الصداقة | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •أكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية احترام الصداقة والصديق، ورتب العلاقات بين الناس على أساس المساواة وعدم التعالي.
- •في موقف مع بلال وسلمان وصهيب عندما تحدثوا بقسوة لأبي سفيان بعد إسلامه، عاتب النبي أبا بكر لما لامهم قائلاً: "لعلك أغضبتهم، إن تكن قد أغضبتهم فقد أغضبت الله".
- •علّم النبي ألا نتكبر على الضعيف أو القوي، فالكبرياء رداء الله.
- •رد النبي هدية الصعب بن جثامة من الحمار الوحشي لأنه كان محرماً، فشرح له السبب عندما رأى تغير وجهه.
- •نهى النبي أصحابه عن الضحك من نحافة ساقي ابن مسعود قائلاً: "إن رجل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد".
- •كان ابن مسعود فقيهاً وقارئاً ومجاهداً، وكان من العبادلة الأربعة.
- •علمنا النبي مراعاة مشاعر الآخرين واحترام الناس جميعاً مهما اختلفت مكانتهم.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر الكريم.
دعوة النبي ﷺ إلى احترام الصداقة والمساواة بين الأصدقاء
النبي صلى الله عليه وسلم دعانا إلى احترام الصداقة والصديق، وأكد لنا هذه الأخوة التي ينبغي أن تكون بيننا. وكان له صلى الله عليه وسلم أصدقاء، وجعل الصديق بمنزلة كبيرة.
وكان صلى الله عليه وسلم يؤكد على هذا المعنى كثيرًا، ورتّب الأمور ترتيبًا بين الناس بحيث أنه علّمهم المساواة؛ يعني الصديق لا يتعالى على صديقه، وأن يحترم الضعيف، وأن يكرمه حتى لو صدر من ذلك الضعيف الخطأ.
موقف بلال وسلمان وصهيب مع أبي سفيان بعد إسلامه
ففي موقف من المواقف كان هناك بلال وسلمان وصهيب، الثلاثة كانوا من العبيد أولًا ثم تم تحريرهم فهم أحرار، لكنهم ضعفاء. والهيئة العربية حينئذٍ تعتمد كثيرًا على القبيلة، وتعتمد كثيرًا على النسب، وتعتمد كثيرًا أيضًا ومع هذا على المال وعلى هذه المعاني من القوة.
وهؤلاء الثلاثة كانوا ممن آمنوا وممن صبروا وممن جاهدوا، وكانوا يحبهم الله ورسوله. في مرة من المرات أبو سفيان يمر عليهم وقد أسلم، فقالوا: نرى سيوف الله لم تأخذ من الكافرين حقها؛ أي يوجهون الكلام إلى أبي سفيان أنهم كانوا يتمنون لو قطعوا رقبته.
خطورة كلام الصحابة لأبي سفيان رغم تاريخه في محاربة المسلمين
أبو سفيان هو الذي جهّز الجيوش ضد المسلمين في بدر وفي أحد وفي الخندق، وعادى المسلمين وحاربهم بالسلاح، وبناءً على ذلك قُتل من قُتل من إخوانهم ومن المؤمنين.
الدعوة [أي كلام الصحابة الثلاثة] في منتهى الخطورة مع ما يفعله أبو سفيان؛ أي أن تاريخه مليء بالعدوانية ضد المسلمين، لكنه أسلم والحمد لله رب العالمين. فكان ينبغي أن يعاملوه بشيء من الرقة، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن»
فأعلى من شأنه وأعطاه مكانته.
صلة أبي سفيان بالعباس عم النبي ﷺ وموقف أبي بكر من الشكوى
كما أن أبا سفيان صديق العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان العباس بمنزلة الوالد للنبي صلى الله عليه وسلم يعامله معاملة الوالد. كل هذه المعاني فهمها أبو بكر رضي الله عنه.
فلما جاءه أبو سفيان يشكو من الأتقياء الأنقياء الأصفياء الذين صدرت منهم كلمة تُعدّ من الخطأ، لكن مع أنها من الخطأ إلا أنه يجب التعامل معهم بطريقة معينة نستوعب فيها هذا الخطأ.
لوم أبي بكر الرقيق للصحابة الثلاثة على كلامهم لشيخ قريش
فلما جاء أبو سفيان إلى أبي بكر يشكوه [أي يشكو ما قاله الصحابة الثلاثة]، ذهب فقال لهم أبو بكر، وكان رقيق القلب وكان تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتقولون هذا لشيخ قريش؟ يعني يلومهم، ويلومهم برقة، يلومهم بأدب.
على فكرة، أبو بكر رضي الله تعالى عنه هو الذي أعتق بلالًا، فله عليه يدٌ ووجاهة. فأتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فقط هذا الكلام الذي صدر من سيدنا أبي بكر.
تحذير النبي ﷺ لأبي بكر من إغضاب الصحابة الضعفاء
فلما رجع [أبو بكر] إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا رسول الله، إن بلالًا وسلمان وصهيبًا قالوا لأبي سفيان كذا وكذا، فأنا قلت لهم: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟
قال [النبي ﷺ]: لعلك أغضبتهم؟ إن تكن قد أغضبتهم فقد أغضبت الله. أي إلى هذا الحد! أي لا بد أن تكون رقيقًا في نصيحتك لأخيك ولصديقك، لا بد أن تكون مؤدبًا، لا بد أن تستوعب المناصب وتستوعب المواقف.
لا بد عليك ألا تعتبر أنهم ضعفاء فينبغي عليهم التعنيف والإهانة والقسوة عليهم لأنهم من الضعفاء؛ لأنك إن أغضبتهم فقد أغضبت الله.
اعتذار أبي بكر للصحابة الثلاثة وتعليم النبي ﷺ مراعاة الناس
فذهب أبو بكر يسألهم: يا إخوتي أأغضبتكم؟ قالوا: لا، عفا الله عنك. كلمة «لا عفا الله عنك» يعني: لا، أنت لم تُغضبنا ولا شيء، هذا أنت قلت لنا بمنتهى السهولة: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم.
ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نراعي الناس، وأن لا نتجبر لا على الضعيف ولا على القوي؛ فإن التكبر منهيٌّ عنه.
قال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»
والجبروت هو لله، فمن نازعه الكبرياء والجبروت أخذه.
دروس مستفادة من تربية النبي ﷺ في التعامل مع الأصدقاء
ولذلك كانت تربية النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يُستخلص منها دروس كثيرة في حياتنا [في كيفية التعامل مع الأصدقاء والضعفاء واحترام مشاعر الآخرين].
قصة إهداء الصعب بن جثامة حمارًا وحشيًا للنبي ﷺ وهو محرم
عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارًا وحشيًا. الحمار الوحشي هذا يعني نوعًا من أنواع الحيوانات، وكان مباحًا أكله وليس كالحمار الأهلي الذي نعرفه؛ الحمار الأهلي الذي نعرفه هذا يحرم أكله، لكن هذا الحمار [الوحشي] يجوز أكله لأنه كأنه من الأنعام.
وهو بالأبواء، والأبواء هذا مكان مدفونة فيه أم النبي صلى الله عليه وسلم. فردّه عليه [أي ردّ النبي ﷺ الهدية]، الهدية لم يقبلها.
تغير وجه الصعب بن جثامة وتوضيح النبي ﷺ سبب رد الهدية
فلما رأى [النبي ﷺ] ما في وجه الرجل، الذي هو الصعب بن جثامة، وجهه تغيّر. يا الله! فماذا فعلت؟ فلماذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل الهدية؟ أم أنه غاضب مني؟ هكذا بدأ يفكر وبدأ يتغير.
فكيف واجهه النبي صلى الله عليه وسلم؟ تركه [أي لم يتركه دون توضيح]؛ لأن هذا أمر شرعي، وكثير من الناس يفعلون هذا: ما دام في حكم شرعي والناس لا نبالي بهم أبدًا. [لكن النبي ﷺ لم يفعل ذلك بل] علّمه أنه ليس هناك أي شيء [يدعو للقلق]، وقدّم له صورة من أجل أن يفهم الأمر على حقيقته.
بيان النبي ﷺ أن سبب رد الهدية هو الإحرام وتحريم الصيد على المحرم
فقال له [النبي ﷺ]: إنّا لم نردّه عليك إلا أنّا حُرُم [أي نحن محرمون]، وأنت اصطدته، والصيد حرام على المحرم؛ سواء كان هو يقوم به فيصطاده، أو سواء أهداه إليه أحد وكان قد اصطاده من أجل أكله.
فلا يجوز لي أن آكله، فأنا لا أريد أن يفسد ولا أريد أن أرميه، ولذلك رددته عليك لتنتفع به. في عائق شرعي هنا هو الذي جعلني أردّه عليك [وليس لأي سبب آخر].
العلاقة بين الصديق وصديقه وقصة صعود ابن مسعود الشجرة
إذن العلاقة بين الصديق وصديقه كما يعلمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم [تقوم على التوضيح والرفق ومراعاة المشاعر].
عن علي رضي الله عنه: أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود فصعد على شجرة، قال له: اصعد هذه الشجرة لكي يأتي بشيء لكي يقلّمها لغرض ما. صعد الشجرة، أمره أن يأتيه منها بشيء.
فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله بن مسعود، وكان عبد الله بن مسعود ساقه رفيعة جدًا. فالصحابة لما رأوا أن الساق رفيعة جدًا هكذا ضحكوا، فضحكوا من حموشة ساقيه. قالوا: يا الله! ما هذا، كيف تقف عليهما وهكذا، وضحكوا وجعلوها مادة من الضحك والمزاح فيما بينهم.
تعظيم النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود وأن ساقه أثقل من جبل أحد
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ما تضحكون؟ تضحكون؟ لَرِجْلُ عبد الله بن مسعود أثقل في الميزان يوم القيامة من أُحد»
جبل أحد هذا كان يُضرب به المثل للناس لأنه جبل كبير وممتد وضخم وطويل وهكذا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآه يقول:
«أُحد جبل يحبنا ونحبه»
ولما مرة من المرات أنه كان واقفًا عليه هو ومن معه من الصحابة، اهتز أُحد في زلزال، فقال:
«اثبت أُحد، فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيد»
وبشّره بالجنة.
تحذير النبي ﷺ من الإساءة لأصحابه وبيان فضل إنفاقهم
كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أُحدًا ويضرب به المثل كثيرًا في كلامه، وكان يقول:
«إياكم وأصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم أو نصيفه»
والمُدّ هذا عبارة عن شيء بسيط جدًا؛ أي شيء من أربعة أمداد تساوي صاعًا، والصاع هذا عبارة عن ستمائة جرام، أي شيء حوالي مائتي جرام أو نحو ذلك.
فلو أن الصحابي أنفق قبضة من القمح وأنت أنفقت مقدار أُحد ذهبًا فهو أحسن منك، فعلامَ تضحكون؟ هاتان الساقان الضعيفتان أثقل عند الله في الميزان بما قدّم عبد الله بن مسعود.
مكانة عبد الله بن مسعود العلمية وكونه من العبادلة الأربعة
كان [عبد الله بن مسعود] فقيهًا، كان قارئًا، كان مجاهدًا. عبد الله بن مسعود كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«إذا أردتم أن تسمعوا القرآن فاستمعوا إليه بقراءة ابن أم عبد» الذي هو عبد الله بن مسعود
كان شيئًا عظيمًا في الفقه، وكان شيئًا عظيمًا في العلم. فكان من العبادلة الأربعة: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس. سُمّوا العبادلة لأن جميعهم اسمه عبد الله.
خاتمة الحلقة وتوديع المشاهدين
هذا حال الصديق مع الصديق [في هدي النبي ﷺ من الرفق والاحترام والمراعاة]. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
