العلاقة بين القائد وجنوده | دروس مستفادة من غزوة بدر | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - سيدنا محمد, مجالس الطيبين

العلاقة بين القائد وجنوده | دروس مستفادة من غزوة بدر | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • عرض النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر نموذجاً للعلاقة بين القائد والجند مبنية على الثقة والولاء والشورى والالتزام.
  • بدر تقع على بعد 160 كيلومتراً من المدينة المنورة، واستشار النبي أصحابه قبل التوجه إليها.
  • أظهر المقداد بن عمرو استعداده للقتال مع النبي حتى لو سار بهم إلى برك الغماد، في موقف يعكس الإخلاص والتضحية.
  • جاءت غزوة بدر ردًا على ظلم المشركين وإخراجهم للمسلمين من ديارهم، ونصر الله المسلمين فيها رغم قلة عددهم.
  • الجهاد في الإسلام مفهوم واسع يشمل جهاد النفس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلمة الحق عند السلطان الجائر.
  • أسست بدر مفهوم المسلمين كأمة قوية بإيمانها لكنها ليست معتدية.
  • الإسلام دين سلام، والسلام اسم من أسماء الله وصفة للجنة وأساس في حياة المسلمين.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأهلًا ومرحبًا بكم في هذه الحلقة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر الكريم.

دروس من غزوة بدر الكبرى وترجمتها إلى واقعنا المعاصر

دروس من بدر الكبرى نعيش معها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحاول أن نتفهم كيف نترجمها إلى واقعنا المعيش في عصرنا الحاضر.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يبني العلاقة بين القائد وبين العسكر، وأنها تُبنى على الثقة وعلى الولاء وعلى الواجب وعلى الشرف وعلى الشورى بين القائد والجند، ثم بعد ذلك على الالتزام وطاعة الأوامر.

وهذا ما لا بد أن يتحقق في كل العصور؛ من أجل الوصول إلى النجاح وإلى النصر وإلى الحماية والرعاية والعناية التي يقوم بها الجيش الوطني لحماية بلاده.

خروج النبي إلى بدر والمسافة التي قطعها الجيش الإسلامي

لما جاء الخبر أن قريشًا تحركت وأنها ستغزو المدينة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى موضع بدر الكبرى. وبدر الآن هذه تعني كأنها على بُعد مائة وستين كيلومترًا من المدينة المنورة، فهناك انتقال من المدينة جنوبًا إلى بدر.

هذا الانتقال يستغرق وقتًا؛ كانت المرحلة التي يقضيها الإنسان يومين تقريبًا حوالي تسعين كيلومترًا، أي الخمسة والأربعين إلى خمسين كيلومترًا يُقدَّر أنهم ينجزونها في يوم. فالمائة وستون كيلومترًا معناه أنهم يريدون ثلاثة أيام، نحتاج إلى الهمة لأن هذه ثلاثة أيام سفر.

مشاورة النبي لأصحابه وموقف أبي بكر وعمر والمقداد

ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم الموضوع مع صحابته: ماذا نفعل؟ فقام أبو بكر فتكلم فأحسن، فقام عمر وتكلم فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امضِ لما أراك الله فنحن [معك].

يعني سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أحدًا من الأنصار يتكلم؛ لأنهم هم أكثر من معه من الصحابة. أبو بكر وعمر من المهاجرين، ففهم المقداد هذا فقال: يا رسول الله، امضِ لما أراك الله فنحن معك.

قول المقداد للنبي ومقارنته بموقف بني إسرائيل مع موسى

والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:

﴿فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]

ولكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق، لو سرتَ بنا إلى بَرْك الغِماد لجالدنا معك من دونه حتى نبلغها.

معنى برك الغماد وصعوبة السير في الرمال المتحركة

بَرْك الغِماد هذا مكان كما تقولون هكذا في الربع الخالي، ومكان فيه رمال متحركة ولا يدخله إلا من يهلك فيه الإنسان. لو تخيل أنه يدخل في بحار الرمال المتحركة فإن معنى ذلك أنه يحتاج إلى جهد ضخم حتى ينجو بحياته؛ لأنها رمال متحركة يغرق الإنسان فيها مثل البحار.

فتحتاج إلى معرفة وطريقة في السير فيها. وكان من طرق العرب في السير في الرمال المتحركة ألّا يمشي هكذا في خطوات أو في طرق واضحة، ولكنه يمشي خطوة ويقف، ويبقى معه حجر يرميه، فإذا غاص يكون الذي أمامه كله مثل الماء، ويظل يختبر.

ولذلك إذا كنتُ سأمشي خمسة وأربعين كيلومترًا في يوم فسأمشي ربما نصف كيلومتر في يوم؛ لأنني أتحسس مواطئ أقدامي. فيقول له [المقداد] إنه مجهود كبير جدًّا الثاني مائة مرة، لكن نحن مستعدون له.

معنى كلام المقداد وما فيه من همة وولاء وتضحية

فهذا معناه: لو سرنا بنا إلى بَرْك الغِماد لوجدنا [أمرًا] يحتاج إلى شدة ويحتاج إلى قوة، لوجدنا معك حتى نبلغها. كلامٌ فيه همة وفيه ولاء وفيه إخلاص وفيه تضحية بالنفس وفداء.

فالناس هؤلاء لم يخرجوا من أجل أن يظلموا، وهكذا أبدًا. كان الجهاد في الله جهادًا واسعًا.

حديث الرجوع من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس

لما رجع النبي [صلى الله عليه وسلم] مرة من الجهاد قال:

قال رسول الله ﷺ: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، ألا وهو جهاد النفس» أخرجه البيهقي في الزهد.

جهاد النفس سُمّي الأكبر لأنه يأخذ العمر كله، لكن الغزوة والحرب ستأخذ لها ماذا؟ شهرًا أو شهرين أو سنة وانتهى.

عندما رجعنا من الجهاد الأصغر لم أعد أنا الفتوة الذي أستقوي على أهلي وقومي أبدًا، لا بد أن أكون أنا الفارس النبيل الذي يعود من الحرب وقد حمى قومه وناسه وقضيته ورؤيته وإيمانه، يعود إلى الناس ليحميهم وينمّيهم ويصبح فارسًا نبيلًا.

هذا الجهاد الأكبر جهاد النفس، سُمّي أكبر لأن الزمن الذي سيأخذه [أطول]؛ لأن هو سيقيم هناك [في الحرب] شهرًا، سيقيم هنا [في جهاد النفس] طوال العمر.

جعل النبي الحج جهادًا للمرأة والضعيف وأنواع الجهاد المتعددة

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الحج جهادًا. لما سألته عائشة [رضي الله عنها]: يا رسول الله، حُرِمنا من الجهاد، ربنا يقول:

﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُا فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18]

يعني المرأة ليس لها صبر على القتال وعلى الأعمال القتالية هذه، فحُرِمنا من الجهاد. بالرغم من أن سيدات الأنصار حاربن، ولكن عمومًا النساء لا يحاربن، لكن هذا وارد أن تحارب المرأة.

أم عطية وأم سُليم بنت مِلحان كانت تدافع عن رسول الله في [غزوة] أُحد، وأبو طلحة زوجها كان يدافع معها، وأحاطوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لهم. فالمرأة كانت إذا اشتد الوطيس حاربت السيدات، لكن في العموم لا توجد حرب [للنساء].

فقال [النبي ﷺ]: لكن الحج جهاد. فالحج جهاد الصبي والشيخ الهَرِم والمرأة التي لا تقدر على هذا القتال.

أنواع الجهاد الواسعة من كلمة الحق إلى مجاهدة النفس والقتال في سبيل الله

من الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، من الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من الجهاد مجاهدة النفس، من [الجهاد] القتال في سبيل الله.

ولذلك مفهوم [الجهاد] واسع:

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39]

يعني القضية هنا قضية رد للطغيان ورد للعدوان، وإن هناك ظلمًا وقع عليهم:

﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا ٱللَّهُ﴾ [الحج: 40]

إلا أن يقولوا ربنا الله.

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]

روح التماسك في غزوة بدر ونصر الله للمسلمين رغم قلة العدد

هناك روح التماسك والترابط بين المسلمين في غزوة بدر. قال تعالى في شأن أصحاب بدر:

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُوا ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123]

كانوا ثلاثمائة واثني عشر، كان المشركون أكثر من ألف، ثلاثة أضعاف كثيرة، يعني كل ثلاثة يحيطون بواحد. الكثرة تغلب الشجاعة، ولكن الله سبحانه وتعالى سلّم، ولكن الله أمدّهم بمدد من عنده.

ولكن الله سبحانه وتعالى ذكر القاعدة الكبيرة التي تؤكد أن الإنسان قبل العُدّة، وأن الإنسان هو الذي يحرّك السلاح:

﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 249]

﴿إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160]

نعم، هذه سنة الله سبحانه وتعالى في كونه، هذه قواعد يسير عليها الإنسان عبر التاريخ.

ذكرى بدر وتأسيسها لمفهوم الجهاد والسلام عند المسلمين

في ذكرى بدر ونحن نحتفل في مثل هذه الأيام بهذه الذكرى التي تجاوزت الزمان، في الحقيقة إنها كانت أساسًا لما يحدث بعد ذلك. كانت أساسًا تُبيّن للناس مفهوم الجهاد والقتال عند المسلمين، تُبيّن للناس الإنسان [المسلم]، تُبيّن للناس أننا أقوياء ولكن بإيماننا، وأن هذه القوة تمنعنا من العدوان على الناس.

إننا أهل سلام، ديننا اسمه الإسلام، تحيتنا السلام عليكم، نهاية صلاتنا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. السلام اسم من أسماء الله نذكره في التسبيح، السلام اسم من أسماء الجنة فهي دار السلام.

هو كل شيء في حياتنا؛ لأنه ضد القتال، وهو الأساس الذي نعيش به ونصلي فننهي صلاتنا ونواجه العالم به. ومن هنا أسّست بدر كل هذه المعاني: نحن أقوياء لن نقبل الضيم، ونحن أيضًا غير معتدين على أحد من العالمين.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.