القرآن العظيم | ح 20 | أ.د. علي جمعة - تفسير

القرآن العظيم | ح 20 | أ.د. علي جمعة

18 دقيقة
  • الأسرة أساس الاجتماع البشري، ويجب أن تُبنى على الصلاح بدءًا من اختيار الزوجين.
  • يُنصح باختيار الزوجة لأربعة: جمالها، ومالها، وحسبها، ودينها، لكن الدين أهمها كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم.
  • يستفاد من قصة زواج موسى عليه السلام مع ابنة شعيب أن المهر يمكن أن يكون نقدًا أو عينًا، معجلًا أو مؤجلًا، دفعة واحدة أو مقسطًا.
  • لا تُبنى الأسرة على الحب وحده، فالبيوت المبنية على الحب فقط ثبت انفصال أكثر من 80% منها.
  • الرجل مسؤوليته أعظم في الحفاظ على الأسرة، لقوله تعالى: "الرجال قوامون على النساء".
  • قصة قارون تعرض خطر الطغيان بالمال رغم أهميته في الحياة.
  • اغتر قارون بثروته الضخمة حتى أن مفاتح كنوزه تنوء بالعصبة أولي القوة.
  • قال قارون: "إنما أوتيته على علم عندي"، ولم ينسب الفضل لله.
  • عاقبة قارون الخسف به وبماله، فأصبح عبرة للمغترين بالمال والقوة.
محتويات الفيديو(20 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج القرآن العظيم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات القرآن العظيم، نبحث فيها عن المحاور بما يهدينا الله سبحانه وتعالى إليها.

أهمية بناء الأسرة على الصلاح واختيار الزوج الصالح

ومن أهم ما يقوم عليه الاجتماع البشري الأسرة، ولا بد أن تُبنى الأسرة على الصلاح.

قال رسول الله ﷺ: «إذا جاءكم من ترضون دينه وحسن خلقه فزوجوه، إن لم تفعلوا تكن في الأرض فتنة وفساد عظيم»

إذن، فبداية المجتمع في الأسرة، وبداية الأسرة في اختيار الزوج والزوجة الصالحة؛ أساس ومحور يقوم عليه الاجتماع البشري.

معايير اختيار الزوجة في الإسلام وأولوية الدين على غيره

قد لا يكون معيار المال أو الجمال أو السلطة هو المعيار المهم في بناء الأسرة، ولذلك يقول رسول الله ﷺ:

«تُنكح المرأة -أي تُزوج أو تُطلب- لأربع: لجمالها، ولمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»

كلمة "تربت يداك" هي تعبير عربي معناه أن الله يبارك لك، أي يجري الخير في يديك مثل التراب، وذرات التراب كثيرة.

فلمَّا هذه الأربع: لمالها، لجمالها، لنسبها، لدينها، ولكن أهم هذه الأربع - نعم، الأربع مطلوبة - ولكن أهم هذه الأربع هو الدين.

قصة شعيب وموسى في اختيار الزوج الصالح وتحديد المهر

نفس الكلام عندما يأتي اختيار الزوج، نرى هنا أن الله سبحانه وتعالى يتكلم عن اختيار الزوج الصالح الذي هو شعيب كما يقول المفسرون:

﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [القصص: 27]

فنحن أمام مهر سيكون هو أجره عبر ثماني سنين، ثمانية في اثني عشر يكون الناتج ستة وتسعين شهرًا. هذا هو مهر الفتاة، فإذا أتممت المائة والعشرين شهرًا الذين هم عشر سنوات، فمن عندك.

أحكام المهر المستفادة من قصة موسى وشعيب عليهما السلام

إذا نأخذ هنا أن المهر قد يكون نقدًا وقد يكون عينًا، وأن المهر قد يكون مؤجلًا وقد يكون معجلًا، وأن المهر قد يكون مقسطًا كما في هذه الحالة، وقد يُدفع كاملًا كما يقولون دفعةً واحدةً.

كل هذه المعاني تُؤخذ من هذه الآية الكريمة؛ أنه لم يأخذ منه نقدًا بل أخذ منه عملًا له أجر. ويمكن عند الاتفاق على الأجر المفاوضة: ثماني سنين واثنتين من عندك، وكلمة "من عندك" تجعل هذا العقد عقد اختيار بعد الثماني سنين، يقول له: أنا سأمضي، أو يقول لا أنا سأكمل معك من أجل صلاحك وما رأيته منك.

الزواج الفوري واستيفاء المهر تدريجياً وفكرة المقدم والمؤخر

الزواج تم فورًا، يعني موسى تزوج أهله من بنات شعيب في مدين، وبعد ذلك يستوفي المهر شيئًا فشيئًا. ومن هنا أتت الفكرة التي يطبقها المصريون في الزواج: مقدم الزواج ومؤخر الزواج؛ لأن هناك شيئًا في البداية وهناك شيئًا في النهاية كمؤخر لكنه مستحق.

بمعنى أن موسى لو لم يقدر على الثماني حجج نحسب أجر المثل وكانت تبقى ذمته مشغولة ببقية المدة.

أهمية اختيار الزوج الصالح وعدم الاكتفاء بالحب وحده في بناء الأسرة

اختيار الزوج الصالح في الحقيقة أمر ينبغي ألا نتهاون فيه. كثير جدًا من الناس تبني البيوت على محض الحب.

في عام ألف وتسعمائة وخمسة وثمانين كان هناك بحث في الجامعة المصرية خاصة في جامعة القاهرة حول تلك الزيجات التي بُنيت على الحب، وفوجئنا بأن أكثر من ثمانين بالمائة منهم قد انفصلوا بعد الزواج.

ورأينا سبب ذلك أنه ليس بالحب وحده تُبنى الأسرة، وهذا موجود في كلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو يقول: ليست كل البيوت بُنيت على الحب. فالحب مهم، والحب إذا أنزله الله سبحانه وتعالى فهو أمر في غاية الأهمية، إنما ليس هو كل شيء، فلا بد من البحث عن هذا المعنى من الدين وحسن الخلق والصلاح.

مسؤولية الرجل الأعظم في الحفاظ على الأسرة وقوامته عليها

خاصة في الرجل؛ لأن الرجل نستطيع أن نقول إن تكليفه في الحفاظ على الأسرة أعظم من تكليف المرأة وإن كانت هي أيضًا مكلفة بالحفاظ على الأسرة.

﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ﴾ [النساء: 34]

فهنا التفضيل في قضية أنه هو المسؤول الأول على بقاء الأسرة وسعادتها واستمرارها.

قصة قارون والطغيان بالمال وأهمية المال في الدعوة

هناك محور آخر في هذا الجزء يتمثل في قصة قارون، وأن الطغيان بالمال أمرٌ ليس من عناصر النجاح. الطغيان بالمال، مع أن المال مهم والمال عصب الحياة.

وكان مشايخنا يقولون أن النبي ﷺ لما كان يدعو في مكة وليس هناك مال، آمن معه نحو مائتي شخص، لكن لما انتقل إلى المدينة وجاء المال وأصبح هناك دولة وأصبح هناك دعوة، فلمَّا انتقل وفي حجة الوداع كان قد رآه مائة وأربعة عشر ألف صحابي في عشر سنوات، وهنا [في مكة] رآه مائتا صحابي في مكة.

تمهيد لقصة قارون وبغيه على قومه وتفصيلها بعد الفاصل

قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم، وبعد الفاصل نفصل ما فعله قارون مع موسى ومع نفسه ومع المجتمع الذي كان يعيش، وقد وصل من الثراء مبلغًا خياليًا قد يكون لم يصله أحد في العالمين.

العودة من الفاصل وتفصيل قصة قارون ونسبه وعلمه وفتنة المال

بعد الفاصل، رجعنا من الفاصل حتى نذكر قصة قارون باعتبارها من المحاور المهمة في هذا الجزء العشرين.

قارون، يقول فيه ربنا:

﴿إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: 76]

وقيل أنه كان ابن عم موسى، يعني كان من عائلته، وأنه كان تقيًا وأنه قد علم شيئًا حتى من الاسم الأعظم، إلا أنه مع هذا وقع في فتنة المال.

وفتنة المال فتنة عجيبة، قال فيها رسول الله ﷺ:

«لو أن لأحدكم واديًا من ذهب لأراد ثانيًا، ولو أنه أُعطي الثاني لأراد ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب»

شهوة المال كشهوة الولد وذكر آية تزيين الشهوات للناس

شهوة المال كشهوة الولد، وقد بدأ الله بها:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ﴾ [آل عمران: 14]

وفتنة المال فتنة شديدة ذكرها الله سبحانه وتعالى في تلك الأمور التي تُزَيَّن للإنسان.

وصف كنوز قارون الهائلة التي لا تستطيع العصبة حمل مفاتحها

فربنا يقول:

﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوٓأُ بِٱلْعُصْبَةِ أُولِى ٱلْقُوَّةِ﴾ [القصص: 76]

تنوء، أي لا تستطيع مجموعة من الرجال أن تحمل مفاتيح خزائن قارون، أي قد يكون فوق الحصر، فوق الحصر، فوق العد.

لو أنه جلس يعد، كان هناك عُرضت علينا فتوى أن رجلًا من بلد معينة إذا جلس يعد ما يمتلك من أموال فإن ذلك يستغرق منه عامًا. فكيف يزكي؟ يعني هو يريد أن يزكي في أول رمضان فيذهب ويرى كم معه من المال ويزكي عليه، لكن حتى يعرف كم معه -أي ما الذي معه من المال- يجلس سنة، وبذلك فسيتأخر سنة عن الزكاة، وأفتاه العلماء حينئذٍ بأن يقدر تقديرًا لا تحديدًا.

ثروة عبد الرحمن بن عوف الهائلة وطريقة عدها بالزنبيل

وفي الروايات أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، وكان من السابقين الأولين من المهاجرين، لما مات لم يستطيعوا أن يعدّوا ثروته، فكانوا يأخذونها بالزنبيل يعني بالمقطف، يعني يملؤون قفة هكذا، يقولون: هذا واحد، هذا اثنان، هذا ثلاثة، لا أنهم يعدّون عدد الدنانير التي تركت.

إذا كان هكذا النوع من الثراء الكبير والكثير وكذا، لكن هذا بالنسبة لقارون مفاتيحه تنوء بالعصبة أولي القوة.

نهي قوم قارون له عن الفرح المذموم وهو التكبر لا السرور

﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ﴾ [القصص: 76]

الفرح هنا ليس هو السرور، الفرح هنا هو التكبر، وأن يسير في الأرض يتبختر ويفتخر ويشعر بالمجد. كل هذا أمر زائل؛ لأنه متعلق بدنيا زائلة.

فالفرح هنا بعض الناس يفهمه أنه السرور، لا، السرور أمر ممدوح وأمر طيب أن يُسرَّ الإنسان ويفرح بهذا المعنى، لكن الفرحين هنا هم المتكبرون.

الأمر بابتغاء الدار الآخرة وعدم نسيان نصيب الدنيا والنهي عن الفساد

﴿وَٱبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77]

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]

﴿وَلَا تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلْأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 77]

وهذا مبدأ عام في القرآن كله: إن الله لا يحب المفسدين.

ادعاء قارون أنه أوتي المال بعلمه لا بفضل الله وأهمية التوفيق الإلهي

قال [قارون]:

﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ﴾ [القصص: 78]

لا، إنما أوتيته بفضل الله، إنما أوتيته برزق الله، بتيسير الله. أما أنه بعلم عندك فيصبح رأي حوله وقوته.

قد يكون كان عالمًا وقد يكون كان عارفًا، لكن هناك ما يُسمى بالتوفيق، هناك ما يُسمى بمنع الموانع، هناك ما يُسمى بأن الإنسان يؤدي ما يستطيع.

فقال: إنما أُوتيتُهُ على علمٍ عندي.

عاقبة قارون بالخسف وعبرته عبر القرون وإهلاك الأقوى منه

وهنا نقرأ القصة إلى نهايتها ونرى عاقبة قارون وما الذي فعله الله به؛ حيث خسف به وبماله وبقصره وبقوته وبرجاله الأرض، وأصبح فتنة، وأصبح عبرة عبر القرون.

أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة. فقوم عاد كانوا أشد منه قوة. في الروايات والتراث يُقال إن عادًا قد بنوا مدينة:

﴿إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾ [الفجر: 7-8]

وجعلها ثلاثمائة كيلو بالذهب، يعني جعل الأسفلت كأنه من الذهب. سبحانه وتعالى أهلك من هو أشد منه قوة وأكثر جمعًا. لا تغتر لا بالقوة ولا بالجمع، فكل هذه الأشياء تذهب في لحظات قليلة.

﴿وَلَا يُسْـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: 78]

من كثرتها؛ لأن المجرم كثير العدوان لا يُسأل بل يُؤخذ أخذ عزيز مقتدر.

خروج قارون في زينته وموقف أهل الدنيا وأهل العلم منه

﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79]

﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [القصص: 79]

﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّـٰبِرُونَ﴾ [القصص: 80]

خاتمة الحلقة ومحورية قضية مركز المال في المجتمع

بهذا تنتهي قصة قارون بعد هذا العقاب الدنيوي الرباني، لكنه محور مهم في قضية مركز المال من المجتمع.

إلى لقاء آخر أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.