة وعشرين، أي أننا ما زلنا نحتاج أربعة عشر عامًا قبل أن يأتي سليم ويدخل مصر؛ إذن نحن في عصر قنصوه الغوري الآن، ولذلك حضر خمسة من سلاطين المماليك في تلك الفترة، لأنه عاش إلى تسعمائة وثلاثة وسبعين، أي أنه توفي وعمره حوالي ستة وسبعين سنة تقريبًا.
لقاء الشعراني بالإمام السيوطي وتلقيه خرقة الصوفية وهو في الثالثة عشرة
عندما جاء والده، أخذه في يوم المولَد النبوي الشريف حيث كان الناس يحتفلون بهذا اليوم، وكانت لديهم عادة زيارة العلماء، فأخذه إلى الإمام السيوطي، يوم اثني عشر ربيع الأول سنة تسع مائة وإحدى عشر.
انظر إلى قدر الله سبحانه وتعالى؛ فالسيوطي عندما رآه وجد فيه ملامح التقوى، ورأى فيه ملامح الصفاء والوفاء، وأن روحه طيبة. الشيخ الشعراني كان صغيرًا عمره ثلاثة عشر سنة، فقام بإلباسه خرقة الصوفية.
وخرقة الصوفية هذه عباءة يلبسها الشيخ للتلميذ لكي يقول له أنك أصبحت منّا، بمثابة دخلت تحت العباءة، هل تفهم؟ فيسمونها الخرقة، لكنها عبارة عن عباءة بالضبط، هي عباية.
فالشيخ السيوطي قام وأحضر هذه العباءة، قد تكون طبعًا عباءته أو ما شابه ذلك إلى آخره، وألبسها للطالب الصغير الذي اسمه عبد الوهاب الشعراني الذي جاء يزوره هو وأبوه يوم المولد النبوي الشريف الثاني عشر من ربيع الأول.
وفاة السيوطي بعد اللقاء بخمسة وستين يوماً وأثر ذلك على الشعراني
السيوطي يموت في التاسع عشر من جمادى الأول، يعني يكون إذن ثماني سنين، نعم هي أول مرة وآخر مرة.
[المذيع]: يعني لم يلحق عبد الوهاب الشعراني أن يتعلم من الإمام السيوطي؟ أخذ الخرقة، أخذ العباءة فقط.
[الشيخ]: ولكن هذا يدل على عظمة هؤلاء الناس وكيف أنهم كانت لديهم رؤية وشفافية وصفاء؛ بعد خمسة وستين يومًا من ذلك اللقاء، ذهب صاحبنا الشيخ الشعراني يبحث عن المدرسة التي سيلتحق بها ويقرأ فيها.
كان الأزهر ممتلئًا بالناس، فكانوا يستعينون بمساجد أخرى، أو مدارس يُطلِقون عليها الكاملية والقادرية وما إلى ذلك، يذهب إليها أيضًا علماء الأزهر للتدريس فيها، تمامًا مثل فكرة الكليات التي في الأقاليم، يقولون لك هذه طنطا وهذه الزقازيق وهذه المنيا وهكذا، لكن أساتذة الأزهر هم الذين يُدرِّسون، فالمنهج أزهري وليس الجامع الأزهر.
سنوات الدراسة وحفظ المتون العلمية وأهمية الحفظ في التحصيل
فهو أيضًا وجد مدرسة من المدارس هذه وابتدأ يدرس فيها، وظل يدرس كثيرًا، درس سبعة عشر سنة، فأصبح عمره ثلاثين سنة.
وخلال السبع عشرة سنة هذه حفظ متن أبي شجاع، وحفظ كتاب ابن السبكي جمع الجوامع في أصول الفقه، وحفظ ألفية ابن مالك، وحفظ الآجرومية وصححها على أبيه فأبوه من العلماء.
حَفِظ كتبًا كثيرة مثلما حَفِظ القرآن، فقد حَفِظ القرآن، ثم أمسك بهذه الكتب وحَفِظها. وهذه كتب لدينا فيها عبارة في الأزهر تقول: «مَن حَفِظَ المتون حاز الفنون»، أي عندما تحفظ تكون قدرتك على الاستحضار جيدة وتكون شواهدك جيدة، عندما تحتاج إلى أمرٍ ما أو سؤالٍ أو غير ذلك، تقوم ترجع للألفية.
وحفظ الشاطبية في القراءات، فحفظ كمًّا هائلًا من العلم وحفظ كمًّا هائلًا من المتون.
مؤلفات الشعراني المئة وموقف الصوفية الخاطئ من الفقه
فأصبح كاتبًا - أنت تعرف عبد الوهاب الشعراني - هذا عندما توفِّي ترك لنا مكتبة فيها مائة كتاب من مؤلفاته، من مؤلفاته في الفقه أحيانًا، وفي العقيدة أحيانًا، وفي التصوف، وألّف في الفقه الميزان الكبرى. [المذيع]: مع أن الفقه - أنا آسف جدًا جدًا - ولكن كان يُقال وقتها علماء الصوفية شبه يحرّمون أو يجرّمون القراءة في الفقه.
[الشيخ]: هو المفهوم الخطأ؛ ما هو الذي يقول هكذا لم يرَ ولم يتعلم، فهو يعني هذا نوع من أنواع الخيال، سمع أو قرأ ولم يفهم، قرأ وظن أنهم يفعلون هكذا، وهي في الحقيقة شيء آخر تمامًا.
يجب وجود المدرس؛ إياك أن تقرأ بمفردك، أشياء لا بد لأي شيء من مدرس؛ الطب يحتاج إلى مدرس، والهندسة تحتاج إلى مدرس، والجغرافيا تحتاج إلى مدرس، والشريعة تحتاج إلى مدرس.
أركان العلم الخمسة وشيخ الشعراني علي الخواص وصفاته الروحية
لا بد من أركان العلم: الطالب، والأستاذ، والكتاب، والمنهج، والجو العلمي؛ هؤلاء الخمسة نسميهم أركان العلم.
أثناء ذلك تعرّف برجل عظيم جدًّا في التقوى والشفافية، كان اسمه علي الخواص. سنبدأ الآن بالإجابة على السؤال: كان علي الخواص شخصية غريبة جدًّا، كان مهتمًا بالعبادة والعمل، لكن الله أكرمه ونوَّر بصيرته، فكان علي الخواص هو الذي ربَّى عبد الوهاب الشعراني.
حتى ألَّف فيه عبد الوهاب الشعراني عدة مؤلفات منها درر الغواص في فتاوى علي الخواص، وعلي الخواص موجود حتى الآن، القبر الخاص به.
علي الخواص هذا مَن هو؟ لم يكن مهتمًا بالكتب، وعندما يقول لك الرجل هذا أنه مهتم بالكتب، يقول لك: يا الله! هؤلاء الصوفية غير مهتمين بالكتب هكذا؟ لا، هو عدم اهتمامه بالكتب معناه أنه عنده همة للعمل وللتربية، وأن الكتب وحدها لا تصل.
هل كان علي الخواص أمياً وفرق العلم عن القراءة والكتابة
{[المذيع]: هل كان أميًا علي الخواص أم لم يكن أميًا؟*
[الشيخ]: هو حافظ للقرآن وحافظ للقرآن بالقراءات، فهل يكون أميًا أم غير أمي؟
[المذيع]: هل يقرأ ويكتب أم لا؟
[الشيخ]: نعم، يقرأ ويكتب؛ إذن فقد حفظ القرآن، تمامًا كما فعل الصحابة. كانت كذلك، أليس الصحابة كانوا لا يعرفون القراءة والكتابة؟ أليس أولاد هذه الأيام مستخدمو الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لا يعرفون الكتابة هكذا، يكتب هذا الشيء، ولكن بالرغم من ذلك إلا أنه متعلم.
فهناك فرق بين العلم، ولذلك هؤلاء الناس سابقة؛ سابقة حتى الذي يقرأ الآن.
هو يعرف التربية الخاصة به، أنه أخرج الدنيا من قلبك، وأنه أخلص العبادة لله، وأنه احذر أن تتكبر، ويأخذك واحدة واحدة واحدة لكي تصل إلى العبد المخلص،
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14].
كان في بيت القاضي خلف سيدنا الحسين هكذا في منطقة تسمى بيت القاضي وخان جعفر وما حوله من المعالم، في بيت القاضي.
قصة علي الخواص مع مشارب الكلاب وتسميته بالخواص
لقد كانت هناك مساقي للكلاب أدركناها، ولكنها غير موجودة الآن. فكان علي الخواص يمر على مساقي الكلاب هذه بعد العشاء لينظفها حتى يملأها بالماء النظيف لكي تشرب منها الكلاب التي ليس لها صاحب.
هذا هو علي الخواص، الذي عمل بالخُوص وكان يعمل في بيع الزيت في البداية. فعندما كان يبيع الزيت ثم يأخذ الكوز هكذا ويملؤه زيتًا ويعطيه للذي يشتري منه، ويحضر قطعة قماش -منديلًا- لست أعلم ما كان اسمها آنئذٍ- ويمسح داخل الكوز الذي بداخله لكي يكون قد أعطاه حقه تمامًا، فلا يبقى فيه قطرات متبقية تكون في قاع الإناء.
هكذا فذهبت امرأة مرة وقالت له: وما بال الذي بين أصابعك الذي بين أظافرك؟ فقال: أي ورطة هذه؟ يعني أنا الآن أحتاط وأفعل هذا الشيء هو لأجل أن أعطيك حقك المتبقي، فتقولين لي أين الذي بين أصابعك؟ إذن، والله لن أبيع الزيت مرة أخرى.
شدّد على نفسه يعني، وذهب ليعمل بالحصير، فسُمي خوّاص، وهذا سبب تسميته بالخواص.
صفات علي الخواص الروحانية وعلمه بالأحكام الشرعية من المشايخ
إنما كان رجلًا منورًا وكان الله قد فتح عليه بأنه يخبرك بالأمر بشكل صحيح، يقول لك الكلام.
وهؤلاء الناس قد قرؤوا على مشايخ كبار، سمعوا الأحكام الشرعية، فهم متعلمون.
[المذيع]: أستأذن حضرتك بمناسبة هذا العلم لنرجع مرة أخرى بعد الفاصل إن شاء الله إلى مولانا عبد الله بن الشعراني ونتحدث عن العلم وسنقف عند جزئية مهمة جدًّا تتعلق به في مسألة تلقي العلم، ولكن إن شاء الله بعد الفاصل أرجوك وأرجو حضراتكم ابقوا معنا.
وصف مسجد الشعراني في باب الشعرية وأثره الروحي على الزوار
[المذيع]: على أعتاب شارع أمير الجيوش الذي تزيّن بفوانيس رمضان احتفالًا بقدوم الشهر الكريم.
داخل ميدان باب الشعرية؛ هنا تسكن روحه بمسجده العتيق، وبرغم صغر مساحته إلا أن مريديه بمختلف أعمارهم وأجناسهم لم يملّوا من زيارته أبدًا.
وبرغم وجود المسجد وسط حي شعبي إلا أنه بمجرد الدخول إلى عتباته تشعر بالطمأنينة وبالهدوء النفسي؛ فليس الإمام الشعراني فقط مَن يسكنه، فيجاوره كذلك نور الدين الشُّوني رضي الله عنهما وأرضاهما.
مسألة العلم اللدني وانفتاح القلب على المعاني الربانية عند الشعراني
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى، نستكمل هذه الرحلة في سيرة العارف بالله سيدي عبد الوهاب الشعراني مع فضيلة العالم الجليل الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا مرة أخرى.
وقفنا قبل الفاصل عند مسألة تلقي العلم. يُقال مما يُقال عن العارف بالله سيدي الشعراني أنه عند وقوفه على شاطئ النيل، تلقى أو انفتح على قلبه جزء من العلم اللدني الذي هو من الله سبحانه وتعالى، فمدى صدّق هذه الرواية أيضًا؟ ولنرَ ما معنى العلم اللدني؟ وهل يمكن لعبدٍ عادي أن يتلقى هذا العلم اللدني مثل سيدنا الخضر؟
[الشيخ]: إنها مسألة شفافية وفتح من الله سبحانه وتعالى، أنك عندما تقرأ القرآن يأتيك معنى؛ معنى لم يخطر في بالك من قبل ذلك، وأنت قرأت الآية هذه مائة مرة، في هذا الوقت ينفتح لك معنى آخر لم يرد في ذهنك ولم يرد في قلبك من قبل، فهذا نسميه أن ربنا فتح عليك به.
فهذه الحالة تحدث كثيرًا ونحن نشتغل بالعلم مع ذكر الله؛ اذكر الله سبحانه وتعالى وأخلِص النية تجد نفسك تتذكر العلم.
[المذيع]: أي كخواطر؟
[الشيخ]: ليس خواطر، توفيق.
قصة الشيخ صالح الجعفري والصلاة ذات الجناحين مثال على التوفيق الرباني
[الشيخ]: أنا سأحكي لك حكايتين أو ثلاثًا لكي أوضح ما تتحدث عنه.
مرة كنا نصلي خلف سيدنا الشيخ صالح الجعفري، وبعد الصلاة سأله شخص: ما هي الصلاة ذات جناحين يا مولانا؟
فأجاب: الصلاة ذات الجناحين هي صلاة عند المالكية أن تدخل مع الإمام في الركعة الثانية فتقرأ الفاتحة وسورة، ثم تقوم معه في الركعة الثالثة فتقرأ الفاتحة فقط، وفي الرابعة تقرأ الفاتحة فقط. فلما تقوم، ولأن مالكًا يقول إن الركعة التي تؤديها هي الأولى (قضاءً للأولى التي فاتتك) فتقرأ الفاتحة ومعها سورة، إذن فتصبح صلاتك فاتحة ومعها سورة في البداية، فاتحة ومعها سورة في النهاية، فهذه الصلاة ذات الجناحين كأن السورة والسورة عملَا جناحين مثل الطائر.
الرجل سأل والشيخ أجاب، وبعد ذلك نظر الشيخ وقال: الحمد لله الذي حفظ علينا العلم، هذا السؤال لم أُسأله منذ أربعين سنة. فهو منذ أربعين سنة لم ينسَ.
التوفيق الرباني في استحضار العلم وليس ضرباً من الحواة
وعندما سأله الرجل تذكر، إن هذا التذكر نسميه نحن أنه توفيق من الله؛ أنك عندما تترك شيئًا لمدة أربعين سنة لا يخطر في بالك ولا تقرأه ولا يسألك أحد فيه، فستنساه.
ستقول: سأنتظر حتى أبحث. لكن الذي يحدث أن الله يذكرك به، فهذا توفيق، هذا توفيق.
أرجو أن يكون هذا الكلام مفهمًا لما يحدث من كلمة الفتح ربنا يوفق، وربنا سبحانه وتعالى يؤيد الإنسان ويجعل هناك دعوة.
أما هو نوع من أنواع ضرب الحواة، يعني لا، نحن لسنا حواة، إنما هناك توفيق رباني، وهو الذي حصل للإمام الشعراني من دعاء شيخه علي الخواص.
وفاة علي الخواص والشوني وتواريخ وفاة الشعراني ودفنه بجوار الشوني
الشيخ علي الخواص مات في سنة تسع مائة تسعة وأربعين.
كان الشيخ الشُّوني قد أدخل مجالس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الأزهر الشريف، وتوفِّي سنة تسع مائة أربعة وأربعين. وقد ظل علي الخواص خمس سنوات بعده ثم توفُّي في تسعة وأربعين.
أما عبد الوهاب الشعراني فقد توفِّي سنة تسع مائة ثلاثة وسبعين، ودُفن بجوار الشُّوني؛ لأن الشُّوني هذا كان مولعًا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
يعني الآن المسجد الذي فيه سيدنا الشعراني بباب الشعرية هو المدرسة القادرية التي دُفن فيها نور الدين علي الشوني والتي دُفن فيها أبو المواهب عبد الوهاب الشعراني. تحولت بعد ذلك، فبنوا قبة عليها وبنوا مسجدًا، وكان مقابلها هكذا على طول شمس الدين الرملي ركن الشافعية.
الافتراءات على كتب الشعراني وتحريف بعض المعاصرين لمؤلفاته
[المذيع]: يُقال إنَّ بعضًا من المعاصرين للإمام الشعراني أدخلوا في فتاويه أو في آرائه ما ليس فيها، يعني فكرة يُقال عنه أو يُنقل عنه بأنه قال: يجب تقديم أو يجوز تقديم موعد الصلاة إذا كان العبد لديه ما يستعجله أو ما يضطره إلى ذلك.
[الشيخ]: يعني مثلًا الشيخ الشعراوي ألّف كتابًا، هو الشعراوي والشعراني نسبتان صحيحتان لأبي شعر، يعني تقول الشعراني أو تقول الشعراوي. ألّف كتابًا أسماه [اللواقح]، وبعض الحاقدين عليه أضافوا له ملزمتين -وهو عايش- فيها خرافات وفيها كفريات، واغتم جدًّا وجاءه مرض؛ وظل مهتما هذا الإهتمام.
وكتب وقال: الذي حصل أن هؤلاء الناس الحاقدون الحاسدون أضافوا إلى كتبي وحرّفوا فيها، وأنا بريء مما أضافوه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، سيؤتينا الله من فضله ورسوله.
براءة الشعراني من الإضافات المزورة وتأكيد انتمائه العقدي والفقهي
ولذلك تنبّه العلماء لهذا الأمر؛ لأنه هو الذي نبّه وهو الذي قال: يا جماعة، كل هذا باطل، عندما تأتي لتقارن الملزمتين المذكورتين في [لواقح الأنوار] هذه أو الطبقات، أو تراجع مخطوطات معينة بعينها، تجد أن الرجل بريء.
كما أن هذا الكلام لا يوجد في مائة كتاب من كتبه، ولذلك هو كتاب واحد فقط الذي تلاعبوا فيه، وهذا الكلام الباطل الفاسد الذي نقر جميعًا برفضه لا يوجد في كتبه.
[المذيع]: ولكن يبقى هو أحد العارفين بالله، وهو من أصحاب الفكر ومن المتصوفين، يعني في هذه القضية.
[الشيخ]: الأشعري الشافعي الشاذلي.
[المذيع]: نعم رضي الله عنه؛ أشكر فضيلتك جزيل الشكر يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: شكرًا لحضرتك، الشكر موصول لحضراتكم إلى اللقاء.
أهمية الأسرة في الإسلام والآيات والأحاديث الواردة في شأنها
استقرار الأسرة وهي الوحدة الأولى للمجتمع؛ تشعر الإنسان بالانتماء إلى أهله ومجتمعه وإلى وطنه، فلها شأن عظيم.
قال تعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب الأسرة فيقول:
«خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ , وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ» (واللفظ للطحاوي في "شرح مشكل الآثار" حديث رقم2523).
وكان صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله، أي يده مع يد أهله في العمل، فالحمد لله رب العالمين.
