القرآن العظيم | حـ 4 | أ.د علي جمعة - تفسير

القرآن العظيم | حـ 4 | أ.د علي جمعة

16 دقيقة
  • يعرض النص محاور مهمة في الجزء الرابع من القرآن الكريم، أولها الاعتصام بحبل الله والوحدة وعدم التفرق، حيث يجتمع المسلمون على نبي واحد وقبلة واحدة وكتاب واحد.
  • المحور الثاني هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما يشبه مفهوم الرقابة في العصر الحديث، وقد كان يقوم به المحتسب في النظام الإسلامي.
  • المحور الثالث هو عدم الإصرار على الكبيرة والمبادرة بالتوبة، فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
  • المحور الرابع هو الرحمة التي تعد أصل الأخلاق، والتي بدأ الله بها كتابه "بسم الله الرحمن الرحيم"، ومنها يتولد الحب والكرم وكل صفة محبوبة.
  • المحور الخامس هو المبادرة بالتوبة من قريب، فالله يتوب على من يبادر بالتوبة، وكل مؤمن قد يكون له ذنب يعود إليه، لكنه لا يستحله ويتوب منه مراراً.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

مقدمة برنامج القرآن العظيم وتدبر الجزء الرابع من القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم جميعًا في هذا البرنامج القرآن العظيم، نحاول فيه أن نرى بعض المحاور التي يفتح الله سبحانه وتعالى علينا بها في الجزء الرابع من القرآن الكريم.

نلتفت إلى تلك المحاور ونحن نقرأ القرآن كل يوم جزءًا، ونتدبر ونستمع إليه أيضًا، ونريد أن نعلم مراد الله سبحانه وتعالى منا في هذا الجزء الرابع.

محور الاجتماع والوحدة في الإسلام وعناصر توحيد الأمة

يواجهنا محور الاجتماع وليس الافتراق، يأتي ذلك المحور في أن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نعتصم جميعًا به وألا نتفرق. هذا الدين دين وحدة لا دين تفرق، لِينوا في أيدي إخوانكم هذا الدين.

يجتمع المسلمون جميعًا على نبي واحد، ومن هنا أتت حكمة ختم النبوة. هذا الدين يجتمع المسلمون جميعًا في أماكن الأرض الشتى شرقًا وغربًا شمالًا وجنوبًا على قبلة واحدة في الصلاة.

هذا الدين له كتاب واحد لم يختلف عليه الناس، ولم تكن منه نسخ متعددة مختلفة أبدًا، وإنما هو كتاب واحد، وهو رب واحد سبحانه وتعالى. فدائمًا يعطينا عناصر الوحدة وليس عناصر الفرقة.

آية الاعتصام بحبل الله وأثر الفرقة على المسلمين في الدنيا والآخرة

فيقول [الله سبحانه وتعالى]:

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَٱذْكُرُوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِٓ إِخْوَٰنًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]

هذا صحيح، الفرقة تؤدي بنا إلى شفا جرف هارٍ، إلى نار جهنم، يعني ضياع في الدنيا وضياع في الآخرة.

الاعتصام بحبل الله أساس الوحدة رغم اختلاف الآراء والتنوع

فالمحور الأول هو الاعتصام، الاعتصام بحبل الله، الاعتصام الذي يؤدي إلى الوحدة حتى لو تنوعنا، حتى لو اختلفنا، فإن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية كما يقولون.

ولكن كلنا لنا هدف واحد: أن نعبد الله، أن نعمر الأرض، أن نزكي النفس، أن نشيع الخير.

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

أن نتعاون على البر والتقوى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ [المائدة: 2]

محور في غاية الأهمية من الناحية السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، البيئية، الأخلاقية، الدينية.

التمسك بمحاور القرآن يحول الإنسان إلى إنسان حضارة وبناء

محور في منتهى الأهمية، هذه المجالات التي ذكرناها مجالات حديثة، قسمناها وقلنا إننا نريد تنمية مستدامة في هذه المجالات، وعملنا خطة أو رؤية اسمها رؤية عشرين ثلاثين.

سبحان الله، أنا عندما ألتزم بهذه المحاور أتحول إلى إنسان حضارة، أنا إنسان حضارة؛ لأنني أتمسك بالجدية، لأنني أتمسك بالوحدة، لأنني أعتصم بحبل الله جميعًا، لأنني لا أشغل مساحة من عقلي ومن فكري ومن وقتي ومن مجهودي في غير المراد.

إذن فهذا طريق بناء الإنسان، والإنسان قبل البنيان.

المحور الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كنظام رقابة إلهي

قضية الرقابة التي نسميها الآن في الإدارة رقابة، وهذا ليس نوعًا من أنواع المقاربات أو المقارنات، إنما هي صفات أمرنا الله بها تؤدي إلى التوافق مع ما ذهب إليه علم الإدارة في قضية الرقابة. تقول [نظرية الإدارة] إنك أولًا تقوم بالتخطيط، ثم التنظيم، ثم الرقابة.

فيأمرنا الله سبحانه وتعالى بما أسماه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو المحور الثاني معنا في هذا الجزء.

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]

يا له من تشريف! كنا خير أمة أخرجت للناس، وكل تشريف معه تكليف دائمًا.

تكليف الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وموقف أهل الكتاب

ماذا نفعل إذن؟ بماذا سيكلفنا [الله]؟

﴿تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]

انظر إلى الإقرار بالواقع - منهم المؤمنون - وأكثرهم الفاسقون؛ لأنهم بعيدون عن كتابهم الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويأمرهم بالخير ويأمرهم بعمارة الأرض وبعبادة الله.

ما هو تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض، كلهم يسيرون في طريق واحد لعبادة الله وعمارة الدنيا وتزكية النفس.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلغة العصر ودور المحتسب قديماً

فالله سبحانه وتعالى يأمرنا هنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما نسميه بلغة العصر الرقابة. وبدأنا نفصّل في هذه الرقابة فأنشأنا مؤسسات، ولكن الفكرة واحدة: الجهاز المركزي للمحاسبات، الجهاز المركزي للإدارة، الجهاز المركزي للإحصاء، الجهاز المركزي للتفتيش في مفتش التمويل.

ما هو كل هذا يشير إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كنا قديمًا نسميه المحتسب؛ لأنه يحتسب ذلك لله، فيراقب الأسواق، ويراقب إذا ما كان فيها غش من عدمه، ويراقب إذا ما كان فيها مغالاة من عدمها، ويراقب إذا ما كان فيها مَطْل.

يعني ماذا؟ يعني خداع وتأخير المديونيات من عدمه. فالمحتسب كان يقوم بهذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجالات شتى.

المحور الثالث: عدم الإصرار على الكبائر والمبادرة بالتوبة والاستغفار

هذا هو المحور الثاني في هذا الجزء وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

نرى محورًا ثالثًا وهو أنه يجب علينا المبادرة بالتوبة، وهذا ما نسميه محور عدم الإصرار على الكبيرة. يا جماعة، الإصرار على الكبيرة معناها وسيؤدي إلى الاستهانة بها والاستهانة بالكبائر. والكبائر سُميت كبائر لأن أثرها سيء جدًا على المجتمع وعلى من حولك.

فكما أن هناك طاعة متعدية وطاعة لازمة، الطاعة اللازمة مثل الصلاة مثل الصيام، لكن الطاعة المتعدية مثل الزكاة فهذه طاعة متعدية.

آية الاستغفار وعدم الإصرار على الذنب وعلاقتها بسعادة الدارين

وهنا يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 135]

كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون، فقد يقع الإنسان في المعصية.

﴿ذَكَرُوا ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135]

فاء للتعقيب تعني على الفور بعدها، فاستغفروا لذنوبهم.

﴿وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]

عدم الإصرار هو محور في العلاقة بيننا وبين سعادة الدارين، وفي العلاقة بيننا وبين رضا ربنا سبحانه وتعالى.

المحور الرابع: الرحمة أصل الأخلاق وأثرها في شخصية النبي ﷺ

نكمل المحاور ولكن بعد الفاصل، هناك بقية للمحاور في هذا الجزء الذي معنا.

المحور الرابع - وقد ذكرنا ثلاثة في الجزء الأول من الحلقة - أن الرحمة أصل الأخلاق. الرحمة أصل الأخلاق، كلمة كبيرة جدًا. يقول ربنا [سبحانه وتعالى]:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]

يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

البسملة وتجلي صفات الجمال الإلهي في الرحمن الرحيم

لكن الله سبحانه وتعالى في البداية يقول ويضعها في كل سورة من غير أن تأخذ رقمًا إلا في سورة الفاتحة: بسم الله الرحمن الرحيم.

لماذا؟ لأن الله له صفات بعضها للجمال: أنه رحمن، أنه عفو، أنه رؤوف. وبعضها للجلال: عظيم، قوي، منتقم، جبار. وبعضها للكمال: الله، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعال.

إذن، فصفات الله على ثلاثة: جمال وكمال وجلال. فلما بدأ بالبسملة وواجهنا بها "بسم الله الرحمن"، لم يقل "بسم الله" وكفى، بل "بسم الله" أتى بجمال "الرحمن".

حكمة الجمع بين الرحمن والرحيم في البسملة وتجلي الجمال الإلهي

كان من الممكن أنه يقول "الرحمن المنتقم"، يعني ترغيب وترهيب، يعني مرة من الجمال ومرة من الجلال. لكن لم نجد ذلك؛ لأن "الرحمن رحيم"، "الرحيم" إذن جمال في جمال، يعني كأنه تجلى علينا بالجمال.

الرحمة يتولد منها الحب، يتولد منها الكرم، يتولد منها كل صفة يحبها الله سبحانه وتعالى ورسوله. فالرحمة هي أساس الأخلاق، تأتي بعدها على طوال الحب والكرم، والحب عطاء والكرم عطاء.

ومن هنا كانت الرحمة هي التي بدأ الله بها كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم.

المحور الخامس: المبادرة بالتوبة من قريب وقبول الله لتوبة عباده

بعد ذلك، إذا كنت رحيمًا ستكون محبوبًا، ستكون كريمًا، ستكون فيك صفات كثيرة جدًا.

المحور بعد ذلك هو المبادرة بالتوبة كما في قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17]

انظر إلى كلمة "من قريب" وتوقف عندها هكذا وعش فيها.

﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 17]

هذه الآية تُكتب بماء الذهب، بل إذا كان القرآن كله يُكتب بماء الذهب بالحقيقة، لكن أحيانًا يرى المرء شيئًا ومعنى يعيش فيه.

المبادرة بالتوبة سبب لرضا الله وقبوله سبحانه توبة عباده

فكلما كان الإنسان قُدِّر عليه أو هو يعني نسي نفسه وفعل خطأً، يبادر بالتوبة. وهذه المبادرة تكون سببًا من أسباب رضا الله سبحانه وتعالى عنه، فيقبل الله توبته وهو سبحانه الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن كثير.

والنبي صلى الله عليه وسلم عنده حديث الحقيقة هو حديث صحيح إنما عجيب غريب:

قال النبي ﷺ: «إن لكل مؤمن ذنبٌ يقيم عليه أو يرجع إليه الفينة بعد الفينة»

أي يتركه ثم يعود إليه ثانية، ثم يتركه ويعود إليه ثانية. كل مؤمن هكذا، يكون لديه ذنب لا يستطيع التخلي عنه حتى يفارق الدنيا، أي من المحبرة إلى المقبرة، يعني من البداية إلى النهاية حتى يفارق الدنيا.

صفة المؤمن التواب الرجّاع وأمل المبادرة بالتوبة لكل مذنب

ولكن الصفات أنه فتّان وأنه رجّاع، يرجع [إلى الله]؛ لأنه لم يستحل الذنب، إنما هو دائمًا يتوب إلى الله سبحانه وتعالى ويبادر بالتوبة.

هذا الحديث أمل لكل منا وهو لا يقدر على نفسه في ذنب أو غيره، ولكن يجعل قلبه ضارعًا ومتعلقًا بالله سبحانه وتعالى حتى يمنّ الله سبحانه وتعالى عليه بالعفو والغفران.

خاتمة الحلقة وملخص محاور الجزء الرابع من القرآن الكريم

هذه المحاور في الجزء الرابع تمثل كيانًا كاملًا لنا في هذا المجال.

فالحمد لله رب العالمين، إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.