الفكر | رب لترضى جـ 1 | الحلقة الرابعة والعشرون | أ.د علي جمعة - تصوف, رب لترضى

الفكر | رب لترضى جـ 1 | الحلقة الرابعة والعشرون | أ.د علي جمعة

23 دقيقة
  • يتحدث الحوار عن أركان الطريق الصوفي وأهمها الذكر والفكر، مع التركيز على الفكر ومصادر المعرفة.
  • كتاب الله المسطور (القرآن) والمنظور (الكون) مصدران متكاملان للمعرفة، وأهل الله لا يفرقون بينهما لأنهما من عند الله ولا تناقض بين حقائقهما.
  • التصوف يهتم بلطائف خمسة: القلب والروح والخفي والسر والأخفى، وهناك مراتب للملك والملكوت.
  • المتصوفة وضعوا قواعد للسالكين تحذرهم من الالتفات للكرامات والأنوار والمظاهر الخارقة، لأن الملتفت لا يصل.
  • التجارب الروحية قد تعرض السالك لخدع شيطانية كالنور أو العرش النوراني، والعلم الشرعي ينجي منها.
  • الفرق بين مقامي الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه (للخواص)، وإن لم تكن تراه فإنه يراك (للعوام).
  • لا بد للسالك من شيخ يرشده في طريق التصوف، والصلاة على النبي هداية عند فقد المربي.
محتويات الفيديو(24 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين وسؤال عن ركن الفكر في الطريق

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات رب لترضى مع مجموعة الشباب الطيب الذي يسأل حول قضايا التصوف الإسلامي، ونحاول أن نجلي بعض الحقائق. أهلًا يا شباب.

[السائل]: أهلًا، وحضرتك يا مولانا، معكم سؤال اليوم؟ نعم سيدي. طيب مع من؟ معي، مع بلال. تفضل سيدي، كنت حضرتك في الحلقة الماضية قلت لنا من أركان الطريق الذكر والفكر، ونحن تحدثنا عن الذكر واستفضنا فيه في حلقات سابقة، بدأنا الحديث عن الفكر حضرتك، بدأت فيه، وقلت إننا سنكمل إن شاء الله في المرات القادمة.

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، أهم شيء في الفكر هو أن كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور مصدران للمعرفة. كتاب الله المسطور - القرآن الكريم - أمرنا بتدبره:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]

وكتاب الله المنظور أيضًا أمرنا بالتأمل فيه وأخذ المعرفة منه.

العلاقة بين كتاب الله المنظور والمسطور في سورتي العلق والرحمن

وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]

وعندما نقرأ:

﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 1-2]

هو الذي خلق الخلق.

﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 3-4]

وهو الوحي:

﴿نٓ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1]

فالخلق والوحي تبدأ هكذا، لكن في سورة الرحمن قال:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4]

بدأ بالقرآن وثنّى بالأكوان، وهنا [في سورة العلق] بدأ بالأكوان وثنّى بالقرآن، يعني هي دائرة من حيث بدأت انتهيت.

لا تناقض بين الحقائق الكونية والشرعية ونظرة أهل الله مقابل غيرهم

لماذا [هي دائرة]؟ لأنهما من عند الله، فلا تناقض أصلًا في العلم ما بين الحقائق الكونية والحقائق الشرعية. هذه النظرة هي نظرة أهل الله، لكن أصحابنا الآخرين يقولون: لا، ليس لي إلا الوحي، ولذلك يريد أن يعيش عصر النبي لا حياته، فيضيق واسعًا.

ولهم في هذا شأن مضحك، لكنهم يغيرون الأمر كله عندما يصطدمون مع الحياة الجارية، فيغيرون. أهل الله على ما هم عليه لم يغيروا ولم يبدلوا.

التأمل في الكائنات ومراتب النفس واللطائف الخمس عند السالكين

فهذا الفكر مهم جدًا؛ لأنه عندما حدث تأمل وتدبر للكائنات وللإنسان، كتبنا مراتب النفس وحاولنا أن نكون تحت السقف المعرفي للكتاب والسنة، حتى اخترنا منها ألفاظ الكتاب والسنة. وجدنا هذا الترقي، ووجدنا أن هناك لطائف، وهذه اللطائف تعمل عند البشر كلهم.

ونحن جئنا لنسميها، ما هي هذه اللطائف الموجودة عند الهنادكة والبوذيين وغيرهم؟ هي موجودة عندما تعمل في الخلوة ستنتج هذه الخلوة لك أسرارًا، ونريد أن تكون هذه الأسرار منضبطة بالكتاب والسنة.

قاعدة ملتفت لا يصل وضرورة عدم الانشغال بالأسرار والأنوار

فيأتي [العارف] ليضع لك قاعدة ويقول لك انتبه: ملتفت لا يصل، احذر أن تشغل نفسك بالأسرار ولا بالأنوار، اعبد الرب القهار، لا تشغل نفسك بأسرار ولا [بأنوار]. وكلما انكشف لك شيئًا من الأسرار اجعله في التعلم بالأدب مع الله، كيف تكون مؤدبًا مع الله.

ولذلك ملتفت لا يصل، وقد وضعوا قواعد، ومنهم الشيخ زروق الذي وضع [القواعد الزروقية]، ومنهم الشيخ ابن عطاء الله الذي وضع [الحكم العطائية]، ومنهم في التخلية والتحلية الغزالي الذي وضع [إحياء علوم الدين] ينقسم إلى قسمين: العبادات والمعاملات، وقسم المهلكات والمنجيات.

اللطائف الخمس وتجربة السالك مع الله وتصديق التجربة الروحية

القضية كلها تعتمد على الكتاب والسنة والاستفادة من التجارب البشرية. فيقول لك: اللطائف خمسة: القلب والروح والخفي والسر والأخفى. ما هذه الخمسة؟ هذه أماكن موجودة، حسنًا، ماذا أفعل فيها؟ وما هي مقتضياتها؟

فيقوم [العارف] بكتابة تجربته مع الله، والغريب أنك تجد نفس التجربة لديك. فيقول الإمام السيوطي: وهذا دليل على أنها حق. حسنًا، حدثت لك وأنت ليس لديك علم بهذه المسألة، وليس لديك شيخ مرشد.

فجربوا هذا فوجدوا أنه من الممكن أن عدم المعرفة هذه قد تجعلك تضطرب.

خطأ النظر بعين واحدة والفرق بين حياة النبي وعصره

إذن إذا كان الذكر أصلًا مصممًا للاطمئنان:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

عندما يوصل الذكر إلى عدم اطمئنان القلوب، فهذا يعني أن ثمة خطأً ما. ما هو هذا الخطأ؟ أنك نظرت بعين واحدة، هو [الشخص] غير مصدق هذا، أنك لم تتخذ منهاج النبوة المنهاج المفتوح، أنك لم تقف عند حياة النبي بل وقفت عند عصر النبي.

أنك وقفت عند النص وليس عند فهم أهل الله للنص، لم تفرق بين كتاب الله المسطور والمنظور فاعتمدت على واحد وتركت الثاني وأنكرت، ووجدت صراعًا مقيتًا ما بين الكتابين وهما من عند الله وحقائقهما لا تختلف.

مفاتيح السالكين وعالم الملك والملكوت والعرش في الطريق إلى الله

شيء رهيب جدًا لو جلسنا نتكلم فيه حتى الصباح. في مفاتيح عند السالكين اعتمدوا عليها وعاشوا فيها، والسالكون هم الشافعي والفضيل بن عياض وعبد القادر الجيلاني والغزالي وأمثال هؤلاء عبر القرون.

ولذلك حدث هنا في الطريق إلى الله، حينما قال لك إنه يوجد خمسة لطائف، لكن هناك مُلك وهو المشاهد [أي] الحياة التي نعيشها، ويوجد ملكوت. حسنًا، وما شكل هذا الملكوت؟ وما قواعده؟ وما أحواله؟ لكن الملك والملكوت على كل حال في باب المخلوق.

ثم إن هناك فوق هذا الملكوت في عالم الغيب العرش الذي تكلم عنه ربنا سبحانه وتعالى، وما خلا العرش الذي هو خارج الأكوان، والذي هو شيء عجيب غريب في هذا المجال، هو الله رب العالمين. والتفكر في ذات الله إشراك.

درجات الملك والملكوت العشر وما ينكشف للسالك من أسرار وأنوار

يعني أننا لن نفكر فيما فوق العرش، وهذا المُلك يكون في خمس درجات، وكذلك الملكوت في خمسة أيضًا، فتصبح الدرجات عشرة.

وبدأوا يضعون: ماذا سيحدث لك وأنت سائر هكذا في الطريق إلى الله؟ فكتبوا هذا: ما الذي سيُفتح عليك من الأسرار، ما الذي ستراه من الأنوار، وزهّدوك فيها، أي أخبروك أن احذر، اعلم لن تُقبَل عند الله إلا إذا لم تجعل هذا مُرادك.

فهذه أمور هكذا، فزهّدوك فيها: زهدوك في الكرامات، زهدوك في المراتب، وأمروك بعدم الالتفات إليها، حتى يكون الدين كله لله، حتى تكون النية ويكون القلب صافيًا ومخلصًا ونقيًا، وليس فيه أي شائبة.

حقيقة التوحيد بين إخلاص النية لله وبين التشبيه والتشويش

لله بالله عليك، أليس هذا هو عين التوحيد؟ أو التوحيد أن نُدخل الناس في شبهات واضطرابات وتشويشات حول:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

كيف استوى؟ وأن له يدين، وأن كلتا يديه يمين، وأشياء يعني يشبهون الخالق بالمخلوق. هل هذا هو التوحيد؟ أم التوحيد هو إخلاص النية لله والسير مع عدم الالتفات لجميع العوارض الطارئة؟

ملخص منهج أهل السلوك في الذكر والفكر وعدم الالتفات إلى العوارض

هذا هو ملخص ما هنالك: أن أهل السلوك وأهل الله يسيرون بالذكر والفكر ويأمرون أتباعهم بأن لا يلتفتوا، ويعلمونهم ما الذي سيحدث خوفًا عليهم وليس طلبًا لمثل هذه المراتب. ومن طلب هذه المراتب في ذاتها فإنه يكون ملتفتًا، وملتفت لا يصل.

ومقصود الكل هو الله، والسعي الحثيث إنما هو إليه وحده لا شريك له. ولذلك يجب عليك ألا تلتفت إلى كرامة، ولا تلتفت إلى رؤى، ولا تلتفت إلى خواطر، ولا تلتفت إلى واردات، ولا تلتفت إلى أسرار، ولا إلى أنوار.

ولا [تسأل] كيف هذا؟ هذه أشياء مبهرة، لو أنك تسير في الطريق وحدك لانبهرت قطعًا، ولحدث لك خلل.

تحذير ابن تيمية من العابد الذي ليس له شيخ ورؤية العرش النوراني

يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن من العباد - وهو صادق - الذين ليس لهم شيخ - والعبادة مطلوبة عند الجميع عندنا وعند النابتة - من يرى عرشًا نورانيًا في السماء. ماذا ستفعل الآن؟

لو كان لديك شيخ، ولو كنت متعلمًا، لعرفت أن هذه كلها لوافت لا شأن لي بها. عرش نوراني في السماء ظهر هكذا ويقول له: أنا ربك فاسجد لي، إنه يسمع صوتًا أيضًا. فإذا سجد كفر، فإذا سجد كفر؛ لأنه شيطان.

ماذا يعني أن نورًا ظهر وعرشًا ظهر؟ ما هذا الكلام؟ أنت لو كان قلبك ليس فيه إلا الله، فلن تتأثر بهذه الشيطانيات الممكنة للشيطان.

عرض أمر الكرامات على الشرع وأهمية اليقين في مواجهة الشيطان

الشيطان يمكن أن يفعل هكذا كما قلنا قبل ذلك، فاعرضوا أمره على الشرع، فإن كان موافقًا للشرع فذاك المطلوب، وإلا فهو شيطان.

الذي يطير في الهواء والذي يمشي على المياه والذي لا أعرف ماذا يفعل، عندما يكون لديك هذا اليقين، يكون الأمر مختلفًا.

قصة عبد القادر الجيلاني في الخلوة والتحذير من خداع الشيطان

بعد الفاصل: بسم الله الرحمن الرحيم، كنا قبل الفاصل وصلنا إلى كلام ابن تيمية وهو يقول: إن من العباد من يظهر له نور أو عرش نوراني في السماء فيقول: أنا ربك فاسجد لي، فإذا سجد كفر.

وبعض الناس يقول لك: افترض أنه لا يعرف، أي إنه جاهل، كيف سيكفر؟ في هذه الحالة هو يظن أن هذا هو ربنا، هذا من جهله.

فيوردون في هذا المقام قصة عن سيدي عبد القادر الجيلاني أيضًا، هي تحذر السالكين. وطبعًا النابتة يقفون عند القصة ويتقافزون، لكن لماذا؟ لأنه ليس عندهم تجريد، ليس عندهم محاولة لفهم المنهج، ليس عندهم محاولة لأخذ العبرة من القصص.

تفاصيل قصة عبد القادر الجيلاني مع النور العجيب والصوت في الخلوة

فيقال إن الإمام عبد القادر الجيلاني كان في الخلوة يذكر ربنا، وبينما هو في الخلوة كذلك يذكر ربنا، قال: فرأيت أن نورًا عجيبًا قد ملأ الخلوة عجيبًا. انتبه جيدًا، ليس نورًا عاديًا بل نورًا عجيبًا قد ملأ الخلوة حتى خفت أن أغرق فيه، يعني كأنه أمواج متلاطمة من الأنوار.

وسمعت صوتًا ما سمعت أحلى منه قبل ذلك وهو يقول: يا عبد القادر، قد أحببناك. فاقشعر جسدي وخشع قلبي وبكت عيناي وقلت: لبيك.

قال: يا عبد القادر، من حبنا لك قربناك. قال: فذبت كما يذوب الملح في الماء، لست قادرًا على أكثر من ذلك. ربنا يكلمه ويقول له: أحببناك وقربناك.

كشف خداع الشيطان لعبد القادر الجيلاني وعلمه الذي نجاه

يا عبد القادر، أحللنا لك الحرام فافعل ما شئت. فقال: اذهب يا لعين! قال: فانطفأ النور وسمعت صوتًا ما سمعت أقبح منه وهو يقول مدبرًا: علمك نجاك يا عبد القادر.

هذه هي الفائدة التي يقولونها: علمك نجاك يا عبد القادر. أخرجت سبعين وليًا من ديوان الولاية بها. هؤلاء الأولياء ليسوا علماء، فذهبوا يا عيني منبهرين بالمخرقات التي للشيطان هذه، فوقعوا في المحظور وضلُّوا وذهبوا بعد ذلك.

إسقاط التكاليف الشرعية باطل لأنها لم تُسقط عن النبي ﷺ

لأنه [الشيطان] سيأتي إليك في المرة القادمة، ما دام أسقط عنك التكاليف سيقول لك: نحن أحللنا فيك، نحن فعلنا بك كذا وكذا. حسنًا، إذا كنت تُسقط التكاليف، فلماذا لم تُسقطها عن النبي سيد الكائنات؟ لم تُسقط عنه التكاليف، فقال:

﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]

اليقين الذي هو الموت، فأنت على من تلعب أو على من تضحكون؟ علمك نجاك يا عبد القادر.

أركان العلم الصوفي ودور المشايخ في إرشاد الناس إلى الأدب مع الله

ومن هنا كان لا بد أن نتعلم هذا العلم. أركان العلم: أن يكون لك شيخ، أن يكون عندك كتاب، أن تكون لك تجربة، أن يكون لك جو هكذا تأخذ وتعطي وكذا.

فهذا الذي نقول: نقول يا جماعة، المشايخ يرشدون الناس إلى الأدب، ويرشدون الناس إلى كيفية عبادة الله، ويرشدون الناس إلى تخليص القلب من العناء ومن الشرك ومن أن تجعل لله ندًا وأن تنشغل عنه بالعوارض والمشاغل. فعلى ماذا تنكرون؟ ماذا تنكرون؟

فيأتي لك بحجة من هنا وحجة من هناك حتى يشوش الأمر على الناس.

حقيقة التصوف الإسلامي وأركانه من الذكر والفكر والتخلية والتحلية

ولكن ما نقوله هذا هو حقيقة التصوف: أن التصوف هو طريق إلى الله، وأن ركنه الذكر والفكر، وأنه يقوم بالتخلية فالتحلية، وبالتخلي والتحلي يحدث التجلي.

وأنه يحيا حياة النبي ولا يحيي عصره، وأنه يحيا منهج النبي ولا يحيي مسائله، وأنه يتجاوز بذلك كله إلى الله، وأن الله هو المقصود وأن ملتفت لا يصل. هذا هو التصوف الإسلامي.

حب النبي ركن من الإيمان والفرق بين التصوف والتشيع

حب النبي ركن من أركان الإيمان، ومن أجله نحب أهل البيت. ليس هناك علاقة إطلاقًا بين التصوف وبين التشيع. التشيع مذهب قائم بذاته بل بمروياته أيضًا، فله روايات ليست عندنا إطلاقًا ولا نعرفها.

كل هذه الهيئة تضع التصوف الإسلامي في مكان صحيح من كونه هو العلم الذي جعل محوره أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك.

هل يعبد غير المتصوف الله بمقام الإحسان ومراتب العوام والخواص

وعلى ذلك فالمتصوف ليس كل الأمة، بل هو صنف من الأمة. ومن هنا ترتبت الأمور إلى العوام والخواص وخواص الخواص، ومن هنا كانت مراحل بين بداية الطريق ونهاية الطريق مائة مرحلة التي ذُكرت في [منازل السائرين].

[السائل]: تفضل حضرتك، لقد أوضحت لنا أن الطرق الصوفية هي عبادة ربنا سبحانه وتعالى بمقام الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وقد ذكرت لنا أن هذا صنف من البشر وليس كل البشر. حسنًا، بالنسبة للصنف الآخر الذي ليس لديه ومن لا ينتمي إلى طريقة صوفية، هل هذا لا يعبد الله سبحانه وتعالى بمقام الإحسان؟ ولو وُجد هذا الصنف، يكون فقد شيئًا غير موجود عند الذي ينتمي إلى أي طريق صوفي، أم أنه يعبد ربنا سبحانه وتعالى بمقام الإحسان، وينال نفس ما عند الذي ينتمي إلى الطريق الصوفي؟

[الشيخ]: رأينا في مقام الإحسان أنه على مرتبتين: مرتبة هي مرتبة خواص الخواص أن يعبد الله كأنه يراه، ومرتبة أخرى ليست كذلك، فإن لم تكن تراه فهناك من يراه، وهناك أن تعبد الله على طريقة أخرى. عموم الناس يعبدون بهذه الدرجة الأقل.

أهل التصوف يتخذون وسائل للوصول كمن يدخل كلية الطب ليصبح طبيباً

أما أهل التصوف فيعبدون أو يحاولون أو يريدون، ولذلك فهم يتخذون وسائل [للوصول إلى ذلك]. رجل يريد أن يخرج في كلية، أن يصبح طبيبًا يدخل كلية الطب، ورجل يريد أن يصبح شرعيًا يذهب إلى كلية الشريعة ويتعلم من البداية هذا الكلام.

لكن الثاني لا يريد خلاصًا، لا يريد، هو في هذا النطاق. فالإجابة على سؤالك هي أن عموم المسلمين هم في المرحلة الثانية وليست في المرحلة الأولى.

ضرورة دخول الطريق الصحيح لتحقيق مقام الإحسان وعدم الاكتفاء بالقراءة

إذن أردت أن تدخل المرحلة الأولى، ثم إنك بدلًا من دخول كلية الطب أنت تريد أن تكون طبيبًا، قرأت مجلة الدكتور وحفظت مجلة طبيبك الخاص، ووالله العظيم لن تصبح طبيبًا أبدًا.

فالذي يأخذ من نفسه هكذا من غير شيخ ومن غير كذا إلى آخره، تقول لي: حسنًا أليس هناك ولا واحد؟ ولا واحد؟ أقول لك: لا، يوجد وهؤلاء أفراد قليلون جدًا. لكن إذا كنت تريد أن تصبح طبيبًا فادخل كلية الطب مباشرة، لا تخف، ستدخل الطب وستنجح وتصبح طبيبًا.

هل يجب التخصص للتصوف وضرورة وجود شيخ مرشد للسالك

[السائل]: يعني يا مولانا، هل يجب على المرء أن يتخصص حتى يتصوف؟ أم ماذا ينبغي للمرء أن يفعل؟

[الشيخ]: لا بد أن يكون للإنسان شيخ يرشده، وإذا لم يكن له شيخ يعني أنه ما زال لم يدخل. فتكون هداية ربي عند فقد المربي الذي هو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما أوضحنا من قبل.

وعلى كل حال، سنجعل كل هذا في حلقة قادمة إن شاء الله، ونبدأ الحلقة القادمة فيما عنَّ لكم من أسئلة حول ما قدمناه. إلى اللقاء، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.