ما هي العلمانية وأنواعها وما الفرق الجذري بينها وبين الإسلام والشريعة الإسلامية؟
العلمانية هي عزل الدين والشريعة عن إدارة الحياة والمجتمع، وتنقسم إلى نوعين: متطرفة تعزل الدين عن الحياة كلها، ومعتدلة تفصله عن السياسة والدولة فقط. الإسلام يرفض العلمانية جذريًا لأنه عقيدة وشريعة معًا، والله في الرؤية الإسلامية خالق ومدبر لا خالق فحسب، والإنسان خليفة مقيد بالشريعة لا سيد مطلق. لذلك لا يمكن الجمع بين الإسلام والعلمانية لأنهما نموذجان معرفيان مختلفان اختلافًا كاملًا.
- •
هل يمكن أن يكون المسلم علمانيًا في آنٍ واحد، وما الذي يجعل الجمع بين الإسلام والعلمانية مستحيلًا؟
- •
العلمانية بفتح العين منسوبة إلى العالَم لا إلى العلم، وتعني عزل السماء عن الأرض وجعل العقل والتجربة مصدرًا وحيدًا بدلًا من الشريعة.
- •
تنقسم العلمانية إلى نوعين: متطرفة تعزل الدين عن الحياة كلها كالماركسية، ومعتدلة تفصله عن السياسة والدولة فقط مع إبقاء التدين الشخصي.
- •
الرؤية الإسلامية ترفض العلمانية لأن الله خالق ومدبر معًا، والإنسان خليفة مقيد بالشريعة لا سيد مطلق يحل الحرام ويحرم الحلال.
- •
فكرة العلمانية وُجدت قديمًا عند قوم شعيب حين فصلوا بين الصلاة وإدارة الأموال، وردّ عليها القرآن بتثبيت فكرة الربانية والتكليف الإلهي.
- •
التقدم الحقيقي مرتبط بعناصر الجدية كالمحافظة على الوقت والإتقان والديمومة، وهي قيم يؤصلها الإسلام، لا بتبني العلمانية أو رفضها.
- 0:29
النطق الصحيح للعلمانية هو بفتح العين نسبةً إلى العالَم لا إلى العلم، وهي كلمة وافدة غير مشتقة من اللغة العربية.
- 2:06
العلمانية تعني عزل السماء عن الأرض وجعل العقل والتجربة مصدرًا للتدبير بدلًا من الشريعة والوحي الإلهي.
- 2:49
الفلسفة الأرسطية أسست للعلمانية بجعل الله محركًا أولًا فقط لا مدبرًا، كصانع الساعة الذي يغيب بعد صنعها.
- 3:45
العلمانية نوعان: متطرفة تعزل الدين عن الحياة كلها وتجعل الإنسان سيدًا مطلقًا، ومعتدلة تفصل الدين عن السياسة فقط.
- 4:40
الماركسية نموذج للعلمانية المتطرفة المادية، وفي المجتمعات الإسلامية تتراوح التيارات العلمانية بين الغلو في عزل الدين وبين الفصل المعتدل.
- 5:47
العلمانية مبررة نسبيًا في الغرب بسبب الفلسفة الأرسطية التي تنفي التدخل الإلهي والنصرانية الرومانية التي تترك التدبير لقيصر.
- 6:29
الرؤية الإسلامية تجعل الله خالقًا ومدبرًا معًا خلافًا للرؤية الغربية التي تقصر دوره على الخلق وتترك التدبير للإنسان.
- 7:41
نظرية الاستخلاف تجعل الإنسان خليفةً مقيدًا بالشريعة لا سيدًا مطلقًا، فالأمة مصدر السلطات لكن ضمن سقف الشريعة الإسلامية.
- 8:57
العلمانية كلمة وافدة ليست من الحضارة الإسلامية، وخلاف ترجمتها دليل على غرابتها، مما يستوجب فهمها من مصادرها الغربية.
- 9:52
كتاب المسيري عن العلمانية الشاملة والجزئية من أبرز المراجع لفهم هذا المصطلح قبل الحكم على موافقته أو مخالفته للإسلام.
- 10:36
الأسئلة الكبرى الثلاثة هي: من أين أتينا وما معنى الحياة وإلى أين نذهب، وتجيب عنها الأديان والفلسفات بطرق مختلفة.
- 11:46
الإسلام يجيب على سؤال معنى الحياة بمفهوم التكليف الإلهي الذي يشمل الأوامر والنواهي ويمنح الوجود الإنساني هدفًا ومسؤولية.
- 12:28
الإسلام يجيب على سؤال المصير بعد الموت بإثبات اليوم الآخر بجنته وناره وحسابه، وهو ما يتكرر في كل ركعة من الصلاة.
- 13:32
العلمانية تسمي الأسئلة الكبرى بالنهائية وترفض الإجابات الدينية عليها، وهذا هو الخلاف الجوهري الأول بينها وبين الإسلام.
- 14:31
العلمانيون ربطوا إجابات الأسئلة الكبرى بالعلوم التجريبية فسُميت عِلمانية، وهو ما يفسر الخلاف في نطق الكلمة وأصلها.
- 15:14
الإيمان بالله فطري يدركه العقل البسيط بالتأمل في الكون دون حاجة إلى علوم تجريبية، وهو ما تشهد به فطرة الستة مليارات إنسان.
- 16:14
العلمانية تنحّي الله عن الإجابة على الأسئلة الكبرى دون إنكاره، وتستبدل التكليف الإلهي بالحرية المطلقة في التفكير والعمل.
- 17:01
العلمانية تتجاهل سؤالَي الخلق والمصير وتركز على تعمير الدنيا فقط، ولذلك سُميت عَلَمانية نسبةً إلى العالَم.
- 17:39
الجمع بين الإسلام والعلمانية مستحيل لأنهما نموذجان معرفيان مختلفان في ثلاثين عنصرًا، والعلمانية تقوم على النسبية بينما الإسلام على المطلقات الشرعية.
- 18:41
الاختلاف بين الإسلام والعلمانية جذري، وقصص الأنبياء في القرآن تعالج الفلسفات الكبرى المتكررة بما فيها الفكرة العلمانية.
- 19:34
القرآن يعالج الفلسفات الكبرى المتكررة عبر قصص الأنبياء، وفكرة العلمانية وُجد لها نموذج قديم في تجربة قوم سيدنا شعيب.
- 20:36
قوم شعيب جسّدوا الفكرة العلمانية بإنكارهم أي رابط بين الصلاة والتعبد وبين إدارة الأموال والأسواق، وهو نموذج علماني قديم.
- 21:37
شعيب فكّك الفكر العلماني بتثبيت فكرة الربانية والإيمان بالغيب والاحتكام إلى الوحي الإلهي المعصوم كمعيار للحياة.
- 22:49
الرد القرآني على العلمانية يقوم على إثبات الألوهية والنبوة والوحي بعلوم يقينية ومناهج دقيقة تُثبت التكليف الإلهي.
- 23:29
الدين منظومة ثلاثية من العبادة والعمارة والتزكية، والاختلال في أي منها ينتج إما تطرفًا دينيًا أو رهبنة أو فكرة علمانية.
- 24:27
آية الجمعة تجمع العبادة والتزكية والعمارة في آية واحدة، وإعادة بناء هذه الخريطة الثلاثية في الثقافة العامة هو علاج الفكرة العلمانية.
- 25:32
تطبيق العلمانية في مجتمع مسلم يعني فصل الشريعة عن إدارة الحياة، وهو ما عالجه القرآن في قصة شعيب مع قومه.
- 26:27
الوثنية الجاهلية تشبه العلمانية في اعترافها بالخالق مع عزل التدبير الإلهي عن الحياة وإسناده إلى الأصنام أو العقل البشري.
- 27:27
العلمانية تقطع إحدى رئتي الإسلام بعزل الشريعة عن الحياة، والإسلام يُعلي من شأن العقل لكن مقرونًا بالشرع لا مستقلًا عنه.
- 28:13
الطهطاوي وصف باريس بأنها شموس العلم وليل الكفر معًا، مشيرًا إلى التناقض بين التقدم العلمي والفلسفة الوضعية المنفصلة عن الدين.
- 29:34
العقل في الإسلام ملكة عظيمة لكنها نسبية الإدراك، ولذلك لا بد من اقترانه بالشرع لأن الدين قد يأتي بما هو فوق العقل.
- 30:36
العقل نسبي الإدراك يقف عاجزًا أمام عالم الغيب، ولذلك لا بد من الوحي ليكمله، وإدارة المجتمع بالعقل وحده قطع لإحدى رئتي الإسلام.
- 31:31
علماء الإسلام رفضوا تسرب القانون العلماني لأن الإنسان خليفة ووكيل لله حر في حدود الشريعة كالمحامي الموكَّل في حدود التوكيل.
- 32:29
التقدم مرتبط بالجدية في العمل لا بتبني العلمانية أو الإسلام، والعلماني والمسلم كلاهما يتقدم إذا التزم بعناصر الجدية.
- 34:43
معيار التقدم هو الجدية في العمل لا الانتماء الفكري، والنمو الحقيقي يسير بآلية ذاتية كمن يلتزم بعناصر الجدية.
- 35:52
عناصر الجدية السبعة كالوقت والإتقان والديمومة والنظام يقرها الإسلام، وهي المعيار الحقيقي للتقدم لا الانتماء للعلمانية أو الإسلام.
- 37:14
أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي جسّد المحافظة على الوقت بأكل الأرز توفيرًا للوقت، وألّف كتاب الفنون في ثمانمائة مجلد لم يؤلف مثله أحد.
- 38:32
التخلف سببه ترك الجدية في العمل لا الالتزام بالدين، والعلمانية مع الكسل تجمع بين خسارة الدنيا والدين معًا.
- 39:21
الإسلام يؤصل المحافظة على الوقت بالحديث النبوي عن المساءلة عن العمر، وعمر بن الخطاب جسّد ذلك بمحاسبة الأنفاس.
- 40:20
الأحاديث النبوية تؤسس لعناصر الجدية: أدوم الأعمال أحبها إلى الله، وإتقان العمل محبوب لله، والعمل الجماعي والنصيحة أساس التقدم.
- 40:55
الغزالي يصف علاقة العقل بالشرع بأنها تمازجية متداخلة، إذ يعمل العقل في خدمة الشرع وإقامة الأدلة عليه لا في تنحيته.
- 42:11
الفارق الجوهري بين الإسلام والعلمانية هو أن الإسلام يُعمِل العقل في خدمة الشرع طلبًا، بينما العلمانية تُعمِله هربًا منه وتفلتًا.
- 43:04
العلمانية ليست شرطًا للديمقراطية، فالنازية والشيوعية علمانيتان ودكتاتوريتان، وأوروبا العلمانية فقدت دينها حتى لم يبق فيها إلا أربعة عشر في المائة مؤمنين.
- 44:11
التقدم منظومة قيم لا مجرد اقتصاد، والغزالي يصف العقل كالبصر والشرع كالضياء، والشرع مع العقل نور على نور.
- 45:24
الدولة المدنية تعني المؤسسات والدستور والانتخابات، وهي لا تتعارض مع العمل تحت سقف الشريعة الإسلامية خلافًا للدولة العلمانية.
- 46:14
الدولة المدنية تعمل تحت سقف الشريعة الإسلامية التي تحفظ النفس والعقل والدين والكرامة، ولا تناقض بين المدنية والمرجعية الإسلامية.
- 46:54
العلمانية غريبة عن الهوية المصرية والإسلامية لأنها وافدة منذ 1828 ولا يفهمها الناس، والمجتمع بهويته وتراثه يأبى العلمانية.
- 48:12
العلمانية لا تصلح لمجتمعاتنا لغرابتها عن الهوية والفطرة، والتقدم يكون بالتأصيل والثقة بالذات، والاختلاف بين الإسلام والعلمانية جذري لا يقبل التوفيق.
ما النطق الصحيح لكلمة العلمانية وما أصلها اللغوي؟
النطق الصحيح هو العَلَمانية بفتح العين لا العِلمانية بكسرها، لأن العِلمانية تُنسب إلى العلم وهذا غير صحيح. أما العَلَمانية فمنسوبة إلى العالَم، وهي مصدر غير قياسي كان المفترض أن تكون العالَمانية نسبةً إلى العالم.
ما تعريف العلمانية وما معناها الجوهري؟
العلمانية في أبسط تعريف لها هي عزل السماء عن الأرض، أي جعل العقل والتجربة والواقع هو المصدر بدلًا من الشريعة والوحي. وتعني أن يصبح الإنسان والمجتمع والعالم مستقلًا بذاته يُدار بالقوة المودعة فيه دون تدبير إلهي ودون شريعة سماوية.
ما أثر الفلسفة الأرسطية في نشأة العلمانية الغربية؟
في الرؤية الأرسطية يُعدّ الله مجرد خالق للعالم وهو ما يُسمى المحرك الأول، فالعالم يُدار بالقوة المودعة فيه دون تدخل إلهي. وهذا يشبه صانع الساعة الذي جعل في داخلها ما يديرها ثم غاب عنها، وهو ما أسس لفكرة عزل الشريعة والدين عن المجتمع.
ما أنواع العلمانية وما الفرق بين العلمانية المتطرفة والمعتدلة؟
العلمانية نوعان: الأول متطرف يعزل الدين عن الحياة كلها بما فيها منظومة القيم، والثاني أقل تطرفًا يعزل الدين عن السياسة والدولة فقط مع إبقاء التدين الشخصي. النوع المتطرف يجعل الإنسان سيدًا للكون بحيث يمكن لإرادة الأمة أن تحل الحرام أو تحرم الحلال دون سقف شرعي.
ما علاقة الماركسية بالعلمانية وكيف تتجلى التيارات العلمانية في المجتمعات الإسلامية؟
الماركسية علمانية متطرفة لأنها مادية تريد عزل الدين عن الحياة والمجتمع كليًا. وفي المجتمعات الإسلامية توجد تيارات مادية تسعى إلى تنظيم قوانين الأسرة والحياة بعيدًا عن الشرع، وهي محاولة لعزل الدين عن الحياة. وثمة تيارات أقل تطرفًا تريد فصل الدين عن السياسة فقط مع الحياد إزاء التدين.
لماذا قد تكون العلمانية مبررة في الغرب الذي نشأت فيه؟
العلمانية قد تكون مبررة في سياقها الغربي لسببين: أولًا الفلسفة الأرسطية التي لا تجعل هناك تدخلًا إلهيًا في إدارة العالم، وثانيًا النصرانية الرومانية التي تقول إن مملكة المسيح ليست في هذا العالم وما لقيصر لقيصر، مما يُخرج التدبير الإلهي عن المجتمع ويتركه لقيصر.
كيف تختلف الرؤية الإسلامية للكون عن الرؤية العلمانية وما الفارق بين الخالق والمدبر؟
الرؤية الإسلامية تختلف جذريًا عن العلمانية، إذ إن الله سبحانه ليس مجرد خالق بل له الخلق والأمر معًا كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. بينما الحضارة الغربية ترى أن نطاق عمل الذات الإلهية ينتهي عند الخلق وأن التدبير من داخل المجتمع المستقل بذاته، مما يجعل الإنسان سيد الكون يستطيع أن يحل الحرام ويحرم الحلال دون سقف شرعي.
ما نظرية الاستخلاف في الإسلام وكيف تجعل الإنسان مقيدًا بالشريعة لا سيدًا مطلقًا؟
نظرية الاستخلاف تجعل الإنسان وكيلًا نائبًا خليفةً لسيد الكون لا سيدًا مطلقًا، فهو حر قادر مدبر لكن كخليفة ووكيل. وبذلك تكون سلطاته مقيدة، فالأمة مصدر السلطات بشرط ألا تحل حرامًا أو تحرم حلالًا، والشريعة الإسلامية هي بنود عقد الاستخلاف. وكما قال محمد عبده: الإنسان عبد لله وحده وسيد لكل شيء بعده.
هل هناك تضاد حقيقي بين مفهوم العلمانية والشريعة الإسلامية وما دلالة كون العلمانية كلمة وافدة؟
العلمانية كلمة جديدة وافدة ليست من إنتاج الحضارة الإسلامية ولا من اشتقاقاتها، وهذا يدل على أنها مفهوم غريب عن هذه الحضارة. وقد أحدث ترجمتها خلافًا بين عَلمانية وعِلمانية وعالَمانية، مما يؤكد أنها ليست من منظومتنا الفكرية، وهو ما يستوجب الرجوع إلى أصلها الغربي لفهمها قبل الحكم عليها.
ما أبرز المراجع لفهم العلمانية الشاملة والجزئية وما الفرق بينهما؟
من أبدع ما كُتب في هذا الموضوع كتاب العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية للمرحوم عبد الوهاب المسيري، وهو كتاب في جزأين يشرح بالتفصيل معنى كل منهما. العلمانية الشاملة تعزل الدين عن الحياة كلها، بينما العلمانية الجزئية تفصله عن السياسة والدولة فقط مع إبقاء التدين الشخصي.
ما الأسئلة الكبرى الثلاثة التي تشغل البشرية وكيف تجيب عنها الأديان والفلسفات؟
الأسئلة الكبرى الثلاثة هي: سؤال متعلق بالماضي وهو من أين أتينا، وسؤال متعلق بالحاضر وهو ما معنى هذه الحياة، وسؤال متعلق بالمستقبل وهو إلى أين نذهب بعد الموت. تجيب عنها الأديان السماوية والفلسفات الوضعية بطرق مختلفة، والإسلام والمسيحية واليهودية تتفق على أن الله خلق الإنسان.
كيف يجيب الإسلام على سؤال معنى الحياة وما دور التكليف في هذه الإجابة؟
الإسلام يجيب على سؤال معنى الحياة بأن الإنسان مكلَّف، والتكليف يعني أن هناك أمرًا ونهيًا من الإله يشمل الصلاة والصيام والحج والنهي عن السرقة والرشوة وغيرها. هذا التكليف هو الذي يمنح الحياة معنى ويربطها بالمسؤولية أمام الله.
كيف يجيب الإسلام على سؤال المصير بعد الموت وما تفاصيل اليوم الآخر؟
الإسلام يجيب على سؤال المصير بأن هناك يومًا آخر فيه جنة ونار وحساب وعقاب وثواب، ويرسم الدين بالتفصيل هذا الحال. وفي كل ركعة من الصلاة يقرأ المسلم: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مما يجعل الإجابة على هذا السؤال حاضرة في يقين المسلم وهويته.
كيف تختلف إجابات العلمانية عن إجابات الإسلام على الأسئلة الكبرى وما الذي تسميه العلمانية بالأسئلة النهائية؟
العلمانية ترفض تسمية هذه الأسئلة بالكبرى وتسميها الأسئلة النهائية، وترفض الإجابات الدينية عليها. فهي لا تقبل مسلّمة أن الله خلق الإنسان وكلّفه وإليه المرجع، بل تريد البحث عن إجابات أخرى. وهذا هو أول خلاف جوهري بين الإسلام والعلمانية، إذ إن الإجابات مختلفة اختلافًا جذريًا.
لماذا أراد العلمانيون ربط إجابات الأسئلة الكبرى بالعلوم التجريبية وكيف نشأت تسمية العِلمانية؟
العلمانيون يريدون البحث في الفلك والجيولوجيا وعلوم الأرض والسماء للإجابة على وجود الله وما إذا كان قد خلق الخلق وأوحى إلينا. ومن هنا ألبسوا قضية العلم على هذا الأمر ليسموها عِلمانية، كأن الإجابة على هذه الأسئلة تحتاج إلى علم تجريبي، وهو ما يفسر الخلاف في تسمية الكلمة.
هل الإيمان بالله يحتاج إلى علوم تجريبية أم أنه فطري يدركه العقل البسيط؟
الإيمان بالله فطري لا يحتاج إلى علوم تجريبية معقدة، فالتأمل البسيط في الكون كافٍ كما قال الأعرابي: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير. وستة مليارات إنسان عالمهم وجاهلهم يقولون إن هناك إلهًا لأن القصور الذاتي مخالف لفطرة الإنسان وعقله وأصل الخلقة.
ما موقف العلمانية من التكليف الإلهي وكيف تتعامل مع سؤال وجود الله؟
العلمانية لا تنكر وجود الله لكنها تنحّيه عن الإجابة على الأسئلة الكبرى، وهذا التنحية يعني إخراجه عمليًا من دائرة التأثير. وعندما يُسأل العلماني عن التكليف يقول: لا تكليف محدد، عليك أن تكون محسنًا مع الناس وتعمر الأرض بالتفكير والعمل الحر دون ضوابط شرعية.
كيف تجيب العلمانية على الأسئلة الثلاثة الكبرى وما علاقة ذلك بتسميتها عَلَمانية؟
العلمانية تؤجل الإجابة على سؤال الخلق وتتجاهل سؤال ما بعد الموت، وتركز على الحياة الدنيا فقط. ولذلك سُميت عَلَمانية أي أنها تريد تعمير هذا العالم فقط. وهي تريد جعل الإجابات على الأسئلة الكبرى إيمانية شخصية بحيث يصنع كل فرد تصوره للكون كما يشاء.
لماذا لا يمكن أن يكون المسلم علمانيًا وما علاقة ذلك بمفهوم النموذج المعرفي؟
لا يمكن الجمع بين الإسلام والعلمانية لأن كلًا منهما نموذج معرفي مستقل، وعند مقارنة عناصر النموذجين نجد ثلاثين عنصرًا مختلفة والإجابات مختلفة في كل منها. كما أن العلمانية الشاملة تقوم على النسبية المطلقة حيث كل شيء نسبي، بينما الإسلام يقوم على مطلقات شرعية لا تقبل النسبية.
كيف يمكن توضيح الاختلاف الجذري بين الإسلام والعلمانية في مواجهة الدعوات إلى الدولة العلمانية؟
الاختلاف بين الإسلام والعلمانية جذري لأن الإسلام دين وشريعة يحكم الحياة كلها، بينما العلمانية تريد فصل الدين عن إدارة المجتمع. وقد أشار علماء القرآن إلى أن قصص الأنبياء لم تأتِ للموعظة فقط بل لمعالجة الفلسفات الكبرى المتكررة في أطوار البشرية، ومنها فكرة العلمانية.
كيف عالجت قصص الأنبياء في القرآن الفلسفات الكبرى المتكررة ومنها فكرة العلمانية؟
علماء القرآن يرون أن كل نبي كان يناقش فكرة وفلسفة كبرى من الفلسفات المتكررة في أطوار البشرية. فكرة العلمانية وُجد لها نموذج قديم في تجربة قوم سيدنا شعيب، وفكرة قصر المعرفة على التجربة والحس وُجد لها نموذج قديم أيضًا. والقرآن ينقل حوار الأنبياء مع أقوامهم بوصفه معالجات قرآنية لرؤوس النظريات الفلسفية.
كيف جسّد قوم شعيب الفكرة العلمانية بفصلهم بين الصلاة وإدارة الأموال؟
قوم شعيب قالوا له: أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، أي إنهم رفضوا أي رابط بين التعبد والصلاة وبين إدارة الأسواق والحركة المالية. وهذا هو جوهر الفكرة العلمانية: فصل الدين عن إدارة الشأن الاقتصادي والاجتماعي.
كيف فكّك سيدنا شعيب الفكر العلماني وما المرتكز القرآني في هذا التفكيك؟
أول إجابة لسيدنا شعيب كانت تثبيت فكرة الربانية بقوله: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقًا حسنًا. فالمرتكز القرآني في تفكيك الفكر العلماني هو تثبيت الإيمان بالغيب والاحتكام إلى معيار إلهي جاء عن طريق الوحي المعصوم المحفوظ المنقول نقلًا منضبطًا.
كيف تثبت العلوم اليقينية الألوهية والنبوة والوحي كأساس لرد الفكرة العلمانية؟
المنهج القرآني في مواجهة العلمانية يقوم على إثبات أن هناك يقينًا وعلومًا يقينية ومناهج بحثية دقيقة نقلت التكليف الإلهي، وقبلها ثبتت فكرة الألوهية وفكرة الغيب وفكرة النبوة وفكرة الوحي. وهذا ما عبّر عنه شعيب بقوله: إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله.
ما خريطة الدين الثلاثية وكيف يؤدي الاختلال بين عناصرها إلى التطرف أو العلمانية؟
خريطة الدين مكونة من ثلاث مناطق: العبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس. التمسك بالعبادة فقط ينتج التدين المتطرف المتشدد، والتمسك بالتزكية فقط ينتج الرهبنة والعزلة، أما التمسك بعمارة الأرض فقط بمعزل عن العبادة والتزكية فينتج الفكرة العلمانية.
كيف جمعت آية الجمعة بين العبادة والتزكية والعمارة وما علاقة ذلك بعلاج الفكرة العلمانية؟
آية الجمعة جمعت المفاهيم الثلاثة في آية واحدة: إذا نودي للصلاة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، فالصلاة عبادة وذكر الله تزكية وذروا البيع إشارة إلى حركة العمران. ثم بعد الصلاة: فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا. والعلاج هو جمع هذه الخريطة مرة أخرى في بناء الثقافة العامة والأجيال.
ما خطورة تطبيق العلمانية في مجتمع مسلم وما الانعكاسات السلبية على الشريعة والسلام الاجتماعي؟
تطبيق العلمانية في مجتمع مسلم يعني فصل الشريعة عن إدارة المجتمع، وهو ما يتعارض مع طبيعة الإسلام الذي يجمع العقيدة والشريعة. وقد جسّد قوم شعيب هذا المنطق العلماني الدنيوي حين أرادوا الفصل بين العقيدة وإدارة الاقتصاد، مما يدل على أن هذا الفصل يُفضي إلى استقلال المجتمع عن التدبير الإلهي.
كيف كانت الوثنية الجاهلية تعترف بالخالق وتعزل التدبير الإلهي عن الحياة كما تفعل العلمانية؟
الوثنية الجاهلية لم تكن تنكر أن الله خالق كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. لكنها كانت تسأل الصنم في شؤون التدبير كالسفر والزواج والحرب، فجعلت التدبير في الدنيا ليس للذات الإلهية. وهذا يشبه تمامًا الرؤية العلمانية التي تقف بالذات الإلهية عند مجرد الخلق.
لماذا تُعدّ العلمانية قطعًا لإحدى رئتي الإسلام وما علاقة العقل بالشرع في الإسلام؟
الإسلام عقيدة وشريعة لا يختلف على ذلك اثنان، فإذا أُريد مجتمع علماني فهذا يعني عزل الشريعة والاكتفاء بالعقيدة والشعائر فقط، وهو ما يُعدّ قطعًا لإحدى رئتي الإسلام. أما العقل فله مقام عالٍ في الإسلام لكنه يعمل مع الشرع لا مستقلًا عنه، بينما العلمانية تُؤلّه العقل وتجعله المرجع الوحيد.
كيف وصف الطهطاوي الحضارة الغربية العلمانية وما معادلته الشعرية الشهيرة عن باريس؟
الطهطاوي عندما ذهب إلى باريس عام 1826 رأى تقدمًا في العلوم المدنية والطبيعية والتجريبية، لكنه رأى أيضًا فلسفة وضعية تحتكم للعقل فقط ولا تؤمن بالكتب السماوية. ووصف هذه الفلسفة بأن لها حشوات ضلالية مخالفة لكل الكتب السماوية، وصاغ معادلته في بيتين: أيوجد مثل باريس ديار شموس العلم فيها لا تغيب، وليل الكفر ليس له صباح أما هذا وحقكم عجيب.
ما مكانة العقل في الإسلام ولماذا لا يكفي العقل وحده دون الشرع في إدارة المجتمع؟
العقل له مقام عالٍ في الإسلام وتتحدث عنه مئات الآيات في التدبر والتفكر والتذكر واللب والنهى. لكن الطهطاوي قال إنه لا عبرة بالتحسين والتقبيح بالعقل وحده بل لا بد من الشرع مع العقل، لأن العقل ملكة نسبية الإدراك وهناك ما يعلو عليه. والدين لا يأتي بما يخالف العقل لكن قد يأتي بما هو فوق العقل.
لماذا يعجز العقل عن إدراك عالم الغيب وكيف يكمل الوحي ما يقصر عنه العقل؟
عالم الغيب يشمل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وحقائق كُنه الذات الإلهية وصفات الجلال لا يستطيع العقل إدراكها. ولما كان العقل نسبي الإدراك لا بد أن يأتي الوحي ليكمل ما يقصر عنه. ولذلك فإن إدارة المجتمع بالعقل وحده كما تريد العلمانية يُفضي إلى قطع إحدى رئتي الإسلام.
كيف وقف الطهطاوي وعلماء الإسلام في مواجهة تسرب القانون العلماني وما مفهوم الإنسان كوكيل لله؟
الطهطاوي وعلماء الإسلام رفضوا تسرب القانون العلماني لأنه لا يمكن أن يكون المسلمون مقلدين للمجتمعات العلمانية ويعزلون شريعتهم. والإنسان في الإسلام خليفة ووكيل ونائب لله، وكما أن المحامي الموكَّل يُعطى الحرية لكن في حدود التوكيل، فالإنسان حر لكن في حدود عقد التوكيل الذي هو الشريعة الإسلامية.
هل تقدم الغرب سببه العلمانية وكيف يُردّ على من يربط بين العلمانية والديمقراطية والتقدم؟
التقدم والتخلف له معيار آخر غير تبني العلمانية أو الإسلام، ومقياسه الجدية في العمل لا الأفكار باسمها. والعلماني إذا اتخذ الجدية سيتقدم، والمسلم إذا اتخذ الجدية سيتقدم، فالمقياس هو عناصر النجاح لا الانتماء الفكري.
ما معيار التقدم والتخلف الحقيقي وما الفرق بين التنمية والنمو؟
معيار التقدم هو الجدية لا تبني العلمانية أو الإسلام، والجدية لها عناصر من التزم بها تقدم. والفرق بين التنمية والنمو أن التنمية تحتاج إلى خطة، بينما النمو يسير بآلية ذاتية ككرة الثلج التي تزداد بقوة الجاذبية دون تخطيط. وأي بشر سواء على المستوى الفردي أو الجماعي يتقدم بالجدية.
ما عناصر الجدية التي يقرها الإسلام وتُحقق التقدم الحقيقي؟
عناصر الجدية هي: المحافظة على الوقت، والصدور عن علم، والديمومة والاستمرار، والإتقان، والعمل في نظام الفريق، والنظام. وهذه العناصر يقرها الإسلام ويؤصلها، فالحاكم في التقدم هو هذه العناصر لا كون الشخص علمانيًا أو مسلمًا، فالعلماني والمسلم كلاهما يتقدم إذا التزم بها.
كيف جسّد أبو الوفاء بن عقيل المحافظة على الوقت وما إنجازه العلمي الاستثنائي؟
أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي كان يحافظ على وقته لدرجة أنه كان يأكل الأرز جافًا لأنه يستغرق ثلاث دقائق بدلًا من الخبز الذي يستغرق خمسًا، موفرًا دقيقتين. وبهذه المحافظة على الوقت ألّف كتاب الفنون في ثمانمائة مجلد، وهو كتاب لم يؤلف مثله أحد في العالمين.
ما سبب التخلف الحقيقي وكيف تجمع العلمانية بين خسارة الدنيا والدين معًا؟
التخلف سببه ترك العمل والجدية لا الالتزام بالدين، فأمة تعمل ثمانية وعشرين دقيقة في اليوم ستتخلف مهما كانت مسلمة. وإذا كانت علمانية فستجمع بين الخسارتين: خسارة الدنيا بترك العمل وخسارة الدين بتركه. فالقضية ليست إسلامًا وعلمانية بل هي عناصر النجاح المجتمعة في كلمة الجدية.
كيف يؤصل الإسلام المحافظة على الوقت ومحاسبة النفس كأساس للحضارة والتقدم؟
الإسلام يؤصل المحافظة على الوقت بالحديث النبوي: لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه. وعمر بن الخطاب كان يحاسب نفسه محاسبة الأنفاس، وعُرف في التربية الإسلامية مفهوم محاسبة الأنفاس الذي يعني مراقبة النفس ومحاسبتها مع كل نَفَس.
ما الأحاديث النبوية التي تؤسس لعناصر الجدية كالإتقان والديمومة في العمل؟
النبي ﷺ قال: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّت، وهذا يؤسس لعنصر الديمومة. وقال: إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه، وهذا يؤسس لعنصر الإتقان. وقال: الدين النصيحة، وهذا يؤسس للعمل الجماعي. فالله في الإسلام يأمر بالجدية والنجاح المقيس والعمل هو المقياس.
ما الفرق بين إعمال العقل في الإسلام وبين إعمال العقل في الفكر العلماني؟
الغزالي في المستصفى يقول إن العقل يعمل حول النص الشرعي فيقيم الأدلة على أنه حجة من عند الله، ثم يفكر في فهمه وتحليله ومجالاته، ثم يلقي بقياده إليه مستسلمًا. فعلاقة العقل بالشرع علاقة مركبة تمازجية متداخلة، والعقل يخدم الشرع ويقرره وينشئ منظومات من العلوم الخادمة له.
ما الفرق بين العقل الذي يخدم الشرع طلبًا والعقل العلماني الذي يُنحّيه هربًا؟
العقل في الإسلام يُعمَل في فهم الشرع طلبًا لتمديده وإيجاده في حياة الناس، بينما الفكر العلماني يُعمِل العقل هربًا من الشرع وتفلتًا من معانيه ويدعو إلى جعل الدين قضية شخصية فردية نسبية. والفارق بين عمل الإنسان للشيء طلبًا وبين عمله هربًا هو الفارق الجوهري بين الإسلام والعلمانية.
هل العلمانية شرط للديمقراطية وما الدليل على ذلك من تجربة النازية والشيوعية؟
العلمانية ليست شرطًا للديمقراطية، فالنازية والفاشية هي قمة العلمانية وكانت دكتاتورية لا علاقة لها بالديمقراطية، والدول الشيوعية والماركسية هي قمة العلمانية المتطرفة ولا علاقة لها بالديمقراطية. وفي أوروبا التي تُعدّ مهد العلمانية لا يؤمن بوجود إله إلا أربعة عشر في المائة، وفي فرنسا يذهب للقداس أقل من خمسة في المائة.
لماذا التقدم الحقيقي منظومة قيم لا مجرد اقتصاد وكيف يصف الغزالي علاقة العقل بالشرع؟
التقدم منظومة قيم وليس مجرد بورصة وحسابات وأموال، وتقارير التنمية البشرية تتحدث عن الاقتصاد فقط وتغفل منظومة القيم والأخلاق. والغزالي يصف العقل بأنه كالبصر والشرع كالضياء، فمن له عقل بلا شرع كمن له عينان سليمتان يمشي في الظلمة، ومن له شرع بلا عقل كالمغمض عينيه في النهار، والشرع مع العقل نور على نور.
ما الفرق بين الدولة المدنية بمرجعية إسلامية والدولة العلمانية؟
الدولة المدنية تعني وجود برلمان وفصل بين السلطات الثلاث ودولة مؤسسات ودستور وقانون وانتخابات نزيهة وتداول للسلطات. وهذا لا يتعارض مع أن تعمل هذه المؤسسات تحت سقف النظام العام والآداب الذي يحفظ النفس والعقل والدين والكرامة والملك. أما العلمانية فمسألة أخرى تختلف عن الدولة المدنية.
كيف تعمل الدولة المدنية تحت سقف الشريعة الإسلامية دون تناقض؟
الدولة المدنية تعمل تحت سقف النظام العام والآداب الذي يحفظ النفس والعقل والدين وكرامة الإنسان وملكه ورفاهته وعمارة الأرض والتزكية والعبادة. وهذا لا تناقض فيه إطلاقًا، فالدولة مدنية في مؤسساتها وسقفها هو الحضارة الإسلامية، أما العلمانية فمسألة أخرى مختلفة.
لماذا تُعدّ العلمانية غريبة عن الهوية المصرية والإسلامية ولا تصلح لمجتمعاتنا؟
العلمانية دخلت مع المعجم الفرنسي منذ 1828 والناس لا يفهمونها حتى الآن، مما يجعلها نخبة تتحدث إلى نفسها بعيدًا عن الخلق. والمصري مسلمًا كان أو مسيحيًا يريد دينًا يرجع إليه. وللمجتمع هوية متمثلة في التراث والحاضر وتركيبة الشخصية المكونة من العقلية والنفسية، وكل هذه المكونات لا علاقة لها بالعلمانية وتأبى العلمانية.
ما خلاصة الاختلاف الجذري بين الإسلام والعلمانية ولماذا لا تصلح العلمانية لمجتمعاتنا؟
العلمانية لا تصلح لمجتمعاتنا لأنها غريبة عن فطرة الإنسان المسلم وهويته وتراثه، والتقدم لا يكون إلا بالرجوع إلى الذات والثقة بالنفس والتأصيل. وخلاصة الحلقة أن هناك اختلافًا جذريًا بين الإسلام والعلمانية، وليس هناك مسلم علماني كما يدعو البعض، والكلمة عَلمانية بفتح العين لا عِلمانية.
العلمانية تعزل الشريعة عن الحياة وهي مناقضة للإسلام الذي يجمع العقيدة والشريعة والعبادة والعمارة في منظومة واحدة لا تتجزأ.
العلمانية بمفهومها الجوهري هي عزل الدين والشريعة عن إدارة المجتمع والدولة، وتنقسم إلى نوعين: متطرفة تعزل الدين عن الحياة كلها بما فيها منظومة القيم، ومعتدلة تفصله عن السياسة فقط. وقد نشأت في الغرب على أساس الفلسفة الأرسطية التي تجعل الله مجرد محرك أول لا مدبر، والنصرانية الرومانية التي تترك تدبير المجتمع لقيصر، وهذا ما يجعلها قابلة للتبرير في سياقها الغربي لكنها غريبة تمامًا عن الإسلام.
الإسلام يرفض العلمانية لأن الله فيه خالق ومدبر معًا، والإنسان خليفة مقيد بالشريعة لا سيد مطلق. وقد عالج القرآن هذه الفكرة قديمًا في قصة شعيب حين فصل قومه بين الصلاة وإدارة الأموال، فردّ عليهم بتثبيت الربانية والتكليف الإلهي. والدين في الإسلام منظومة ثلاثية متكاملة: عبادة وعمارة وتزكية، وتفكيك هذه المناطق هو الذي ينتج الفكرة العلمانية، أما التقدم الحقيقي فمرتبط بالجدية في العمل لا بتبني العلمانية.
أبرز ما تستفيد منه
- العلمانية عزل للشريعة عن الحياة وهي نموذج معرفي مختلف كليًا عن الإسلام.
- الإنسان في الإسلام خليفة مقيد بالشريعة لا سيد مطلق يحل الحرام ويحرم الحلال.
- الدين الإسلامي منظومة ثلاثية: عبادة وعمارة وتزكية لا تقبل التفكيك.
- التقدم مرتبط بعناصر الجدية كالإتقان والديمومة والوقت وهي قيم يؤصلها الإسلام.
- لا يمكن الجمع بين الإسلام والعلمانية لأنهما نموذجان معرفيان متناقضان في ثلاثين عنصرًا.
تقديم المذيع للضيوف وسؤال عن تعريف العلمانية ونطقها الصحيح
[المذيع]: شكرًا، معنا أيضًا فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء والمفكر الإسلامي، ونرحب بفضيلتك دكتور عمارة، أهلًا بك ومرحبًا بكم. ومعنا الداعية الإسلامي الدكتور أسامة الأزهري عضو هيئة تدريس كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، ونرحب بك أهلًا وسهلًا.
فضيلة الدكتور، كالمعتاد كما طلبت مني أن نبدأ بالدكتور عمارة، فأستاذنا الكريم الأستاذ الدكتور محمد عمارة، هل هي عَلمانية أم عِلمانية؟ وتعريفها يعني كمقدمة لبداية هذا الحوار، نحن نتحدث عن العلمانية والتيارات الدينية، فهل لك أن تُطلعنا بداية على مفهوم العلمانية؟
[الشيخ محمد عمارة]: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين. أولًا هي بفتح العين العَلَمانية وليست العِلمانية؛ لأن العِلمانية تكون من العلم وهذا ليس صحيحًا، إنما هي العَلَمانية من العالَم، وهي مصدر غير قياسي، كان المفترض أنها تكون العالَمانية نسبة إلى العالم.
تعريف العلمانية بأنها عزل السماء عن الأرض وجعل العالم مستقلًا بذاته
[الشيخ محمد عمارة]: لماذا [سُميت بالعَلَمانية]؟ لأن العَلَمانية لو أردنا تعريفًا شديد الإيجاز هي عزل السماء عن الأرض، عزل السماء عن الأرض؛ لأنها تُترجم أيضًا بالدنيوية، أي جعل العقل والتجربة والعالم والواقع هو المصدر وليس الشريعة وليست السماء.
بمعنى أن يصبح الإنسان مستقلًا بذاته، والعالم مستقلًا بذاته، والمجتمع مستقلًا بذاته، يُدار بالقوة المودعة في هذا العالم دون تدبير إلهي ودون شريعة سماوية.
الفلسفة الأرسطية وأثرها في نشأة العلمانية الغربية وتشبيه صانع الساعة
[الشيخ محمد عمارة]: وأنا أريد أن ألقي نظرة ولو بشكل سريع على فلسفة هذه العلمانية.
[المذيع]: تفضل يا دكتور.
[الشيخ محمد عمارة]: في الحضارة الغربية، في الرؤية الأرسطية عند أرسطو، الله مجرد خالق للعالم، خلق العالم وحرّكه، ولذلك يُسمى المحرك الأول. فالعالم يُدار بالقوة المودعة فيه دون تدخل ورعاية وتدبير إلهي. المجتمع يُدار بالقوة المودعة فيه دون تدخل شرعي ودون تدبير إلهي.
بالضبط مثل الذي صنع الساعة، جعل في داخلها ما يديرها دون أن يكون صانع الساعة موجودًا فيها. إذ هي عزل السماء، عزل الشريعة، عزل الدين عن المجتمع وعن الإنسان.
نوعا العلمانية المتطرفة والمعتدلة وأثرهما على عزل الدين عن الحياة
[الشيخ محمد عمارة]: وهذا طبعًا في التصور المغالي والمتطرف للعلمانية؛ لأن العلمانية فيها نوعان: نوع يعزل السماء عن الأرض، يعزل الدين عن الحياة بما فيها حتى منظومة القيم، ونوع آخر أقل تطرفًا يعزل الدين عن السياسة والدولة والمجتمع ويُترك التدين في المجتمع.
طبعًا هذه الرؤية التي تجعل السماء معزولة، والدين والشريعة معزولين عن تدبير المجتمع، هي تجعل الإنسان سيدًا للكون، ولذلك فإن إرادة الأمة وسلطة الأمة يمكن أن تُحِلّ الحرام أو تُحرِّم الحلال. إذن هي دنيوية، إذن هي جعل الواقع هو المصدر هو المرجع، جعل العقل والتجربة، العقل المجرد عن الشريعة، وعزل الشريعة عن الحياة.
الماركسية كعلمانية متطرفة والتيارات المادية في المجتمعات الإسلامية
[الشيخ محمد عمارة]: والمنادون بدولة علمانية يريدون الأكثر تطرفًا أم الأقل تطرفًا؟ يعني نحن عرفنا على نطاق العالم أن الماركسية علمانية متطرفة؛ لأنها مادية، تريد أن تعزل الدين عن الحياة وعن المجتمع.
في المجتمعات الإسلامية، التيارات المادية التي هي التيارات - يعني - ملحدة زنادقة منافقون، هؤلاء أيضًا غلاة من العلمانيين يريدون عزل الدين عن الحياة. يعني مثلًا الناس الذين يريدون تنظيم قوانين الأسرة وقوانين الحياة كل هذا بعيدًا عن الشرع، هذه محاولة لعزل الدين عن الحياة.
لكن هناك أناس أقل تطرفًا يقولون: لا يوجد دين في السياسة ولا توجد سياسة في الدين، لكن يتركون ويقفون موقفًا محايدًا إزاء التدين. يعني نحن للإنصاف نقول إن العلمانية فيها علمانية مغالية متطرفة، علمانية مادية من الناحية الفلسفية، وفيها مجرد أنهم يريدون فصل الدين عن السياسة وعن الدولة، وهؤلاء أقل تطرفًا.
مبررات العلمانية في الغرب بين الفلسفة الأرسطية والنصرانية الرومانية
[الشيخ محمد عمارة]: لكنني أريد أن أشير إلى أن هذه الرؤية قد تكون مبررة في الغرب الذي نشأت فيه العلمانية. أولًا: الفلسفة الأرسطية لا تجعل هناك تدخلًا إلهيًا في إدارة العالم وفي تدبير العالم.
وأيضًا في النصرانية الرومانية كانوا يقولون أن المسيح قال: مملكتي ليست في هذا العالم، ما لقيصر لقيصر. إذن هي أيضًا تُخرج الذات الإلهية والتدبير الإلهي عن المجتمع وتترك تدبير المجتمع لقيصر.
الرؤية الإسلامية المناقضة للعلمانية والفارق بين الخالق والمدبر
[الشيخ محمد عمارة]: بالنسبة للرؤية الإسلامية، فهي على العكس من ذلك تمامًا.
[المذيع]: يعني فضيلتك ترى أن العلمانية مبررة في الغرب الذي نشأت فيه؟
[الشيخ محمد عمارة]: بالنظر إلى طبيعتها، يمكن أن تكون مبررة - ولو أنها أحدثت كارثة في الغرب - يمكن أن نتحدث عن موقفها، أي ماذا صنعت بالمسيحية في الغرب. لكن في الرؤية الإسلامية، الله سبحانه وتعالى ونطاق عمل الذات الإلهية ليس مجرد خالق.
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]
﴿إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]
إذن الرؤية الإسلامية - وأنا أريد أن أشير إلى أن الفارق بين دين ودين، فلسفة وفلسفة، حضارة وحضارة هي الرؤية للكون. يعني إذا كانت الحضارة الغربية رؤيتها للكون أن نطاق عمل الذات الإلهية ينتهي عند الخلق وأن التدبير من داخل هذا المجتمع، مجتمع مستقل بذاته، الإنسان مستقل بذاته، فإذا هذه رؤية للكون، وأن الإنسان سيد الكون تمامًا، يستطيع أن يحل الحرام وأن يحرم الحلال دون سقف شرعي.
نظرية الاستخلاف في الإسلام والإنسان خليفة مقيد بالشريعة لا سيد مطلق
[الشيخ محمد عمارة]: الرؤية الإسلامية: الذات الإلهية ليست مجرد خالق، بل خالق ومدبر، هذه واحدة. الإنسان ليس سيد الكون إنما هو خليفة لسيد الكون، ونظرية الاستخلاف تجعل الإنسان وكيلًا نائبًا خليفة.
إذن هو حر قادر مستطيع مدبر لذاته ولمجتمعه ولكونه، لكن كخليفة ووكيل. إذن هو مقيد في سلطاته؛ الأمة مصدر السلطات شرط ألا تُحِلَّ حرامًا أو تُحَرِّم حلالًا، فالشريعة الإسلامية هي بنود عقد وعهد الاستخلاف.
إذن هذه هي الرؤية الفلسفية الإسلامية للكون، تجعل الإنسان ليس سيد الكون وإنما كما قال الشيخ محمد عبده: الإنسان عبد لله وحده وسيد لكل شيء بعده. إذن هذه رؤية الإسلام التي تجعل هذه الرؤية الفلسفية ترفض العلمانية التي تحرر الكون والدولة والمجتمع والإنسان من التدبير الإلهي ومن الشريعة الإلهية.
سؤال المذيع عن التضاد بين العلمانية والشريعة وبداية إجابة الشيخ علي جمعة
[المذيع]: فضيلة مفتي الديار الأستاذ الدكتور علي جمعة، أفهم أن هناك تضادًا بين مفهوم العلمانية والشريعة الإسلامية، أم أن لكم رؤية تكمل رؤية الدكتور عمارة أو توضحها؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذه كلمة جديدة وافدة علينا، إذن فلا بد من الرجوع إلى الأصل المستعمل في الغرب.
هذه الكلمة عندما أردنا أن نترجمها، حدث كما أشار الدكتور عمارة هذا الخلاف بين كونها عَلمانية أو عِلمانية أو عالَمانية، ومعنى هذا أنها ليست من إنتاجنا وليست من حضارتنا وليست من اشتقاقاتنا.
ضرورة فهم المصطلح العلماني من مصادره الغربية وكتاب المسيري
[الشيخ]: نعم، هذا إذن مصطلح بإزاء مفهوم وارد إلينا، فلا بد علينا أن نفهم ماذا يريدون. من أبدع ما كُتِب في هذا - حتى نحكم إذا كان هذا موافقًا للإسلام أو مخالفًا للإسلام أو موافقًا لحضارتنا وتاريخنا وهويتنا أو مخالفًا لذلك - كتاب «العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية» للمرحوم عبد الوهاب المسيري، وهو كتاب في جزأين يشرح فيه بالتفصيل ما معنى العلمانية الشاملة وما معنى العلمانية الجزئية التي أشار إلى بعضها الدكتور عمارة.
الأسئلة الكبرى الثلاثة التي تشغل البشرية وإجابات الأديان والفلسفات عليها
[الشيخ]: القضية أن كل إنسان من الستة مليارات في الأرض يتشوف للإجابة على هذه الأسئلة: سؤال متعلق بالماضي، وسؤال متعلق بالحاضر، وسؤال متعلق بالمستقبل.
وهنا تأتي الأديان السماوية وتأتي الفلسفات الوضعية لتجيب بطرق معينة ومختلفة على هذه الأسئلة الثلاثة، ولذلك نسميها في حضارتنا بالأسئلة الكبرى؛ لأنها أسئلة شاملة لكل البشر، لأنها هي التي حيّرت الإنسان، لأنها هي التي إذا ما تأمل الإنسان في وجوده وفي الكون حوله فإنه يسأل هذه الأسئلة.
[المذيع]: ما الأسئلة هذه الثلاثة الكبيرة التي حيّرت الناس وأجاب عنها كل دين؟
[الشيخ]: من أين أتينا؟ مِمّا نحن؟ من أين أتينا؟ الماضي الخاص بالإسلام واضح أن الله خلقنا.
[المذيع]: نعم، وكذلك الدين واضح.
[الشيخ]: المسيحية تقول إن الله خلقنا، واليهودية تقول إن الله خلقنا.
السؤال الثاني عن معنى الحياة وإجابة الإسلام بالتكليف والأوامر والنواهي
[الشيخ]: إذن ماذا نفعل هنا؟ وما معنى هذه الحياة؟ يعني لماذا أنا موجود هنا؟ فهذا السؤال متعلق بالحاضر، بواقعه الآن.
هذا السؤال أجاب عنه الإسلام وقال له: أنت مكلّف، ومكلّف معناه أن هناك أمرًا ونهيًا من الإله يقول لك: صلِّ وصُم، إياك أن تسرق، إياك أن تنهب، إياك أن ترتشي، حُجَّ، وأوامر ونواهٍ وأوامر ونواهٍ.
حسنًا، وما فائدة كل هذا التعب؟ العبد وأقوم أتوضأ للفجر وأصلي وأعمل وما إلى ذلك؟
السؤال الثالث عن المصير بعد الموت وإجابة الإسلام باليوم الآخر والحساب
[الشيخ]: فيجيبني [الإسلام] على السؤال الثالث: ماذا سيكون غدًا؟ وأنا أرى الناس تموت وتولد، ورأيته هو يولد ونصبح فرحون غاية الفرح وهو يولد، ثم بعد ذلك تمر الحياة، ثم يموت، ويموت في أي مرحلة كانت: وهو طفل، وهو شاب، وهو شيخ، سبحان الله.
حسنًا، إلى أين نذهب؟ فتأتي الإجابة الثالثة أن هناك يومًا آخر فيه جنة، فيه نار، فيه حساب، فيه عقاب، فيه ثواب. ويرسم لنا الدين وبالتفصيل - دين الإسلام - هذا الحال في هذا اليوم.
وفي صلاتنا في كل ركعة نقول:
﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 4-5]
فهنا الإجابة على الأسئلة الثلاثة واضحة عندي وفي ذهني ومستقرة في يقيني وفي هويتي وأنا نشأت على هذا.
الفلسفة العلمانية ترفض الإجابات الدينية وتسمي الأسئلة الكبرى بالنهائية
[الشيخ]: فوجدت هذه الفلسفة [العلمانية] التي جاءت لي تقول لي: لماذا تدخل أنت المدخل هذا ونحن لم نعرف بالحكاية هذه التي تقول أن الله خلقنا؟ لا، أنا لي مدخل آخر. قلت له: لك مدخل آخر غير أنك تؤمن بأن الله هو الذي خلق، وبأن الله هو الذي كلّف، وبأن الله هو الذي إليه المرجع والمآب، لك إجابات أخرى؟
قال لي: نعم. إذن هذا أول خلاف بيني وبينك؛ لأنك الآن تسألني هل هذا مخالف أم غير مخالف، يعني مختلف أم لا، صحيح؟
[المذيع]: نعم هكذا.
[الشيخ]: إذن هو مختلف بين العلمانية والحضارة الإسلامية والإسلام. إنه هنا يقول لي: بالنسبة للسؤال الأول، أنا لا أرغب في جعل اسمه الأسئلة الكبرى، أريد أن أجعل اسمها الأسئلة النهائية. قلت له: ماذا تعني؟
المنهج العلماني في البحث عن وجود الله بالعلوم التجريبية وتسمية العلمانية
[الشيخ]: قال لي: سأجلس أبحث وأبحث في الفلك وفي الجيولوجيا وفي الأرض وفي السماء لكي أجيب على هذه المسألة. قلت له: تجيب على ماذا؟ قال لي: أجيب إذا كان هناك الله أم لا، وأجيب على إذا كان الله قد خلق هذا الخلق أم لا، وأجيب على ما إذا كان ربنا أوحى إلينا لنفعل أو لا نفعل كما تقول أم لا.
ومن هنا ذهبوا فألبسوا قضية العلم في هذا الأمر ليسموها عِلمانية، وكأن الإجابة على هذه الأسئلة تحتاج إلى علم، حتى لأنها أسئلة نهائية.
الإيمان بالله فطري لا يحتاج إلى علوم تجريبية واستدلال الأعرابي البسيط
[الشيخ]: قلت له: لكنني بدون العلم هذا - الجيولوجيا والفلك وغير ذلك إلى آخره والفيزياء والكيمياء والطب وكل شيء - وأنا مؤمن به يعني، لكن أنا حتى التأمل في هذا الكون العظيم الذي حولنا وببساطة هكذا، كما قال الأعرابي: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير، يعني فنهار ساجٍ وليل داجٍ وبحار ذات أمواج وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: فهذه شيء يشبه الفطرة في الإنسان، ستة مليارات، عالمهم وجاهلهم، يقولون إن هناك إلهًا؛ لأن القصور الذاتي مخالف لفطرة الإنسان وعقله وأصل الخلقة. فلماذا تريدني أن أربط بين هذه العلوم الجميلة التي تُعمِّر الكون وبين الإجابة على السؤال؟
تنحية الله عن الإجابة على الأسئلة الكبرى وموقف العلمانية من التكليف
[الشيخ]: أولًا، أنا مختلف معك حتى في هذا الأسلوب، ولكن هذه الإجابة الأولى هي إجابة فطرية. ثانيًا، ما دمت قد قلت إن أنا انتظر حتى أعرف هل يوجد رب أم لا، فهذا يعني أننا نحّيناه وليس أنكرناه؛ لأننا كلما قلنا نحّيناه يفهم بعضهم ويقول: لا، نحن لا ننكر ربنا، وأنا أعرف ذلك أنك أنت لا تنكر ربنا، لكن من ناحيته أخرجته عن الإجابة.
لن أجيب [على سؤال وجود الله الآن]، حسنًا، فبماذا أكون مكلفًا الآن؟ قال: بلا شيء، أنت عليك أن تكون محسنًا مع الناس وأن تعمر الأرض. كيف؟ قال: فكر وتدبر وقل واعمل. وهنا تأتي نقطة الحرية: دعه يعمل، دعه يمر.
إجابات العلمانية المختلفة على الأسئلة الثلاثة وتسميتها بالعَلَمانية
[الشيخ]: فهذه هي الإجابة على الأسئلة الثلاثة مختلفة [عن إجابات الإسلام]. وبعد ذلك يقول لي: حسنًا، وما بعد الموت؟ فأقول له: ومن سيعيش أيضًا؟ أنا لن أجيب عليه، سأهتم بحياتي الدنيا، ولذلك سموها عَلَمانية، أي أنني أريد أن أُعمِّر هذا العالم.
إذن، إذا كنا نريد أن نناقش، فلنناقش بهذه الصراحة. هذه هي الإجابة على الأسئلة الكبرى التي يسمونها الأسئلة النهائية. هم يريدون أن يجعلوها إيمانية، أي أن كل واحد منا يصنع الكون كما تراه.
المطلق والنسبي في العلمانية واستحالة الجمع بين الإسلام والعلمانية
[الشيخ]: وهنا ننتقل إلى نقطة أخرى وهي المطلق والنسبي: هل يوجد مطلق أم أن كل شيء نسبي؟ فالذي يظهر في العلمانية أن النسبية هذه شيء مهم جدًا، خاصة في العلمانية الشاملة، وهذه النسبية هي كل شيء، لكن المهم هو الكم والإنتاج والعقد والاستهلاك ومبادئ كثيرة تكوِّن ما نسميه بالنموذج المعرفي.
لكن القضية - لماذا - وهذا وُجِد في الصحافة وفي الإعلام وما شابه - لا يوجد مسلم علماني؟ يريدون أن يجعلوني مسلمًا علمانيًا، فنقول لا يمكن. لماذا؟ لأن هذا نموذج معرفي وذاك نموذج معرفي آخر مختلفان.
عندما نأتي إلى النموذج المعرفي ونضع عناصره نجدها ثلاثين عنصرًا مختلفين، الإجابات مختلفة، فهو مختلف، فكيف يكون مسلمًا علمانيًا؟ لا يمكن ذلك، لا يستوي الأمر، لا يستوي الأمر.
سؤال المذيع للدكتور أسامة الأزهري عن فض الاشتباك بين الإسلام والعلمانية
[المذيع]: حسنًا، إذا الأمر واضحًا وجليًا. ضيفي العزيز فضيلة الدكتور أسامة الأزهري، كما أوضح فضيلة المفتي وفضيلة الدكتور عمارة، هناك اختلاف جذري بين الإسلام كدين وشريعة وبين العلمانية. كيف نفضّ الاشتباك وهناك تيارات والبعض يتحدث عن أننا نريد دولة علمانية أو أن هناك تيارات علمانية؟ كيف ترى هذا الاشتباك وكيف يمكننا توضيح الصورة لهؤلاء؟
[الشيخ أسامة الأزهري]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه. أما بعد، علماء القرآن وعلماء التفسير قالوا إن قصص الأنبياء التي تحدثتنا عن سيدنا موسى وحواره مع قومه وتحدثتنا عن سيدنا شعيب وكيف تعامل مع قومه لم تأتِ لمجرد الموعظة والعبرة.
قصص الأنبياء تعالج الفلسفات المتكررة وفكرة العلمانية عند قوم شعيب
[الشيخ أسامة الأزهري]: لا، فكل نبي من الأنبياء كان يناقش فكرة وفلسفة كبرى من الفلسفات المتكررة في أطوار البشرية. ففكرة العلمانية وُجد لها نموذج قديم في الفكر البشري عالجها نبي من الأنبياء. فكرة قصر مصادر المعرفة على التجربة أو الحس، ووُجد لها نموذجًا قديمًا في التجارب البشرية المتكررة، عالجها نبي من الأنبياء.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ أسامة الأزهري]: والقرآن الكريم هو ينقل لي حوار الأنبياء مع أقوامهم، فهو في الحقيقة ينقل لنا مجموعة معالجات قرآنية لرؤوس النظريات الفلسفية المتكررة في أطوار التاريخ البشري.
خذ عندك مثالًا على ذلك: فكرة العلمانية بهذه المفاهيم وبهذه الرؤية وُجدت قديمًا في تجربة وحضارة وثقافة بشرية قديمة في قوم سيدنا شعيب.
قوم شعيب يفصلون الصلاة عن إدارة الأموال كنموذج علماني قديم
[الشيخ أسامة الأزهري]: فسيدنا شعيب يقول:
﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 84]
ثم حدّث قومه قائلًا: لا تنقصوا المكيال والميزان ولا تعثوا في الأرض مفسدين. فبدأ قوم شعيب يبرز في كلامهم عرض عجيب وغريب لمفهوم العلمانية في تلك التجربة البشرية القديمة.
قالوا:
﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 87]
يقولون له: ما هو الرابط بين الصلاة والتعبد وبين إدارة الأسواق وإدارة الحركة المالية وإقامة المجمعات الاستهلاكية وإقامة محافظ الاستثمار؟ ما هي العلاقة بين الصلاة والتدين وبين إدارة الأموال؟
تفكيك سيدنا شعيب للفكر العلماني بتثبيت فكرة الربانية والبينة من الله
[الشيخ أسامة الأزهري]: انظر، انظر إلى المفهوم العلماني القديم عند قوم شعيب، قالوا:
﴿قَالُوا يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ [هود: 87]
فانظر أول إجابة لسيدنا شعيب وهي النقاش القرآني والتفكيك القرآني لفكرة العلمانية:
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 88]
إذن، المرتكز القرآني في تفكيك الفكر العلماني الذي يعزل إدارة الحياة وحركة الأموال ونمط الإدارة والنظم الإدارية للبلاد والعباد، النظام الذي يفصل هذه المهام عن فكرة الدين وعن التشريع الإلهي الحاكم، أول نقطة لتفكيكه ومناقشته: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من الرب، بتثبيت فكرة الربانية والإيمان بالغيب والاحتكام إلى معيار إلهي جاء إلينا عن طريق الوحي المعصوم المحفوظ المنقول نقلًا منضبطًا ودقيقًا.
مناقشة الفكرة العلمانية بالعلوم اليقينية وثبوت الألوهية والنبوة والوحي
[الشيخ أسامة الأزهري]: فيناقشون الفكرة العلمية بهذا المدخل:
﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 88]
أنا عندي يقين وعلوم يقينية ومناهج بحثية وطرق علمية دقيقة نقلت لي التكليف الإلهي، وثبتت قبلها فكرة الألوهية، وثبتت فكرة الغيب، وثبتت فكرة النبوة، وثبتت فكرة الوحي، حتى برزت هذه النتيجة:
﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]
خريطة الدين الثلاثية العبادة والعمارة والتزكية وخطر الاختلال بينها
[الشيخ أسامة الأزهري]: وفي فكرة ثانية صغيرة جدًا، أن خريطة الدين في الحقيقة أنه مكون من ثلاث مناطق شديدة الأهمية: العبادة، العمارة، والتزكية.
صحيح أن كثيرًا من الناس يتصور الدين مجموعة من الشعائر والعبادات وقيام الليل وكثرة الذكر فقط، بينما الخريطة الواضحة التي لا بد من إعادة بنائها في العقول وفي الثقافة العامة أن التصور الكلي للدين أنه مكون من ثلاثة أشياء: عبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس.
بعض الناس يتمسك في قضية العبادة فقط وتبالغ فيها فتُنتج لدي أنماطًا من التدين المتطرف المتشدد. بعض الأنماط من الناس تتمسك في قضية التزكية وذكر الله والمنظومة الأخلاقية فقط فتنتج لدي أنماطًا من الرهبنة والعزلة. بعض الأنماط من الناس تتمسك في قضية عمارة الأرض فقط بمعزل عن العبادة والتزكية فتُنتج الفكرة العلمانية.
آية الجمعة تجمع بين العبادة والتزكية والعمارة كعلاج للعلمانية
[الشيخ أسامة الأزهري]: فكيف نعيد بناء العقلية على نحو يوازن بين الأمور الثلاثة: أن دين الله تعالى عبادة، وعمارة للأرض، وتزكية للنفس؟ وانظر إلى آية واحدة من القرآن جمعت الثلاثة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الجمعة: 9]
إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، هذه عبادة. فاسعوا إلى ذكر الله، تزكية نفس. وذروا البيع، حركة العمران في المجتمع.
ثم قال الله تعالى:
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]
إذا قُضيت الصلاة تمت العبادة، فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله حتى تدور حركة الإنتاج والعمل في المجتمع، واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون. فجمع الله تعالى هذه المفاهيم الثلاثة.
الخلاصة أن الدين عبادة وعمارة وتزكية. تفكيك هذه المناطق هو الذي ينتج منه فكرة العلمانية. العلاج هو جمع هذه الخريطة مرة أخرى في بناء الثقافة العامة، وفي بناء الأجيال، وفي تنشئة الإنسان، وفي تصحيح التصور عن الدين في الفكرة العامة.
خطورة تطبيق العلمانية في مجتمع مسلم والوثنية الجاهلية كنموذج علماني قديم
[المذيع]: حسنًا، خطورة حدوث عدم توازن في المجتمع طبقًا لما ذكر الدكتور أسامة وفضيلة الدكتور عمارة وتأثيرهما على المجتمع، أي أن الذين ينادون بأن تكون الدولة علمانية في مجتمع مسلم، إذا طُبق هذا المفهوم، ما هي الانعكاسات السلبية على المجتمع وعلى السلام الاجتماعي فيه وعلى الشريعة؟
[الشيخ محمد عمارة]: حتى إن الدكتور أسامة أشار إلى بُعد تاريخي في رسالات النبوات، سيدنا شعيب يعني القوم يتحدثون بمنطق علماني، منطق دنيوي، يعني نعم نصلي ونعبد ويكون هناك عقيدة، لكن ما علاقة ذلك بالاقتصاد وبإدارة حركة المجتمع؟ هم هنا يريدون أن يقولوا إن المجتمع مستقل بذاته وأن الإنسان في هذا المجتمع مستقل.
الوثنية الجاهلية تعترف بالخالق لكنها تعزل التدبير الإلهي عن الحياة
[الشيخ محمد عمارة]: أريد أن أشير إلى بُعد شبيه بهذه الوثنية الجاهلية، تكلم بمنطق علماني. يعني انظر، نحن قلنا إن أرسطو كان يرى أن الله مجرد خالق، والمسيحية الرومانية ترى أن الله مجرد خالق لأن مملكته ليست في هذا العالم، وإنما التدبير متروك لقيصر، فقيصر هذا ليس هناك سلطان ديني على تدبيره.
انظر، الوثنية الجاهلية لم تكن تنكر أن الله خالق:
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [لقمان: 25]
لكن التدبير، عندما يريد الوثني أن يسافر أو لا يسافر، يتزوج أو لا يتزوج، يحارب أو يسالم، يسأل من؟ لا يسأل الذات الإلهية، يسأل الصنم. إذن هو جعل التدبير في العالم وفي الدنيا ليس للذات الإلهية؛ لأنه وقف بالذات الإلهية عند مجرد الخلق.
الإسلام عقيدة وشريعة والعلمانية تقطع إحدى رئتي الإسلام
[الشيخ محمد عمارة]: نحن في الإسلام لا يختلف اثنان على أن الإسلام عقيدة وشريعة.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ محمد عمارة]: لو أردت أن تكون هناك دولة علمانية ومجتمع علماني، معنى ذلك أنك تعزل الشريعة وتكتفي في العلمانية المؤمنة بأن يكون هناك مجرد اعتقاد ومجرد عبادات ومجرد شعائر. إذن أنت تقطع إحدى رئتي الإسلام.
كون العلمانية تجعل الإنسان سيد الكون والتدبير في الدولة والمجتمع والسياسة للعقل والتجربة، هذا أيضًا فلسفة وضعية غربية التي هي تؤلّه العقل، بينما في الإسلام للعقل مقام عالٍ وعظيم، لكن العقل مع الشرع.
رفاعة الطهطاوي يصف باريس بشموس العلم وليل الكفر ويرفض الفلسفة الوضعية
[الشيخ محمد عمارة]: وذلك يعني حتى الطهطاوي عندما ذهب إلى باريس سنة ألف وثمانمائة وستة وعشرين، ورأى الحياة في باريس وفي المدن الإفرنجية الكبرى، قال: هنا في علم العلوم، علوم التمدن المدني التي لها دخل في العمران وفي عمران المجتمع، لكن هؤلاء الناس عندهم فلسفة وضعية تحتكم للعقل فقط ولا تؤمن بما في الكتب السماوية.
وذكر معادلة شديدة الغرابة: في علوم وتقدم في علوم مدنية وطبيعية وتجريبية وغيرها، لكن هنا فلسفة وضعية تحتكم إلى الواقع فقط ولا علاقة لها بالدين. فتكلّم عن أن هذه الفلسفة وصفها الطهطاوي قائلًا: ولهم في الفلسفة حشوات ضلالية مخالفة لكل الكتب السماوية.
وبعد ذلك صاغ المعادلة التي شاهدها في باريس وفي الغرب في بيتين من الشعر فيهما ظرافة، حيث يقول:
أيوجد مثل باريس ديارٌ ... شموسُ العلمِ فيها لا تغيبُ وليلُ الكفرِ ليس له صباحٌ ... أما هذا وحقكم عجيبُ!
مكانة العقل في الإسلام وضرورة اقترانه بالشرع لا الاستقلال عنه
[الشيخ محمد عمارة]: يبقى إذا عُزِل الدين عن المجتمع وأصبح العقل وحده هو المتحكم وهو المدير؟ العقل له مقام عالٍ في الإسلام، وفي تسع وأربعين آية في القرآن كلام بشكل مباشر عن العقل، في التدبر والتفكر والتذكر واللبّ والنُّهى، يعني حوالي مئات الآيات تتحدث عن العقل.
لكن الطهطاوي قال أنه لا عبرة بالتحسين والتقبيح بالعقل وحده، وإنما لا بد من الشرع مع العقل. لماذا؟ لأن العلماني يقول لك: العقل وفقط.
حسنًا، العقل ملكة من ملكات الإنسان، وكل ملكات الإنسان نسبية الإدراك، هناك ما يعلو على العقل. وكما قال علماؤنا مثل الشيخ محمد عبده والأفغاني وغيرهما وغيرهم من العلماء يقولون: إن الدين لا يأتي بما يخالف العقل، لكن قد يأتي بما هو فوق العقل.
عالم الغيب يفوق إدراك العقل والوحي ضرورة لاستكمال المعرفة البشرية
[الشيخ محمد عمارة]: يعني عالم الغيب الذي فيه:
قال النبي ﷺ: «ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر»
حقائق كُنه الذات الإلهية وصفات الجلال والكمال والجمال للذات الإلهية، الكُنه والحقيقة لا يستطيع العقل أن يدرك هذا الكون وهذه الحقيقة.
إذا وطالما أن العقل نسبي الإدراك، لا بد أن يأتي الوحي. ومن هنا، العلمانيون يريدون إدارة المجتمع بالعقل وحده، فنقول لهم: إن العقل على عظمته، هناك مناطق - كما كان يقول الأفغاني - يقف عندها أمام سرادق عزة الذات الإلهية.
إذن الشرع مع العقل، والشريعة مع التجربة ومع الخبرة ومع كل هذه الأمور في إدارة المجتمع. أما إذا عُزِلت الشريعة بالعلمانية فهذا كما قلت هو قطع إحدى رئتَي الإسلام.
موقف الطهطاوي وعلماء الإسلام من تسرب القانون العلماني إلى المجتمعات المسلمة
[الشيخ محمد عمارة]: إذا أردت أن أقول: منذ إطلالة تسرب هذا القانون العلماني عندما زادت الجاليات الأجنبية والنفوذ الأجنبي وشركة قناة السويس، فكان هناك موقف من علمائنا وعلى رأسهم وفي مقدمتهم رفاعة الطهطاوي لرفض هذا؛ لأنه لا يمكن أن نكون مجرد مقلدين للمجتمعات العلمانية ونعزل شريعتنا.
لأنه كما قلت: الإنسان ليس سيد الكون، وكما قال فضيلة المفتي هو سيد في الكون وليس سيدًا للكون؛ لأن سيد الكون هو الذات الإلهية. الإنسان في الإسلام خليفة ووكيل ونائب، فعندما أوكّل المحامي في قضية أعطيه الحرية لكن في حدود التوكيل. الإنسان نائب خليفة ووكيل لله سبحانه وتعالى، حر لكن في حدود عقد التوكيل الذي هو الشريعة الإسلامية.
فاصل البرنامج والعودة بسؤال عن تقدم الغرب العلماني وعلاقته بالعلمانية
[المذيع]: مجموعة من التساؤلات سنطرحها بعد هذا الفاصل إن سمحت دكتور عمارة، مجموعة من التساؤلات بعد الفاصل.
وسلِّم دائمًا أبدًا على حبيبك خيرُ الخلقِ كلِهم، مولاي صلِّ.
[المذيع]: يقول قائل: العالم الغربي وهؤلاء الذين صدّروا لنا هذا المفهوم في حالة تقدم كبيرة، ولديهم حرية وديمقراطية وما إلى ذلك من الأمور التي نتطلع أو نتشوق لها نحن كمجتمعات آخذة في النمو، بماذا تردّ عليهم إذا كان هناك اختلاف جذري ما بين الإسلام وبين العلمانية؟ الذين يروجون لهذا المذهب، كيف نقول لهم أن هذا مخالف فعلًا للشريعة الإسلامية وأنه ليس سبب تقدم؟ ربما يكون العيب فينا.
معيار التقدم والتخلف هو الجدية وليس تبني العلمانية أو الإسلام
[الشيخ]: القضية أن التقدم والتخلف له معيار آخر غير تبني العلمانية أو تبني الإسلام. التقدم والنمو والتخلف وازدياد التخلف مقياسه الجدية وليس مقياسه تبني هذه الأفكار باسمها.
مجموعة القواعد والضوابط التي وضعوها على اعتبار أنهم - يعني - هذا أكبروا العلم أكثر من إفراز، ولكن عندما يتقدم البشر - أي بشر - سواء على المستوى الفردي أو سواء على مستوى الجماعة الصغيرة كالأسرة أو المدرسة أو المؤسسة أو المجتمع أو الأمة، بماذا تتقدم البشرية؟
تتقدم إذا ما التزم الإنسان بما يسمى بالجدية. الجدية لها عناصر، من التزم بها استطاع أن ينجح نجاحًا مقيسًا مدركًا له معيار نقيس به، وتقدم فعلًا، ويخرج من حالة التنمية إلى حالة النمو.
عناصر الجدية السبعة من المحافظة على الوقت إلى النظام والإتقان
[الشيخ]: الفرق بين التنمية والنمو أن التنمية تحتاج إلى خطة، لكن النمو يسير بآلية مثل كرة الثلج عندما تنزل من العلو إلى السفل فإنها تزداد دائمًا وحدها بقوة الجاذبية. فإذا كان النمو يحدث فيه، يحدث فيه من غير وضع خطة.
ما الجدية؟ الجدية عناصرها هي:
-
أولًا: المحافظة على الوقت.
-
ثانيًا: الصدور عن علم.
-
ثالثًا: الديمومة والاستمرار.
-
رابعًا: الإتقان.
-
خامسًا: العمل في نظام الفريق.
-
سادسًا: النظام.
-
سابعًا: وهكذا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: السؤال الآن هو أن هذه العناصر يقرها الإسلام.
[المذيع]: لا يقر هذا [أي العلمانية].
[الشيخ]: نعم، هذا هو الحاكم، هذا هو الحاكم، وليس الحاكم أن هذا علماني وهذا إسلامي. العلماني إذا اتخذ هذه الجدية سوف يتقدم، والإسلامي إذا اتخذ هذه الجدية سوف يتقدم.
نموذج أبي الوفاء بن عقيل في المحافظة على الوقت وتأليف ثمانمائة مجلد
[الشيخ]: إذا حافظت على وقتي سأتقدم، وقد حدث ذلك؛ فالصحابة فعلوا هكذا، والحضارة الإسلامية فعلت هكذا. وكان لدينا أحد علماء الحضارة الإسلامية اسمه أبو الوفاء بن عقيل، كان يحافظ على وقته جدًا لدرجة أنه كان يلتهم الأرز جافًا، فيجعل وجبته عبارة عن التهام الأرز هكذا ولا يأكل الخبز.
فسألوه: هل في الخبز شيء؟ فقال: لا، لكن أكل الأرز يستغرق ثلاث دقائق وأكل الخبز يستغرق خمس دقائق وأنا لست متفرغًا، يعني يوفر دقيقتين.
ماذا فعل أبو الوفاء بن عقيل؟ ألّف كتابًا لم يؤلف مثله أحد في العالمين.
[المذيع]: ألّف كتابًا اسمه، أي الذي هو شرح ابن عقيل؟
[الشيخ]: لا لا، هذا ابن عقيل [آخر]، هذا قريب لكن ابن عقيل هذا كان في القرن الرابع أربعمائة وقليل يصبح الخامس. لكن ابن عقيل الحنبلي أبو الوفاء الحنبلي ألّف كتابًا اسمه «الفنون» في ثمانمائة مجلد، ثمانمائة مجلد! يعني لو طُرح الآن لأصبح في ألفي مجلد. هل يستطيع شخص، هل تستطيع منظمة أو مؤسسة أن تؤلف كتابًا في ألفي مجلد؟
التخلف سببه ترك العمل والجدية لا الالتزام بالدين والعلمانية تجمع الخسارتين
[الشيخ]: فإذا جاءت أمة مهما كانت مسلمة أو تمسكت بالعبادة ثم إنها لا تعمل إلا ثمانية وعشرين دقيقة في اليوم، فهذا لا يُرضي الله وسنتخلف، سنتخلف.
وحتى على فكرة لو كنا علمانيين، يعني لو كنا علمانيين فسنكون قد جمعنا بين الخسارتين، أي خسرنا الدنيا والدين. إذا كان هذا المسلم الذي يعمل ثمانية وعشرين دقيقة في اليوم وهو غير راضٍ أن يعمل الثماني ساعات الخاصة به، فإنه سيفشل.
إذن القضية ليست قضية إسلام وعلمانية، بل هي قضية عناصر النجاح، وعناصر النجاح التي تجتمع في كلمة الجدية.
الإسلام يأمر بالمحافظة على الوقت ومحاسبة النفس كأساس للحضارة والتقدم
[الشيخ]: ولو جلسنا لنرى كيف يحافظ الإسلام على [عناصر الجدية]، طبعًا انظر، انظر، انظر إلى الفعل وانظر إلى التطبيق وانظر إلى النظر:
قال النبي ﷺ: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه»
أو الأمر كذلك، فإنه لا بد أن يُسأل عن الزمن الذي أمضاه. والإمام سيدنا عمر يقول: والله ما يدخل نَفَس وأرجو أن يخرج، ولا يخرج نَفَس - كان يحاسب نفسه محاسبة الأنفاس.
وعُرف في التربية الإسلامية ما يسمى بمحاسبة الأنفاس. تخيل أنك تنتبه إلى نفسك في كل لحظة، تخيل أنك تراقب نفسك وتحاسبها مع كل نَفَس، وتأخذ مع كل نَفَس يدخل وتقول: ما هذا؟ ما هذا؟ ما هذه الهمة؟ ما هذا الوضع؟ لا، هؤلاء هم أناس كانوا أبناء الحضارة.
أحاديث نبوية تؤسس للجدية والإتقان والديمومة في العمل كمعيار للتقدم
[الشيخ]: عندما يأتي [النبي ﷺ] ليقول لك:
قال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّت»
وكان عمله دائمًا أي مستمرًا هكذا. وعندما يأتي ويقول:
قال النبي ﷺ: «إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه»
وعندما يأتي ويقول: لينوا في أيدي إخوانكم. وعندما يأتي ويقول: الدين النصيحة. وعندما يأتي ويقول: عندما نمسك هكذا [بالتعاون والعمل الجماعي].
فإن الله في ديننا يأمرنا بالجدية والنجاح المقيس الذي عندما نقيسه نقول: نعم هذا تقدم، فتكون هذه دول متقدمة لأنها تمكنت من تحقيق ذلك. فالعمل هو المقياس هنا.
الفرق بين إعمال العقل في الإسلام وبين العلمانية التي تنحي الشرع
[المذيع]: حسنًا دكتور أسامة، قد يقول قائل إن الإسلام يدعو إلى إعمال العقل وهذا ما تدعو إليه العلمانية، وبالتالي ربما يكون هناك نوع من التضاد بين هذا وذاك.
[الشيخ أسامة الأزهري]: هذه المقولة تتناول أعمال العقل وعلاقته بما يأمر به الإسلام. يعني الإمام الكبير حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في أول كتابه [المستصفى] في أصول الفقه يقول: أن العقل يعمل حول النص الشرعي فيقيم الأدلة على أنه حجة من عند الله، ثم يفكر في كيفية فهمه وتحليله، ثم يفكر في مجالاته، أعمال النص الإلهي، ثم بعد ذلك يلقي بقياده إلى ذلك النص مستسلمًا ومؤمنًا ومقرًا ومذعنًا.
فعلاقة العقل بالشرع الشريف علاقة مركبة، والشرع الشريف يحيطه العقل من كل جانب على وجه الخدمة له؛ لأن هذا الشرع الشريف وحي إلهي، فالعقل يخدمه ويقرره وينشئ منظومات من العلوم الخادمة له، فهذه علاقة تمازجية متداخلة.
الفرق بين العقل الذي يخدم الشرع طلبًا والعقل العلماني الذي ينحيه هربًا
[الشيخ أسامة الأزهري]: بينما هناك [في الفكر العلماني] العقل يريد أن ينحي فكرة الشرع من المنظومة، يريد أن يحيّدها، أن يجعلها فكرة يبادر فيقول: أنا لا أرفضها ابتداءً، لكن لا أصر على الأخذ بها، ويدعو إلى جعلها قضية شخصية فردية نسبية.
فهذا شتان ما بين هذا وذاك، شتان ما بين عقل يحيّد الدين ويرفضه وينتهي في النهاية إلى إخراجه من منظومة الحياة، وفيما بين العقل [الذي يخدم الشرع].
كان مولانا فضيلة المفتي يعلمنا الفارق بين عمل الإنسان للشيء طلبًا وبين عمل الإنسان للشيء نفسه هربًا. الشرع الشريف يُعمِل العقل في فهم الشرع طلبًا لتمديده وإيجاده في حياة الناس، بينما الفكر العلماني يُعمِل الشرع مع العقل هربًا منه وتفلتًا من معانيه. الشريعة في إجازة [أي في راحة عند العلمانيين].
العلمانية ليست شرطًا للديمقراطية والنازية والشيوعية أكبر دليل على ذلك
[المذيع]: الخلاصة فضيلة المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة عن العلمانية: نريد للمواطن البسيط أن يطمئن ويفهم هذا المفهوم، يعني عندما يقال من العلمانيين إنه كي تكون هناك ديمقراطية لا بد أن تكون الدولة علمانية؟
[الشيخ محمد عمارة]: نقول لهم: النازية والفاشية هي قمة العلمانية وكانت دكتاتورية لا علاقة لها بالديمقراطية. فالدول الشيوعية والماركسية هي قمة العلمانية المتطرفة ولا علاقة لها بالديمقراطية.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ محمد عمارة]: أنهم يقولون إن العلمانية لا تجور على الدين وأنها محايدة بالنسبة للدين، نقول لهم: دعونا نرى تجربة أوروبا. إن الذين يؤمنون بوجود إله، مجرد وجود إله حتى ولو لم يعبدوه، في أوروبا أربعة عشر في المائة. في فرنسا التي هي أكبر بلاد الكاثوليكية، بِنْت الكاثوليكية، الذي يذهب للقداس مرة في الأسبوع ثلاثة ملايين، يعني أقل من خمسة في المائة، يعني نصف عدد المسلمين الذين يصلون الجمعة في فرنسا.
التقدم الحقيقي منظومة قيم وليس مجرد اقتصاد والجمع بين الدين والدنيا ضرورة
[الشيخ محمد عمارة]: لا يجب أن نستعير من أوروبا هذا الذي أدى إلى هذا البلاء في أوروبا. وموضوع التقدم ليس بورصة فقط، ليس مجرد حسابات وأموال، فالتقدم هو منظومة قيم.
وذلك أنك ترى كل تقارير التنمية البشرية في العالم كلها تتحدث عن الاقتصاد فقط، لا يتحدث أحد عن منظومة القيم والأخلاق. الإنسان ليس حيوانًا يأكل في سبعة أمعاء، كما جاء في الحديث النبوي:
قال النبي ﷺ: «المؤمن يأكل في مِعًى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء»
إذا الجمع بين الدين والدنيا، بين الشريعة وبين العقل، وكما قال الدكتور أسامة، أبو حامد الغزالي يقول: العقل مثل البصر، والشرع مثل الضياء. من لديه عقل بلا شرع يكون كمن له عينان سليمتان لكنه يمشي في الظلمة، فلا قيمة للبصر. أما من لديه شرع بدون عقل فهو كالمغمض العينين وأمشي في النهار، لا قيمة لهذا الدين.
ويختم العبارة قائلًا: فالشرع مع العقل نورٌ على نور.
الفرق بين الدولة المدنية بمرجعية إسلامية والدولة العلمانية
[المذيع]: لا، فضيلة الدكتور عمارة، الختام مع فضيلة المفتي. وكنت أريد أيضًا مع الخلاصة استيضاح أو أن أستوضح الفرق بين العلمانية والدولة المدنية. فضيلة الدكتور علي، كان لدينا حلقة حدثنا فيها عن الدولة المدنية وفضيلتك أوضحت أنها دولة مدنية بمرجعية إسلامية، يعني هل هناك شروط في قضية المرجعية؟
[الشيخ]: الدولة المدنية معناها أن لدي برلمانًا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لدي فصلًا بين السلطات الثلاث، لدي دولة مؤسسات، أنا لدي هنا ثلاثة آلاف مؤسسة، الدولة فيها ثلاثة آلاف مؤسسة. لدي دولة فيها دستور، فيها قانون، هذه هي الدولة المدنية. فيها انتخابات نزيهة، فيها تداول للسلطات، فيها إلى آخره، كل هذا دولة مدنية، هذه هي دولة مدنية.
الدولة المدنية تعمل تحت سقف النظام العام والشريعة الإسلامية دون تناقض
[الشيخ]: هذا لا علاقة له بأن تكون هذه القضية كلها تدور تحت سقف لا يمكن أن تتعداه اسمه النظام العام والآداب. نحفظ فيه النفس، نحفظ فيه العقل، نحفظ فيه الدين، نحفظ فيه كرامة الإنسان، نحفظ فيه ملك الإنسان ورفاهة الإنسان وعمارة الأرض والتزكية والعبادة وكذا.
ما هذا؟ هذا لا تناقض إطلاقًا. ولذلك فنحن دولتنا مدنية وطوال عمرها مدنية، وسقفنا هو هذه الحضارة الإسلامية.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أما العلمانية فلا، العلمانية مسألة أخرى.
العلمانية غريبة عن الهوية المصرية والإسلامية ولا تصلح لمجتمعاتنا
[الشيخ]: يعني أولًا اختلاف جذري بدون ما بين الشركاء، لم تكن منا ولا نعرف ماهياتها. ولذلك الدعوة إلى العلمانية كما تفضل الدكتور عمارة الآن وبيّن أنها بدأت سنة ألف وثمانمائة وثمانية وعشرين، فالكلمة دخلت مع هذا المعجم الفرنسي منذ ألف وثمانمائة وثمانية وعشرين إلى الآن والناس لا يفهمونها، لا يفهمونها.
حسنًا، إذن هذه نخبة تتحدث إلى نفسها وتدعي لنفسها وضعًا معينًا بعيدًا عن الخلق.
رقم اثنين: المصري سواء كان مسلمًا أو مسيحيًا هو يريد أن يكون له دين يرجع إليه ولا يخرج عنه.
رقم ثلاثة: نحن لنا هوية، الهوية متمثلة في التراث، في الحاضر، في تركيبة الشخصية المكونة من العقلية والنفسية، في الأمل الفسيح والعمل الصحيح الذي يأتي. وكل هذه المكونات في النهاية لا علاقة لها بالعلمانية وتأبى العلمانية.
خاتمة الحلقة وتلخيص الاختلاف الجذري بين الإسلام والعلمانية
[الشيخ]: وفطرة هذا الإنسان، فكيف آخذ منه ديمومة العمل؟ وكيف آخذ منه هذا وذاك؟ كيف أفعل هذا وأحوّله إلى إله في بيئة غريبة؟ ولذلك فالعلمانية لا تصلح لنا، ولا يكون تقدمنا إلا بالرجوع إلى ذاتنا وإلى الثقة بأنفسنا وإلى التأصيل الذي يرى الغد أفضل.
[المذيع]: وهذا أفضل ما نختم به. أنا أشكر فضيلتك فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية، شكرًا جزيلًا. أعتقد أن الأمر أصبح واضحًا وجليًا، وفهمت وكثير من المشاهدين أن هذا المفهوم الذي يروج له البعض عن العلمانية وخلافه مع الإسلام.
أشكر ضيوفي الكرام فضيلة المفتي الدكتور علي جمعة، شكرًا للمفكر الإسلامي الأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء، وأيضًا الداعية فضيلة الدكتور أسامة الأزهري عضو هيئة التدريس في كلية أصول الدين.
ونشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. ويُسمح لي أن ألخّص ما فهمته من ضيوفي الكرام: أن هناك اختلافًا جذريًا ما بين الإسلام وما بين العلمانية، ليس هناك مسلم علماني كما يدعو البعض، وهي عَلمانية بفتح العين كما أوضح ضيفنا، وليست عِلمانية أي التي يحاول أن ينسبها إلى العلم. نشكركم مرة أخرى على حسن المتابعة، ودائمًا نلقاكم في كلمات.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما النطق الصحيح لكلمة العلمانية وإلى ماذا تُنسب؟
عَلَمانية منسوبة إلى العالَم
ما التعريف الأدق للعلمانية في أبسط صورة؟
عزل السماء عن الأرض وجعل العقل والتجربة مصدرًا بدلًا من الشريعة
ما النموذج الذي استخدمه الدكتور عمارة لتوضيح الرؤية الأرسطية في العلمانية؟
نموذج صانع الساعة الذي يغيب بعد صنعها
ما الفرق بين النوعين الرئيسيين للعلمانية؟
الأولى تعزل الدين عن الحياة كلها والثانية تفصله عن السياسة فقط
ما الأسئلة الكبرى الثلاثة التي تشغل البشرية وفق ما ورد في الحوار؟
من أين أتينا وما معنى الحياة وإلى أين نذهب بعد الموت
كيف يجيب الإسلام على سؤال معنى الحياة؟
بالتكليف الإلهي الذي يشمل الأوامر والنواهي
ما الكتاب الذي أُشير إليه بوصفه من أبدع ما كُتب في موضوع العلمانية؟
العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية لعبد الوهاب المسيري
ما الثلاثة التي تتكون منها خريطة الدين الإسلامي وفق الدكتور أسامة الأزهري؟
العبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس
ما الذي ينتج عن التمسك بعمارة الأرض فقط بمعزل عن العبادة والتزكية؟
الفكرة العلمانية
ما معيار التقدم الحقيقي وفق ما ورد في الحوار؟
الجدية في العمل بعناصرها كالوقت والإتقان والديمومة
ما الحديث النبوي الذي يؤسس لعنصر الإتقان في العمل؟
إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه
كيف وصف الغزالي علاقة العقل بالشرع في تشبيهه الشهير؟
العقل كالبصر والشرع كالضياء والشرع مع العقل نور على نور
ما الدليل القرآني على أن الله في الإسلام خالق ومدبر معًا لا خالق فحسب؟
قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فالخلق يدل على الإيجاد والأمر يدل على التدبير، وهذا ما يميز الرؤية الإسلامية عن الرؤية الأرسطية التي تجعل الله محركًا أولًا فقط.
ما نظرية الاستخلاف وكيف تُقيّد سلطة الإنسان في الإسلام؟
نظرية الاستخلاف تجعل الإنسان وكيلًا نائبًا خليفةً لله لا سيدًا مطلقًا، فهو حر قادر لكن في حدود عقد التوكيل الذي هو الشريعة الإسلامية، والأمة مصدر السلطات بشرط ألا تحل حرامًا أو تحرم حلالًا.
ما مقولة محمد عبده التي تلخص موقع الإنسان في الكون وفق الرؤية الإسلامية؟
قال محمد عبده: الإنسان عبد لله وحده وسيد لكل شيء بعده، أي أنه ليس سيد الكون المطلق بل خليفة مقيد بالشريعة.
لماذا قد تكون العلمانية مبررة في الغرب لكنها غير مبررة في الإسلام؟
في الغرب نشأت العلمانية على أساس الفلسفة الأرسطية التي تنفي التدخل الإلهي والنصرانية الرومانية التي تترك التدبير لقيصر، بينما الإسلام يجعل الله خالقًا ومدبرًا والإنسان خليفةً مقيدًا بالشريعة.
ما الفرق بين العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية؟
العلمانية الشاملة تعزل الدين عن الحياة كلها بما فيها منظومة القيم، بينما العلمانية الجزئية تفصل الدين عن السياسة والدولة فقط مع إبقاء التدين الشخصي.
كيف جسّد قوم شعيب الفكرة العلمانية في التاريخ القديم؟
قالوا لشعيب: أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، أي رفضوا أي رابط بين الصلاة والتعبد وبين إدارة الأموال والأسواق.
ما المرتكز القرآني الأول في تفكيك الفكر العلماني كما جسّده شعيب؟
تثبيت فكرة الربانية والإيمان بالغيب والاحتكام إلى معيار إلهي جاء عن طريق الوحي المعصوم، وهو ما عبّر عنه شعيب بقوله: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي.
ما الذي ينتج عن التمسك بالعبادة فقط دون العمارة والتزكية؟
ينتج أنماط من التدين المتطرف المتشدد، لأن الدين منظومة ثلاثية متكاملة من العبادة والعمارة والتزكية ولا يصح الاقتصار على عنصر واحد.
كيف جمعت آية الجمعة بين العبادة والتزكية والعمارة في آية واحدة؟
إذا نودي للصلاة فاسعوا إلى ذكر الله هي العبادة، وذكر الله هو التزكية، وذروا البيع إشارة إلى حركة العمران، ثم بعد الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا.
ما الذي ألّفه أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي وما الذي يدل عليه إنجازه؟
ألّف كتاب الفنون في ثمانمائة مجلد، وهو دليل على أن المحافظة على الوقت والجدية في العمل تُنتج إنجازات استثنائية، وكان يأكل الأرز جافًا توفيرًا لدقيقتين.
ما وصف الطهطاوي للفلسفة الوضعية الغربية وما معادلته الشعرية عن باريس؟
وصف الفلسفة الوضعية بأن لها حشوات ضلالية مخالفة لكل الكتب السماوية، وقال في باريس: شموس العلم فيها لا تغيب وليل الكفر ليس له صباح.
ما الفرق بين الدولة المدنية بمرجعية إسلامية والدولة العلمانية؟
الدولة المدنية تعني البرلمان وفصل السلطات والدستور والانتخابات النزيهة، وهذا لا يتعارض مع العمل تحت سقف الشريعة الإسلامية التي تحفظ النفس والعقل والدين والكرامة، بينما العلمانية ترفض هذا السقف.
لماذا لا يمكن الجمع بين الإسلام والعلمانية في نموذج معرفي واحد؟
لأن كلًا منهما نموذج معرفي مستقل، وعند مقارنة عناصر النموذجين نجد ثلاثين عنصرًا مختلفة والإجابات مختلفة في كل منها، فكيف يكون الشخص مسلمًا علمانيًا في آنٍ واحد.
ما الدليل على أن العلمانية ليست شرطًا للديمقراطية؟
النازية والفاشية هي قمة العلمانية وكانت دكتاتورية، والدول الشيوعية والماركسية هي قمة العلمانية المتطرفة ولا علاقة لها بالديمقراطية.
ما الفارق بين عمل العقل في الإسلام طلبًا وعمله في الفكر العلماني هربًا؟
في الإسلام العقل يُعمَل في فهم الشرع وخدمته وتمديده في حياة الناس طلبًا له، بينما في الفكر العلماني يُعمَل العقل هربًا من الشرع وتفلتًا من معانيه وجعله قضية شخصية نسبية.
