القرآن العظيم | حـ 21 | الدكتور علي جمعة
- •يستعرض الجزء الحادي والعشرين من القرآن الكريم محاور إيمانية مهمة منها أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو الخالق والقوي والقادر والقاهر فوق عباده.
- •يدعونا الله للتأمل في الكون ومخلوقاته من حولنا، فالله يرزق كل دابة لا تحمل رزقها، ويبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له.
- •تتبدل مظاهر الدنيا بإرادة الله، كما في قصة غلبة الروم على الفرس بعد هزيمتهم، وكانت مناسبة لرهان أبي بكر مع المشركين.
- •ظهور الفساد في البر والبحر سببه مخالفة الناس لأوامر الله، وهو نوع من العقوبة الدنيوية ليرجع الناس إلى الله.
- •ينبغي للإنسان الوفاء بعهوده مع الله، فقد ذم الله من يدعونه مخلصين عند الشدائد ثم ينقضون عهودهم بعد النجاة.
- •عدم الوفاء بالعهود والمواثيق مع الله من صفات الختار الكفور، وهو أمر له عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة.
مقدمة برنامج القرآن العظيم والجزء الحادي والعشرين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلًا ومرحبًا بكم في هذا البرنامج: القرآن العظيم، في الجزء الحادي والعشرين من أجزاء القرآن الكريم.
في هذا الجزء نبحث عن محاور ننطلق منها في حياتنا.
الإيمان بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين وصفاته العليا
ومنها أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين سبحانه وتعالى، وهذا إيمان بصفات الله يشبه إيماننا بأنه هو الخالق ولا خالق سواه، وبأنه هو القوي ولا قوي سواه، وبأنه هو القادر والقاهر فوق عباده.
وليست هذه الصفات لأحد في العالمين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
التأمل في الكون والتفكر في رزق الله للدواب التي لا تحمل رزقها
وربنا سبحانه وتعالى يلفتنا إلى ما قد خلقنا من خلاله، يرشدنا إلى أن نتأمل الكون من حولنا في عالم الحيوان وفي عالم النبات وفي عالم الجماد، في السماء، في الأرض، في البشر، في أنفسنا.
فيقول [الله سبحانه وتعالى]:
﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ [العنكبوت: 60]
الدابة تسير وليس لها حول ولا قوة، والمفروض أنها لا تجد ما تأكله؛ لأنها لم ترتب لذلك ولأنها لم تضع خطة لهذا. والعجيب أن الله سبحانه وتعالى يرزقها ويحافظ على كل تلك الحياة البرية كما يقولون، فنجد كل أنواع الحيوانات تعيش، من أين تأكل؟ من أين تشرب؟
التوكل على الله في طلب الرزق كما تُرزق الطير وصفتا السميع العليم
والله لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما تُرزق الطير، تغدو خماصًا [جائعة] وتعود بطانًا [شبعانة]، ولكن لا بد من الذهاب والعودة كما ذكرنا.
﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: 60]
وهنا في تلك الصفتين أنه سميع أي مجيب للدعاء، وهو عليم بالحال، ولذلك قال ربكم:
﴿ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]
بسط الرزق وتقديره بين الناس ومراتب الكفاف والكفاية والكفاءة
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: 61]
يعني لماذا يكذبون؟ من الإفك. الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر؛ بعض الناس أغنياء، وبعض الناس متوسطون، وبعض الناس فقراء طعامهم كفاف.
إذن هنا يوجد حد الكفاف وهو الذي يقوم بجسده دون إصابته من مرض أو نحو ذلك تكفيه. وفي حد الكفاية وهو يأكل ويشرب ويتحلى ويتفكه ويتعلم وهكذا. وهناك حد الكفاءة يمارس الرياضة ويمارس النشاط ويتنزه وهكذا، لكنه يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر.
المحور الثاني: تبدل مظاهر الدنيا بإرادة الله وقصة غلبة الروم في سورة الروم
المحور الثاني نراه في أن مظاهر الدنيا تتبدل وذلك بإرادة الله سبحانه وتعالى. نجده في بدايات سورة الروم:
﴿الٓمٓ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِى بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الروم: 1-5]
هذه القصة جاءت في أن الفرس غلبوا الروم، وكان المؤمنون قلوبهم مع الروم؛ لأنهم من أهل الكتاب، وذلك في مكة. فلما غلب الفرس الروم جلس المشركون في حالة من السعادة.
مراهنة أبي بكر للمشركين على انتصار الروم وتوجيه النبي له بزيادة الرهان
حتى أن أبا بكر [الصديق رضي الله عنه] لما نزلت هذه الآيات قال لهم: أتناحبونني؟ تناحبونني يعني ترهنونني على أن الروم ستنتصر على فارس بعد ثلاث سنوات؛ لأن كلمة بضع من ثلاثة إلى تسعة، فهو حملها على الأقل.
قالوا: نراهنك، على كم من الإبل؟ عشرة من الإبل. وذهب [أبو بكر] إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بمناحبته، المناحبة التي هي الرهان.
فقال له [النبي ﷺ]: يا أبا بكر، زد في المناحبة وزد في الزمن. النبي عليه الصلاة والسلام عربي، فيريد أن يأخذ أقصى ما تدل عليه العبارة من ثلاثة إلى تسعة، فيكون تسعة، ليس ستنقضي تسعة، لا نأخذ الأقل فنكون في مخاطرة، وحينئذ فهذا يقين لا يمكن أن يتحرك.
تنفيذ أبي بكر لتوجيه النبي وتحقق النبوءة بانتصار الروم بعد تسع سنين
ولذلك ذهب أبو بكر [رضي الله عنه] إلى المشركين ورفع الرهان من عشرة إلى مائة [من الإبل] ومن ثلاثة إلى تسعة [سنوات]. قال لهم: أنا أريد فقط أن نجعلها تسعة، وبشرط أن تكون المناحبة بيني وبينكم هي مائة من الإبل.
فزاد في الإبل في الرهان وزاد في الزمن، وقد كان؛ وغلبت فعلًا الفرس [أي انتصر الروم على الفرس] بعد تسع سنين.
استدلال أبي حنيفة بجواز العقود الفاسدة مع غير المسلمين في ديارهم
وهذا أخذ منه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه أن جميع العقود الفاسدة حلال في دار غير المسلمين مع غير المسلمين؛ لأن مكة حينئذ لم تكن دار إسلام، وهؤلاء كانوا من المشركين، وعندهم المناحبة لا بأس بها، فتكون حينئذ جائزة.
ويجوز كل عقد من هذا النوع بين المسلمين وغير المسلمين في بلاد غير المسلمين.
الفساد في الأرض سببه أفعال الناس المخالفة لأوامر الله تعالى
نخرج إلى فاصل ثم نواصل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مكررًا معنا محور في غاية الأهمية وهو أن الفساد في الأرض سببه الأساسي أفعال الناس المخالفة؛ ففعل الناس المخالف هو لا يدرك أن هذا سيترتب عليه مجموعة من المتتاليات التي تحدث فسادًا في البر والبحر.
فينبهنا الله سبحانه وتعالى إلى هذه الحقيقة، وأن سبب ظهور ذلك الفساد هو المخالفة. يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُوا﴾ [الروم: 41]
أي أن سبب ظهور الفساد في البر والبحر بعض الذي عملوا، ويعفو عن كثير، لعلهم يرجعون.
الفساد عقوبة دنيوية والرجوع إلى الله بالاستغفار والدعاء سبيل الخلاص
هذا الفساد هو نوع من أنواع العقوبة؛ الدنيا ليست سهلة وميسرة، بل فيها تعقيدات. فإذا رجعنا إلى الله نستغفره ونتوب إليه ونتوكل عليه ونتضرع له بالدعاء: اللهم ارفع عنا الغلاء والبلاء والوباء، فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب دعاءنا.
وأمرنا [الله تعالى] بالعلم سواءٌ كان متعلقًا بالتاريخ أو بالجغرافيا:
﴿قُلْ سِيرُوا فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ﴾ [الروم: 42]
يعني يشركون مع الله سبحانه وتعالى إلهًا آخر.
جريمة المخالفة وأثرها في ظهور الفساد والعقوبة الدنيوية لعل الناس يرجعون
إذن فهذه الآيات تبين جريمة المخالفة؛ لأن هذه المخالفة سوف ينتج عنها ظهور الفساد في البر والبحر، وهذا سينتج عنه نوع من أنواع الضيق والكدر والعقوبة.
وهذا يضغط على الناس، لكن الغرض منه هو لعلهم يرجعون:
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: 21]
فعسى أن يرجع هؤلاء عن إظهار المخالفة حتى لا تظهر هذه المجموعة من الفساد في البر والبحر. كلمة في البر والبحر تعني ظهورًا بين ظهور كثير منتشر.
وجوب الوفاء بالعهد مع الله وحال الناس عند الشدائد في البحر
محور من أهم المحاور التي يؤكد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أنه يجب علينا ألا ننقض العهد. يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُا ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: 32]
إذا غشيهم موج وهم في البحر دعوا الله مخلصين له الدين، يعني هؤلاء يعرفون كيف يخلصون الدين لله وكيف يوحدون الله وكيف يلتجئون إلى الله ويطيعون الله، يعرفون ذلك؛ لأنه لما ضاق بهم الحال لجأوا إلى الله لجوءًا صحيحًا وهم في البحر.
نكث العهود بعد النجاة من الشدة ومعنى المقتصد الذي لا يوفي بعهده كاملاً
فنجاهم الله سبحانه وتعالى إلى البر، وكانوا قد نذروا وهم في البحر: لئن أنجيتنا لنفعلن ولنفعلن ولنفعلن وكذا. فلما نجاهم إلى البر إذا هم ينكثون.
﴿فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: 32]
المقتصد يعني الذي يأتي شيئًا قليلًا، يعني هو نظر بقرة فذبح غنمة، يعني كان هو يقول سأتصدق بمائتي كيلو فأصبح يتصدق بأربعين كيلو فقط.
هنا لأنه خرج من الأزمة فلم يعد هناك ذلك العهد الذي نقضه بينه وبين ربه، لم يلتفت إليه، لم يلتفت إلى البركة التي تحل عندما يفعل ذلك.
أصناف الناس بعد النجاة بين الملتزم والمقتصد والناكث الجاحد
﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُا ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: 32]
كلمة فمنهم معنى ذلك بعضهم، ولذلك ليس كلهم يفعل هذا، بل:
- •منهم من سيلتزم فيكون تقيًا نقيًا قريبًا من ربه.
- •ومنهم من يؤدي بعض الشيء ولا يؤدي كله.
- •ومنهم من لا يؤدي شيئًا وكان نسيًا، وما كان ربك نسيًا.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: 32]
يعني فاجر، يعني وقح، يعني لا يشكر نعمة الله عليه، بل ينسى وينسى بنوع من أنواع الفجور، بنوع من أنواع الوقاحة.
شدة وصف الجاحد بصيغ المبالغة ووجوب إخلاص الدين والوفاء بالعهد مع الله
ولذلك فالوصف شديد: كل خَتَّار - فعَّال صيغة مبالغة، كَفُور - فَعُول صيغة مبالغة.
فهذا المحور يأمرنا أن نخلص الدين لله، وأن ننفذ ما عاهدنا الله عليه، وأن نقضي العهد. يعني [نقض العهد] مصيبة في الدنيا ومصيبة في الآخرة، وأن ذلك يصب في العلاقة بين العبد وربه.
وأن هذا من المهمات: ألا تنقض العهد بينك وبين ربك، وهو الذي سماه الله سبحانه وتعالى مع بني إسرائيل بالميثاق، وهو الذي سماه الله سبحانه وتعالى بالميثاق الغليظ.
فإذن هذا الميثاق وهذا الميثاق الغليظ أمر يجب أن تتمسك به ولا تستهين به؛ لأن الإهانة والاستهانة به تضرك في دنياك وفي آخرتك.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
