ما حدود نظر الفقيه في الإسلام والصلاة والزكاة وما الفرق بين الفقه وعلم التصوف في إحياء علوم الدين؟
نظر الفقيه مقتصر على الظاهر المتعلق بالدنيا، فهو يحكم بصحة الإسلام باللسان والصلاة بصورتها الخارجية والزكاة بما يُسقط مطالبة السلطان، دون أن يتجاوز ذلك إلى أحوال القلوب وأعمال الآخرة. أما علم التصوف فهو الروح التي يفتقر إليها الفقه، إذ الفقه كالكوب لا يكفي وحده دون الماء الذي يروي، ولذلك يُعدّ هدم التصوف تفريطًا في جوهر الدين.
- •
هل يكفي الفقه وحده لنجاة الإنسان في الآخرة، أم أن ثمة علمًا آخر لا غنى عنه؟
- •
يُبيّن الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين أن نظر الفقيه مقتصر على الظاهر المرتبط بالدنيا في الإسلام والصلاة والزكاة والحلال والحرام.
- •
الفقيه يحكم بصحة الإسلام بمجرد النطق بالشهادتين، وبصحة الصلاة بأدائها ظاهرًا حتى لو خلت من الخشوع، وبسقوط الزكاة بما يُبرئ الذمة أمام السلطان.
- •
للورع عن الحرام أربع مراتب: ورع الشهود، وورع الصالحين، وورع المتقين، وورع الصديقين، وكلها خارجة عن نظر الفقيه إلا الأولى.
- •
الفقه كالكوب الذي يحفظ الماء لكنه لا يروي بذاته، وعلم التصوف هو الروح التي يفتقر إليها الفقه لاستكمال الدين.
- •
الدعوة إلى هدم التصوف تعني التفريط في روح الدين والاكتفاء بالقشور الظاهرة مع الغفلة عن الآخرة.
- 0:29
مقدمة مجالس إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وبيان أن العلم مفتاح الخير وسبب تقديمه على أقسام الكتاب الأربعة.
- 1:32
يوضح الغزالي أن الفقه فرض كفاية مرتبط بسياسة الخلق، مستدلًا بمثال الحج وضرورة الحراسة لإتمامه.
- 2:44
حديث لا يفتي إلا ثلاثة وبيان احتراز الصحابة عن الفتوى، مع التحذير من التصدر لها طلبًا للجاه والمال.
- 3:39
تعليق على خطورة التصدر للفتوى بغير أهلية، وتحذير المتسرعين في إصدار الأحكام الشرعية.
- 3:52
بيان أن نظر الفقيه في الإسلام والصلاة والزكاة والحلال والحرام لا يتجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة.
- 4:47
الفقيه يحكم بالإسلام بناءً على اللسان فقط لأن القلب خارج ولايته، استنادًا إلى حديث النبي في عدم شق القلوب.
- 6:01
حديث القتال حتى الشهادة يُثبت أن أثر الفقه في الدنيا بعصمة الدم والمال، أما أنوار القلوب فخارجة عن نطاقه.
- 6:42
الصلاة صحيحة فقهًا بأدائها الظاهري حتى بلا خشوع، لكنها لا تنفع في الآخرة، والخشوع خارج نطاق الفقيه.
- 7:40
الفقيه يكتفي في الزكاة بإسقاط مطالبة السلطان، وقصة أبي يوسف في الحيلة مثال على العلم الضار الذي يضر في الآخرة.
- 8:28
الغزالي يُفصّل مراتب الورع الأربعة من ورع الشهود إلى ورع الصديقين، مستدلًا بأحاديث نبوية على كل مرتبة.
- 10:31
الفقيه يتناول من الورع الدرجة الأولى فقط، وحديث استفت قلبك يُشير إلى عالم القلب الذي يتجاوز نطاق الفقه.
- 11:07
سفيان الثوري يُقرر أن الفقه ليس زاد الآخرة لأن نظره مرتبط بالدنيا، والشرف الحقيقي في العمل بالقلب والجوارح.
- 12:12
تشبيه الفقه بالكوب والتصوف بالماء يُوضح أن الفقه يضبط الظاهر لكنه لا يكفي وحده دون روح التصوف.
- 13:03
الفقه والتاريخ متلازمان في الاهتمام بالظاهر، لكن الفقه يحتاج إلى روح يُمثلها علم التصوف لاستكمال الدين.
- 14:08
هدم التصوف جريمة في حق الدين تُفضي إلى الغفلة عن الآخرة، وهو ما حذّر منه القرآن الكريم صراحةً.
- 14:44
الشهادتان تكفيان في الدنيا لدرء التكفير وعصمة الدم، لكنها لا تكفي وحدها في الآخرة دون إخلاص القلب.
- 15:45
ختام الحلقة بالإشارة إلى أن مثال الإسلام هو الأول من مربع الغزالي، على أن تُستكمل بقية الأمثلة في الحلقة القادمة.
ما موضوع كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي ولماذا قدّم فيه العلم على سائر الأقسام؟
إحياء علوم الدين للإمام الغزالي كتاب يتناول أربعة أقسام: العبادات والمعاملات والمهلكات والمنجيات. قدّم الغزالي كتاب العلم على سائر الأقسام لأن العلم مفتاح كل الخير وشرفه فوق كل شرف، إذ من ذاق العلم عرف ومن عرف اغترف.
ما العلاقة بين فرض الكفاية وسياسة الخلق والفقه عند الإمام الغزالي؟
يُبيّن الغزالي أن سياسة الخلق بالسلطنة ليست من علم الدين في الدرجة الأولى، بل هي معينة على ما لا يتم الدين إلا به. ويضرب مثلًا بالحج الذي لا يتم إلا بحراسة الطريق، فالحج شيء والحراسة شيء آخر ومعرفة قوانينها شيء ثالث، وخلاصة فن الفقه هي معرفة طرق السياسة والحراسة.
من يحق له إصدار الفتوى وما موقف الصحابة من التصدر لها؟
روي أن لا يفتي الناس إلا ثلاثة: أمير وهو الإمام، أو مأمور وهو نائبه، أو متكلف وهو من يتقلد الفتوى من غير حاجة. وكان الصحابة رضي الله عنهم يحترزون عن الفتوى حتى كان يُحيل كل واحد منهم على صاحبه، ولم يكونوا يحترزون إذا سُئلوا عن علم القرآن وطريق الآخرة. أما من تقلد الفتوى بغير حاجة فلا يقصد إلا طلب الجاه والمال.
ما خطر التصدر للفتوى بغير أهلية؟
التصدر للفتوى بغير أهلية أمر بالغ الخطورة، ولو عرف المتصدرون من غير أهلية ما في ذلك من خطر لما أقدموا عليه. وهذا تحذير صريح لمن يتسرع في إصدار الفتاوى دون أن تتوفر فيه الشروط اللازمة.
ما أقرب ما يتكلم فيه الفقيه من أعمال الآخرة وهل يشمل ذلك ربع العبادات؟
أقرب ما يتكلم الفقيه فيه من أعمال الآخرة ثلاثة: الإسلام والصلاة والزكاة والحلال والحرام. غير أن التأمل في منتهى نظر الفقيه فيها يُبيّن أنه لا يجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة، وهذا ينطبق على ربع العبادات من الصيام والصلاة وكذلك على ربع العادات من المعاملات.
لماذا يقتصر الفقيه في حكمه على الإسلام على اللسان دون القلب؟
يقتصر الفقيه في حكمه على الإسلام على اللسان لأن القلب خارج عن ولايته، وقد عزل النبي صلى الله عليه وسلم أرباب السيوف عن القلوب بقوله: «هلا شققت عن قلبه». فالفقيه يحكم بصحة الإسلام حتى تحت ظلال السيوف، لأن كلمة الشهادة باللسان تعصم الرقبة والمال في الدنيا، وإن كان القلب قد لا يزال مغشوًا بالجهل والحيرة.
ما دلالة حديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله على حدود الفقه؟
الحديث يجعل أثر الشهادة في الدنيا متعلقًا بعصمة الدم والمال فقط. أما الآخرة فلا تنفع فيها الأموال بل أنوار القلوب وأسرارها وإخلاصها، وهذا ليس من فن الفقه. فإن خاض الفقيه في أحوال القلوب كان خارجًا عن فنه كما لو خاض في الطب أو الكلام.
هل تصح الصلاة فقهًا إذا خلت من الخشوع وما حكمها في الآخرة؟
الفقيه يفتي بصحة الصلاة إذا أتى المصلي بصورة الأعمال مع ظاهر الشروط، حتى لو كان غافلًا في جميع صلاته مشغولًا بالتفكر في أمور الدنيا. هذه الصلاة تُسقط القتل والتعزير وتُحقق امتثال صيغة الأمر في الدنيا، لكنها لا تنفع في الآخرة. أما الخشوع وإحضار القلب فهو عمل الآخرة الذي لا يتعرض له الفقيه لأنه خارج عن فنه.
كيف ينظر الفقيه إلى الزكاة وما قصة أبي يوسف في إسقاطها بالحيلة؟
الفقيه ينظر في الزكاة إلى ما يقطع به مطالبة السلطان، فإذا أخذها السلطان قهرًا حكم ببراءة الذمة. وحُكي أن أبا يوسف القاضي كان يهب ماله لزوجته آخر الحول ويستوهب مالها إسقاطًا للزكاة، فلما ذُكر ذلك لأبي حنيفة قال: ذلك من فقهه. وهذا فقه الدنيا، لكن مضرته في الآخرة أعظم من كل جناية، ومثل هذا هو العلم الضار.
ما مراتب الورع الأربعة عند الإمام الغزالي وما الفرق بينها؟
للورع أربع مراتب: الأولى ورع الشهود وهو الاحتراز عن الحرام الظاهر الذي يُشترط في عدالة الشهادة. والثانية ورع الصالحين وهو التوقي من الشبهات عملًا بحديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». والثالثة ورع المتقين وهو ترك الحلال المحض خشية أن يُفضي إلى الحرام. والرابعة ورع الصديقين وهو الإعراض عما سوى الله خوفًا من صرف ساعة في ما لا يزيد القرب منه سبحانه.
أي مراتب الورع يتناولها الفقيه وما دلالة حديث استفت قلبك؟
الفقيه لا يتناول من مراتب الورع إلا الدرجة الأولى وهي ورع الشهود والقضاة المتعلق بما يقدح في العدالة. أما حديث «استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك» فيدل على أن ثمة مرجعًا داخليًا أعمق من الفتوى الفقهية، وهو حزازات القلوب التي لا يتكلم فيها الفقيه.
لماذا قال سفيان الثوري إن الفقه ليس من زاد الآخرة وما المقصود بذلك؟
سفيان الثوري وهو إمام في علم الظاهر قال إن طلب الفقه ليس من زاد الآخرة، لأن جميع نظر الفقيه مرتبط بالدنيا التي بها صلاح طريق الآخرة. فإن تكلم الفقيه في صفات القلب فذلك يدخل في كلامه على سبيل التطفل. والشرف الحقيقي في العلم هو العمل به بالقلب والجوارح في الطاعات، لا في معرفة مسائل الظهار واللعان والصرف.
ما المقصود بتشبيه الفقه بالكوب والتصوف بالماء عند الإمام الغزالي؟
الفقه كالكوب الذي لا بد منه لحفظ الماء، فهو يحافظ على الظاهر ويضبط حركة الناس وسلوكهم على مقتضى الشرع، وهذا أمر مهم ومن الدين. أما التصوف فهو الماء الذي يروي ويُحدث الري الحقيقي. والفقه وإن كان ضروريًا إلا أنه متعلق بالدنيا ولا يكفي وحده في الآخرة.
ما العلاقة بين الفقه والتاريخ وكيف يحتاج الفقه إلى علم التصوف؟
قيل إنك لا تبلغ مبلغ الفقيه حتى تدرس التاريخ، ولا تبلغ مبلغ المؤرخ حتى تدرس الفقه، فكلاهما مرتبط بالظاهر والأحداث. غير أن الفقه يظل محتاجًا إلى روح ليست موجودة فيه، وهذه الروح هي علم التصوف الذي يُعنى بأحوال القلوب وما يُصلح الآخرة.
ما خطورة الدعوة إلى هدم التصوف وما الآية القرآنية الدالة على ذلك؟
الدعوة إلى هدم التصوف تعني دعوة الأمة إلى التفريط في الماء والاكتفاء بالكوب النظيف، أي الاقتصار على الظاهر مع الغفلة عن الآخرة. وهذا ما وصفه القرآن بقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾. وهذه جريمة تُرتكب تحت عنوان الكتاب والسنة، والكتاب والسنة منها براء.
هل يكفي التلفظ بالشهادتين وحده للنجاة في الدنيا والآخرة؟
التلفظ بالشهادتين يكفي في الدنيا ويدرأ عن صاحبه وصف غير الإسلام، فالفقيه إذا سمعهما حكم بالإسلام حتى لو كان المتلفظ منافقًا لأننا لا نشق عن قلوب الناس. لكن هذا التلفظ وحده لا يكفي في الآخرة، إذ لا تنفع فيها إلا أنوار القلوب وإخلاصها.
ما المثال الأول من المربع الذي أراده الإمام الغزالي وما الذي سيُستكمل في الحلقة القادمة؟
المثال الأول من المربع الذي أراده الإمام الغزالي هو مثال الإسلام وكيف أن الفقيه يكتفي بالشهادتين باللسان في الدنيا دون أن يتجاوز إلى القلب. وسيُستكمل في الحلقة القادمة بقية أمثلة المربع التي يُريد الغزالي من خلالها إثبات أن نظر الفقيه مقتصر على الدنيا.
الفقه يضبط ظاهر الدين ويصلح الدنيا، لكن أحوال القلوب وأعمال الآخرة لا يُكملها إلا علم التصوف.
الفقه وحدوده في الدنيا والآخرة محور جوهري في إحياء علوم الدين للإمام الغزالي؛ إذ يُبيّن أن الفقيه يحكم بصحة الإسلام بالنطق باللسان، وبصحة الصلاة بأدائها الظاهري حتى لو خلت من الخشوع، وبسقوط الزكاة بما يُبرئ الذمة أمام السلطان، دون أن يتجاوز ذلك إلى أحوال القلوب التي هي عمل الآخرة.
يُشبّه الغزالي الفقه بالكوب الذي لا غنى عنه لحفظ الماء، والتصوف بالماء الذي يروي؛ فالفقه يضبط حركة الناس على مقتضى الشرع في الدنيا، لكنه يبقى ناقصًا دون روح التصوف التي تُعنى بالخشوع والورع الحقيقي ومراتبه الأربعة. ولذلك يرى الغزالي أن الدعوة إلى هدم التصوف جريمة في حق الدين تُفضي إلى الغفلة عن الآخرة.
أبرز ما تستفيد منه
- نظر الفقيه مقتصر على الظاهر المرتبط بالدنيا ولا يتجاوز إلى أحوال القلوب.
- الصلاة الخالية من الخشوع صحيحة فقهًا لكنها لا تنفع في الآخرة.
- للورع أربع مراتب والفقيه لا يتناول منها إلا الأولى المتعلقة بالعدالة.
- علم التصوف هو الروح التي يفتقر إليها الفقه لاستكمال الدين.
مقدمة الدرس والتعريف بكتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب [إحياء علوم الدين] لإمام الأئمة وبدر التتمة حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.
نقرأ وما زلنا نقرأ في كتاب العلم، والعلم شرفه فوق كل شرف، ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف. والعلم مفتاح كل الخير، ولذلك قدَّمه [الإمام الغزالي] على ما سواه من أقسامه الأربعة: العبادات والمعاملات والمهلكات والمنجيات، نجّانا الله سبحانه وتعالى من كل المهلكات وقبلنا عنده بقبول حسن. اقرأ يا شيخ محمد.
فرض الكفاية في العلم والعلاقة بين سياسة الخلق والفقه والحج
[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن محمد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين.
هو يتحدث عما يكون من العلم فرض كفاية، وكما أن سياسة الخلق بالسلطنة ليست من علم الدين في الدرجة الأولى، بل هو معين على ما لا يتم الدين إلا به، فكذلك معرفة طريق السياسة.
فمعلوم أن الحج لا يتم إلا ببذرقة (الحراس أو الجماعة الذين يتقدمون القافلة) تحمي من العرب في الطريق، ولكن الحج شيء وسلوك الطريق إلى الحج شيء آخر، والقيام بالحراسة التي لا يتم الحج إلا بها شيء ثالث، ومعرفة طرق الحراسة وحيلها وقوانينها شيء رابع. وخلاصة فن الفقه هي معرفة طرق السياسة والحراسة.
حديث لا يفتي الناس إلا ثلاثة واحتراز الصحابة عن الفتوى
ويدل على ذلك ما رُوي مسندًا:
«لا يُفتي الناس إلا ثلاثة: أمير أو مأمور أو متكلف»
الأمير هو الإمام، وقد كانوا هم المفتين، والمأمور نائبه، والمتكلف غيرهما وهو الذي يتقلد تلك العهدة من غير حاجة.
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحترزون عن الفتوى حتى كان يُحيل كل واحد منهم على صاحبه، وكانوا لا يحترزون إذا سُئلوا عن علم القرآن وطريق الآخرة.
وفي بعض الروايات بدل المتكلف المرائي؛ فإن من تقلد خطر الفتوى وهو غير متعين للحاجة فلا يقصد به إلا طلب الجاه والمال.
تعليق الشيخ على خطورة التصدر للفتوى بغير أهلية
[الشيخ]: فإنا لله وإنا إليه راجعون! ولو عرف المتصدرون الآن من تلك النابتة ما في ذلك الأمر من خطر لما أقدموا عليه، نعم.
اعتراض على حصر الفقه في السياسة وبيان أقرب ما يتكلم فيه الفقيه من أعمال الآخرة
[الشيخ محمد وسام]: فإن قلتُ: هذا إنْ استقام لك في أحكام الجراحات والحدود والغرامات وفصل الخصومات، فلا يستقيم فيما يشتمل عليه ربع العبادات من الصيام والصلاة، ولا فيما يشتمل عليه ربع العادات من المعاملات من بيان الحلال والحرام؟
فاعلم أن أقرب ما يتكلم الفقيه فيه من الأعمال التي هي أعمال الآخرة ثلاثة: الإسلام والصلاة والزكاة والحلال والحرام.
فإذا تأملت منتهى نظر الفقيه فيها علمت أنه لا يجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة، وإذا عرفت هذا في هذه الثلاثة فهو في غيرها أظهر.
نظر الفقيه في الإسلام مقتصر على اللسان دون القلب
أما الإسلام فيتكلم الفقيه فيما يصح منه وفيما يفسد وفي شروطه، وليس يلتفت فيه إلا إلى اللسان. وأما القلب فخارج عن ولاية الفقيه؛ لعزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرباب السيوف والسلطنة عنه حيث قال:
«هلا شققت عن قلبه» للذي قتل من تكلم بكلمة الإسلام معتذرًا بأنه قال ذلك من خوف السيف.
بل يحكم الفقيه بصحة الإسلام تحت ظلال السيوف، مع أنه يعلم أن السيف لم يكشف له عن نيته ولم يدفع عن قلبه غشاوة الجهل والحيرة، ولكنه مشير على صاحب السيف؛ فإن السيف ممتد إلى رقبته واليد ممتدة إلى ماله، وهذه الكلمة باللسان تعصم رقبته وماله ما دامت له رقبة ومال، وذلك في الدنيا.
حديث أمرت أن أقاتل الناس وأثر الإسلام في الدنيا والآخرة
ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم:
«أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم»
جعل [النبي ﷺ] أثر ذلك في الدم والمال. وأما الآخرة فلا تنفع فيها الأموال، بل أنوار القلوب وأسرارها وإخلاصها.
وليس ذلك من فن الفقه، وإن خاض الفقيه فيه كان كما لو خاض في الكلام والطب، وكان خارجًا عن فنه.
نظر الفقيه في الصلاة مقتصر على الصحة الظاهرية دون الخشوع
وأما الصلاة فالفقيه يفتي بالصحة إذا أتى بصورة الأعمال مع ظاهر الشروط، وإن كان غافلًا في جميع صلاته من أولها إلى آخرها، مشغولًا بالتفكر في حساب معاملاته في السوق إلا عند التكبير.
فهذه الصلاة لا تنفع في الآخرة كما أن القول باللسان في الإسلام لا ينفع، ولكن الفقيه يفتي بالصحة، أي أن ما فعله حصل به امتثال صيغة الأمر وانقطع به عنه القتل والتعزير.
وأما الخشوع وإحضار القلب الذي هو عمل الآخرة وبه ينفع العمل الظاهر، فلا يتعرض له الفقيه، ولو تعرض له لكان خارجًا عن فنه.
نظر الفقيه في الزكاة وقصة أبي يوسف في إسقاط الزكاة بالحيلة
وأما الزكاة فالفقيه ينظر إلى ما يقطع به مطالبة السلطان، حتى إذا امتنع عن أدائها فأخذها السلطان قهرًا حكمَ بأنه برئت ذمته.
وحُكِيَ أن أبا يوسف القاضي كان يهب ماله لزوجته آخر الحول ويستوهب مالها إسقاطًا للزكاة. وحُكِيَ ذلك لأبي حنيفة رحمه الله، فقال: ذلك من فقهه. وصدق؛ فإن ذلك من فقه الدنيا، ولكن مضرته في الآخرة أعظم من كل جناية.
ومثل هذا هو العلم الضار.
مراتب الورع الأربعة في الحلال والحرام من ورع الشهود إلى ورع الصديقين
وأما الحلال والحرام فالورع عن الحرام من الدين، ولكن الورع له أربع مراتب:
الأولى: الورع الذي يُشترط في عدالة الشهادة، وهو الذي يخرج بتركه الإنسان عن أهلية الشهادة والقضاء والولاية، وهو الاحتراز عن الحرام الظاهر.
الثانية: ورع الصالحين، وهو التوقي من الشبهات التي تتقابل فيها الاحتمالات. قال صلى الله عليه وآله وسلم:
«دَعْ ما يُريبُكَ إلى ما لا يُريبُكَ»
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
«الإثمُ حزازُ القلوب»
الثالثة: ورع المتقين، وهو ترك الحلال المحض الذي يُخاف منه أداؤه إلى الحرام. قال صلى الله عليه وآله وسلم:
«لا يكونُ الرجلُ من المتقين حتى يدعَ ما لا بأسَ به مخافةَ مما به بأس»
وذلك مثل التورع عن التحدث بأحوال الناس خشية الانجرار إلى الغيبة، والتورع عن أكل الشهوات خشية هيجان النشاط والبطر المؤدي إلى مقارفة المحظورات.
الرابعة: ورع الصديقين، وهو الإعراض عما سوى الله تعالى خوفًا من صرف ساعة من العمر إلى ما لا يفيد زيادة القرب عند الله عز وجل، وإن كان يعلم ويتحقق أنه لا يفضي إلى حرام.
الدرجات الأربعة خارجة عن نظر الفقيه إلا الأولى وحديث استفت قلبك
فهذه الدرجات كلها خارجة عن نظر الفقيه إلا الدرجة الأولى، وهو ورع الشهود والقضاة وما يقدح في العدالة. والقيام بذلك لا ينفي الإثم في الآخرة.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لوابصة:
«استفتِ قلبَك وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك»
والفقيه لا يتكلم في حزازات القلوب وكيفية العمل بها، بل فيما يقدح في العدالة فقط.
نظر الفقيه مرتبط بالدنيا وقول سفيان الثوري في أن الفقه ليس من زاد الآخرة
فإذن، جميع نظر الفقيه مرتبط بالدنيا التي بها صلاح طريق الآخرة، فإن تكلم في شيء من صفات القلب وأحكام الآخرة، فذلك يدخل في كلامه على سبيل التطفل، كما قد يدخل في كلامه شيء من الطب والحساب والنجوم وعلم الكلام، وكما تدخل الحكمة في النحو والشعر.
وكان سفيان الثوري وهو إمام في علم الظاهر يقول: إن طلب هذا [أي الفقه] ليس من زاد الآخرة. كيف وقد اتفقوا على أن الشرف في العلم العمل به؟ فكيف يُظن أنه علم الظهار واللعان والسلم والإجارة والصرف؟
ومن تعلم هذه الأمور ليتقرب بها إلى الله تعالى فهو مجنون، وإنما العمل بالقلب والجوارح في الطاعات، والشرف هو تلك الأعمال.
تعليق الشيخ على تشبيه الفقه بالكوب والتصوف بالماء وأهمية الجمع بينهما
[الشيخ]: إذن، الإمام الغزالي رحمه الله تعالى يبين لنا قضية الكوب والماء؛ فالفقه هو الكوب الذي لا بد منه، ولا يحدث أن نحفظ الماء إلا به، ولذلك فهو يحافظ على الظاهر، والظاهر مهم وهو من الدين، إلا أنه متعلق بالدنيا.
والماء هو الذي يروي ويُحدِث الري كما ذكرنا. فهو [الإمام الغزالي] يتكلم أن الفقه إنما يتناول ما هو موجود في الدنيا ويضبط حركة الناس وسلوكهم على مقتضى الشرع الشريف، وهذا أمر مهم، إلا أنه لا يكفي في الآخرة.
تفصيل اهتمام الفقيه بالظاهر وعلاقة الفقه بالتاريخ والحاجة إلى علم التصوف
وقسَّم [الإمام الغزالي] حتى يصل إلى هذه النتيجة بتفصيل، فقال إن الفقيه يهتم بالإسلام وبالصلاة وبالزكاة وبالحلال والحرام، واهتمامه بهذه الأشياء اهتمام بالظاهر، اهتمام بالدنيا.
ولذلك قالوا: إنك لا تبلغ مبلغ الفقيه حتى تدرس التاريخ، ولا تبلغ مبلغ المؤرخ حتى تدرس الفقه. فالمؤرخ يروي أحداثًا، ومن ضمن هذه الأحداث أن مالكًا قال كذا، وأن الشافعي قال كذا، وهو من ضمن الأحداث هكذا، وهذا هو التاريخ.
فسيظل [الفقه] يحتاج إلى روح، يحتاج إلى أمر آخر ليس موجودًا في الفقه. هذا الأمر هو علم التصوف.
خطورة الدعوة إلى هدم التصوف والتفريط في روح الدين
ولذلك يظهر لنا هذا مدى خطورة الداعين الآن إلى هدم التصوف؛ فإنهم يدعون الأمة إلى التفريط في الماء وإبقاء الكوب نظيفًا جميلًا.
﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
فانظر إلى أي جريمة يجرون إليها تحت عنوان الكتاب والسنة، والكتاب والسنة الحمد لله منهما براء.
مثال الإسلام عند الفقيه والاكتفاء بالشهادتين في الدنيا دون الآخرة
فضُرب ذلك [المثال] في الإسلام، والإسلام مبناه الشهادتان: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فالفقيه إذا سمعها بأذنه من أحدهم حكم عليه بالإسلام حتى لو كان منافقًا، وهذا أمر جيد؛ لأننا لا نشق عن قلوب الناس.
لكن هذا وحده - التلفظ بالشهادتين وحده باللسان وحده - لا يكفي في الآخرة. يكفي في الدنيا ويدرأ عن صاحبه الوصف بغير الإسلام، وإذا قاله لا نستطيع أن نكفره بعد ذلك:
«ألا شققت عن قلبه؟»
كما ورد في الحديث. فهو يكفي في الدنيا ولكن لا يكفي في الآخرة.
خاتمة الحلقة والإشارة إلى استكمال المربع الذي أراده الإمام الغزالي
هذا هو المثال الأول من المربع الذي أراده الإمام الغزالي [رحمه الله]، ونستكمل في حلقة قادمة. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الأقسام الأربعة التي يتناولها كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي؟
العبادات والمعاملات والمهلكات والمنجيات
من يحق له إصدار الفتوى وفق الحديث المروي في الكتاب؟
أمير أو مأمور أو متكلف
لماذا يقتصر الفقيه في حكمه على الإسلام على اللسان دون القلب؟
لأن القلب خارج عن ولاية الفقيه وقد عزل النبي أرباب السيوف عنه
ما حكم الصلاة التي تُؤدى بصورتها الظاهرة دون خشوع من منظور الفقيه؟
صحيحة وتُسقط التعزير لكنها لا تنفع في الآخرة
ما الذي فعله أبو يوسف القاضي لإسقاط الزكاة وكيف وصفه أبو حنيفة؟
وهب ماله لزوجته آخر الحول واستوهب مالها، فقال أبو حنيفة ذلك من فقهه
ما المرتبة الثانية من مراتب الورع الأربعة عند الإمام الغزالي؟
ورع الصالحين وهو التوقي من الشبهات
ما الحديث النبوي الذي استشهد به الغزالي على ورع المتقين؟
لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس
ما الذي يُشبّه به الإمام الغزالي الفقه والتصوف في تعليق الشيخ؟
الكوب والماء
ما قول سفيان الثوري في الفقه وعلاقته بالآخرة؟
طلب الفقه ليس من زاد الآخرة
ما الآية القرآنية التي استُشهد بها في سياق خطورة هدم التصوف؟
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾
ما الذي يكفي في الدنيا من الإسلام ولا يكفي في الآخرة وفق ما بيّنه الغزالي؟
التلفظ بالشهادتين باللسان وحده
ما الروح التي يفتقر إليها الفقه لاستكمال الدين وفق الإمام الغزالي؟
علم التصوف
لماذا قدّم الإمام الغزالي كتاب العلم على سائر أقسام إحياء علوم الدين؟
لأن العلم مفتاح كل الخير وشرفه فوق كل شرف، ومن ذاق عرف ومن عرف اغترف.
ما المقصود بـ'البذرقة' في سياق الحج عند الغزالي؟
البذرقة هي الحراس أو الجماعة الذين يتقدمون القافلة لحمايتها في الطريق إلى الحج.
من هو المتكلف في حديث لا يفتي الناس إلا ثلاثة؟
المتكلف هو من يتقلد الفتوى من غير حاجة وليس أميرًا ولا مأمورًا، وغالبًا لا يقصد إلا طلب الجاه والمال.
ما موقف الصحابة من الفتوى في علم القرآن وطريق الآخرة؟
كانوا لا يحترزون من الإجابة إذا سُئلوا عن علم القرآن وطريق الآخرة، بخلاف فتاوى الأحكام التي كانوا يتحاشونها.
ما الفرق بين الحج وسلوك الطريق إليه والحراسة في تحليل الغزالي؟
الحج شيء، وسلوك الطريق إليه شيء آخر، والقيام بالحراسة شيء ثالث، ومعرفة قوانين الحراسة شيء رابع، وكل منها مستقل.
ما معنى حديث هلا شققت عن قلبه في سياق ولاية الفقيه؟
الحديث يدل على أن القلب خارج عن ولاية الفقيه وأرباب السيوف، فلا يحق لأحد الحكم على نية الإنسان الداخلية.
ما الفرق بين أثر الشهادتين في الدنيا وأثرها في الآخرة؟
في الدنيا تعصم الرقبة والمال، أما في الآخرة فلا تنفع إلا أنوار القلوب وأسرارها وإخلاصها.
ما ورع الصديقين وكيف يختلف عن بقية مراتب الورع؟
ورع الصديقين هو الإعراض عما سوى الله خوفًا من صرف ساعة في ما لا يزيد القرب منه، حتى لو كان الأمر مباحًا.
ما الحديث الدال على ورع الصالحين وما معناه؟
حديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، ومعناه تجنب كل ما يُثير الشك في النفس والتزام ما هو مطمئن إليه.
لماذا وصف الغزالي حيلة أبي يوسف في إسقاط الزكاة بأنها من العلم الضار؟
لأنها وإن كانت صحيحة فقهًا وتُسقط مطالبة السلطان، إلا أن مضرتها في الآخرة أعظم من كل جناية.
ما الذي يدخل في كلام الفقيه على سبيل التطفل وفق الغزالي؟
إذا تكلم الفقيه في صفات القلب وأحكام الآخرة فذلك يدخل في كلامه على سبيل التطفل، كما تدخل الحكمة في النحو والشعر.
ما العلاقة بين الفقه والتاريخ كما أوردها الشيخ في تعليقه؟
لا تبلغ مبلغ الفقيه حتى تدرس التاريخ، ولا تبلغ مبلغ المؤرخ حتى تدرس الفقه، فكلاهما مرتبط بالظاهر والأحداث.
ما الحديث الذي يدل على أن ثمة مرجعًا أعمق من الفتوى الفقهية؟
حديث استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك، وهو يُشير إلى حزازات القلوب التي لا يتكلم فيها الفقيه.
ما الشرف الحقيقي في العلم وفق ما أورده الغزالي ونقله سفيان الثوري؟
الشرف الحقيقي في العلم هو العمل به بالقلب والجوارح في الطاعات، لا مجرد معرفة المسائل الفقهية.
ما المثال الأول من المربع الذي أراده الإمام الغزالي في هذه الحلقة؟
مثال الإسلام وكيف أن الفقيه يكتفي بالشهادتين باللسان في الدنيا دون أن يتجاوز إلى أحوال القلب.
