الفرق بين الصوفية والتصوف | رب لترضى جـ 1 | الحلقة الرابعة | قناة الإرث النبوي | أ.د علي جمعة - تصوف, رب لترضى

الفرق بين الصوفية والتصوف | رب لترضى جـ 1 | الحلقة الرابعة | قناة الإرث النبوي | أ.د علي جمعة

21 دقيقة
  • التصوف علم يهتم ببيان معالم الطريق إلى الله، وتطهير القلب من القبيح وتزيينه بالصحيح، ليتجلى نور الله فيه.
  • الطرق الصوفية مدارس لتطبيق التصوف، بدأت مع سيدنا علي بن أبي طالب، وتقوم على نظام المشيخة: شيخ ومريد وورد وعهد.
  • علّم علي بن أبي طالب الطريقة للحسن البصري الذي كان شاباً نجيباً عمره خمسة عشر عاماً.
  • العهد بين الشيخ والمريد يلزم المريد بالابتعاد عن المعاصي والتقرب من الطاعات.
  • اختيار الشيخ يكون بالدعوة، وقد يكون هو الذي يختار المريد أو المريد يختاره.
  • عند فقدان المربي، ينصح بالإكثار من الصلاة على النبي (ألف مرة يومياً) لتقوم مقام المربي.
  • يجوز للإنسان أن يعبد الله بدون شيخ، فالطرق وإن كانت موجودة منذ عهد الصحابة إلا أنها كانت الأقل انتشاراً.
  • النفوس ثلاث: أمارة بالسوء، لوامة، وملهمة (تشمل الراضية والمرضية والمطمئنة والكاملة).
محتويات الفيديو(22 أقسام)

تعريف التصوف وعلاقته بتزكية القلب والسير إلى الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

[الشيخ]: كنا ذكرنا في حلقة سابقة الفرق بين الطرق الصوفية وبين التصوف. والتصوف هو هذا العلم الذي يهتم بشرح معالم الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، بين:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

التصوف هو هذا العلم الذي يهتم بتخلية القلب من كل قبيح، وتحلية القلب بكل صحيح. التصوف هو هذا الذي ينتج بعد التخلي والتحلي منه التجلي؛ تجلي نور الله سبحانه وتعالى في القلب.

التصوف هو الذي يعالج المقامات والأحوال والتعامل مع كشف الأسرار وتنزل الأنوار في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، هذا هو التصوف.

الطرق الصوفية مدارس لتطبيق التصوف بدأت مع سيدنا علي بن أبي طالب

الطرق الصوفية هي عبارة عن مدارس مختلفة لتطبيق هذا التصوف. والطرق كما ذكرنا أيضًا لمحة أو كلمة، وهي أنها بدأت مع سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

وقد عَلَّم هذه الطريقة المشيخية؛ أن يكون هناك شيخ، وأن يكون هناك مريد، وأن يكون هناك ورد، وأن يكون هناك عهد، أن يكون هناك مدرسة تُدرَّس فيها هذه المناهج التي هي أصلًا كل المسلمين يعملون بها بدرجات متفاوتة.

ولكن كيف نحوِّلها إلى نظام مدرسي مشيخي؟ عمله سيدنا علي بن أبي طالب، واختصَّ بها تلميذه الحسن البصري.

سلاسل التصوف وأسانيدها إلى سيدنا رسول الله عبر علي والحسن البصري

ومن هنا نجد أن سلاسل التصوف في منتهاها إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهم الأسانيد فيها: في سند لأبي بكر وفي سند لسيدنا علي بن أبي طالب. لكن سيدنا عمر لم يفعل ذلك، لم يفعل الطرق الصوفية هذه.

سيدنا علي فعل الطرق الصوفية؛ سيدنا علي كان لديه طريقة أعطاها للحسن البصري، والحسن البصري وأعطاها لابنه أيضًا الحسين، وأعطاها لابنه الحسن. فالحسن البصري حمل هذا الطريق.

ولذلك تجد الذين هم أعداء الطرق الصوفية الذين يغضبون منها كثيرًا، يشككون في هذا الأمر، فيقولون لك إن الحسن البصري لم يسمع من علي. لماذا؟ يريدون قطع هذه السلسلة التي تعتمد عليها الصوفية.

كتاب القول الحسن في سماع الحسن وإثبات اتصال سند التصوف

فإن هذا منقول، وهناك رجل هندي ألَّف كتابًا ضخمًا اسمه «القول الحسن في سماع الحسن»، وجاء بأدلة كثيرة جدًا عبر مجلد ضخم كبير. يا ليته يُعاد طبعه في مصر؛ لأنه طُبع في الهند قديمًا وليس موجودًا، وأنا لديَّ منه نسخة.

هذا لكي يفهم الناس كيف أن هذه الطرق منسوبة إلى علي عن طريق السند المتصل الذي فيه الحسن البصري.

الحسن البصري تربَّى في بيت أم سلمة؛ لأن أمه كانت تخدم السيدة أم سلمة عليها السلام، أم المؤمنين أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.

سن الحسن البصري عندما أعطاه سيدنا علي الطريق ومعنى المعاهدة

والحسن البصري كان لديه عندما أعطاه سيدنا علي هذا [الطريق] حوالي خمسة عشر عامًا، كان نجيبًا؛ أي شابًا نجيبًا هكذا، ورأى فيه النجابة وكان عمره خمسة عشر سنوات. هذا يعني أنه قد دخل مدخل الرجال.

لم يكن بعدُ قد صدر قانون الطفل الخاص بنا الذي صدر، هذا الذي هو ذو الثماني عشرة سنة، لم يكن بعدُ هذا الكلام. كان خمس عشرة سنة، هذا يدخل مدخل الرجال.

[السائل]: نعم أجل يا محمد، فماذا يعني أنه أعطاه الطريق يا مولانا؟ ماذا فعل معه؟

[الشيخ]: يعني عاهده على أن يكون معه، عاهده على أن يكون معه. بمعنى ماذا؟

معنى المعاهدة بين الشيخ والمريد وأثر الرابطة في بداية الطريق

الحسن البصري وهو يعبد ربنا سبحانه وتعالى، وبعد ذلك جاء أمامه شيء من متاع الدنيا، من الشهوات، من الرغبات، فقام يتذكر شيخه، وأن شيخه سيقول له: احذر أن تكون فعلت شيئًا خاطئًا، وأنه ليس سيكذب فيخجل قليلًا.

والإنسان في بداية الطريق يخجل من الناس أكثر مما يخجل من الله؛ لأن الله معه دائمًا وهو نسي الله عندما جاء ليرتكب الذنب.

وهذه أخذناها من القرآن الكريم، خذوها من قوله تعالى، ولكنهم فهموها فهمًا روحانيًا جميلًا. بعض الناس لا يرضى به ويُغلق الروح عليه:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَكُونُوا مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119]

استنباط مفهوم الرابطة والشيخ من آية وكونوا مع الصادقين

فذهبوا وأخذوا منها ما يسمى بالرابطة:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [التوبة: 119]

حسنًا، موافق، سنتقي الله.

﴿وَكُونُوا مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119]

لم يقل: كونوا من الصادقين، بمعنى أنه يأمرني بالصدق، كن صادقًا وصادقًا مع الله مثلًا. لا، وكونوا مع الصادقين؛ ليسوا من الصادقين.

وهنا أخذ أهل التربية من هذه الكلمة «مع» أنه ينبغي أن يكون لك شيخ ليعطيك خبرته، وفي عهد بينك وبينه؛ عهد الله أن تبتعد بقدر المستطاع عن المعاصي، وتتقرب بقدر المستطاع من الطاعات. تتقرب من الطاعات وتبتعد عن المعاصي، وتكون مع هذا الشخص الصادق.

كيفية اختيار الشيخ والمدرسة الصوفية بالدعاء واليسر والقرب من السنة

[السائل]: تفضل، سيدنا الحسن البصري كان من السهل أن يختار سيدنا عليًا؛ لأن سيدنا عليًا صحابي ومعروف مقدار سيدنا علي. نحن يمكننا الآن أن نختار الشيخ؟

[الشيخ]: بالدعاء. وكنا كلما ذهبنا إلى المشايخ ونقول له: كيف نختار الشيخ؟ نحن قلنا نختار المدرسة ونقترب منها باليسر والقرب من السنة.

كلما وجدناها أيسر وأقرب من السنة قُمنا نميل إليها أكثر. كلما وجدناها أبعد عن السنة، حتى ولو كانت صحيحة، أو أصعب أو حادة شديدة، كلما نقول: أنا طبيعتي أنا ضعيف، أنا أريد الأيسر الذي هو الحلو. هذا هو هذا بالنسبة للمنهج، بالنسبة لمنهج المدرسة يعني.

اختيار الشيخ بالدعاء وأن الله يهدي العبد إلى شيخه المناسب

لكن الشيخ إذن أُحضره من أين؟ فهنا تكلم كذلك أهل الله وقالوا: بالدعاء. ليس هناك شيء يسمى هكذا. فماذا يعني؟ يعني أنك لن تستطيع أن تأتي بالشيخ، ولا تعرف أن تحكم عليه، ولا تعرف أن تفعل شيئًا.

قل: يا رب فقط، تجد الشيخ أمامك. قد يكون هو الذي يجاورك وأنت لا تعرفه.

فرؤية الشيخ من الأشياء الجميلة. التي طبعًا الناس قسمان: واحد وجد شيخًا فاطمأن قلبه إليه وسار معه وأرشده إلى الله، فهو مطمئن إليه ومرتاح، هذا وفَّقه الله. وواحد ليس له شيخ ويبحث بحثًا.

صفات الشيخ المربي وأن العلم ليس شرطًا لازمًا في المشيخة

ما أريد أن أقول دنيويًا، نعم، فليبحث عن العالم؛ أن يكون عالمًا، عالمًا، أن لا يكون جاهلًا.

ولكن على فكرة، يوجد مشايخ لا يعرفون القراءة والكتابة وهم أكثر الناس دلالة على الله سبحانه وتعالى. هذا لا يعني أنه يجب أن يكون الشيخ عالمًا.

هذا لك أنت يا حيران، أنت حيران يا بلبل حيران، ويا بلبل حيران. هذا جالس يقول: أريد أن أعرف، أذهب إلى العالم.

إذن الناس قسمان: قسم هداه الله. نعم، عالم في أي شيء؟ عالم في الدين، عالم في الشريعة.

هل المريد يختار الشيخ أم الشيخ يختار المريد وأنواع الناس في ذلك

[السائل]: يعني هل هو الذي يختار الشيخ أم الشيخ هو الذي يختاره؟

[الشيخ]: لا، إنه يوجد الأمرين. إنه ليس هناك شيء يسمى هذا أو ذاك، بل في الأمرين. الدنيا واسعة.

هناك الشيخ هو الذي يختار ويقول له: تعالَ، أنا أريد أن أعلمك، فيجد قلبه عنده، انتهى الأمر. وهناك من هو حائر أصلًا ولا يجد شيخًا، وهنا يتكلم في هذا القسم.

أنا أريد أن أقول لكم إن الناس ليسوا قسمًا واحدًا: في قسم هداه ربنا، في قسم يرث عن أبيه؛ يعني موجود شيخ للعائلة، فالابن لما جاء اتبع شيخ العائلة، نجح ومضى وانتهى الأمر. وهناك من الشيخ يستدعيه وهو يقتنع بالشيخ. وهناك من يختار الشيخ ويجربه.

من لا يجد شيخًا ويرى العيوب في كل شيخ يذهب إليه

وهناك شخص لا يجد شيخًا، كلما ذهب إلى الشيخ يكتشف فيه سفساف العيوب. فيقول عن الشيخ إنه في الأصل غير ملتحٍ، وفي الأصل لا يرتدي ثيابًا جميلة، وفي الأصل عندما دخلت عليه وجدته يستمع إلى الموسيقى، والعياذ بالله.

تعالَ، هناك أشياء كذلك، وانتبه وأنت لا تعرف هل يستمع إلى هذه الموسيقى في أي شيء أم ما الحكاية أم الرواية أم ماذا؟ أمره مع الله.

كان في بعض المغنين يغني الأغنية، أنت تسمعها كأنها حب وهيام، وهي في حب ربنا ورسوله. وكذلك ويقولون منها ما يخص محمد عبد المطلب والتي يقول فيها: «ساكن في حي السيدة وحبيبي في الحسين، ولكي أفوز بكل الرضا يوماتي أزوره مرتين، من السيدة إلى سيدنا الحسين». وهذا الرجل محمد عبد المطلب رحمه الله كان يفعل ذلك؛ كان يزور السيدة زينب ثم يزور سيدنا الحسين وهو بينهما. لله في خلقه شؤون.

هداية الرب عند فقد المربي والنصيحة بالإكثار من الصلاة على النبي

بعد الفاصل سأكمل لكم. عدنا من الفاصل لكي أيضًا أكمل لكم.

إن هناك أناسًا يكونون حائرين، فذهبوا وقالوا: «هداية ربي عند فقد المربي». يعني افترض أنني لا أجد، وكلما دخلت على الشيخ خرجت وأنا أجد فيه العيوب التافهة، وقلبي لا يرتاح له. انتهى، لا ينفع.

أليس كذلك؟ إن هذا أصل الأمر: أن تعبد الله كأنك تراه. فهذه حالة لديك، ولذلك من الممكن جدًا أن لا يبقى لك الشيخ.

وحينئذ نصحوا بأن تُكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تكثر منها فتكثر منها. قالوا: إذن وأقلها ألف مرة في اليوم؛ تمسك المسبحة إذن وتنهيها عشر مرات، المسبحة فيها مائة حبة، تنهيها عشر مرات، بأي صيغة تجد قلبك فيها.

ثمرات الإكثار من الصلاة على النبي وانفتاح البصيرة والفتح الرباني

وبالتالي عندما تكثر من الصلاة على سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم، يقوم بمقام المربي. فتجد في قلبك نورًا، تجد أن سيدنا النبي يمكن أن تراه في المنام يرشدك أو يعطيك شيئًا هكذا.

تجد وأنت تقرأ القرآن أن ربنا يفتح عليك في فهم ما لم يخطر أبدًا على بالك. تجد نفسك تفتح المذياع فتسمع موعظة، أو تسمع أحدًا يخطب فتفهم منه شيئًا يُفهمك كل شيء.

هذا يسمونه الفتح، يسمونه أي أن بصيرتك انفتحت. فلما تنفتح بصيرتك ستفهم القرآن، وستفهم السنة، وستفهم حركات الكون. تجلس تقرأ مقالًا من الصحيفة فتفهم منه شيئًا يعلمك الأدب مع الله، سبحان الله.

ولكن هذا يكون لمن استغرق في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، إلى أيضًا أن يرزقك الله بشيخ. يعني هذه الحكاية من ضمنها أنه يهديك لشيخ.

هل يجب أن يكون للإنسان شيخ وحديث مرتبة الإحسان

[السائل]: فالإنسان يا مولانا يجب أن يكون عنده شيخ؟ يعني هناك أناس يصلون ويصومون ويعني...

[الشيخ]: لا، ليس ضروريًا. ليس ضروريًا يكون لديه شيخ؛ لأن الحديث يقول هكذا:

قال النبي ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»

يعني أن هذا الجزء [مرتبة أن تعبد الله كأنك تراه] لن يأتي إلا بالشيخ أو بفتح من الله.

مثال الطبيب المثقف والفرق بين المعلومات والمنهج العلمي المنضبط

يعني ترتيب هكذا. واحد يقول لي أنا دكتور كبير جدًا، فسألته أنا، قلت له: دخلت كلية الطب؟ فقال: لا، هذا لم يأخذ الثانوية العامة.

وقال لي: هل تعرف مجلة الدكتور؟ قلت له: كانت تصدر قديمًا في الخمسينيات، مجلة اسمها الدكتور. فقال: هذا أنا قرأتها كلها، لم أقرأها فحسب بل أنا أحفظها. أتعرف مجلة طبيبك الخاص؟ ويفعل لي هكذا. قلت له: نعم أعرفها، هذه تصدر حتى الآن. قال لي: كل الأعداد عندي وكلها قرأتها وحفظتها. أتعرف كتاب الجمهورية الطبي؟ قلت له: نعم أعرفه، كتاب الجمهورية الطبي هذا. قال: إنه عندي.

هو الرجل هذا مثقف طبيًا أكيدًا، وعنده معلومات، ولو أنه ربط المعلومات هذه ببعضها يعني تولَّدت عنده حصيلة من المعلومات الطبية.

الفرق بين المثقف طبيًا والطبيب الحقيقي وأهمية تعلم المنهج على يد المتخصصين

لكن هو طبيب وليس طبيبًا، هو ليس طبيبًا؛ لأنه وإن كان مثقفًا طبيًا، وإن كان لديه معلومات كثيرة، وإن كان كذا وكذا إلى آخره، لم يتعلم المفتاح، المنهج. لم يتعلم المنهج.

هذا يتعلمونه على يد مَن؟ على يد الأطباء في القصر العيني وعين شمس وغيرها إلى آخره، وعلى يد الممارسة، وعلى يد الصواب والخطأ. لكن ليس عن طريق المعلومات فقط؛ المعلومات جزء.

ونجد الأولاد أبناءنا الذين في الطب يا عيني يدرسون ليل نهار ويحفظون ويعملون. لماذا؟ لأن المعلومات كثيرة ومتشعبة. وفي النهاية تجد طبيب العيون فقط.

التخصص الدقيق في الطب كمثال على ضرورة التخصص في التربية الروحية

وعندما تذهب لطبيب العيون فقط وتسأله في الجلدية، لا يريد أن يجيبك. أنت ألم تدرس وحفظت ونجحت وأُجِزت؟ يقول: أنا لا، أنا تخصصت في العيون.

كيف يعني؟ ألست قد أخذت الطب عامًا وهكذا؟ قال: لا، ولكن أنا عندما جئت عملت الامتياز عملته في العيون، وعندما جئت عملت الماجستير والدكتوراه عملتها في العيون. وربما في جزء في العيون، بحيث أنه يحيل على زميله الذي حصل على الدكتوراه فيها؛ لأن العلم بحر.

فهي كذلك، هي انظر الوجود أصبح، نعم هي كذلك.

جواز عدم اتخاذ شيخ والناس درجات بين العوام والخواص وخواص الخواص

فهل يجوز للإنسان أن يكون من غير شيخ؟ نعم، طبعًا يجوز للإنسان أن لا يكون له شيخًا؛ لأنه يجوز أن يعبد الله على مستوى: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك». يجوز.

الحديث كذلك أن الناس درجات. ومن هنا قال أهل الله، فأصبح لدينا ثلاث درجات: العوام، والخواص، وخواص الخواص.

وهذه درجات، وابتدؤوا يبحثون في النفوس وقالوا: النفوس ثلاث أيضًا: النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس الملهمة. وبعد ذلك ذهبوا مقسِّمين هذه الملهمة إلى أربع درجات: الراضية، والمرضية، والمطمئنة، والكاملة. فأصبحنا سبعة.

بحث الصوفية في مراتب النفس وربطها بالقرآن الكريم والتجربة البشرية

ابتدؤوا يبحثون في خصائص كل واحدة من هذه المراتب: ما صفتها، ما مشكلتها، كيف تتجاوزها وتنتقل إلى التي بعدها، وبماذا، وهكذا.

وأتوا بهذه الأشياء والمصطلحات، وحاولوا أن يجعلوها تندرج تحت القرآن والسنة. فكلمة النفس الأمارة:

﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوٓءِ﴾ [يوسف: 53]

ستجدها مذكورة. وكلمة النفس اللوامة ستجدها موجودة. وكلمة النفس المطمئنة، وكلمة النفس الراضية المرضية:

﴿ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 28]

وهكذا ستجد أنه قد أخذ القرآن وطبَّقه على التجربة البشرية الناتجة من الكون. هذه هي الحكاية.

جواز عدم اتخاذ شيخ وأصل الطريق من سيدنا علي إلى الحسن البصري

ولذلك السؤال الآن الذي نسأله: هل يجوز لي ألا يكون لي شيخ؟ نعم، يجوز لك ألا يكون لك شيخ.

هو الطريق علَّمه سيدنا علي لسيدنا الحسن البصري. علَّمه ماذا؟ هو علَّمه:

﴿وَكُونُوا مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119]

أي اتخذوا لكم شيخًا لكي يعلمكم ويرشدكم، ولكي أيضًا تنتقل إليكم العلاقة التي كانت بين الصحابة وبين سيدنا رسول الله.

فالعلماء ورثة الأنبياء، فما دام لديه قدرة على الإرشاد فهو يُرشد. وسند الحسن البصري موجود إلى الآن، والأسانيد التي أخذنا منها معظمها تصب في الحسن البصري عن علي. الشاذلية كذلك، ولكن هناك من يروي أيضًا عن سيدنا أبي بكر، ومنهم بعض أطراف النقشبندية.

خلاصة الأمر أن التصوف قديم وليس لازمًا لكل مسلم وأن الناس درجات في الإحسان

يبقى إذن نرجع مرة أخرى ونقول إن هذا الأمر قديم، وأنه موجود من عهد الصحابة، وأنه ليس بالضرورة أن يكون لازمًا حتى يكون كل واحد كذلك، وأن هناك ترتيبات.

وأن هناك فارق ما بين الطرق وما بين التصوف، وأن الطرق وإن كانت موجودة من عهد الصحابة إلا أنها كانت هي الأقل؛ كانت مساحتها الأقل، أي ليس كل المسلمين.

نحن لدينا في مصر هنا المسلمون تسعون في المائة، أي شيء؟ تسعون في المائة من أي [عدد]؟ ثمانين مليونًا، منهم ثمانية فقط متصوف.

يبقى إذن إن لدينا أنه ليس كل مسلم يجب أن يكون صوفيًا، ولكن أو هذا صاحب طريق، ولكنه يعيش التصوف؛ لأنه يعيش مرتبة الإحسان بدرجاتها: عوام، خواص، خواص الخواص.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.