الصدقة الجارية | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •الأعمال التي يستمر ثوابها بعد موت الإنسان ثلاثة كما ورد في الحديث النبوي: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له.
- •الصدقة الجارية هي كل عمل خيري يستمر نفعه للناس، وتشمل المشاريع التنموية التي تهتم باليتيم والفقير والمعوق وكبار السن وقضايا البطالة والتعليم.
- •العمل الخيري له وجهان: الأول ديني يرتبط بالثواب الأخروي والأجر المستمر، والثاني دنيوي يركز على المنفعة الاجتماعية المباشرة.
- •أكرم النبي صلى الله عليه وسلم ابنة حاتم الطائي لأن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، وبيّن أن الأعمال تُقيَّم بنية صاحبها.
- •العلم النافع يشمل الكتب والاكتشافات العلمية والأدوية وكل ما ينفع الناس ويستمر أثره عبر الزمن.
- •الولد الصالح يشمل الأبناء والتلاميذ والمتأثرين بالشخص، فهم يدعون له ويهدونه ثواب أعمالهم الصالحة.
- •هذه الأعمال الثلاثة تمثل بشرى للمسلمين باستمرار أجرهم ما دام النفع مستمراً.
افتتاح الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر المبارك الكريم.
رحمة الله في ترتيب ثواب دائم للإنسان حتى بعد موته
رتّب الشارع الشريف ثوابًا دائمًا متجددًا حتى بعد انتقال الإنسان من هذه الحياة إلى الحياة الآخرة بعد موته، وهذا من رحمة ربنا بنا؛ فتح الأبواب.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، وولد صالح يدعو له، وعلم»
وهذه الثلاثة في الحقيقة كأنها وردت باعتبار أنها أمهات لأبواب كبيرة تشتمل على أعمال.
حديث البيهقي في سبعة أعمال لا تنقطع بعد الموت وعلاقتها بالصدقة الجارية
حديثًا أخرجه البيهقي: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من سبعة»، وبدأ يعدد هذه السبعة بما لا يخرج من مفهوم الصدقة الجارية؛ فتحدث عن حفر البئر، وتحدث عن وراثة المصحف، وتحدث عن بناء المسجد، وكلها يمكن أن تندرج تحت كلمة الصدقة الجارية.
جمع بعض العلماء هذه الصفات والخصال التي لا تنقطع بعد موت الإنسان من الأحاديث النبوية فوجدوها ثلاث عشرة خصلة، لكن كما قلنا إنها يمكن جمعها بصورة إجمالية في هذه الثلاثة التي معنا: «انقطع عمله إلا من ثلاث»، فكأن الأحاديث الأخرى التي فيها زيادة هي شرح لهذا الحديث الأم أو لهذا الحديث الأساس الذي يبيّن لنا القضية.
معنى الصدقة الجارية وجريان نفعها وثوابها على الناس وصاحبها
ابن آدم انتقل ومات، لكنه كان قد ترك صدقة جارية، وسُمّيت صدقة جارية لأن ثوابها ونفعها يجري؛ فنفعها يجري على الناس، وثوابها يجري عليه [أي على صاحبها].
مفهوم الصدقة الجارية وعلاقته بالعمل الأهلي والتنمية الشاملة
فكرة نفع الناس هي تلك الفكرة التي نعبّر عنها في أدبياتنا المعاصرة بقضية العمل الأهلي؛ أحيانًا نسمّيه العمل الخيري، وأحيانًا نسمّيه المجتمع المدني. فالأهلي أو المدني أو الخيري كلها تحمل مفهومًا واحدًا، وهو قيام الناس بما يجب عليهم القيام به تجاه وفي مقابلة إخوانهم، من أجل ما نسمّيه أيضًا في الأدبيات الحديثة بـالتنمية الشاملة.
التنمية الشاملة تريد أن تجعل الإنسان محورًا للتطور؛ ولذلك تهتم باليتيم، وتهتم بأطفال الشوارع، وتهتم بالمعوقين، وتهتم بكبار السن، وتهتم بالحالة الصحية، وتهتم بالتكافل الاجتماعي، وتهتم بقضايا البطالة، تهتم بقضايا الفقر، تهتم بقضايا الحياة، تهتم بقضايا التعليم.
كل هذا يندرج تحت كلمة التنمية الشاملة التي هي الوجه الآخر لقضية الصدقة الجارية أو العمل الأهلي أو العمل الخيري أو المجتمع المدني، بأيّ تعبير كان.
فضل الصدقة الجارية وأجرها العظيم عند الله تعالى
عندما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصدقة الجارية» يذكّرك بأن هذا النفع الذي يجري ويدوم ويستمر على الناس له أجره عند الله، وأن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وأنه:
«اتقوا الله ولو بشطر تمرة»
وأنه من تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، كان له عند الله ظلّ العرش يوم لا ظلّ إلا ظلّه.
«سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه»
ومنهم الصدقة، ومنهم رجل تصدّق [بصدقة فأخفاها].
الفرق بين مفهوم الصدقة الجارية ومفهوم العمل المدني في الأجر الأخروي
إذن العمل المدني في غاية الأهمية. أنا عندما أقول صدقة جارية أذكّرك بالله وبيوم الحساب وبالأجر والثواب، وأن هذا الأجر سيستمر حتى بعد أن تنتقل من هذه الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة.
والثاني عندما يستخدم المجتمع المدني؛ المجتمع المدني يريد أن يُخرجنا من هذا [الجانب الأخروي]، الجانب الآخر يريد أن يركّز فقط على ما نحن فيه [من أعمال دنيوية]. أنا ليس لديّ مانع؛ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبّ من الناس أن تعمل الخير حتى لو لم تلتفت إلى الآخرة، وكان يُقَوِّم ويجعل قيمة لهذه الأعمال.
تكريم النبي لبنت حاتم الطائي تقديرًا لمكارم أخلاق أبيها
فكان [النبي ﷺ] لمّا دخلت بنت [حاتم] الطائي عليه صلى الله عليه وسلم، وعرف أن هذه بنت حاتم الطائي — حاتم الطائي المشهور بالكرم، حاتم الطائي المشهور بالعطاء، حاتم الطائي الذي كان يهتم بالناس — قام وخلع عباءته الشريفة وفردها وأجلسها عليها.
هذه الحركة من العرب أو عند العرب كانت تعني الاهتمام والتكريم والمبالغة في التكريم. وهذا عندما تراه الصحابة ستحترم هذه السيدة؛ لأن سيدنا رسول الله كأنه قدّم احترامًا لها، فتفضّلي اجلسي.
سؤال بنت حاتم الطائي عن مصير أبيها في الآخرة وجواب النبي
قالت له: يا رسول الله — وهو يُجلسها — يقول لها: «إن أباك كان يحبّ مكارم الأخلاق، إن أباك كان يحبّ مكارم الأخلاق». فهو يكرمها من أجل أبيها، ولأن أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق، وهو صلى الله عليه وسلم يحبّ مكارم الأخلاق.
إلى هذا الحدّ لا بأس، ولكنها تتمادى وتطمع في الخير أكثر، ورسول الله قال:
«إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ» ومبلّغ عن ربه.
فتقول له: يا رسول الله، أهو في الجنة؟ نحن ما لنا وما للجنة الآن! هذا نحن هنا في الدنيا، الرجل هذا كان يحبّ مكارم الأخلاق، مات، أنا سأكرم ابنته لأنه كان يحبّ مكارم الأخلاق، ولأنني أحبّ مكارم الأخلاق، ولأنني أحبّ العمل المدني.
أما هو في الجنة فهذه قضية أخرى، ليس لنا شأن بها. قال: لا، هو في النار؛ إنما كان يفعل ذلك لسمعة يتسمّعها.
موقف النبي من عبد الله بن جدعان وسؤال عائشة عن مصيره
وكان صلى الله عليه وسلم يقوم بمثل هذا مع مواقف كثيرة، منها موقف لـابن جدعان — عبد الله بن جدعان — كان كلما يُذكر يتبسّم، حتى قالت عائشة [رضي الله عنها]: يا رسول الله، أراك كلما ذُكر ابن جدعان تتبسّم.
قال: «كان عنده قصعة كبيرة يثرد فيها الثريد للحجّاج، وكان يصعد لهذه القصعة — طبق كبير جدًّا — يصعدون له بسلالم، يصعد إليها بالسلالم».
فقالت: أهو في الجنة يا رسول الله؟ قال: «لا، لم يقل يومًا قطّ: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين».
شرط الإيمان لنيل الثواب الأخروي مع أهمية العمل الصالح في الدنيا
هذا هو السبب الخاص بقضية أنه [ابن جدعان] في الجنة؛ ما له علاقة في الجنة ولا في النار [لأنه لم يؤمن بالله]. المهم أن هذه الحياة الدنيا لا بدّ فيها — إن كنت تريد ثوابًا في الآخرة ونفعًا في الدنيا — [أن تجمع بين الإيمان والعمل الصالح].
العلم النافع الذي ينتفع به الناس بعد وفاة صاحبه
القضية الثانية الجارية [من الأعمال التي لا تنقطع بعد الموت] هي قضية العلم الذي يُنتفع به. الإنسان عندما يترك كتبه، وهذه في مقام أولاده؛ لأن النفع سوف يستمر من هذا الكتاب.
فنحن حتى اليوم نقرأ تفسير القرطبي وهو كان في القرن السادس الهجري، أي منذ حوالي ثمانمائة سنة، وتفسير الرازي المتوفى سنة ستمائة وستة، أي أكثر من ثمانمائة سنة. هذه الكتب النافعة تنفع الناس حتى مع تطاول الزمان.
شمول العلم النافع للاكتشافات العلمية الحديثة واستمرار ثوابها
العلم النافع أيضًا الذي يكتشف دواءً يخفّف على الناس الألم. العلم النافع أيضًا الذي يكتشف الفيمتو ثانية لكي يتمكّن من تصوير أحوال الخلية بعد ذلك، ويعرف كيف يصوّر التفاعلات الكيميائية بعد ذلك؛ فهذا علم يُنتفع به، ولذلك فله الأجر والثواب المستمر.
كلما كان هذا العلم مفيدًا، وكلما استُعمل في الإفادة، وكلما تطوّر وبُني عليه اكتشاف آخر فثالث فرابع، كل هذه الأشياء تكون في ميزان حسنات صاحبها يوم القيامة وهي مستمرة. هو مات وانتهى عمله، ولكن استمرّ الثواب له.
الولد الصالح يدعو لوالديه ويشمل التلاميذ والأبناء بالمعنى الأعم
كذلك الولد الصالح الذي يدعو له. وهنا مع هذا البند — ولد صالح يدعو له — انفتحت كل أعمال الخير؛ فالولد يقرأ القرآن ثم يقول: يا ربّ أدعوك أن تُوصل ثواب هذا ما قرأتُ الذي أعطيتنيه، أعطِ مثله لأبي. فيصل ذلك، ويفعل هذا في الحج وفي الصوم وفي الزكاة وفي الصدقة وفي كذا عن طريق الدعاء.
الولد الصالح، وهل الولد الصالح هو فقط ابني أم من بعدي؟ لا، بل إن العلم له رحم؛ فيمكن أن يدعو لي تلاميذي، ويمكن أن يدعو لي أولادي. فالولد هنا بمعناه الأعم.
بشرى لأهل الإسلام باستمرار أعمالهم ما دام النفع مستمرًا
إذن بشرى لأهل الإسلام أن أعمالهم تستمر ما دام النفع مستمرًّا، والسلام.
