الفرق بين البدعة والسنة | نور الحق | حـ 13 | أ.د علي جمعة - نور الحق

الفرق بين البدعة والسنة | نور الحق | حـ 13 | أ.د علي جمعة

24 دقيقة
  • يوضح الدكتور علي جمعة أن البدعة نوعان: بدعة ضلالة وبدعة حسنة، والفيصل بينهما هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
  • البدعة الضلالة هي ما تخالف الدين وتضر به، أما البدعة الحسنة (السنة الحسنة) فهي ما كانت خادمة للدين وموافقة لروحه وإن لم تكن موجودة في عهد النبي.
  • من أمثلة السنن الحسنة: صلاة التراويح جماعة التي جمع عمر الناس عليها، وسنة الوضوء التي أحدثها بلال، والمئذنة والمحراب وفرش المساجد.
  • وضع خط أو حبل لاستقامة الصفوف في الصلاة ليس بدعة ضلالة بل هو وسيلة لتحقيق غاية شرعية وهي استواء الصفوف.
  • الإسلام دين عالمي يخاطب كل البشر في كل زمان ومكان، والمحدثات التي تخدم العبادة من أساس الدين وليست خارجة عنه.
  • الفهم الضيق للبدعة أدى بالبعض لتحريم المستجدات كالتصوير والإذاعة والتلفزيون ثم عادوا وأباحوها.
محتويات الفيديو(25 أقسام)

مقدمة البرنامج وسؤال المذيع عن مفهوم البدعة والضلالة في الإسلام

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حلقة جديدة من حلقات برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: في الآونة الأخيرة يا مولانا، كما قلنا، هناك أناس كثيرون يزعمون أن النور معهم، ولكننا نريد من فضيلتكم أن تُظهروا لنا نور الحق في كثير من الأمور.

في الآونة الأخيرة حدث ضجيج حول موضوع البدعة؛ بعض الناس قالوا إن وضع خيط أو حبل على الأرض لجعل الصلاة مستقيمة هذه بدعة وهذه ضلالة. وبعض الناس لا يستطيعون الوصول إلى معنى: هل البدعة كل شيء مستحدث يُعتبر ضلالة ويُعتبر بدعة ضالة أم لا؟ فنريد من فضيلتكم أن تحسموا لنا هذا الأمر.

الفرق بين البدعة الضالة والسنة الحسنة في ضوء الحديث النبوي

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن الله عليه وسلم.

قال رسول الله ﷺ: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»

صدق رسول الله ﷺ. فنهانا عن أن نبتدع في الدين ما ليس منه، ولكن قال:

قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»

فكل مُحدَث في الدين إنما هو ردٌّ على صاحبه. يقول رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه»، ما ليس منه، ولم يقل: «من أحدث في أمرنا هذا شيئًا».

نعم، هناك فرق بين أن يُحدث الإنسان المسلم العالم التقي النقي شيئًا من الدين، وهناك فرق بين أن يُحدث المؤمن شيئًا خارجًا عن الدين.

التفريق بين ما هو من الدين وما هو خارج عنه بالأمثلة العملية

فإذا كان خارجًا عن الدين فهو بدعة الضلالة، وإذا كان من الدين فهذا سنة حسنة جميلة. يعني إذا كان شيئًا جديدًا يخالف [الشريعة]، مثلًا: المغرب سنصلي أربعًا، هذه بدعة ضالة، هذه بدعة ضالة.

أما إذا قال: سننير المساجد مثلًا بالكهرباء حتى نستطيع أن نصلي العشاء أو التراويح، فهذه سنة حسنة.

ما شاء الله، جميل! والنبي ﷺ يقول:

قال رسول الله ﷺ: «من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من اتبعها إلى يوم الدين، ومن سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من اتبعها إلى يوم الدين»

فيتبين لنا أن السنة منها ما هو حسنة ومنها ما هو سيئة.

معنى ما ليس منه وما هو منه في تصنيف البدعة والسنة الحسنة

[المذيع]: جميل.

[الشيخ]: والبدعة منها ما هي حسنة ومنها ما هي ضلالة. ولذلك رأينا ونريد أن نفهم: ما معنى «ما ليس منه» وما معنى «ما هو منه»؟

ما هو منه يبقى سنة حسنة، ما ليس منه يبقى بدعة وضلالة، بدع الضلالة.

هلمَّ بنا في الأمثلة التالية: النبي ﷺ علَّمنا من خلال القرآن والسنة قيام الليل، حيث قال تعالى:

﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2-4]

أمرنا بقيام الليل، وسُمِّي هذا القيام التهجد؛ لأنه يعني طلب قيام الليل. فهَجَدَ يعني نام، وتهجَّد يعني طلب النوم، ولكن التاء هنا جاءت على غير بابها فيسمونها تاء السلب، أي تسلب النوم. فتهجَّد يعني سلب النوم، جميل، سلب النوم لكي يقوم يصلي، لكي يقوم يصلي.

سيدنا عمر وإنشاء صلاة التراويح جماعة كسنة حسنة من الدين

جميل، فكان رسول الله ﷺ أمرنا وفرض علينا من خلال القرآن صيام نهار رمضان.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: رمضان:

﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]

فصوم رمضان فرض، وجعله رسول الله ﷺ ركنًا من أركان الإسلام. وصيام رمضان الحديث الخاص بصحيح مسلم، وسنَّ لنا قيام ليله.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: يعني أيضًا الإنسان الذي لا يقوم الليل عبر السنة يأتي في رمضان ويستحيي ويقوم الليل. فجاء سيدنا عمر وجمع المسلمين على أُبيّ بن كعب وكان حافظًا للقرآن، وأقام التراويح جماعة، وجعلها عشرين ركعة، وجعلها ركعتين ركعتين؛ لأن النبي ﷺ يقول:

قال رسول الله ﷺ: «قيام الليل مثنى مثنى»

ما شاء الله! فسيدنا عمر من الدين أحدث حدثًا يوافق الدين، يوافق مراد الدين، يوافق الأوامر التي تركها لنا رسول الله ﷺ.

تفصيل موافقة التراويح للجزئيات الشرعية من قيام الليل والجماعة وسماع القرآن

هذه الموافقة هي أنه [سيدنا عمر] جعل المسلمين يقومون الليل، ثانيًا في رمضان، ثالثًا جماعة - وقد علَّمنا رسول الله ﷺ الجماعة -، رابعًا يستمعون القرآن من حافظ له.

والنبي ﷺ كان يراجع القرآن مع جبريل مرة كل عام، حتى إذا كان العام الأخير راجعه مع جبريل مرتين عليه الصلاة والسلام.

جمع سيدنا عمر ما ورد في الشريعة من هذه الجزئيات: جزئية قيام الليل، جزئية قيام رمضان، جزئية الجماعة، جزئية سماع القرآن. وأنشأ أشياء جديدة لم تكن على عهد رسول الله ﷺ وهي التراويح.

التراويح عشرون ركعة عند الأئمة الأربعة وقول عمر نعمت البدعة هذه

ما شاء الله! وجعل لها عددًا مختلفًا عما ترك رسول الله ﷺ، ولكنه لا يناقضه بل يشمله ويزيد. أي أن سيدنا رسول الله ﷺ كما قالت عائشة رضي الله عنها: لم يزد في رمضان ولا غيره عن إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة.

إذن سيدنا عمر جعلها عشرين.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وسار المسلمون شرقًا وغربًا، أئمة وعوامًّا، على هذا أن التراويح عشرون ركعة. الأئمة الأربعة عندهم التراويح عشرون ركعة.

فلماذا لا تكون بدعة؟ لأن البدعة ما ليس منه، البدعة ما ليس منه، ولكن هذا منه. ولهذا قال سيدنا عمر رضي الله عنه: «نِعمت البدعة هذه»، فورًا نِعمت البدعة هذه! يعني هذه بدعة صحيحة لكنها من قبيل السنة الحسنة.

قصة سيدنا بلال وركعتي الوضوء كسنة حسنة أقرها النبي ﷺ

ما شاء الله، قبيل السنة الحسنة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: ثانيًا: سيدنا رسول الله ﷺ رأى مرة في المنام سيدنا بلالًا وسمع خشخشة نعليه قبله في الجنة في المنام، ورؤيا الأنبياء حق ووحي.

فلما استيقظ - وكان ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه عليه الصلاة والسلام - جاء ببلال فقال:

قال رسول الله ﷺ: «رأيتك أمس وسمعت خشخشة نعليك أمامي في الجنة، فما معنى هذا وكيف وصلت إلى هذه المرتبة العظيمة؟»

الرؤيا لها تأويل، ومن تأويلها أن بلالًا قد وصل إلى مرتبة عظيمة؛ لأنه سبق رسول الله ﷺ - ليس في الحقيقة، هو تابع لرسول الله وصحابي رسول الله وسيظل خلف رسول الله ﷺ، ورسول الله هو سيد العالمين وهو المقدم دائمًا - لكن الرؤيا لها تفسير ولها معانٍ، ومن معانيها أن بلالًا قد وصل إلى مرتبة عظيمة.

سنة الوضوء التي ابتدعها بلال من الدين وأقرها النبي ﷺ

فبِمَ هذا يا بلال؟ قال: لا أعلم يا رسول الله، ولكنني كلما توضأت صليت ركعتين.

هذه من عند بلال، سيدنا رسول الله لم يعلِّمها له. بلال كان قد رأى الوضوء فتوضأ، فكلما توضأ جاء فصلى لله ركعتين. ما شاء الله!

هاتان الركعتان ماذا يفعل فيهما؟ يستقبل القبلة ويستر العورة ويقرأ فيهما الفاتحة ويركع ويسجد ويفعل ما علَّمه النبي ﷺ لنا في الصلاة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فهذا الجديد من الدين: ربط الوضوء بركعتين، حتى أصبح كأنه شيء يُسمى سنة الوضوء.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: التي علَّمها لنا سيدنا بلال من الدين وليست خارجة عن الدين، ولكنها بدعة لأن النبي ﷺ لم يفعلها، ولكنها بدعة حسنة أي سنة حسنة إذا أردنا أن نفصل بين المصطلحات.

قصة الصحابي الذي دعا بعد الرفع من الركوع وإقرار النبي ﷺ له

أي، بعد ذلك في مرة كان سيدنا رسول الله فيما أخرجه النسائي يصلي بالناس، بعد الصلاة قال:

قال رسول الله ﷺ: «من الذي قال؟»

إن واحدًا دعا دعاءً حسنًا لما رفع من الركوع. من هذا؟ فخاف الرجل أن يكون قد قال شيئًا عظيمًا وسيئًا فسكت.

فقال ﷺ: «من الذي قال؟ فإنه لم يقل إلا خيرًا.» قال له: أنا يا رسول الله. قال: ماذا قلت؟ قال: قلت:

«ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء»

ما شاء الله، دعاء جميل!

قال رسول الله ﷺ: «رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يصعد بها إلى السماء»

ما شاء الله! الملائكة ينظرون من يصعد [بها].

إقرار النبي لدعاء الصحابي الجديد لأنه من الدين وليس خارجًا عنه

أي أن سادتنا الملائكة عليهم السلام قبل إقرار النبي ﷺ -

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: النبي ﷺ لم يُقرَّه بعد.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: أُعجبوا به وأخذوها وصعدوا بها. هكذا صنع [هذا الصحابي] شيئًا ليس من تعليم رسول الله ﷺ، ولكنه من الدين الذي علَّمنا إياه رسول الله ﷺ.

رسول الله ﷺ لم يقل هذا الدعاء بالتحديد، لم يقل: قل هذا الكلام هنا بالذات عند الرفع من الركوع، ولكنه لما اخترع هذا [الدعاء] اخترعه على هدى؛ لأنه من الدين.

جميل! ولذلك يقول رسول الله ﷺ:

قال رسول الله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ»

فيبقى إذن ليس سنته فقط، بل إن المنهج أن تأخذ أيضًا كلام النبي عليه السلام وتأخذ كلام الخلفاء الذي هو مأخوذ من كلام النبي ﷺ وإن لم يقله النبي عليه الصلاة والسلام.

البدعة الضالة هي التي تكر على السنة بالبطلان وتطور المساجد من الدين

ولذلك فالبدعة هي التي تكرُّ على السنة بالبطلان، التي تكرُّ على السنة بالبطلان، لكن ليست التي هي من الدين.

ولذلك جئنا في وقت من الأوقات كان المسجد مصنوعًا بالحصى.

[المذيع]: فلنخرج مولانا لفاصل؛ لأننا نحن أوفر حوالي ثلاث دقائق. بعد إذن حضرتكم نستكمل موضوع البدعة والسنة. الكلام مع فضيلة مولانا يأخذ الوقت منا، اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نذهب لفاصل ونعود، فاصل ثم نواصل، فابقوا معنا.

يا نور الحق نوِّر لي طريقي، أرى الطريق والمسار يبدو.

تطور المساجد من الحصباء إلى المئذنة والمحراب والسجاد كسنة حسنة

[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. نستكمل الحوار مع فضيلته عن الفرق بين البدعة وبين السنة الحسنة، تفضل يا مولانا.

[الشيخ]: البدعة هذه تُعطِّل سنة أو تخالف سنة. أما عندما كان لدينا المساجد مثلًا، هذه المساجد كانت بالحصباء على عهد سيدنا رسول الله ﷺ، لم تكن لها مئذنة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: كان لها سطح كان يخرج يصعد عليه بلال ليؤذن. وبعد ذلك اتسعت العمارة واتسع البنيان. عندما يتسع البنيان يصطدم الصوت بالجدران، عندما يعلو البنيان فيعلو فالصوت يرتد في البنيان فلا يصل. ولذلك لا يصل إلى من بعده، فاضطررنا إلى عمل مئذنة.

تطور فرش المساجد وخلع النعال وعلاقة ذلك بمخالفة المجوس

[المذيع]: نعم، جميل.

[الشيخ]: عملنا [مئذنة]، لما دخلنا المكان عملنا محرابًا، عملنا أن بلَّطنا المسجد وفرشناه بالسجاد.

كان من السنة أن نتركه حصباء حصى بقي كما هو مثلًا؟ كان من السنة؟ لا! ولأنه حصباء كان من السنة أن نصلي في نعالنا.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: كان من السنة أن أقف بالنعل الخاص بي حتى لا تؤذيني هذه الحصباء، لا تؤذيني هذه الحصباء.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فأصبح الآن أمامي أن أدخل بالنعل. هذا النعل كان في الطريق، والطريق فيه تراب وفيه طين وفيه وحل وفيه مياه وأشياء أخرى. فعندما أدخل ستلتصق الأوساخ في السجاد وأنا متوضئ ومبتل وما إلى ذلك، فهذا السجاد سيتحول إلى شيء قذر جدًّا.

أي نمرة اثنين: نحن مأمورون بالتميز أو بالتفرد إن صح التعبير، فأُمرنا أن نخالف المجوس مثلًا، أي خالفوا المجوس. المجوس يمشون على السجاد بأرجلهم بالأحذية والنعال وبكذا إلى آخره. فلما المسلمون لما رأوا ذلك خلعوا النعال.

المئذنة والمحراب والسجاد وخلع النعال كلها من الدين وليست بدعة ضلالة

ما رأيك؟ حتى اليوم تدخل مساجد المسلمين في شرق الأرض ومغاربها تجد فيها مئذنة، وتجد فيها محرابًا يدل لك على الاتجاه هكذا، وتجد المنبر بدلًا من أن كان قصيرًا هكذا أصبح عاليًا؛ لأن المساحة كبرت.

وتجد سجادًا على الأرض، وتجد المسلمين يخلعون نعالهم حقًّا ويضعونها خارجًا حتى لا يوسِّخوا السجاد بأقدامهم، ويدخلون بهذه الطريقة.

كل هذا بدعة؟! كل هذا من الدين؛ لأن النظافة من الدين، ولأن تبليغ الصوت من شأن إصلاح الصلاة حتى تسير الصلاة كما يريدها الدين، وتبليغ الأذان من شأن جمع الناس؛ لأن الدين يريد ذلك. وهكذا.

القاعدة الشرعية: كل محدث يخدم الدين سنة حسنة وما يعارضه بدعة ضلالة

فإذن الذي علَّمنا إياه رسول الله ﷺ أن أي مُحدَث ينبغي أن يكون خادمًا للدين وهو من الدين، وليس معارضًا للدين، فيصبح سنة حسنة أو بدعة حسنة - سمِّها كما تشاء - وسنة أفضل.

وما كان يكرُّ على الدين بالبطلان أو يخالف الدين أو ليس هو من الدين، فيكون بدعة ضلالة، وكل ضلالة من هذا النوع هي في النار.

هل وضع خط لاستقامة الصف في الصلاة بدعة ضلالة أم سنة حسنة؟

[المذيع]: أي طيب يا مولانا، في بعض المشايخ المعاصرين، فضيلتكم أوضحتم لنا أن المئذنة لم تكن موجودة أيام رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهم يقولون إنه عندما أضع الشريط اللاصق هذا أو الحائل هذا لاستقامة الصلاة، فإنهم قالوا إن هذه بدعة ضلالة وحرام أن أفعل ذلك. فهل من البدعة الضلالة أن يستقيم الصف؟

[الشيخ]: نذهب إلى رسول الله ﷺ فنجده يقول:

قال رسول الله ﷺ: «استقيموا يرحمكم الله»

أي، وأخرج النسائي: «استووا». كان رسول الله ﷺ يكررها عليه الصلاة والسلام.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وأن الله لا ينظر يا أخي إلى الصف الأعوج. هذا كلام الشيوخ الذي دائمًا يقولونه.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فنحن الآن: تراصُّوا، استووا. فأمرنا رسول الله ﷺ بإتمام الصف وباستقامة الصف وبالتراصِّ في الصف. للوصول إلى هذا وخدمة لهذا فنعمل هذا الخط.

كيفية تسوية الصف من الأعقاب لا من مشط القدم وفق كتب الفقه

هذا الخط ما كان يمكن أن يحدث في الحصباء، فلما وُجدت السجاجيد وُجد هذا الخط.

[المذيع]: طيب.

[الشيخ]: هذا الخط ما فائدته؟ هذا الخط فائدته أن نضع عليه أعقابنا.

[المذيع]: أجل.

[الشيخ]: على فكرة، كعب الرجل الذي هو الذي نسميه الكعب، الذي نحن نسميه الكعب.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: نجعل الخط عليه أو خلفه، يعني الخط يكون خلف العقب. مع أن هناك أناسًا يقفون بمشط القدم بالأصابع، وهذا خطأ. مشط القدم لا يستقيم الصف، لا يستقيم. لماذا؟ حسب مقاسات القدمين؛ لأن حسب مقاسات القدمين هناك قدم طويلة وقدم قصيرة.

ولكن يكون من الخلف، هذا نصَّ عليه العلماء. أي عندما تذهب هكذا إلى كتب الفقه فتجد أن يقول لك: وأن الاستواء يكون من الخلف من الأعقاب.

تسوية الصف بالأعقاب تحقق الاستواء بغض النظر عن اختلاف مقاسات الأقدام

لأن عندما تكون هذه [القدم] أكبر من هذه، الرجل هذه أكبر من هذه، مقاسات العقب مع بعضها وهذه أطول منها، فهذا هنا وهذا هنا وهذا لا يُحدث شيء. ولكن العقب مع بعضنا البعض فنحن مستوون في صف واحد، في صف واحد.

فلو أننا سوَّينا الصف من الخلف بهذا الشكل فيكون أننا عملنا السنة. فكيف تكون بدعة؟!

هو في مفهومه للبدعة - مسكين هذا المتكلم - أنها ما لم تكن على عهد رسول الله ﷺ، وليس ما لم تنقض شيئًا تركه رسول الله ﷺ. فالفرق: نحن نقول لا، ما ليس منه.

خطأ فهم البدعة على أنها كل شيء جديد وعلاقة ذلك بعالمية الإسلام

يعني هو فاهم الحديث: «من أحدث في أمرنا هذا شيئًا».

[المذيع]: أجل.

[الشيخ]: شيئًا على الإطلاق فهو رد.

[المذيع]: أجل.

[الشيخ]: لا يصلح! الإسلام وهو دين عالمي يخاطب العالمين، يتجاوز الزمان والمكان والأشخاص، هو خطابه لكل البشر، للستة مليارات الذين موجودون الآن على وجه الأرض، وخطاب الإسلام إليهم لا يصلح مع هذا الفهم.

لو كان سيدنا رسول الله ﷺ قال لنا: «ما ليس منه»، فلماذا تغيِّره أيها الجاهل إلى كلمة «شيئًا»؟! كلمة «شيئًا» لا تصلح مع عالمية الإسلام، كلمة «ما ليس منه» تصلح مع عالمية الإسلام.

خدمة العبادة من أساس الدين وليست بدعة لأنها ليست خارجة عنه

إذن فهناك كثير جدًّا من الأمور المتعلقة بخدمة العبادة. انظر إلى كلمة خدمة العبادة، فهي من أساس الدين؛ لأنها من الدين ذاته، ولا تُعدُّ بدعة لأنها ليست خارجة عنه. أي لا تُعدُّ من الأمور الخارجة عنه.

[المذيع]: جميل، ما شاء الله.

[الشيخ]: وهكذا نحن ضربنا أمثلة ونضرب أمثلة بمئات وآلاف الأشياء التي تتعلق بالعبادة.

تحريم المستحدثات عبر التاريخ من فرشاة الأسنان إلى التصوير الفوتوغرافي

لأنه كل فترة سينقلوننا، أي أن هذا الصنف من الناس كان قديمًا يحرِّم فرشاة الأسنان، ويحرِّم الميكروفون، ويحرِّم الراديو والتلفزيون، ويحرِّم كل فترة يأتي جيل كذلك، ويحرِّم التصوير الفوتوغرافي والصورة، ويحرِّم كل شيء.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: لأنها بدع، أشياء جديدة لم تكن موجودة في عهد رسول الله ﷺ. السيارة حرام والطائرة حرام وإلى آخره! وكله أي: «نزول المحن والإحن والصواعق على من أكل بالشوك والملاعق!»

فهو في كل عصر يظهر هذا الصنف من الناس، ثم بعد ذلك يُترك، ثم بعد ذلك يُترك. لماذا؟ الآن أصبحت الصور حلالًا.

أمثلة تاريخية على تحريم المستحدثات ثم إباحتها بسبب ضيق الأفق وعدم العلم

أي بالرغم من أنها منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة كانت حرامًا عندنا! بقي هنا الشيخ بخيت ألَّف «الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي» منذ عشرين عامًا وهو مفتي الديار المصرية، أي منذ تسعين عامًا.

ولكن لماذا يفعل هؤلاء الناس هذا؟ إنه ضيق الأفق وعدم العلم. ولذلك بعد ذلك بعدما كانت الصور محرمة أصبحت حلالًا، وبعدما كان التلفزيون محرمًا أصبح حلالًا، وبعدما كانت الإذاعة محرمة وسحر أصبحت حلالًا.

الشيخ سليمان بن سحمان لما ظهر هذا المنبه والجرس، بعضهم قال سحر، وواحد اسمه ابن الريس قال إنه سحر. فألَّف كتابًا بعنوان: «أحسن البضاعة في كون الساعة ليست بسحر ولكن صناعة». ما شاء الله!

الإسلام أعظم من تحريم المستحدثات ومنهج النبي ﷺ في تعليم الدين والدنيا

وأشياء من هذا القبيل التي تضحك منها الثكلى وتسقط منها الحبلى ويشيب منها الأقرع كما يقولون! أي عيب هكذا عيب!

الإسلام أعظم بكثير من هذه الأشياء، وهذه أشياء يجب أن نتجاوزها وأن نفهم منهج رسول الله ﷺ: كيف علَّمنا الدين، كيف علَّمنا الدنيا، كيف علَّمنا السياسة، كيف علَّمنا المفاوضات وهكذا.

ولذلك فهذا العقل سوف يتوب إلى الله شيئًا فشيئًا هكذا. وهم بعد ذلك بعد أن أباحوا التصوير وأباحوا كذلك التلفزيون لكي يجلسوا يتحدثون فيه بما لا يرضي الله، ذهبوا فقالوا: إذن فلنجعلها في العبادات وفي العبادات.

ولكن سيدنا رسول الله ﷺ علَّمنا أن كل شيء نفعله إنما هو للفائدة وللمصلحة.

خاتمة الحلقة والوعد بحلقة عن المولد النبوي وأعياد الميلاد

ومن هنا أصبحوا يحرِّمون أشياء كثيرة جدًّا مما تنفع المسلمين وتثبت عقائدهم وتشعل الحب في قلوبهم، كالمولد النبوي مثلًا.

[المذيع]: هذا سنفرد له حلقة يا سيدنا، مولد النبي عليه الصلاة والسلام أهو بدعة أم لا، وأعياد الميلاد وما إلى ذلك، يمكن أن نتناولها في حلقة من الحلقات القادمة إن شاء الله.

بعد إذنك نشكر فضيلتكم على هذا العلم، والوقت مع فضيلتكم يجري سريعًا. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا العلم، وعلى وعد باللقاء في حلقات قادمة. نستودع الله دينكم وأماناتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.