الغناء ونظم الشعر | نور الحق | حـ 9 | أ.د علي جمعة
- •أوضح الدكتور علي جمعة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر الشعر وكان يحب حسان بن ثابت ويستمع لشعره ويدعو له بقوله "وروح القدس يؤيدك".
- •استمع النبي للشعر الذي أنشده كعب بن زهير في قصيدته "بانت سعاد" التي بدأها بالغزل، وأهداه بردته تكريماً له.
- •أقر النبي الغناء حين ترك الجاريتين تغنيان في بيته بغناء بعاث، وقال لأبي بكر: "دعهما يا أبا بكر فإنهما في يوم العيد".
- •سأل النبي السيدة عائشة عند ذهابها لحضور عرس: "أما كان معكم من يغني؟" وعلّمهم الغناء.
- •أشار الدكتور إلى أن تحريم الغناء مطلقاً خطأ، فالغناء حلال والمحرم هو الكلام السيء أو الأداء المنفلت.
- •آية "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله" لا تحرم الغناء، بل تحرم استخدامه للصد عن سبيل الله.
- •اللغو مباح لكن الإعراض عنه مندوب من أجل ما هو أهم.
مقدمة الحلقة وسؤال المذيع عن حكم الغناء والشعر في الإسلام
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أرحب بك يا سيدي.
كما في الحلقة الماضية مولانا تحدثنا عن الاجتهاد وأن الإسلام ليس له رأي واحد فقط، أن هناك مساحات مختلف فيها، وكنا في آخر حلقة فضيلتكم شرحتم لنا موضوع الشطرنج وأنه اختلف فيه.
نريد يا مولانا أن نعرف: بعض المشايخ الذين يظهرون في القنوات الفضائية ويقولون أن الغناء حرام وأن نظم الشعر حرام ويستندون إلى آيات وأحاديث، نرد عليهم بنور الحق ونقول لهم ماذا؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، عليه الصلاة والسلام.
النبي ﷺ كان يسمع الشعر ويشجع حسان بن ثابت على قوله
النبي صلى الله عليه وسلم هو الحجة عليه الصلاة والسلام، فكان يقول لحسان بن ثابت:
«قل وروح القدس تؤيدك إن شاء الله»
ويسمع منه الشعر، وتسر سريرته صلى الله عليه وسلم لشعر حسان.
لم يكن رضي الله تعالى عنه وأرضاه، سيدنا وتاج رأسنا سيدي حسان بن ثابت، لم يكن من أهل الجهاد [بالسيف]؛ أي مثل سيدنا علي وسيدنا عمر وسيدنا حمزة، يعني هؤلاء كانوا فرسانًا مجاهدين، كانوا فرسانًا مجاهدين وكانوا نبلاء وشيئًا عظيمًا جدًا، يعني شجعانًا وأسودًا، أسد الله.
ولكن سيدنا حسان كان رقيقًا؛ الشعراء تجدهم فيهم يعني هكذا، ما يعني خيالًا ورقة، نوعًا من أنواع اللطف وهكذا، فلم يكن صاحب فروسية وصاحب شجاعة.
حسان بن ثابت كان يجاهد بالشعر فيما أقامه الله فيه
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحبه عليه الصلاة والسلام، وكان يدعو له بالخير قائلًا:
«وروح القدس يؤيدك»
[المذيع]: نستطيع أن نقول يا مولانا بعد إذن فضيلتكم: كان يجاهد بالشعر.
[الشيخ]: فيما أقامه الله فيه، فيما أقامه ربنا سبحانه وتعالى؛ لم يعطه قوة عمر، ولا فروسية علي، ولا جرأة حمزة، ولا قوة بدن حمزة، ولا كذلك، ولكنه أعطاه شعرًا.
فالإنسان في الإسلام يخاطب كل العالمين: الضعيف والقوي، والجريء والجبان، والمريض والصحيح، والعبد والسيد، والرجل والمرأة، والغني والفقير، والحضري والريفي.
خطورة اختزال الإسلام في رأي واحد والصد عن سبيل الله
جميل، يعني يخاطب [الإسلام] كل المستويات، فكل واحد نشأ وظن في نفسه أنه هو الإسلام، يظل يختزل الإسلام ويظل يصد عن سبيل الله هكذا مباشرة.
فإذا كان الشعر أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما كان كعب بن زهير بن أبي سلمى وكان شاعرًا ابن شاعر، زهير بن أبي سلمى هذا يعني له الشعر والحكمة، كان حكيمًا.
كعب عندما دخل [على النبي ﷺ] كان يعني قد أغضب رسول الله في أشياء كذلك، هو وبعد ذلك جاء يعتذر، قام الشاعر وهو آتٍ ليعتذر نظم قصيدة.
قصة كعب بن زهير وقصيدة بانت سعاد واعتذاره للنبي ﷺ
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يعني وكأنه يقدم هدية، فلما النابغة الذبياني غضب عليه النعمان [بن المنذر]، قوم قال له: أتاني أبيات اللعن، إنك لمتني وهذا الذي اهتم منه وكذا، يعني جاء بقصيدة يعتذر للنعمان.
فكذلك سيدنا كعب جاء لسيدنا رسول الله يعتذر بقصيدة، فجاء بـبانت سعاد وقلبي اليوم متبول، بدأ بالغزل.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فهذا الغزل استحسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هذا من عادة العرب: الغزل العفيف، البكاء على الأطلال، تقبيل الرواحل التي كان عليها الحبيب، يعني أمرُّ على الديار ديار ليلى أقبّل ذا الجدار وذا الجدار، وما حب الديار شغفنّ قلبي ولكن حب من سكن الديار، كلام هكذا رقيق وجميل.
إكرام النبي ﷺ لكعب بن زهير بخلع البردة الشريفة عليه
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندما يريد أن يكرم ضيفًا كثيرًا يقوم فيخلع العباءة الشريفة التي تخصه والتي تسمى البردة ويفرشها ليجلس عليها، فيا له من شرف.
فهذا يعني شيئًا عظيمًا جدًا، كأنه يلبسه التاج. فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ملكًا وكان مع الناس، ولكنه سيد الخلق عند ربه وعند الناس.
فيخلع العباءة الشريفة، طبعًا العباءة الشريفة هذه عندهم أمر عظيم جدًا عند الصحابة، أنهم يعني يتشملون بها.
قصة عبد الله بن أبي بن سلول وطلبه التكفين ببردة النبي ﷺ
وعبد الله بن أبي بن سلول المنافق يقول له [للنبي ﷺ]: أنا أطلب منك طلبًا لا تخذلني فيه، يعني كفّني ببردتك من أجل الشرف. إنه هذا أمر شرف أن يتكفن أحد في بردة محمد.
انتبه، عبد الله بن أبي بن سلول ليس مؤمنًا.
[المذيع]: نعم، منافق.
[الشيخ]: ومع ذلك يتشرف به، محمد صلى الله عليه وسلم محمد زعيم الأمة، دع عنك في اعتقاده أنه نبي.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لكن هذا زعيمنا جميعًا عليه الصلاة والسلام. فعبد الله بن أبي بن سلول يعرف ذلك ويلتمس الشرف الدنيوي من محمد صلى الله عليه وسلم.
تسمية قصيدة بانت سعاد بالبردة وسبب ذلك
فحكاية فردة البردة هذه يعني ربما لا يعرفونها، فسميت هذه القصيدة الجميلة التي هي بانت سعاد سميت بـالبردة؛ لأن الرسول فرد البردة لكعب بن زهير.
لكعب الذي قال فيها: نُبّئتُ أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول. ولكن قبل أن يقولها جلس يقول أبياتًا من الشعر في غزل: بانت سعاد وما إلى ذلك، ودخل [في القصيدة].
حديث دخول أبي بكر وسماع الغناء في بيت النبي ﷺ يوم العيد
فإذا الشعر قد سُمع [عند النبي ﷺ]، يقول الغناء: دخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجّى أي مغطى وجهه، فظن سيدنا أبو بكر — هذا بيني وبينك أي ليس موجودًا في الرواية — ظن أنه نائم.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ظن أن سيدنا رسول الله نائم، ووجد جاريتين تغنيان بغناء بُعاث؛ أي بُعاث هذا كان يومًا انتصر فيه الأنصار على عدو لهم هاجم المدينة فانتصروا في الجاهلية.
مثل اليوم القومي الخاص بالمحافظات، كل محافظة لدينا لها يوم انتصروا فيه: يوم انتصروا على الإنجليز، يوم انتصروا على الفرنسيين، يوم أنهم صدوا حملة لويس، يوم كذا إلى آخره من انتصارات، يعني انتصروا على اليهود، انتصروا هنا وهناك.
الأغاني الوطنية في بيت النبي ﷺ وإقراره لها يوم العيد
المهم أنه توجد انتصارات، فهذه الانتصارات كأنها أُقرّت وكانت في الجاهلية شيئًا مفرحًا هكذا، فرحة حقيقية ومعمولة لها أغانٍ مثل الأغاني الوطنية، والفتاتان تغنيان.
وحجرة سيدنا رسول الله لا تزيد عن ثلاثة أمتار في خمسة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يعني المقاييس التي قدّرناها يعني أقصى شيء نتوصل إليه ثلاثة في خمسة.
[المذيع]: نعم، ثلاثة أمتار في خمسة.
[الشيخ]: هذه حجرة رسول الله، فرسول الله نائم عليه الصلاة والسلام في حجرة صغيرة هكذا ثلاثة في خمسة، واثنتان مغنيتان تغنيان، وسيدتنا عائشة جالسة، وسيدنا أبو بكر داخل ليعيّد على ابنته وعلى سيدنا [رسول الله ﷺ].
إنكار أبي بكر على الجاريتين وإقرار النبي ﷺ للغناء في العيد
فوجد سيدنا [رسول الله ﷺ] نائمًا فظنه نائمًا، فذهب فزع في الفتاتين [قائلًا]: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله؟!
فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه الشريف وقال:
«دعهما يا أبا بكر فإنهما في يوم عيد»
ما شاء الله، عليه الصلاة والسلام. إذن يكون الغناء هو الغناء، والمضمون ما هو؟ كلمات ترجع إلى انتصارات في الجاهلية أقرها رسول الله.
لم يقل لهم: صوتكم عورة، ولم يقل لهم: كيف تحيون أمجاد الجاهلية، ولم يقل لهم: إن الغناء حرام. بل بالعكس، تركهما ما شاء الله.
النبي ﷺ ترك الحبشة يلعبون في المسجد وسمع الشعر والغناء
النبي صلى الله عليه وسلم ترك الحبشة في المسجد يتحاطبون [أي يلعبون بالحراب]، هذا ونحن الآن لو رأينا اثنين يتراقصان هكذا في المسجد ربما يقتلهم الناس.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: هذا النبي عليه الصلاة والسلام فعل هكذا وتركهم. فسمع الشعر في المسجد، وسمع الغناء في بيته الشريف.
النبي ﷺ يأمر بالغناء في الأعراس ويعلّم الأنصار أغاني الفرح
تعال إذن، هذا أكثر من ذلك: عندما كانت السيدة عائشة ذاهبة هكذا لتزور، تؤدي واجبًا وتزور بعض الأنصار في العرس، فقال لها [النبي ﷺ]: إلى أين تذهبون؟ قالت له: نذهب إلى عرس فلان.
فقال:
«هلّا غنيتم لهم، أما كان معكم من لهو؟ أما كان معكم من لهو؟»
فالسيدة عائشة، طيب، علمنا [أن النبي ﷺ أمر بالغناء]، لم تقل له: فلماذا إذن؟ أليس الغناء حرامًا؟ إذن يبقى معروفًا عندهم أن الغناء حلال، ولكنهم لم يعتادوا عليه، فيريدون أن يتعلموا.
وكانت السيدة عائشة تنتهز الفرص للتعليم، هذا فما هذا يا رسول الله مثل حديث أم زرع هكذا. فعلّمهم:
«أتيناكم أتيناكم فحيّانا وحيّاكم، ولولا الحبة السمراء ما سمنت عذاراكم، ولولا الحبة الحمراء ما حلّت بواديكم»
وعلّمهم كيف يغنون، ما شاء الله. فإن يعني الأنصار يحبون اللهو والفرح وما إلى ذلك.
إقرار النبي ﷺ للشعر والغناء وسؤال عن الغناء المنفلت المعاصر
فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر الشعر وأقر الغناء وهو الحجة، وليس لأحد حجة فيما سواه.
يأتي الأمر الآن، يقول لي: حسنًا، ولكن هل أنتم تقرون أيضًا ما يحدث الآن من غناء منفلت؟
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: منفلت في الأداء ومنفلت في العبارات والألفاظ، وشخص يقول: "قدرٌ أحمق الخطى سحقت هامتي خطاه"، هذا الخطأ، هذا لا يجوز.
أمثلة على الغناء المحرم الذي يتضمن ألفاظ الكفر والفسق
وبعد ذلك عندما نفعل هذا، ما هو أول القصيدة؟ كفر.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ما هو؟ قال له: خذ اقرأ القصيدة، قال له: هذه أولها كفر.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: كان هناك من يقول له: ما شئتَ لما شاءت الأقدار، فاحكم فأنت الواحد القهار! أستغفر الله، يقول لشخص خليفة بثلاثة صاغ، سبحان الله، أنت الواحد القهار! لا حول ولا قوة إلا بالله.
فنعم، هذا كفر، وهذا فسق، وهذا خطأ، وهذا حرام.
التفريق بين الغناء الحلال والحرام والنظر في الكلمات والأداء
فإذا عندما يأتي ويقول: "قدرٌ أحمق الخطى سحقت هامتي خطاه"، نقول له: لا، أنت مخطئ، توب إلى الله، أنت تتحدث بما لا تعرف.
جميل، ولذلك هذه الأغنية عندما جاء أهل الموسيقى العربية ليغنوها ذهبوا حاذفين هذه العبارة ومبدلين إياها.
[المذيع]: جميل، بدّلوها.
[الشيخ]: فإذا فضيلتكم يا مولانا تريدون أن توضحوا لنا أنه لا نأخذ الأمر على علته هكذا، ألّا أقول الغناء حرام، يجب أن أنظر أولًا إلى الكلام الذي يقال.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الغناء أصلًا حلال، وبعد ذلك عندما يتجاوز إنسان في الأداء أو في الكلام فإننا نقف ضده ونقول له: صحح هذا الكلام فإن هذا الكلام كلام سيء.
المقارنة بين الغناء الراقي كأم كلثوم والغناء المنحط الفاسق
وأنا لا أساوي بين كلام تغنيه أم كلثوم: "وُلد الهدى فالكائنات ضياء، وفم الزمان تبسم وثناء" عليه الصلاة والسلام، وبين هذا الهتر الذي يعني يقول له: "قدرٌ أحمق الخطى".
هذا فسق، هذا حرام، هذا خطأ، هذا كذلك، ولا بد عليه أن يتوب إلى الله وأن يفعل ويفعل. ويجب علينا أن نصحح كما صححت الموسيقى العربية.
ولكن عندما يأتي ليقول لي: "ناداني لبيته إلى باب بيته"، والله تقشعر منها القلوب، والله يعني بيرم [التونسي] عندما يأتي بهذه الحسنة التي تاب بها، بيرم تاب بهذه القصيدة، نقول له: أهلًا وسهلًا، وهذا الغناء يرقق القلوب.
الشعر الذي يمدح النبي ﷺ والغناء الذي يرقق القلوب حلال
عندما يأتيني وتقول: "أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك، بيد أن لي انتسابًا، مدحت المالكين فزدت قدرًا، وحين مدحتك اجتزت السحابا"، أهلًا وسهلًا ومرحبًا.
وهذا هو الذي عليه علماء الإسلام. لكن الخلط أصبح في أنه يقول: إن هذا الأداء المنحط فيحرّم كل الغناء، والغناء حلال! ويحرّم كل الشعر، والشعر حلال!
ويقول:
﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُنَ﴾ [الشعراء: 224]
الشعراء الذين يهجون الناس ويسبونهم ويتكلمون في عورات النساء، هذا هو الحرام.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: أما الشعر الذي يرقق القلوب والذي يدعو إلى الخير والذي فيه غزل عفيف والذي فيه إنسانية ورحمة وحب، أهلًا وسهلًا به.
فاصل الحلقة والعودة لاستكمال الحديث عن حكم الغناء
[المذيع]: نستكمل يا مولانا الحديث الشائق والعلم الغزير من فضيلتكم، ولكن بعد إذن فضيلتكم بعد الفاصل إن شاء الله، فاصل نعود إليكم فابقوا معنا.
♦ ♦ ♦
يا نور الحق أنر لي طريقي، أرى الطريق والمسار يتبين.
♦ ♦ ♦
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.
سؤال المذيع عن تفسير آية ومن الناس من يشتري لهو الحديث
[المذيع]: في الجزء الأول يا مولانا من الحلقة فضيلتكم أوضحتم لنا أن:
﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُنَ﴾ [الشعراء: 224]
الآية التي وردت في القرآن الكريم المقصود بها الشعراء الذين يهجون الناس أو يتعرضون لعورات النساء وغيرها.
بعض الناس يا مولانا يظهرون في الفضائيات أو في الدروس ويقولون إن هناك آية في القرآن تقول:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [لقمان: 6]
ويقولون إن التفسير الخاص بهذه الآية أن الذي يتغنى والذي يحب يشتري أشرطة أو يسمع أغاني يكون يضل عن سبيل الله، ما رأي فضيلتكم في هذا الأمر يا مولانا؟
[الشيخ]: لا، هذا تفسير عجيب وليس المعنى كذلك.
التفسير الصحيح لآية لهو الحديث ومحاولات التشويش على القرآن
هناك عند نزول الوحي محاولة للتشويش على سماع القرآن الكريم بأي طريقة: من ضمنها النهي عن السماع، ومن ضمنها إعلاء الصوت بالضجيج.
[المذيع]: نعم، بالضجيج.
[الشيخ]: ومن ضمنها استعمال المغريات، ومن ضمنها استعمال القيان والمغنيات وما إلى ذلك.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الذي يفعل ذلك [أي يستعمل هذه الوسائل للتشويش على القرآن] يصد عن سبيل الله.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: أما الذي يغني في يوم عيد أو في يوم فرح أو في يوم فيه ترويح للقلوب — ساعة وساعة، يا حنظلة روّح القلب ساعة وساعة — فهذا المعنى من الترويح وهذا المعنى من الفرحة وهذا المعنى من السرور الذي ليس فيه صد عن سبيل الله.
الصد عن سبيل الله يحرم أي فعل مباح إذا استُعمل للإضلال
الصد عن سبيل الله أن يكون غرض هذا الفعل — أيًّا ما كان الفعل — ولو كان مباحًا، ولو كان مباحًا، ولو كان مباحًا، أي فعل مباح يُستعمل للصد عن سبيل الله ليُضل الناس، ليصرف الناس عن الحقيقة، يصبح إذن هذا محرمًا.
yوجد تغييب للعقل، هذا يوجد تغييب للهداية، وليس الغناء فقط. فما هذا الربط ما بين وسيلة الإضلال وما بين الغناء؟ وسيلة الإضلال هذه كثيرة جدًا، قد تكون وسيلة الإضلال مباحة فتحرم إذا استُعملت في الإضلال.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: واحد يريد أن يسمع قرآنًا، [فيقول له أحدهم:] تعال لتأكل، تعال أطعمك بدلًا من أن تسمع قرآنًا، مباحة في ذاتها.
[المذيع]: صحيح، مباحة في ذاتها.
[الشيخ]: ولكن يستخدمها في غرض خاطئ.
[المذيع]: نعم، جميل.
الترويح المباح يصبح حرامًا إذا استُعمل في الإضلال عن سبيل الله
فإذا استُعمل الشيء في غير ما هو له، واستُعمل الترويح الذي أباحه الله ترويحًا وفرحًا وسرورًا في الإضلال عن سبيل الله، فإنه يكون حرامًا قطعًا بسبب هذا الهدف وهذا المآل والغرض الذي من أجله.
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»
فهذا خلط، وهذا هو الذي يجعلنا نقول: يا جماعة لا تستمعوا كثيرًا لأنصاف المثقفين في مجال الدين؛ لأنه مسكين أيضًا يريد أن يتقي الله، لكن لا يعرف، يعني هو ليس معه النور الذي تتحدث عنه في برنامجك نور الحق.
ما شاء الله، ليس معه هذا النور، هو يريد يتقي الله، ماذا يفعل؟ قوم يغلق المياه والهواء.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يتخبط في الظلام ويتخبط إذن وهكذا.
خطورة التشديد الذي يصد الناس عن الدين ويضل أكثر مما يهدي
يعني لو كان الأمر مقتصرًا على نفسه لهان الأمر، ولكن هذا يدعو الناس إلى هذا [التشديد]، ولذلك يتبعه بعضهم، وبكلامه يُفجّر كثيرًا من الناس، لا حول ولا قوة إلا بالله.
وهذا الذي لا ينتبه إليه، هو يظن يا عيني أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ونحن لا نريده أن يكون تحت:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلًا﴾ [الكهف: 103]
لا نريد أن يكون هكذا، يعني ليس غرضنا أن نستدل بآيات مثل هذه ونصف بها هؤلاء، ليس هذا غرضنا. [غرضنا] أن ننصح لله ونقول له: اتق الله، انتبه، الذي تفعله من تشديد تظن أنه الحق.
الاعتدال هو سنة النبي ﷺ والخروج عنها ليس من الإسلام
في الواقع أولًا هو ليس بحق، وثانيًا لا يحقق ما تريد. أنت تريد تقوى الناس مثلًا، لكن هذا الذي تقوله يتقي به عشرة ويضل به عشرون، فانتبه إلى أن الحق الحقيقي الواجب الاتباع هو الاعتدال الذي تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليه الصلاة والسلام.
وأي خروج عن سنة رسول الله:
قال رسول الله ﷺ: «من خرج عن سنتي فليس مني، فمن رغب عن سنتي فليس مني»
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع الشعر وينبسط به، وكان يسمع الغناء وينبسط به، ويأمر به في المواطن التي هي مواطن الخير. أما الإضلال فكيف يكون؟
التشويش على إذاعة القرآن الكريم مثال على الصد عن سبيل الله
نحن نقول إن الغناء حلال. حسنًا، تأتي القضية الثانية وهي قضية التشويش على إذاعة القرآن الكريم؛ أي أن القرآن الكريم له إذاعة على تردد ثمانية وتسعين فاصلة ثمانية.
فيأتي أحدهم ليبث على تردد ثمانية وتسعين فاصلة ثمانية أغاني، لا حول ولا قوة إلا بالله! إن شاء كانت أغاني تمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، أغاني وأناشيد إسلامية من تلك الإخوة هؤلاء الذين يقولون:
[المذيع]: نعم، هذه الأناشيد جيدة.
[الشيخ]: هذا إذا فعل ذلك فإنه يصد عن سبيل الله.
[المذيع]: صحيح، أن هذا يشوش على القرآن الكريم.
[الشيخ]: نعم، ولو كان بشيء مباح.
حتى القرآن يصبح صدًا عن سبيل الله إذا استُعمل للتشويش
فخذ ما هو أنكت من ذلك: لنفترض أنه على الثمانية والتسعين والثمانية ذهب وأنشأ إذاعة قرآن كريم أخرى.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: لكي يشوش على الاثنين، فيصبح هناك قرآن كريم مختلط، فهو بذلك يصد عن سبيل الله.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هو بذلك يستعمل الأداة التي هي الحسنة وذهب فأفسدها وأفسد الاثنين.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: فيكون بذلك هو الصد عن سبيل الله هو المقصود الأهم. فـلهو الحديث هنا في الآية، من قال لك إن لهو الحديث في حد ذاته حرام؟
[المذيع]: صحيح.
لهو الحديث واللغو مباح عند العلماء ولكن الإعراض عنه مندوب
لهو الحديث هذا: الناس يتكلمون ويتكلمون كلامًا عاديًا، هذا هو لهو الحديث، ما لم يكن أمرًا بالمعروف أو نهيًا عن منكر أو ذكرًا لله أو قرآنًا يُتلى أو دعوة أو علمًا أو كذا. ما لم يكن هكذا فهو لهو الحديث الذي هو اللغو.
هذا اللغو لا يتبرأ منه إنسان، ولذلك نص العلماء في كتبهم أن اللغو مباح.
ثم يأتي الإنسان ويتعارض هذا اللغو مع مهمات أخرى، فنُعرض عنه، فنُعرض عنه، فنُعرض عنه بقدر تلك المهمات وبقدر صناعتنا لها.
معنى الإعراض عن اللغو في القرآن وأن ما عند الله خير من اللهو
[المذيع]: ما شاء الله، جميل.
[الشيخ]: ويأتي إذن الأمر الإلهي إذن:
﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]
أجل، يعني لم يقل: "والذين هم عن اللغو" أو "عن اللغو لا يفعلون"، أو يعني لا يمكن أن يأتي عليهم اللغو. لا، بل اللغو موجود ثم أنه يُعرض عنه من أجل فعل ما هو أهم، بناءً للعقلية.
فاللغو أصبح مباحًا، ولكن الإعراض عنه من أجل الصلاة، من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أجل العلم، من أجل إصلاح ذات البين، من أجل صلة الرحم، يصبح اللغو حينئذ أنه مندوب أن تتركه، أن تتركه.
[المذيع]: كما قال يا مولانا في الآية القرآنية:
﴿قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِ﴾ [الجمعة: 11]
[الشيخ]: فإذا كان اللهو مباحًا والتجارة مباحة، لكن ما عند الله أفضل.
[المذيع]: صحيح، إذا خُيّرت بين هذا وذاك فالأفضل ما عند الله.
[الشيخ]: طبعًا.
خلاصة الحلقة: الغناء حلال في أصله وحديث الرُّبَيِّع بنت معوذ
[المذيع]: إذن خلاصة الحلقة يا سيدنا حتى نوضح للناس لأن الوقت قد حان: أن فضيلتكم أوضحتم لنا أن الغناء في حد ذاته أو الغنى في حد ذاته ليس حرامًا، ولكن أنظر إلى الكلام الذي يقال.
وكما أن سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام في عرس لما سيدتنا الرُّبَيِّع بنت معوذ قالت: إنه كان هناك جوارٍ يطربن ويغنين، واحدة قالت: "وفينا نبي يعلم ما في غد"، قال [النبي ﷺ]:
«دعي هذا وعودي لما كنت تقولين»
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فيجب أن نختار الكلمات، ويحكِ يا امرأة!
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: دعي عنك هذا وخوضي فيما كنت فيه تخوضين، وخوضي فيما كنت فيه تخوضين.
ختام الحلقة والدعاء للشيخ والتوديع
[المذيع]: ربنا يفتح عليك يا مولانا ويزيدك علمًا وينفعنا بعلمك. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا العلم وعلى هذا الوقت.
وعلى وعد بلقاء في حلقات قادمة من برنامجكم نور الحق، فإلى ذلك الحين نستودعكم الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
