الطريق إلى الله | رب لترضى جـ 1 | الحلقة الأولى | قناة الإرث النبوي | أ.د علي جمعة - تصوف, رب لترضى

الطريق إلى الله | رب لترضى جـ 1 | الحلقة الأولى | قناة الإرث النبوي | أ.د علي جمعة

24 دقيقة
  • تحدث حديث جبريل عن أسس الدين عندما جاء جبريل متخفياً في صورة رجل شديد بياض الثياب للنبي صلى الله عليه وسلم.
  • سأل جبريل النبي عن الإسلام فذكر له الأركان الخمسة: الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج.
  • سأل عن الإيمان فأجابه النبي بأركانه الستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
  • سأل عن الإحسان فأجابه: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
  • بنى المسلمون علومهم على هذا الحديث: الفقه وأصوله للإسلام، وعلم التوحيد للإيمان، وعلم التصوف للإحسان.
  • دخل الناس في الإسلام من خلفيات متنوعة مثل الهندوسية والمجوسية والفرعونية، وأجاب علماء المسلمين على أسئلتهم الفكرية.
  • مصادر المعرفة عند المسلمين هي كتاب الله المسطور (القرآن) وكتاب الله المنظور (الكون والتجربة).
  • لا تعارض بين الإسلام والعلم، وينبغي الأخذ من الوحي والكون معاً.
محتويات الفيديو(24 أقسام)

افتتاح الحلقة والسؤال عن فكرة الطريق إلى الله وأساسها من حديث جبريل

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. كل عام وأنتم بخير، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يعيد علينا مثل هذه الأيام بالخير واليمن والبركات. تفضل يا محمد.

[الضيف محمد]: يا سيدي لدينا بعض الأسئلة، كنا نريد أن نستشيرك. فكرة طريق ربنا ما أساسها؟ أو ما فكرتها؟

[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم ترك لنا ما يقربنا إلى الله سبحانه وتعالى، ومما ترك حديثًا مهمًّا اهتم به علماء الحديث، وبعضهم جعله أول حديث في كتابه، وهو ما يُسمى بحديث جبريل.

وصف مجيء جبريل في صورة رجل وجلوسه مع النبي صلى الله عليه وسلم

وفي حديث جبريل، جاء جبريل في صورة مرئية، يحكي عنها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بأنه دخل علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، ليس عليه أثر السفر. وكلمة "ليس عليه أثر السفر" معناها أنه من أهل المدينة ولا يعرفه أحد منا، وهذا معناه أنه غريب عن أهل المدينة.

فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع ركبتيه إلى ركبتيه، أي جلس جلسة المتأدب. سيدنا رسول الله جالس هكذا وهو يعلم أصحابه، فجاء الآخر [جبريل] ووضع ركبته عند ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم، ووضع يديه على فخذيه، فتكون جلسة يسميها العلماء بعد ذلك جلسة المتأدب؛ واحد يريد أن يأتي ليتعلم من سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.

جبريل كان يتمثل في هيئة دحية الكلبي الجميلة

فجبريل جاء، وفي روايات أخرى أنه كان يشبه دحية الكلبي (من أصحاب سيدنا النبي)؛ عندما نراه من بعيد هكذا كأن دحية قادمًا، وعندما يأتي ويقترب نعرف أنه ليس دحية ولا شيء.

وكان دحية الكلبي رجلًا يعمل في الدبلوماسية، وسيدنا رسول الله كان يبعثه في السفارات، وكان جميل المحيا (شخص مقبول الوجه وجميل). فسيدنا جبريل كان يتمثل في هيئة جميلة: شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه أحد منا، وليس عليه أثر السفر، وجاء يجلس جلسة المتأدب.

الفرق بين أدب الحضري وجفاء الأعرابي في مجلس النبي

هم لماذا يلتفتون إلى جلسة المتأدب؟ لأن بعض الأعراب كانت تأتي من أول ما تدخل الباب فتقول: يا محمد عليه الصلاة والسلام. انتهى، عرفنا أن هذا أعرابي؛ فالأعرابي غير متعلم الآداب، وغير متعلم البروتوكول، وليس متعلمًا الآداب الرقيقة.

ولكن عندما يأتي هذا [سيدنا جبريل] ويتأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجلس منه مجلس المتعلم، فهذا وضع آخر يلفت النظر، يجعل الصحابة تنتبه إلى هذا الرجل المؤدب جدًّا. هذا ليس أعرابيًّا، ليس منّا، ليس متأدبًا بالآداب التي نحن تربينا عليها؛ لأنه إما أن يكون حضريًّا وإما أن يكون بدويًّا، فهذا لا هو بدوي ولا هو حضري، شيء غريب!

صغر المدينة وانتباه أهلها للغريب القادم إلى مجلس النبي

وهذا كله كان يجعل الالتفات أكثر من هذا الرجل! لأن دائمًا في المدن والقرى الصغيرة الناس تريد أن تعرف بعضها البعض وتعرف الأخبار. والمدينة كانت صغيرة؛ فالمدينة لم تكن تزيد عن عشرين إلى ثلاثين ألفًا، هي والتي حولها عشرون ألفًا إلى ثلاثين ألفًا.

وهذا هو العدد الذي صلى على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان وتعجب الصحابة من تصديقه

فجلس [جبريل] في هذا المجلس وسأله: ما الإسلام؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له ما الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، والصيام والحج، وهكذا الأركان الخمسة.

وبعد ذلك قال له: وما الإيمان؟ فالمهم بعد أن انتهى من الإسلام قال له: صدقت. فتعجبنا مرة أخرى! تعجبوا من الأول إلى الآخر. فتعجبنا: يسأله ويصدقه! فأنت حين تأتي سائلًا فينبغي أن تقول: حسنًا، حاضر، فهمت. وليس أن تقول له: صدقت، أي أنك كنت تعرف هذه المعلومات من قبل.

نعم، فهناك أمر غريب سيُفسَّر لاحقًا، وأنه هذا جبريل جاءكم ليعلمكم أمر دينكم.

حديث جبريل أساس تعليم الطريق إلى الله بالإسلام والإيمان والإحسان

فإذن هذا الحديث لتعليم أمر ديننا، لتعليم الطريق إلى الله، لتعليمنا ما هي الحكاية. ففي إسلام، والإسلام عبارة عن أركان، وهذه الأركان مهمة للغاية؛ لأنها الإناء الذي سنحمل فيه كل شيء بعد ذلك. فأمرني بالشهادتين، أمرني بالصلاة، بالصيام، بالزكاة، بالحج لمن استطاع إليه سبيلًا.

تكونت عندي الأداة، تكوّن عندي الوعاء. افترض أنني فعلت كل هذه الأشياء وليس في قلبي أي توجه إلى الله، أنا أعيش هكذا دون غاية، فهذا لا ينبغي ذلك.

أن يكون مثال: إذا كان معك كوب فارغ، هذا الكوب الفارغ لا بد منه، متى ستملؤه؟ متى ستملؤها ماءً لكي تشرب؟ ولكن بالرغم من وجودها وأهميتها العظمى، وأنه لا إسلام إلا بها، وأنها أركان الإسلام أي أشياء مهمة في الإسلام، إلا أنها يجب أن تُملأ إيمانًا وإحسانًا.

أركان الإيمان الستة ودرجة الإحسان في عبادة الله

فسأله: ما الإيمان؟ فقال له:

«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره»

فأصبح أركان الإسلام خمسة وأركان الإيمان ستة. قال: صدقت.

قال: وما الإحسان؟ قال له:

«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»

وهذا معناه أن الناس سيختلفون هنا؛ إذن الناس أسلمت وآمنت، لكن ليس كلها ستقدر على استحضار هذا الاستحضار وتستمر في هذا الاستحضار. ولذلك سيكون هناك أصناف.

دراسة المسلمين الأوائل لحديث جبريل من الصحابة إلى التابعين

هذا الحديث المسلمون درسوه. المسلمون هؤلاء منهم من رأى النبي وهم الصحابة، ومنهم من رأى الصحابة وهم التابعون. والتابعون هؤلاء إما عرب وإما مصريون أو شاميون أو عراقيون أو هنود.

وفي سنة من السنين جاء النبي عليه الصلاة والسلام ما يُسمى عام الوفود. وفوجئنا في العصر الذي نحن فيه أن بعض أهل المجر ذهبوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأسلموا، وأن هؤلاء هم آباء الحاضرين الآن إلى يومنا هذا في المجر من المسلمين.

ففي المجر مسلمون أصليون أجدادهم صحابة، ونحن لا نأخذ بالنا أن عندهم في كتبهم وفي تراثهم أنهم في سنة الوفود.

اتساع عام الوفود ووصول الإسلام إلى الصين والحبشة والمجر

هذا نحن فعلًا عندنا عام الوفود وعرفنا بعض الوفود التي وردت، وبعد ذلك لما كثر الناس ما عرفناهم. الصين في الكتب الخاصة بها أنهم بعثوا إمبراطور الصين وفدًا للنبي عليه الصلاة والسلام.

الله، الموضوع اتسع! وفعلًا وجدنا صحابة أصولهم موجودة في الحبشة من الصحابة الذين لم يرجعوا، وجدناهم في المجر، وجدناهم في الصين. فيبدو أنه في عام الوفود هذا تبين أنها حدثت أمور رصدناها إجمالًا هكذا، ولكن تفصيلًا كانت هي أوسع من هذا.

تنوع خلفيات المسلمين الأوائل من هندوكية ومسيحية ويهودية وفرعونية

والمسلمون هؤلاء الذين دخلوا الإسلام كان بعضهم هندوكيًّا، كان بعضهم مسيحيًّا، كان بعضهم يهوديًّا، كان بعضهم مجوسيًّا، كان بعضهم ربما فرعونيًّا؛ أي لأنه كانت لا تزال الفرعونية موجودة حتى هذا الزمن.

في أناس دخلوا من الفرعونية إلى الإسلام مباشرة، ليس كل الشعب أي كله، بل معظم الشعب تحول إلى المسيحية، لكن ليس كل الشعب. وبقي حتى سنة أربعمائة وخمسين ومعابد الفراعنة يتعبدون فيها والكهنة يؤدون دورهم وهكذا إلى آخره.

أربعمائة وخمسين ميلادية حتى أربعمائة وخمسين ميلادية والمعابد يُتعبَّد فيها. بعد ذلك الرومان عندما دخل قسطنطين في المسيحية وفرض المسيحية ورفض غيرها من الأديان الوثنية الأخرى التي كانت موجودة وقاومها حتى اختفت.

انتقال بقايا الوثنيين إلى الإسلام مباشرة ودراستهم لحديث جبريل

لكن ظل قليل من أتباع هذه الديانات لم يعتنقوا المسيحية واعتنقوا الإسلام مباشرة، انتقلوا من الوثنية إلى الإسلام.

هؤلاء المسلمون عندما دخلوا أخذوا هذا الحديث [حديث جبريل]، ويا أخي سبحان الله، بدؤوا يدرسوه كجزء من التجربة الروحية للإنسان، ولكن ملتزمة بما آمنوا به حديثًا من الكتاب ومن السنة.

بدؤوا يدرسوا دراسة العلماء، بدؤوا يعملون عمل المؤمنين. وبعد الفاصل نواصل معكم الإجابة على أسئلتكم.

حديث جبريل أساس بناء الحياة العلمية ونشأة علم الفقه الإسلامي

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. نواصل ما كنا نتحدث فيه قبل الفاصل.

الحديث هذا الذي ذكرناه حديث جبريل، وفي نهايته يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أتدرون من هذا؟ هذا جبريل جاءكم ليعلمكم أمر دينكم»

فلما دخل الناس في دين الله أفواجًا، ذهبوا إلى هذا الحديث وبنوا عليه حياتهم العلمية. ولذلك رأينا المسلمين ابتداءً من الصحابة وهم ينشئون علمًا لمعرفة هذا الإسلام الذي تحدث عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في إجابته لسؤال جبريل.

وكوّنوا من الأحكام الشرعية للأفعال البشرية؛ هذا موضوعه الفعل البشري وما أحكامه. وبدؤوا يقسمون هذا الفقه إلى: عبادات وهي هذه الخمسة والملحقات بها من النذر والكفارات واليمين وما إلى ذلك، ومعاملات وهي العقود بكافة أنواعها وما شابه ذلك، وقضاء كيف نقضي بين الناس، وعلاقات سياسية كيف نحكم وكيف ننشئ علاقة دولية بيننا وبين الخلق.

نشأة علم أصول الفقه على يد الإمام الشافعي وعلاقته بحديث جبريل

وأصبح الفقه الإسلامي يهتم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية. فهناك الإسلام يخدمه الفقه.

ووضعوا علمًا بعد أن تشعبت الأحكام وكثرت، بدؤوا يفكرون: كيف نأتي بهذا الكلام ومن أين؟ فذهبوا فوضعوا أصول الفقه على يد الإمام الشافعي. وأصبح الفقه والأصول مادة وركنًا ومحورًا من محاور تفكير المسلمين.

وهذا آتٍ من حديث جبريل؛ جعلوا الإسلام هو المحور الذي يخدموه في الفقه وأصوله.

نشأة علم التوحيد والعقيدة من محور الإيمان في حديث جبريل

وبعد ذلك قالوا: حسنًا، والإيمان؟ فقام علم اسمه علم التوحيد، علم العقيدة، علم أصول الدين. وعلى فكرة له ثمانية أسماء هذا العلم، ولكنه علم واحد الذي يهتم بقضية الإيمان.

هذه تدخل العلم تجده على ثلاثة أقسام: الله، والرسل، والسمعيات مثل اليوم الآخر والجنة والنار وغيرها إلى آخره. ثلاثة أقسام: إلهيات ونبوات وسمعيات.

وابتدؤوا يستدلون من الكتاب والسنة اللذين هما مصدرنا الذي تركه لنا سيدنا [رسول الله صلى الله عليه وسلم]، ولكنهم يجيبون على أسئلة كانت محيرة للبشرية.

إجابة علماء المسلمين على أسئلة الشعوب المختلفة وتكوّن علم التوحيد

فالمسلم الذي كان أصله هندوكيًّا أو مجوسيًّا أو غير ذلك لديه أسئلة محيرة. فلما دخل الإسلام يسأل ويقول: يا جماعة حسنًا، إن دين الله يقول هكذا في هذا الأمر، فهل أستمر على ما كنت عليه أم أغيّر؟ ما الإجابة على هذه المسألة؟

فتولدت مجموعة من الأسئلة الهائلة في أذهان البشر، أجاب عليها علماء المسلمين من لدن الصحابة فالتابعين فكذا، وتكوّن علم التوحيد.

اطلعوا على تراث الفراعنة، على تراث اليونان، على تراث الهند. ألّف البيروني بعد ذلك كتاب [تحقيق ما للهند من مقولة محمودة في العقل أو مرذولة]. إنهم تعمقوا في كل ما هنالك.

عملاء الدعوة الإسلامية هم البشرية جمعاء والإسلام يجيب على حيرتهم

إن عملائي هم البشرية، ولذلك عميلي هو الهندوكي والمجوسي والملحد والمتدين وأهل الكتاب وإلى آخره جميعًا، والمشرك الذي يعبد الطوطم، وفي أمور تحيره. والإسلام سيجيب على هذه الأمور.

وهذا الذي علّمه لنا سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم. كان سيدنا يأتيه أحدهم يسأله: كم تعبد؟ قال: سبعة في الأرض ورب في السماء. قال له: دع الذين في الأرض واعبد الذي في السماء. ببساطة هكذا!

هؤلاء الذين في الأرض، هؤلاء الذين أنت تعبدهم ليسوا آلهة، إن هؤلاء أشياء من الخرافات ومن التراكمات. أنت تنكر الرب الذي في السماء؟ قال: لا، أنا أعبده، هذا هو الأصل. قال له: فلنبقَ في الأصل.

الدعوة إلى الله بالحسنى والإجابة على حيرة العالمين دون عنف

أشياء نأخذ منها أننا نريد أن نجيب على كل الحيرة، على كل الأسئلة التي عند العالمين. العميل الخاص بي من في الدعوة كل العالمين.

أُحسِن علاقتي مع العميل لكي يسمع كلامي، لا أُعنّف معه، لا أهدده بالقتل والدماء التي تجري، لا أُفسد في الأرض، لا أُصوّر الإسلام على غير ما هو عليه.

أنا العميل عندي يُقال لي:

قال رسول الله ﷺ: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس وما غربت»

هذه الحكاية: أنا عملائي يجب أن أريحهم ويجب أن أقول لهم. ولذلك علّمنا ربنا سبحانه وتعالى:

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]

طيب، نحن صادقون، فأين برهانك إذن؟ فثارت مجموعة من الأسئلة فتكوّن علم التوحيد.

الإحسان أصل الطريق إلى الله ورؤية الله في الآخرة

ثم عند الإحسان وهو هذا، إذن بداية الإجابة على السؤال الخاص بأول الحلقة: أين الطريق إلى الله ومن أين أتى؟ أتى من الإحسان الذي يقول لك: أن تعبد الله كأنك تراه.

كأنك تراه، فما دمت لن تراه في الدنيا ولكن في الآخرة ستراه:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]

ولكن أعين أم وجوه؟ لا، يقول:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ [القيامة: 22]

لم يقل أعين؛ لأن الله سبحانه وتعالى جل جلاله سنراه ولكن سنراه بطريقة أخرى غير طريقة انعكاس الضوء على جسم ثم ينعكس على المقلة أو الحدقة ثم نراه. لا، ليس كذلك؛ لأنه:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]

نشأة علم التصوف من درجة الإحسان وخطورة محاربته

وإذا أتينا إلى الإحسان، العلماء درسوه وأنشؤوا شيئًا يُسمى علم التصوف. ولذلك جريمة كبرى أن يحارب المرء التصوف؛ لأنه يحارب حقيقة الدين ويحارب درجة الإحسان.

ويريد أن يهرب من كلمة تصوف ويسميها أخلاق، قيم، مبادئ، لا أدري ماذا. هذا الكلام لم يفعله المسلمون الأوائل والعلماء الراسخون في العلم.

وإنما قالوا: والله إن محور الإحسان سنبني عليه علمًا يتحدث عن العلاقة بين العبد وربه.

كتاب منازل السائرين بين إياك نعبد وإياك نستعين وشرح ابن القيم له

وتصوروا أن هناك طريقًا أول هذا الطريق إياك نعبد وآخر الطريق وإياك نستعين. ولذلك عندما جاء الهروي ليؤلف كتابه اللطيف في هذا قال: منازل السائرين.

واحد يمشي في الطريق بين إياك نعبد وإياك نستعين، وجعل كأنه عشرة كيلومترات، وكل كيلومتر قسّمها لعشرة، فتصبح عشرة في عشرة فتصبح مائة. ففي مائة جزء ما بين إياك نعبد وإياك نستعين، وتكلم عنهم بالتفصيل في كتاب صغير جدًّا هكذا.

جاء ابن القيم رحمه الله وذهب شارحًا هذا الكتاب. هذا الكتاب شرحه أناس كثيرون، لكن ابن القيم أعلم من كتب في التصوف؛ لأنه ألّف [مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين]، وشرح هذه المائة جزئية أو المائة خطوة أو المائة درجة أو المائة مرحلة، سمّها كما تشاء.

الطريق إلى الله مقيد بالكتاب والسنة مع الاستفادة من تجربة الكون

ولكن المهم في الطريق بيننا وبين الله سبحانه وتعالى في منازل السائرين هو مقيد بالكتاب والسنة، ولكن له تجربة من الكون.

نعم، هل الإسلام أنكر تجربة الكون أم الإسلام أقرّ تجربة الكون؟ فيصبح مصدر معرفتنا كمسلمين أمرين: كتاب الله المسطور وهو القرآن الكريم، وكتاب الله المنظور وهو الكون والتجربة الكونية.

فإذا ذهبنا إلى الإمام الشافعي فيقول إن هذه مصادر المعرفة عند المسلم التي هي اثنان: كتاب الله الذي هو الوحي إما أن يكون كتاب الله وإما سنة رسوله، وإما الكون فهذا مصدر من مصادر المعرفة.

الخلاف بين المسلمين حول مصادر المعرفة بين الوحي والكون والموقف الصحيح

كتاب الله المسطور وكتاب [الله] المنظور، انتبهوا إليه؛ لأنه هو الذي فيه كل الخلاف الذي حدث بعد ذلك. بعض المسلمين يريدون أن يأخذوا من الوحي فقط، وبعض المسلمين يريدون أن يأخذوا من الكون فقط ويقولون إن الوحي لا علاقة له بنا.

ولكن الصحيح أن نأخذ معارفنا وطريقنا إلى الله من الوحي ومن الكون، كلٌّ في مكانه. نسير على قدمين وليس على قدم واحدة، وهكذا نرى بعينين.

فنحن لسنا عُورًا؛ لأن الأعور الدجال هذا مصيبة. فنحن هكذا يد واحدة لا تصفق، بل اليدان تصفقان. وهذا دليل عدم تعارض الإسلام مع العلم وعدم تعارض القرآن مع الكون.

الختام والتمهيد لحلقة قادمة عن كتاب الله المسطور والمنظور

وبهذا الشكل نريد أن نركز ونفهم في حلقة قادمة كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور وما حكايته.

فإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.