الفعل الإيجابي | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

الفعل الإيجابي | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • حديث النبي صلى الله عليه وسلم "على كل مسلم صدقة" يوضح الفعل الإيجابي والسلبي في المجتمع.
  • يفضل أن يعمل المسلم بيديه لينفع نفسه ويتصدق على غيره، كما في قصة الرجل الذي علمه النبي الاحتطاب بدلاً من السؤال.
  • من لا يستطيع العمل المتقن يمكنه العمل في وظائف بسيطة لا تحتاج مهارة خاصة، كمساعدة المحتاجين.
  • من لا يستطيع العمل فليأمر بالمعروف، ومن لم يستطع فليكف شره عن الناس، فهذا صدقة أيضاً.
  • ينتقد الحديث الهجرة غير الشرعية كمثال للتصرفات المؤذية للنفس والآخرين، داعياً للعمل المحلي والصبر.
  • ورد في الحديث الآخر أن النبي أخبر زوجاته أن أسرعهن لحوقاً به بعد وفاته أطولهن يداً.
  • ظنّت الزوجات أنه يقصد طول اليد الحقيقي، لكن تبين بعد وفاة زينب أنه يقصد الأكثر صدقة وإنفاقاً.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الحلقة وحديث أبي موسى الأشعري عن الصدقة الواجبة على كل مسلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر المبارك الكريم.

عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

قال رسول الله ﷺ: «على كل مسلم صدقة، قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قال: قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. قال: قيل له: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير. قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر، فإنها صدقة»

الفعل الإيجابي والفعل السلبي في المنظور الاجتماعي الإسلامي

في هذا الحديث يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا جليلًا من الوضع الاجتماعي، وهو الفعل الإيجابي والفعل السلبي. الفعل الإيجابي كثيرًا ما تحدثنا عنه، ولكن نفترض أن إنسانًا لا يعرف شيئًا من كل ذلك [من أنواع العمل والصدقة] ولا يحسنه ولا يتقنه؛ فهل خرج من حد النافع؟ هل علينا أن نهمله ونتركه؟

في بعض المذاهب [الفكرية المنحرفة] التي تدعو إلى أنه إذا وصل الإنسان إلى مرحلة غير نافعة ككبار السن أن نقتلهم مثلًا، هذه مصيبة كبرى، هذه بلية عظمى، هذا تفكير غير إنساني. بل بالعكس، رعاية المسنين ورعاية الأطفال ورعاية كل ضعيف مطلوبة.

فكرة الصنارة والسمكة وتعليم الفقير العمل بدلًا من إعطائه المال

الفعل الإيجابي والفعل السلبي؛ شخص لا يحسن العمل دائمًا، ونحن نتحدث عن إغناء الفقير، نتحدث عن فكرة الصنارة والسمكة، وأنه ينبغي علينا أن نعطي الفقير الصنارة ونعلمه كيف يعمل حتى يقوم بنفسه، بل قد نطلب منه أن يقوم بغيره أيضًا.

فكرة الصنارة هي ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي يقول:

«يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق»

فكرة الصنارة هي تلك التي جاء رجل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: «أليس معك شيء؟» قال: بلى يا رسول الله، ليس معي شيء. قال: «أليس عندك في بيتك شيء؟» قال: أشياء بسيطة، قدح وشيء ينام عليه.

قصة الرجل الفقير الذي علّمه النبي الاحتطاب والعمل بيده

قال [رسول الله ﷺ]: «ائتني بها»، فأتاه بها، فعرضها على الصحابة للبيع، فباعها بدرهمين، واشترى له بالدرهمين قدومًا -يعني شيئًا مثل الفأس، يعني أداة يذهب ليقطع بها الحطب من الغابة ويأتي به- وحبلًا يربط به ويحمل على كتفه ويأتي.

وقال [له النبي ﷺ]: «اذهب فاحتطب»، اطلب الحطب وتعال بعه. ففعل الرجل هكذا، فقام بنفسه وقام بغيره. مواقف تربوية نهتنا عن السؤال وعن الشحاذة، وأمرتنا بالعمل؛ فلا بد علينا من أجل أن نكسر حاجز الفقر في البلاد القضاء على البطالة، والقضاء على البطالة بمثل هذه البساطة والحزم والقوة.

قيمة العمل في إشعار الإنسان بكرامته وجعله فردًا نافعًا في المجتمع

لدرجة أنه [الرجل الفقير] أصبح قادرًا على أن يفرش بيته. هذا في الحقيقة يعني ما كان يساوي شيئًا يُذكر، ولكن بالرغم من ذلك فإنه [النبي ﷺ] أشعره بقيمة العمل، وأشعره بأنه لا يسأل، وجعله فردًا نافعًا في المجتمع.

أما في الحقيقة عندما ننزل إلى الفقراء ونفعل الخير ونوصل لهم الصنارة، ونحاول أن نعطي صنارة لكل فقير من أجل أن يصطاد السمك وأن يعمل بيده كما هو مأمور بذلك، نجد أنه ليس كل أحد يستطيع أن يفعل ذلك.

من لا يستطيع العمل الفني فليعن ذا الحاجة والملهوف بالأعمال البسيطة

ولذلك في حديث أبي موسى [الأشعري] شيء مهم جدًا، وهو أنه قال: يا رسول الله، لا يستطيع أن يفعل ذلك [العمل بيديه]. قال: «أرأيت إن لم يستطع؟» قال: «يعين ذا الحاجة والملهوف».

يعني إذا لم يستطع أن يعمل في العمل الفني الذي يحتاج إلى كفاءة، والذي يحتاج إلى تدريب، والذي يحتاج إلى استعداد وتعلم، وهو ليس كذلك؛ فليعمل في الأعمال التي لا تحتاج إلى كفاءة، كالأشياء التي هي المساعدة، أو أن يعين ذا الحاجة والملهوف.

هناك أعمال تسمى «أولاد الكار»، يعني لا تحتاج فنًّا، لا تحتاج إلا أعمالًا عضلية؛ من ضمنها الحمّال، من ضمنها أي الشخص الذي يخدم في المقهى مثلًا أو نحو ذلك، أي أنها لا تحتاج إلى تعلم أو تدريب أو كثرة مهارة إلى آخره.

الإمساك عن الشر صدقة لمن فقد القدرة على العمل الإيجابي

قال: «أرأيت إن لم يستطع؟» قال: «يأمر بالمعروف»، أي يأمر بالخير. قال له: حتى هذه لا يقدر عليها؟ قال: «يكف عن الناس، يمسك عن الشر، فإنها صدقة». يبقى ألا يكون مؤذيًا، وألا يكون يساعد على شيء فيه فساد.

والإمساك عن الشر هذا مسألة سلبية، والصبر مسألة سلبية، ولكن هذا السلب له أهله، وهم الذين فقدوا الكفاءة والخبرة والتعليم، وفقدوا القدرة على العمل الإيجابي؛ فإنه يصل إلى المرحلة السلبية، وعليه أن يكف شره عن الناس وأن يمسك الشر عن الشر، فإنها له صدقة.

هذا مفهوم افتقده كثير من الناس، ونراهم يخالفون ويؤذون، يؤذون أنفسهم ويؤذون الآخرين.

الهجرة غير الشرعية مصيبة كبرى ودعوة الشباب إلى العمل والصبر

الهجرة غير الشرعية، ما الدافع إليها؟ الدافع إليها وإلى مخالفة القوانين المصرية والدولية وإيذاء الآخرين وإيذاء النفس وتعريضها للهلاك. الهجرة غير الشرعية هذه مصيبة كبرى، لا ندعو أبناءنا إليها، بل ندعوهم إلى الصبر إن كان فيه، وإن لم يكن هناك تحسين ولكن هذه لها أساليب أخرى.

أنه لا بد عليه أن يعمل، وهذا العمل موجود، يكسر البطالة بدلًا من أن يدفع هذه الآلاف المؤلفة ويبيع أرضه ويبيع حلي أمه ويبيع كذا إلى آخره من أن يعطيها للدجالين الذين يسهلون الهجرة غير الشرعية.

حسابات مالية بسيطة لإثبات إمكانية فتح مشاريع بدلًا من الهجرة غير الشرعية

حسنًا، ما هي الثلاثمائة دولار في خمسة وعشرين ألفًا؟ بسبعة ملايين ونصف، أم شيء كهذا؟ يعني خمسة وعشرين ألفًا في ثلاثة بخمسة وسبعين، وأمامهم سبعة ملايين ونصف. لو أعطيناهم من الصندوق الاجتماعي سبعة ونصف أيضًا فسيصبح خمسة عشر، نفتح مصنعًا يشغّل الثلاثمائة.

ولكن يقول لك: لا، هذا أنا سأذهب إلى هناك وسأكسب لا أدري كم يورو في اليوم أو كذلك إلى آخره. بوجهك تذهب بعقد محترم وتذهب وتحصل على هذه الأموال، ولكن لا تذهب من أجل أن تكون لصًّا أو تكون في أيدي المافيا أو تكون وهكذا إلى شيء مجهول.

مخاطر الهجرة غير الشرعية والموت المحقق نتيجة غياب الأخلاق الإيجابية

وفي الطريق يموتون موتًا محققًا في أغلب الأحيان، حتى أنهم يُلقون بهم في البحار. كل هذا خلل أتى من عدم التخلق بهذه الأخلاق الإيجابية أو العمل الإيجابي.

فالعمل السلبي [المطلوب هو كف الأذى] وليس أن نؤدي بحياتنا وأن نتصرف هذه التصرفات العجيبة الغريبة.

حديث أزواج النبي عن أسرعهن لحوقًا به ومعنى أطولكن يدًا

هناك أيضًا حديث عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن له يومًا: أيتنا أسرع بك لحوقًا؟ أي واحدة ستموت بعدك يا رسول الله وتلحق بك؟ لأنهن كن يحببنه حبًّا جمًّا.

قال [النبي ﷺ]: «أطولكن يدًا». أطولكن يدًا، فهمنها على الظاهر هكذا، أطولكن يدًا. فذهبن يتطاولن، أي هذه هنا [يقسن أيديهن]. وفي الحديث فأخذن قصبة يقيسونها، أي أحضروا مسطرة كذلك لكي يروا أيديهم كم تبلغ بالسنتيمتر، ومن التي أطول من الأخرى.

فكانت سودة -كانت سودة أم المؤمنين التي تزوجها [النبي ﷺ] بعد خديجة عليها السلام- أطولهن يدًا من ناحية القياس.

اكتشاف أن أطولهن يدًا هي زينب بنت جحش لكثرة صدقتها وإنفاقها

لكن هم اكتشفوا بعد ذلك أن هذه الكلمة «أطولهن يدًا» معناها الصدقة والعطاء والكرم. فعلمنا بعد ذلك -أي لما حدث [الوفاة]- فمن التي توفيت أولًا؟ من توفيت؟ فتوفيت زينب [بنت جحش].

فبحثوا أين طول يد زينب، فوجدوها أنها كانت أكثرهن إنفاقًا في سبيل الله، وكانت أي تعطي كثيرًا جدًا وكأنه من غير حساب. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الله ولو بشطر تمرة»

فكانت زينب تتصدق كثيرًا رضي الله، رضي الله تعالى عنها وأرضاها. فعلمنا بعد ذلك أنما كان طول يدها الصدقة.

لماذا لم ينبه النبي أزواجه عندما قسن أيديهن وحكمة إخفاء المعنى

بعد أن ماتت زينب [بنت جحش] اكتشفوا أن الحكاية ليست كم سنتيمتر اليد الأطول، لكن يدها ليست الطول هذا، وإنما «أطولكن يدًا» معناها الصدقة. وكانت [زينب] أسرعنا لحوقًا به [بالنبي ﷺ]، وكانت تحب الصدقة. التي كانت تتحدث [عائشة رضي الله عنها] عن السيدة زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

فواحد يقول: حسنًا، إذا كانوا قد أحضروا قطعة قصبة بها أيديهم أمام النبي، فلماذا لم يقل لهم النبي شيئًا؟ لا، ليس معنى ذلك كذلك، بل معناه أن الصدقة [هي المقصودة]؛ كي لا يقلقهم، كي لا يحدث قلق بشأن من التي ستموت.

هذا لأن هذه العملية بيد [الله] وتكون خفية، حتى تتم ثم يفهموا المعنى أنها كانت تحب الصدقة عليها السلام.

إلى لقاء آخر غدًا، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.