القيم | أ.د علي جمعة | 16 - 5 - 2008 - ندوات ومحاضرات

القيم | أ.د علي جمعة | 16 - 5 - 2008

2 ساعة و 16 دقيقة
  • القيم في الإسلام أصلها الرحمة التي تتجلى في أسماء الله الحسنى، حيث بدأ الله وصف نفسه بـ "الرحمن الرحيم" في كتابه.
  • منظومة القيم تستنبط من أسماء الله الحسنى التي وردت في القرآن والسنة، وتنقسم إلى أقسام: الجمال كالرحمة والعفو، والجلال كالعظمة والقوة، والكمال كالأول والآخر.
  • مع الجمال نتخلق، ومع الجلال نتعلق، ومع الكمال نصدق ونؤمن.
  • الأخلاق أو القيم أصولها واحد وعشرون تبدأ بالرحمة ثم الكرم والحب والتواضع وغيرها.
  • التعامل مع القيم يمر بمستويات: المعرفة، ثم الإيمان بها، ثم تطبيقها، ثم العيش فيها وبها.
  • التربية هي الأساس في بناء القيم، وتتم عبر ثلاث مراحل: التعليم (معلومات)، التربية (ممارسة)، التدريب (ملكة ومهارة).
  • الذكر والتخلي والتحلي والتجلي ضرورية لبناء القيم في الإنسان.
  • الأخلاق مطلقة وليست نسبية، وهي تختلف عن السلوكيات واللياقات الاجتماعية.
محتويات الفيديو(121 أقسام)

افتتاح المحاضرة والاعتذار عن التأخر بسبب ظروف القاهرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

الموعد كان الساعة السادسة، وأنا أتيت الساعة السادسة والتاسعة والخمسين دقيقة ونصف، أي في إطار الساعة السادسة، ولكن هكذا القاهرة وأحوال القاهرة، وهذا يبدو أنه غاية المراد من رب العباد، خاصة في البلوى التي قد ابتلينا بها.

كلمة القيم لم ترد في القرآن والسنة بمعناها المعاصر بل جاءت من الترجمة

كلمة القيم لم ترد في القرآن والسنة بالمعنى الدلالي الذي نستعمله في عصرنا الحاضر، وهي دخلت في الاستعمال بعد الترجمة من كلمة "فاليو" (Value).

وكلمة قيمة في اللغة العربية معناها ما له اعتبار، وفي لغة العرب أيضًا يتكلمون عن التقويم. وهي [أي صيغة التقييم اليائية] لا وجود لها في فصيح الكلام، هي أيضًا قد وردت في الاستعمالات الحديثة: تقييم، ولكن في الاستعمال القديم وبكل معانيها فهي تقويم.

التقويم للمعوج اسمه تقويم، والتقويم للسلعة نعطيها قيمتها ونثمنها اسمها تقويم وليس تقييم، إلا أن المجامع اللغوية الحديثة لم تر بأسًا من ذلك الشائع، ولا نقول خطأ أو صوابًا، وإنما هو لم يرد في لغة العرب بهذه الصفة وأجازه مجمع اللغة العربية: تقييم.

محاولة التفريق بين التقويم والتقييم ودلالاتهما الحديثة

وبعضهم يحاول أن يفرق ما بين الكلمتين: الكلمة الأصيلة تقويم ويجعله كتقويم المعوج، وتقييم أي نقد الشيء ومعرفة إيجابياته وسلبياته. وكل هذه الدلالات وظلال هذه المعاني إنما هي محملة على اللفظ بصورة حديثة وليس في كلام العرب.

ولكن القيمة أيضًا أُطلقت فيما أُطلق في الحديث على ما كنا نسميه بالأخلاق. القيم، ما معنى القيم؟ مردود الكلمة في ذهن المعاصر يساوي بالضبط مردود كلمة الأخلاق عند الأولين من العرب.

ورود الأخلاق في الكتاب والسنة والفرق بين التمام والإكمال

أما الأخلاق فقد وردت في الكتاب والسنة.

قال تعالى في وصف سيد الخلق: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

والتمام يكون غير الإكمال؛ فالتمام يأتي إذا كان الشيء لا يحتاج إلا إلى شيء بسيط للإضافة، يعني الكرزة التي فوق الكريمة التي على الحلوى. ولكن الكمال يكون هناك نقصان ونحاول بهذا أن نكمل شيئًا له أهميته وله كمه وله كيفه ويكون كثيرًا أو كبيرًا أو مهمًا يكن.

الأخلاق مشتركة بين الأسوياء من البشر وشواهد نبوية على ذلك

وبذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لفت انتباهنا إلى معنى جديد وهو أن الأخلاق كأنها مشتركة بين الأسوياء من البشر.

ولذلك يقول في ذات المعنى نفسه:

«خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا»

ويقول في المعنى نفسه لابنة حاتم الطائي:

«إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق»

ويتهلل وجهه كلما ذُكر أو ذُكر ابن جدعان — عبد الله بن جدعان — كان أحد الجاهليين، فكلما ذُكره كان يتبسم بسمة خفيفة هكذا، تراها عائشة فتسأله رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، لماذا تضحك أو تتبسم كلما ذُكر ابن جدعان؟

قصة ابن جدعان وكرمه وموقف النبي من أخلاق الجاهليين

قال [النبي صلى الله عليه وسلم]: رأيت له قصعة يُثرد فيها الثريد، يعمل فيها ثريدًا محترمًا باللحم، ضيافة حسنة كهذه يُضيف بها ويَقري ضيوف الرحمن إلى بيت الله، أي كرم زائد عن الحاجة.

فكان كلما يُذكر ابن جدعان كلما يبتسم من كرمه، وكأنه يؤيد ابن جدعان في ذلك أو يرضى عن فعله. فتقول له عائشة: أهو في الجنة يا رسول الله؟ قال: لا، إنما كان يفعل ذلك لسمعة يتسمعها، يعني كان يفعل ذلك من أجل المجد والشهرة وليس لوجه الله.

«وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

الأخلاق يجب احترامها حتى لو صدرت من غير المخلصين وأثرها في الكون

هنا نرى وكأن الفتنة [أي القصة] تشير إلى أن الأخلاق موجودة ويجب علينا أن نحترمها حتى لو صدرت من غير المخلصين، وأن لها تأثيرًا قويًا في الكون، وأن هذا التأثير تأثير معتبر عنده صلى الله عليه وسلم.

لأنه جعل هناك من الجاهلين [من يُحمدون على أخلاقهم]، وليست القضية قضية إيمان أو كفر، ولا قضية جنة أو نار، ولا قضية ثواب أو عقاب، بل هي قضية أساسية في بنية الإنسان.

«إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق»

فرسول الله صلى الله عليه وسلم يحثنا على هذه القيم أو هذه الأخلاق.

حديث جبريل وتقسيم الدين إلى إسلام وإيمان وإحسان

ولذلك في حديث جبريل الذي جاء إلينا يعلمنا أمر ديننا — فأخرجه مسلم في بداية صحيحه — يسأله عن الإسلام فيدله على أركانه.

ويقول [النبي ﷺ]: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا»

وكلنا عندما نسأل أطفالنا أو أن نسأل أنفسنا أو نُسأل عن أركان الإسلام فالإسلام هكذا هو. الإسلام سأله عن الإسلام فقال: هو أن تشهد أن لا إله إلا الله إلى آخر الكلام. واضح أن أركان الإسلام خمسة.

أركان الإيمان الستة وسؤال عن أركان الإحسان المجهولة

وسأله عن الإيمان فقال له: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم [الآخر] والقدر خيره وشره. فإذا سألنا أي شخص من المسلمين عن أركان الإيمان قال: ستة، سواء تذكرها أو لم يتذكرها أو تذكر بعضها ولم يتذكر الآخر، ولكنه حفظ منذ الصغر أن أركان الإسلام خمسة وأركان الإيمان ستة.

ولكن كم أركان الإحسان؟ قال: وما الإحسان؟ قال:

«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»

فتحدث عن جانب القيم.

تقسيم العلوم الإسلامية إلى توحيد وفقه وتصوف بناء على حديث جبريل

وعليه قسّم المسلمون علومهم فجعلوا التوحيد — أو علم الكلام، أو قل عنه أصول الدين، أو قل عنه كذلك له ثمانية أسماء — جعلوا ذلك دراسة لجانب الإيمان، وجعلوا الفقه دراسة لجانب الإسلام، وجعلوا التصوف دراسة لجانب أو مرتبة الإحسان.

فكم ركن للإحسان؟ فإذا ذكرنا هذا السؤال قد يتردد كثير من الناس أو هم لا يعرفونه بالفعل. فلماذا؟ هل لأننا قد قصّرنا في هذا الجانب — جانب القيم، جانب الأخلاق — حتى أننا لم نحفظ أصولها أو لم نسعَ إلى ذلك، أو أن السلف الصالح قد فعلها ولكننا لم نهتم بها؟

أسباب إهمال جانب القيم والأخلاق وتحول التصوف إلى الأخلاق ثم القانون

أو لأن العصر الحديث قد غبّش علينا ذلك بكثرة الهجوم على الصوفية والتصوف والقيم والأخلاق، وأنها أمور غيبية تُنشئ العقل الغيبي، وأنها لا علاقة لها بكذا وكذا.

حتى إن التصوف أُلغي ووُضع مكانه الأخلاق، ثم أُلغيت الأخلاق ووُضع مكانها القانون.

ما الذي حدث حتى نفقد أصول الأخلاق؟ وهل وضع الناس للأخلاق أصولها، أم إن الأخلاق شيء تكثر أصوله بحيث إنه لا ينضبط كشأن الإسلام وكشأن الإيمان؟

أصول الأخلاق واحد وعشرون أصلًا وأساسها الرحمة

والحقيقة أنهم تحدثوا عن أصول الأخلاق أي أصول القيم وجعلوها واحدًا وعشرين أصلًا. وهذه الأصول الواحد والعشرون، هل سمعتموها من قبل؟ حسنًا، الحمد لله، أي أن هناك مزيدًا من العلم وهذا جيد، لست بدون فائدة.

الواحد والعشرون أصلًا جعلوا أساسها الرحمة. أي إذا كان أساس الإيمان هو الإيمان بالله — فهو الأساس الذي بُني عليه الإيمان بالرسالة، ثم الإيمان بالوحي الذي استلزم الإيمان بالكتاب والرسول، ثم الإيمان بالملائكة، ثم الإيمان باليوم الآخر من أجل الحساب والعقاب والثواب على أساس فكرة التكليف — كل ذلك ارتبط بالقدر خيره وشره.

أصل الإسلام الشهادتان ومناقشة الإمامين أحمد والشافعي في تارك الصلاة

كل ذلك ارتبط بماذا؟ يعني ما أصل الستة [أركان الإيمان]؟ الإيمان بالله. وأصل الإسلام الشهادتان.

ولذلك المناقشة التي نُسبت إلى الإمام أحمد والإمام الشافعي عند تارك الصلاة: تارك الصلاة عند الإمام أحمد كافر، تارك الصلاة عند الجمهور غير كافر. فكانت المناقشة بينهما تدور حول أنه وبما يُسلم؟ قال: بالشهادتين.

قال: إنه يشهد بالليل والنهار طوال النهار جالس يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صادقًا من قلبه، إلا أنه لم يُوفَّق إلى الصلاة، وهذه معصية كبيرة، وهكذا إلى آخره، متفق على ذلك.

حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«الفارق الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»

لكنه لم يقل "كافر"، وهنا حدث الخلاف في وجهة النظر بين الإمامين.

أصل الإسلام الشهادتان وإجازة الإمام أحمد الحلف بالنبي في إحدى الروايتين

لكن أصل هاتين الشهادتين: أصل الإسلام الشهادتان، فإذا شهد بهما شاهد فهو مسلم، وإن أنكرهما أو أنكر إحداهما فهو كافر.

وعلى ذلك حتى أجاز الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه الحلف بالنبي صلى عليه وسلم، وقال: ينعقد وعليه الكفارة؛ لأنه أحد ركني الشهادة، لا يدخل الإنسان الإسلام إلا بهما. فكما أننا نقول "والله" يصبح نافعًا، نقول "والنبي"، ولو قال "والنبي" ولم يفعل الذي حلف عليه فسيُطعم عشرة مساكين كما لو قال "والله".

ولكن الجمهور على أن الحلف بغير الله ولو كان بالنبي أو الولي فهو مكروه. قال الجويني: والحلف بالنبي مكروه قطعًا. مكروه قطعًا يعني ماذا؟ يعني ليس بحرام وليس بشرك كما يدعيه بعضهم، ولا ينعقد كما هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.

أصل الأخلاق والقيم هو الرحمة ومصدر منظومة القيم الكتاب والسنة

طيب، أصل الأخلاق والقيم: الرحمة.

ومن هنا نحن دائمًا لكي نرى منظومة القيم في الإسلام لا بد أن نرجع [إلى] الكتاب والسنة؛ لأنه هو المصدر الذي منهما نأخذ الإسلام. لأن الله سبحانه وتعالى ختم الرسالة، وأن الله سبحانه وتعالى بأصل الخلقة لا يكلم كل أحد.

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: 51]

فلما كان الأمر أن الله سبحانه وتعالى لا يخاطبنا مباشرة، وكنت أريد أن أعرف ما الذي يريده سبحانه وتعالى حتى ألتزم به، وما الأدب معه حتى أسير عليه، فإن هذا لا يأتي إلا من خلال الكتاب والسنة بالاستنباط والفهم.

الرحمة أصل القيم مستنبطة من البسملة في فاتحة القرآن وسورة النمل

فما أصل أن تكون الرحمة هي أصل الواحد والعشرين خُلقًا؟ في قوله تعالى: أول ما تفتح القرآن يكررها في كل سورة، ثم هي جزء لا يتجزأ من سورة النمل:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَـٰنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30]

يعني أيضًا هذه "بسم الله الرحمن الرحيم" هذه ليست خاصة بنا، هذا شيء كان سليمان أيضًا يكتبه وهو في كتبه للآخرين.

فالقضية هنا تلفتنا إلى أمرين: الأمر الأول أن الرحمة هي الأساس، حيث بدأ الله وصف نفسه بها في كتابنا الذي أراده أن يكون خاتم الكتب وأن يكون أصلًا للتشريع.

لماذا وصف الله نفسه بالرحمن الرحيم وليس بالكريم العظيم

لم يقل: بسم الله الكريم العظيم فيكون الكرم أو العظمة هي الأساس، وإنما قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

والغريب العجيب أنه كررها، والغريب العجيب أننا سنرى فيها من الأشياء ما لم نره في غيرها.

الرحمن الرحيم — الله. حسنًا، ما أسماء الله الحسنى إذا هي أصل القيم؟ إذن نستطيع أن نضع قاعدة ونقول فيها: إن منظومة القيم في الإسلام تُستنبط وتُبنى وتُؤخذ من منظومة أسماء الله الحسنى.

طبعًا هذه كلها تعبيرات — منظومة — حديثة، وقيم وهيكل هرمي ولا أدري ما هذا وكلام من هذا القبيل، وحسن جميل أيضًا، خاطبوا الناس على قدر عقولهم، لا بأس.

منظومة القيم تستنبط من أسماء الله الحسنى ومقدمة عن صفات الله في الكتاب والسنة

منظومة القيم في الإسلام إنما تُستنبط من منظومة أسماء الله الحسنى. فلا بد لنا أن نقدم مقدمة قبل أن ندخل في قضية القيم ونتوسع فيها في أسماء الله الحسنى.

فنجد أن الله سبحانه وتعالى قد وصف نفسه في كتابه بـمائة واثنين وخمسين صفة، مائة واثنين وخمسين صفة في الكتاب.

والنبي صلى الله عليه وسلم وصفه، فلما جمعنا الروايات المختلفة التي وصف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه — كان يقول مثلًا:

«إن الله جميل يحب الجمال»

إن الله — هذا وصف ربه — أي والله صانع قديم. في الحديث هكذا: صانع وقديم. يكون صانع وقديم غير موجودة على فكرة في حديث أبي هريرة أنه صانع ولا أنه قديم.

إحصاء أسماء الله في القرآن والسنة وبلوغها مائتين وعشرين اسمًا

ويقول لك في القرآن: قدير.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20]

جاء الكثير، غير موجودة في حديث أبي هريرة أنه قدير. قادر، مقتدر — نعم. هذا يكون إذن: القادر، المقتدر.

مائة وأربعة وستون اسمًا [في السنة]. يكون إذن في القرآن مائة واثنان وخمسون، وفي السنة مائة وأربعة وستون. عندما نأتي لنجمعهما معًا ونحذف المكرر يخرج مائتان وعشرون.

يكون نستطيع أن نقول إن الكتاب والسنة وصفا ربنا سبحانه وتعالى المعبود بأنه ماذا؟ مائتان وعشرون وصفًا.

حديث التسعة والتسعين اسمًا والعدد فيه ليس للتكثير بل للتحديد

بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن أبي هريرة فيما أخرجه الترمذي:

«إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا»

نعم، هذا لما قال تسعة وتسعين اسمًا فإنه لا يريد التكثير. فالعرب أحيانًا تريد بالعدد التكثير:

﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: 80]

هذا للتكثير، يعني فلنفترض أن أحدًا استغفر إحدى وسبعين مرة فيُقال: لن يغفر الله له. فلماذا إذن استغفر مائة مرة؟

فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم — الرحمة المهداة — وهو يقول عن نفسه هذا:

«إنما أنا رحمة مهداة»

انظر إلى الأصل أيضًا، هذا تأكيد لأصلية الرحمة. فيقول: والله أنه يغفر لهم، لو زدت على السبعين لفعلت.

العدد في حديث السبعين للتكثير لا للتحديد وأمثلة على ذلك

لكن هو يعلم أن العدد هنا لا مفهوم له، يعني ليس سبعين يعني لا، بل العدد هنا مراد به التكثير، يعني هكذا هو: سبعين مرة، لو جئتني بسبعين شخصًا ما كنت لأفعل ذلك، والله لو حلفت لي على تسعين مصحفًا ما...

حسنًا، فلنفترض أنه أحضر واحدًا وتسعين مصحفًا، فإنه أيضًا لن يصدقه؛ لأن القضية هي أن العدد هنا ذُكر لكي ينكر قبوله وليس لكي يقبل قبولًا مؤكدًا.

حسنًا، والله ولكن هنا أصبحت — والله — تسعة وتسعون شخصًا ممن لم يسكت وقال: المائة إلا واحد. نعم، فماذا يعني هذا إذن؟ إنهم تسعة وتسعون، من أحصاها دخل الجنة.

روايات حديث أبي هريرة في أسماء الله واختلافها وبلوغها مائة وأربعة وستين

وبعد ذلك جاءت في حديث أبي هريرة وسأحضرها ولكن بثلاث روايات، وفي كل رواية تختلف عن الرواية الأخرى بحوالي أربعة وثلاثين اسمًا.

ومن هنا جاءت المائة وأربعة وستين مع بعض التتبعات الأخرى في الأحاديث. فأصبحت لدينا خريطة.

ولكن في الواقع هناك تسعة وتسعون اسمًا بالتحديد من أحصاها دخل الجنة. وهنا يقوم المفسرون والعلماء والشراح ببيان معنى "من أحصاها": من عدّها، من ذكرها، أو أنه من تخلّق بها.

المستوى الثاني لأسماء الله الحسنى: أسماء الله لا تنحصر في تسعة وتسعين

وهنا يأتي المستوى الثاني في التعامل مع أسماء الله الحسنى. المستوى الثاني يقول إن أسماء الله لا تنحصر، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا» إلى آخر الدعاء.

وهذا معناه أن لله أسماء كثيرة، وأن منها ما هو في القرآن، ومنها ما أنعم به على عباده الصالحين ابتداءً من الأنبياء والمرسلين وانتهاءً بالملهمين والأولياء والمتقين. فهناك مساحة للمعرفة مفتوحة وليست كنسق مغلق.

الاسم الأعظم وإخفاء الله أشياء في أشياء كليلة القدر والصلاة الوسطى

والتسعة والتسعون اسمًا من هذه أخفاها الله في أسمائه، وأخفى اسمًا منها سماه الاسم الأعظم. تحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأشار إليه وقال: هو الاسم الذي إذا دُعي به ربك أجاب.

ولما سمع رجلًا يقول: اللهم يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، قال: دعا ربه باسمه الأعظم. فيأخذ بعض العلماء أنه اسم الله الحي القيوم. ولما واحد أضاف إلى هذا الرحمن الرحيم قال: دعا ربه بالاسم الأعظم.

لغاية ما أخفى اسمه الأعظم في أسمائه. قالوا: أخفى الله أشياء في أشياء: أخفى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وأخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى أو في أسمائه كلها.

إخفاء الصلاة الوسطى وساعة الإجابة وأولياء الله في الناس لحكمة إلهية

وأخفى سبحانه وتعالى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس:

﴿حَـٰفِظُوا عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]

فما هي الصلاة الوسطى؟ هذه أخفاها حتى نحافظ على جميعها.

وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى ساعة الإجابة في الثلث الأخير من الليل، وأخفى أولياء الله في الناس حتى لا تحتقر الذي بجانبك، لا تحتقر الذي أمامك لعله يكون وليًا من أولياء الله.

ما شأني أنا وهذا على معصية وأنا أفضل منه؟ لا يوجد هذا الكبر عند المسلمين، لديهم من القيم والأخلاق: أنا أسوأ الناس والباقون جميعهم والحمد لله بخير.

التواضع لله أساس القيم وخطورة الكبر ولو بمقدار حبة خردل

تمام، إذن من هو أسوأ شخص في الأرض؟ أنا. ابدأ بنفسك ثم بمن تعول.

«أترى القذاة في عين أخيك وتترك جذع النخلة في عينك؟»

فليجمع كل واحد نفسه مع ذاته هكذا، وليعتبر نفسه أنه أسوأ خلق الله وأبعدهم، وأنه لن ينقذه شيء من ذلك إلا الله. إذا تحقق بذلك رفعه ربه:

«من تواضع لله رفعه»

وإذا لم يفعل ذلك لن يدخل الجنة:

«من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر» [لا يدخل الجنة]

حبة من خردل! الجرام بستة آلاف حبة خردل. حبة الخردل هذه شيء تافه هكذا، شيء خفيف جدًا بحيث إن كنا لما أحضرنا ستة آلاف حبة خردل وذهبنا ووزناها فكانت جرامًا. فالجرام بستة آلاف حبة خردل، فيكون حبة من خردل هذا كلام يعني هذا كلام خطير.

خطورة الكبر وعلاقته بمنظومة القيم والأخلاق الإلهية

يعني هذا ما هذا شيء بسيط جدًا، يعني واحد على ستة آلاف من الجرام لم نجد له وزنًا، ولكن الكبر سيء.

«ومن نازعني ردائي أخذته ولا أبالي» [حديث قدسي]

أهذه هي أخلاق؟ أهذه هي قيم؟ فيصبح إذن لو دخلنا إلى أسماء الله الحسنى في مستواها الثالث لوجدنا أن منها ما هو منصوص ومنها ما هو مشتق.

يصبح أيضًا نأخذ بالنا من ذلك: ربنا وصف نفسه بأنه سميع، بأنه بصير، بأنه حكيم، بأنه عزيز، بأنه وهكذا: الرحمن الرحيم، ملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار الفتاح. اذهب الآن وقل هكذا، سمع كل ما حفظته.

ثلاثة وعشرون اشتقاقًا من أسماء الله وشروط الغزالي الثلاثة للاشتقاق

ولكن هناك أشياء اشتُقت، وقال العلماء أن هذه ثلاثة وعشرون اشتقاقًا. أرى بعضكم هكذا مهتمًا بتسجيل الإحصاءات؛ لأن عقلكم أصبح عقلًا تجريبيًا أو "براين" الذي هو العقل التطبيقي، يريد إحصائيات، فلنتكلم بلغة الأرقام.

طيب، ثلاثة وعشرون.

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]

فيكون هو حبيب سبحانه وتعالى، ولكنه لم يقل إنه ربنا حبيب. لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة "يا حبيبي يا رب"، لا يوجد. ولكن هل يجوز لنا أن نقولها؟

هو ما قال: المادة وردت.

﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]

يبقى هو ناصر. طيب، وناصر هذه وردت هكذا ناصر، هي في المجمل ورد:

﴿وَاللَّهُ خَيْرُ النَّاصِرِينَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 150]

ناصرين، ناصر يعني. لكن نعم وهو خير الناصرين.

شروط الإمام الغزالي الثلاثة لاشتقاق أسماء الله من القرآن والسنة

لكن ما يوجد تركيبة "الله ناصر عباده" مثلًا، يعني ما يوجد تركيبة هذه غير موجودة. لكن الذي موجود هو أنها وردت.

أي فالإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه يقول: بثلاثة شروط سنأخذ من الاشتقاق هذا بثلاثة شروط:

الشرط الأول: أن تكون المادة قد وردت.

الشرط الثاني: ألا يوهم الاشتقاق نقصًا. لا آتي فأقول الله فيصبح ربنا ماكرًا. إذن لماذا؟

﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ﴾ [الأنفال: 30]

ما هي وردت! ماذا قال؟ لا، هذه في المقابلة، لا يصلح هذا هكذا، يوهم نقصًا، هكذا فيها قلة أدب مع الله.

﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]

هذا "خادعهم" أيضًا هذه ليست وردته فقط، لا يصلح هذا في السياق، هذه في المقابلة.

أمثلة على المقابلة في القرآن التي لا يصح الاشتقاق منها

﴿وَجَزَٰٓؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]

يعني هذه مقابلة.

﴿نَسُوا ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمْ﴾ [الحشر: 19]

إذن ربنا ناسٍ؟ لا يصلح! ربنا لا ينسى. فما هذا؟ هذا التعبير بأكمله تركيب فيه مقابلة، لا يصلح أن تنزعه وإلا يتحول إلى شيء آخر.

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ لَنَا فِي الْحَيَاةِ أَمْثَالًا قَلِيلَةً﴾

هذه المياه تذهب بالعطش والظمأ وتحدث الرِّي — بالكسر هكذا — لا تقل الرَّي، رَي غير صحيحة بل رِي.

طيب، هذا رِي هذا. فالذي حدث هذا ماء. طب افترض لنجعلها هيدروجين وأكسجين، ما هو مكون من هيدروجين وأكسجين: واحد يشتعل والآخر يساعد على الاشتعال، يعني نار الله الموقدة تكون مصيبة سوداء.

مثال الماء والهيدروجين والأكسجين على خطورة فصل ما حقه الاتصال

ولذلك لو أحضرنا في التركيب هذا الذي الله يعني وضعه هكذا وفصلنا هذا من هذه ستنفجر ولن تنفع. هل هي تنفع تركيبك أم هي كذلك؟ أما أن تجعلها هيدروجين وأكسجين ستصبح بلاءً وانفجارًا.

وستنفجر أكثر لو كسرت الذرة وأخرجت منها الشيء [أي الطاقة النووية]، ولذلك تجد أمريكا غاضبة من إيران جدًا لأنها تريد أن تكسر الذرة التي حدث كذلك.

فنحن الآن، الاشتقاق لا بد ألا يوهم نقصًا.

رقم ثلاثة: أن نعتقد أنها صفة وليست باسم، أي لا نقول ما هذا اسم حبيب، هذا اسم ناصر، هذا اسم — لا. دعنا بالشروط الثلاثة هذه يمكن أن تتعامل مع ما ورد في الثلاث والعشرين قطعة الخاصة بالاشتقاق التي في القرآن.

الفرق بين منهج أصول الفقه الإسلامي والهرمنيوطيقا الغربية في التأويل

انظر، هؤلاء يضعون منهجًا. إذن فليكن. ما الفرق بين أصول الفقه وأسس الفهم التي وضعها المسلمون وبين الهرمنيوطيقا الذي هو علم التأويل الذي وضعوه في القرن السادس عشر وما بعده؟

الفرق كبير؛ لأن هذا [الهرمنيوطيقا] متاهات وآراء، عندما تأتي لتقرأ. لكن هذا [أصول الفقه] منهج علمي. هناك فرق بين هذا وذاك.

من الذي يقول إن هذا منهج المسلمين؟ ومن الذي يقول عن الهرمنيوطيقا إنها متاهة؟ وهؤلاء هم الذين يقول رؤساؤهم وكتّابهم يقولون: الله، ما هذه الحكاية التي ليس لها بداية ولا نهاية، وهذه مجموعة من الأذواق والتذوقات ليس لها أي نوع من أنواع الضبط ولا الربط ولا المنهج مهما حاولوا أن يجعلوها هكذا.

سبب تفوق المنهج الإسلامي: اعتماده على أداة تفسيرية منضبطة

كيف صار هذا كذلك وهذا نعم؟ لأن هذا [المنهج الإسلامي] يعتمد على أداة تفسيرية [منضبطة]، وهذا [الهرمنيوطيقا] لا يريد أن يبني الأداة التفسيرية.

عندما ندخل في المستوى الرابع لأسماء الله الحسنى سنجد أنها بعضها للجمال وبعضها للجلال وبعضها للكمال.

  • الجمال: الرحمن والرحيم والرؤوف والغفور والعفو.
  • الجلال: العظيم الشديد القوي الجبار المنتقم.
  • الكمال: الأول والآخر، الظاهر والباطن، المعز المذل، القابض الباسط، الخافض الرافع.

الأسماء المزدوجة لا يجوز فصلها كالضار النافع وخطأ من يفصلها

وهذه الأسماء المزدوجة لا يجوز أن نقول: الضار — يا ضار أتوسل إليك يا ضار. ضار ماذا؟ الضار النافع. الضار النافع هذا كمال، أي أن الضرر من عنده والنفع من عنده.

فلما جاء بعض القاصرين قال لك: لا، أيضًا لا يصح أن نسمي ربنا الضار. أنت ألا تنتبه إلى أنه الضار النافع؟ الذي فعلته بالضبط مثل الهيدروجين والأكسجين: فصلت ما من حقه الاتصال.

وعندما نفعل هذا يبقى فيها اضطراب. حتى في قراءة القرآن في علم اسمه الابتداء والوقف.

علم الوقف والابتداء في القرآن وأهميته في ضبط المعنى

ما هو الوقف وما هو الابتداء؟ لأنه يوجد موضع يجب أن تقف فيه، وموضع يجب أن تصل فيه، وموضع من الأفضل أن تقف فيه.

كل صفحة تجدون فيها: قلي، صلي، جيم، مين، لا، كذا وهكذا. وهذه نأتي بها من أين؟ من التفسير، من المعنى. ولذلك أهل التفسير هم الذين وضعوا العلامات هذه.

وكان قديمًا في الأشياء التركية — المصحف التركي — يقول لك: "طب" يعني وقف طيب، "كاف" يعني وقف كافٍ، "تم" يعني وقف تام، وهكذا. فن متعلق باللغة، إذا أخطأنا فيه يعطي عكس المعنى.

الفرق بين علامات الوقف والابتداء الإسلامية وعلامات الترقيم الغربية

المسلمون عندما كتبوا الوقف والابتداء كتبوه لأنهم عاشوا خصائص اللغة العربية فكتبوه من داخلها.

جاء شيء آخر فعله الأجانب يسمى علامات الترقيم: الفاصلة والنقطة وعلامة الاستفهام والتعجب. هذه تعمل مثل الشبيه بالوقف والابتداء لكن على لغتهم.

لأن لغتنا نحن إذا فعلنا فيها هكذا لتحديد المعنى. ومن ضمن معجزات القرآن أنه نسق مفتوح وليس مغلقًا.

فلما جاء أحمد باشا زكي ليترجم هذه العلامات من الفرنسية — وعلى فكرة لو كتبنا بالفرنسية من دونها فسيكون خطأ وستصبح مشوشة تمامًا، والإنجليزية وغيرها تحتاج إلى علامات الترقيم هذه وإلا ستختلط الأمور.

أحمد باشا زكي منع استعمال علامات الترقيم في القرآن والسنة

قال [أحمد باشا زكي]: ولكن انتبهوا، أنتم تستعملونها في النصوص التي بينكم أنتم البشر هذه، وممنوع استعمالها في الكتاب والسنة.

نصّ على ذلك في كتابه في علامات الترقيم في الأول، في أول صفحة: ممنوع أن تعملها في كتاب [الله]. لماذا؟ لأن الكتاب مكتفٍ بعلامات الوقف والابتداء التي هي آتية من داخل خصائص اللغة العربية.

إذن ففي المستوى الذي نحن نتحدث فيه سنجد الجلال وسنجد الجمال وسنجد الكمال.

التخلق بأسماء الجمال والتعلق بأسماء الجلال والتصديق بأسماء الكمال

وسنجد هذه الحكاية، وسنجد أيضًا أن الجمال فيه التخلق، وأن الجلال فيه التعلق، وأن الكمال فيه التصديق.

فإذا أنا أمام الجلال [أي الجمال] أتخلق فأكون رحيمًا وأكون عفوًا وأكون سامحًا هكذا، أي:

﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22]

فهكذا هذا، ففي شيء كذلك: تخلقوا بأخلاق الله — هذا ليس حديثًا ولكن كلام الناس، كلام المربين المرشدين — تخلقوا بأخلاق الله.

طيب، وأصبح جبارًا؟ إذن قال: لا. منتقم؟ قال: لا. هذا خاص بربنا فقط. متكبر؟ هذه خاصة بربنا فقط.

التعلق بأسماء الجلال بدلًا من التخلق بها والتهدئة للنفس الثائرة

طيب، إذن ماذا أفعل؟ أتعلق بها. أقول: يا رب، حسبنا الله ونعم الوكيل، أنت المتقين يا رب. هذا لو يعني ما سمحت وما قدرت.

أنا ما هو يوجد واحد قلنا له: اسمح هكذا، قال: سأموت، انتهى. قلت له: لا. طيب، لا تمت ولكن ادعُ الله فقط، ما لا تؤذي الذي بجانبك.

تعلّق إذن: ما دمت غير قادر على أن تتخلق بالعفو والصفح، تتعلق بأنه هو [المنتقم]، ليس بأن تتخلق بالفعل وتقوم بالانتقام، بل تتعلق بالله سبحانه وتعالى.

فكان هذا أيضًا نوعًا من أنواع الرحمة بين الخلق: التهدئة للنفس، التأجيل للمواجهة والصدام، الترضية للنفس الثائرة التي لا ترضى أن ترضى ومتعبة متعبة. نحن يعني هي تتعبنا ونحن قاعدون نهدئها ولسنا راضية تهدأ.

التخلق والتعلق والتصديق يقودان إلى التوكل والرضا والتسليم لله

فكان التخلق والتعلق والتصديق بأنه هو الأول والآخر، فنتوكل على الله فنرضى بالله ونسلم له، وهكذا.

إذن منظومة أسماء الله سنجد فيها القيم. عندما نذهب إلى "بسم الله الرحمن الرحيم" التي هي أساس الرحمة.

طيب، أنا لدي جمال ولدي جلال، كان يعني أيضًا من المناسب أن يقول: بسم الله الرحمن المنتقم — واحدة جمال وواحدة يخيفني بها. إنما سبحان الله قال: الرحمن الرحيم.

وهذه قطعة نفكر فيها الآن: ليس أحد يقول لي لماذا يكرر. ألم تقولوا الإعجاز إيجاز؟ فلماذا لا يوجز؟ لماذا لم يقل الرحمن وانتهى؟ لماذا؟

سر تكرار الرحمن الرحيم في البسملة وسد باب الجلال بالجمال

لو قال الله الرحمن ستقول: إنه أيضًا منتقم. ولكنه أجابك وقال لك: هو رحمن. فما الصفة الثانية؟ يجب أن تكون الجبار، يجب أن تكون المنتقم، يجب أن تكون القوي أو الشديد أو العظيم.

قال: لا، الرحيم. هذا لازم من الثانية لكي يسد عليك باب الجلال والجمال ويقول لك: ما يوجد هنا جلال وجمال، هذا هنا جمال في الرحمة: رحمة هنا ورحمة هناك.

ولذلك قالوا: ما هو الرحمن الرحيم؟ حسنًا، قالوا: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. يرحم المؤمن والكافر هذا رحمن، ورحيم يعني يرحم المؤمن فقط. عندهم هكذا أحد التفسيرات هكذا.

رحمة الله الواسعة بعباده حتى غير الراضين وأصل القيم هو الرحمة

رحمن: ما دمت لست راضيًا أن تذهب إليه فهو سوف يملك [أي يمهلك]، يعني عندما أنت رفيق الله، أما هو إلى بيته، إلى بيته. وعبدي تعال هنا، غير راضٍ مما نحن فيه — نوع من أنواع الرعونة هكذا — غير راضٍ.

ماذا يفعل فيه إذن؟ يخسف به الأرض؟ ربما، يمكن أن يفعل سبحانه ما يشاء. لا، هو رحيم إذن، ولا خسف ولا فعل، وظل يرزقنا ويشفينا ويفتح علينا ويعلمنا وهكذا.

فهو الرحمن الرحيم: ذهبت إلى هنا، جئت من هنا، هو الرحمن الرحيم.

أصل القيم هو الرحمة، ومن الرحمة يأتي الكرم، يأتي الحب.

الحب المتبادل بين الله وعباده والحمد الذي لا ينتهي

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

آه، هذا الحب أصبح مأمورًا به، إذن يجب أن تحبوا الله. فاتبعوني يحببكم الله — هذا ربنا يحب أيضًا، نحن نحبه وهو يحبنا.

﴿رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119]

هم رضوا عنه، رضوا عنه. قالوا: ما معنى هذا؟ ما هذا الجمال؟ ما هذه الحلاوة؟ هذا شيء واسع جدًا لدرجة أننا لم نعد نعرف كيف نحمد.

لدرجة أننا ونحن نقول: الحمد لله على نعمائه، إذ بهذا الحمد يحتاج إلى حمد الله الذي وفقك إليه. ما كان يمكن أن تنسى وتتلهى بالنعمة وتنسى شكره.

﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]

كان بيننا يزيدنا، وفي الوقت نفسه الشكر الخاص به.

دائرة الحمد التي لا تنتهي والدعاء الذي يفكها

قال: حسنًا، وبعد ذلك أسننتهي هكذا؟ فلنفترض أنني قلت له: الحمد لله أن وفقتني لأن أقول لك الحمد لله. فيكون الحمد الثاني هذا يحتاج إلى حمد أيضًا، ولن — هل تنتبه؟ إذن وماذا نفعل في هذه الحكاية؟

إنهم يفكرون — الذين قلوبهم متعلقة بالله — لأن حكاية القيم هذه والأخلاق لا بد أن يتعلق القلب فيها بالله. فذهبوا وأوجدوا لفظًا يفك هذه الدائرة، احتالوا عليه.

الله قال: اللهم إني أحمدك حمدًا يوافي نعمك ويكافئ مزيدك. يوافي النعم التي أنعمت بها. طيب، وبعد ذلك ألست أنت هذا محتاج؟ قال له: ويكافئه مزيدًا. فذهب فاتحًا إياها.

يعني يفعل ذلك مثل ماذا؟ اللهم إني أحمدك حمدًا لا نهاية له. انتهى، ما هو لا نهاية له.

حديث الراحمون يرحمهم الرحمن وأصول الأخلاق الواحد والعشرون من أعمال القلوب

فالرحمة يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

لما نقعد نبحث فسنجد منظومة مكونة من واحد وعشرين خُلقًا. هذه الأخلاق هي من أعمال القلوب.

ولذلك لا بد أن ننظف قلوبنا. وهنا تكلم أهل الله عن قضية التخلية والتحلية، وتكلموا عن التخلي والتحلي والتجلي: تُخلي قلبك من القبيح، وتُحلي قلبك بكل صحيح، فيتجلى فيه نور الرحمن.

﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [النور: 35]

ارتباط القيم بالتربية وأصولها الواحد والعشرون وفروعها اللانهائية

يبقى إذن قضية القيم متصلة اتصالًا كليًا وجزئيًا بقضية التربية. لا بد علينا أن نضع منهجًا للتربية لكي ندرس فيه ما ندرس فيه القيم التي أصولها واحد وعشرون وفروعها لا نهاية لها.

ويبدأ الواحد والعشرون بـالرحمة، ثم الكرم، ثم الحب — الحب عطاء وفيه كرم أيضًا — وبعد ذلك التواضع، وبعد ذلك تجلس تعد هكذا واحدًا وعشرين.

وبعد ذلك عندما يتخلق بهذه الأخلاق، كيف يكون إذن؟ يكون بالتربية. يكون إذن منظومة القيم في الإسلام ليست فقط لها مجال دراسي.

مصدر منظومة القيم ومستوياتها الأربعة من المعرفة إلى العيش فيها

نحن عرفنا الآن مصدرها وهو الكتاب والسنة، وأنها منظومة مبنية في الأساس على أسماء الله الواردة، وأن هذا يتم بالتأمل والتدبر والاستنباط بأدوات منضبطة، ثم بعد ذلك لها علاقة مباشرة بقضية التربية.

من غير تربية، فالتربية هذه تجعلنا ماذا؟ إن الأصل في مستويات:

  1. المستوى الأول: مستوى معرفة القيم — انتهيت من معرفة قيمك ما هي.
  2. المستوى الثاني: هو الإيمان بها — نعم هذه صحيح، هذه القيم قيم لا بد منها.
  3. المستوى الثالث: تطبيقها.
  4. المستوى الرابع: أن نعيش فيها وبها — هذا مستوى رابع.

التعليم والتربية والتدريب ثلاثة أجزاء لبناء القيم والملكة

هذا في ثلاثة أجزاء لننتبه إليها: التعليم والتربية والتدريب.

التعليم هذا يصنع معلومات ويمكن أن يجعل تراكم المعلومات معرفة يقينية وتصديقًا. ولكن التربية هذه تحتاج إلى مزاولة. ولكن التدريب هذا مهارة وملكة.

التي هي مرتبة العيش: أن تعيش فيها. فنحن لسنا فقط نريد أن نعرفها أو نصدقها، ولا فقط أن نمارسها.

كما يقول الواحد: أنت تصلي؟ فيقول: نعم أصلي. فماذا يعني؟ أعرف أن أصلي وأعرف أن الظهر أربع ركعات وأعرف أن الركوع قبل السجود وأعرف أنهم يتوضؤون قبل أن يصلوا — هو هكذا يصلي، أي لكن هو يصلي فعلًا؟

الفرق بين المعرفة والممارسة والملكة وكيف تأتي الملكة بالتدريب

تجده يصلي الجمعة بالكاد، أو يصلي على سطر ويترك صفه، أو يصلي يقول لربنا صباح الخير يا ربنا الصباح بالركعتين وبعد ذلك لا نرى وجهه.

فالقضية أنه يوجد فرق ما بين المعرفة وما بين الممارسة وما بين الملكة.

ابن خلدون في المقدمة: هذه الملكة كيف تأتي؟ بالتدريب، تأتي بالكثرة والممارسة وما إلى ذلك.

ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم — وهو يدلنا على الارتباط بهذه القيم وهو الذي يقول:

«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

يقول: لا يزال أحدكم... عندما قال له رجل: يا رسول الله، تشعب علينا الإسلام، فقل لي في [شيء جامع] قال له: لا تسأل أحدًا بعدك فيه.

قال: «قل آمنت بالله ثم استقم»

هذه هي النقطة الأولى.

المنهج التربوي الإسلامي يربط بين الذكر والقيم والأخلاق

ثانيًا، طلب منه كذلك قال له:

«لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»

هذا هو المنهج التربوي الذي ربط فيه الإسلام بين قضية الذكر وبين قضية القيم. استمر في الذكر بمواعيدك ستهنأ.

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]

والنبي يصف:

«سبق المفردون». قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ — هؤلاء مصطلح جديد — قال: «المستهترون بذكر الله»

مستهترون بذكر الله يعني يذكرون دائمًا.

الفرق بين الممارسة والملكة في الذكر واستنباط الأخلاق من أسماء الله

لكن ما هذا؟ هذه ممارسة إلى هذا الحد ممارسة. أما أن تفهم من أسماء الله التي تذكرها أخلاقًا وتطبقها على نفسك، فهذه هي المهارة وهذه هي الملكة وهذا هو النتاج للتدريب.

هذه هي المرحلة الثالثة التي نسميها نحن بلغتنا: أن تعيش فيها.

فالإيمان قضية، والممارسة هذه قضية أخرى ودرجة أخرى وأعلى، وكل شيء يعيش هذه قضية ثالثة وأعلى أيضًا.

إذن إذا كنا في نهاية الأمر نريد من دراسة منظومة القيم: التصديق، ثم بعد ذلك الممارسة، ثم بعد ذلك عن طريق التخلي والتحلي والتجلي أن نعيش بأن نستنبط منها أخلاقًا وقيمًا، وأن هذه القيم هي التي نسير بها في العالم في الحياة هكذا.

الوصول إلى مرتبة العبد الرباني واستجابة الدعاء بطيب المطعم

نصل إلى ما أسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم العبد الرباني: تكون عبدًا ربانيًا، تقل للشيء كن فيكون. هو طبعًا لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نقول كن ولا سيكون وكذلك. هذه استجابة الدعاء.

«أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة»

منظومة إذن من ضمنها طيب المطعم من أجل أن يُستجاب الدعاء. واستجابة الدعاء هذه ربطها رسول الله بالذكر أيضًا.

قضية الأخلاق والتخلق هكذا. وقال في رواية الحديث القدسي:

«من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أحسن ما أُعطي السائلين»

إذا هذا عبد راضٍ حقًا، وعبد من رضاه توكل على الله حق التوكل توكله.

العبد الراضي يرى وراء الأسماء أخلاقًا فيعيش فيها ويدخل الإيمان قلبه

وعبد من الرضا الخاص به شغل نفسه بذكر الله، وعبد من الرضا الخاص به على ربه عن ربه رأى ما وراء هذه الأسماء وهذا الذكر من أخلاق فعاش فيها.

إذا دخل الإنسان هذه الدوائر فقد دخل الإيمان قلبه. وإذا دخل الإيمان قلب الإنسان فإنه لا يخرج منه أبدًا.

دخل ليس آمنًا هكذا على السطح — آمن على السطح يمكن أن يكفي — ولكن دخل الإيمان بداخله هكذا.

ولذلك هرقل بنصيحته والتعاليم النبوية التي درسها على يد النصارى واليهود وأتباع الأنبياء، قال أتباعه: يا أبا سفيان، أيزيدون أم ينقصون؟ فقال له: بل يزيدون وما نحن بعارفين ماذا نفعل بهم.

الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يخرج منها أبدًا

فلما فك السؤال قال له: سألتك هل يزيدون أو ينقصون؟ قال: قلت بل يزيدون. هكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب — لو دخل الإيمان لن يخرج، لن يستطيع أن يخرج، لن يعرف كيف يخرج.

وهذه هي المشكلة التي يعيش فيها العالم الغربي مع العالم الإسلامي: هم هؤلاء القوم لماذا لا يرضون أن يخلصوننا! رغم أن جميع الوسائل استعملناها معهم ومنها الإبادة الجسدية عبر القرون وهم يزدادون.

شيء يمرض ويخنق، فمعه قنبلة يضربها علينا، معه هذا الشيء مثل الحجارة يأتي ليضربها فينا. فماذا سيفعل وهو كلام غير مبرر.

نقول له: يا أخي، فتأمل الكلام هكذا. شأن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

نصيحة للعالم الغربي بترك المسلمين في حالهم لأن الإيمان راسخ في قلوبهم

أناس مطمئنون لا يعرفون كيف يخرجون من إيمانهم، وأنت تريد أن تخرجهم من هويتهم.

فهذا ننصح العقلاء منهم أن يفهموا ويتركونا في حالنا نحن، وأنهم لا يدخلون الإسلام ولا يرون النور، لكن يتركونا في حالنا.

لأننا كما نتركهم في طريق النار إلى جهنم، يتركونا في طريق الجنة التي نحن عاقدون العزم عليها. نحن على الجنة وليس الحرية، تشمل الاثنين، فينبغي أن تشمل الاثنين.

كما أنني أتركك في حالك فاتركني في حالي. أنا أعتقد أن هذا الطريق يدخلني الجنة فاتركني حرًا، أنا سأدخل كما أريد.

خاتمة المحاضرة وملخص منظومة القيم في الإسلام

أرجو ألا أكون قد أطلت عليكم، بل قد أطلت. ولكن منظومة القيم في الإسلام واسعة المرامي.

أنا وضعت هكذا فقط أي كلمات يسيرات حولها:

  • حول مصادرها.
  • حول منظومتها وارتباطها بالأسماء الحسنى.
  • حول كيفية تعلمها وتربيتها والتدريب عليها والمعيشة فيها.
  • حول أصولها وفروعها وتقسيماتها وهكذا إلى آخره.

ولكن الكلام كثير، وقليل الكلام يغني عن كثيره. شكرًا لكم.

سؤال حول التوفيق بين التواضع والثقة بالنفس والعزة المأمور بها

السؤال يتحدث عن مسألة كلية، لكن هو يقول في مسألة جزئية: كيف التوفيق بين الشعور بالتواضع والبعد عن الكبر مثلًا، وبين الشعور بالثقة بالنفس وهو مطلوب، والشعور بالعزة التي أُمرنا بها؟

والكلي هو الفارق الدقيق بين المعاني المتقابلة. هذا كلي سنفهم بموجبه كل الصور:

  • ما الفرق الدقيق بين الشجاعة وبين التهور؟
  • بين الكرم وبين الإسراف؟
  • بين التواضع وبين المذلة؟

وهكذا، أي أن هناك معاني دقيقة وفوارق دقيقة تفصل بين الممدوح والمذموم.

الحكمة هي الفاصل بين الأخلاق المتقابلة الممدوحة والمذموحة

وهذه مسألة تحدثوا عنها قديمًا وقالوا: إن الفرق بين هذه الأخلاق المتقابلة التي وجه منها ممدوح ووجه منها مذموم هو الحكمة.

هي هذا الفاصل الذي يفصل بين الكرم وبين الإسراف، بين التواضع وبين الذل، بين الثقة بالنفس وبين الكبر، وهكذا.

ولذلك يقول ربنا:

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

والحكمة في معناها اللغوي في مادة "ح ك م" معناها الضبط. وفعلًا نجد أن ثمة ضبطًا يحتاج إليه الإنسان فيما بين هذه الأخلاق المتقابلة.

جهات التغيير الأربع لضبط الأخلاق: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال

حددوا الجهات — وهذه يسمونها جهات التغيير — بأربعة، ويطلبون الحكمة المناسبة. أي لا بد أن يكون الخُلق مناسبًا. والمناسب لماذا؟ قالوا:

  1. مناسب للزمان.
  2. ومناسب للمكان.
  3. ومناسب للأشخاص.
  4. ومناسب للأحوال.

دائمًا هذه الأربعة نريد أن نحفظها حفظًا منهجيًا: بأن العطاء متى يوصف بأنه إسراف ومتى يوصف بأنه كرم؟ فأي عطاء، وأين الزمان؟ ما زمان العطاء وما مكان العطاء وما كيفية العطاء الذي هو الحال، وما الشخص الذي كان بيننا وبينه العطاء؟

مثال عملي على الفرق بين الكرم والسفه بحسب الزمان والمكان والحال

فشخص دخل لشراء سلعة فاشتراها بمائة جنيه وأعطى من قبيل الكرم ألف جنيه بقشيشًا — ألف جنيه أو رقم محدد — هذا الألف جنيه في هذا الموقف يسمونه الإسراف.

والله يقول: ﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

هذه وحدها: إنه لا يحب المسرفين.

﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]

حسنًا، فأين؟ كم يعني؟ نعم، لا بد من مراعاة الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وبذلك تتم الحكمة، وبالحكمة تفترق المتقابلات، ونقيس بهذه الأداة كل شيء.

قصة القاضي والحكم على العطاء بين السفه والصدقة بحسب الظروف

فلو ذهبت إلى حضرة القاضي وقلت له: إن هذا الرجل سفيه، فقد أعطى ألف جنيه مقابل حذاء وهو يصلح الأحذية بمائة جنيه. أيرضيك أن يقول حضرة القاضي: لا، هذا سفيه حقًا؟ لأن الذي يعطي في هذا الموقف يعطي خمسة جنيهات أو عشرة جنيهات أو حتى عشرين جنيهًا، لكن أن يعطي — سفيه.

قال له: يا حضرة القاضي فاسمعنا. هذا الرجل بيته انهدم أصلًا وابنه في المستشفى وهم جالسون في الشارع، وطلب مني أمس أن أعطيه ألف جنيه لكي ينقذ الولد وحياة الولد. أأصبح سفيهًا؟ قالوا له: لا، بل إنك تكون قد فعلت خيرًا بذلك.

قال له: يا حضرة القاضي، انتظر. انظر إلى هذا الرجل الذي يقول لك إن ابنه ليس ابنه، مات أمس، والمحافظة أعطته شقة وأعطوه الشقة بأثاثها وهو يعلم. فهذا يريد فقط أن يتظاهر ويتصنع وما إلى ذلك وهكذا.

الفروق بين المعاني تضبط بالحكمة والمناسبة في الزمان والمكان والحال والشخص

ما رأيك أن تتغير هذه الصورة من هذه الصورة من هذه الصورة وسنظل نغير الصور؟ وبمثل هذه التغييرات، والله هذا ألف جنيه هي ألف جنيه، ولكن عندما كانت في غير موضعها بلا سبب يعني معقول يحكمه العرف ويحكمه — كانت سفهًا.

ولكن عندما كانت في حالة فيها إنقاذ حياة لطفل وكذلك احتياج وصدقة ويمكن إخراجها كذلك من الزكاة — والله هذا كلام جيد، هذا رجل صالح وهكذا.

فالفروق بين المعاني تُضبط بالحكمة، والحكمة معناها مناسبة، والمناسبة معناها وضع الشيء المناسب في زمانه ومكانه وحاله وشخصه المناسب. والمناسبة تُقدّر بقدرها — أداة للفهم، أداة للتطبيق.

سؤال عن دهن الخنزير في الكوكاكولا والبيبسي ومنهج التثبت في الفتوى

في سؤال يقول: بعد إعلان التحاليل التي تبين وجود دهن خنزير بمكونات الكوكا والبيبسي، هل تفتون بأنها حرام أم شيء [آخر]؟

في الفتوى من الأخلاق — من أخلاق المفتي — التثبت. بعد إعلان — من الذي أعلن؟ من الذي أعلن هذا؟ فما عليه لا نعرف.

يبقى هنا يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه:

«كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»

فأول شيء من أخلاق [المفتي] أن يتثبت. انتظر، من الذي أعلن؟ طيب، أين هو هذا الإعلان أيضًا؟ متى؟ أين؟ كيف؟ لماذا؟ يعني بعض الأسئلة هكذا نسألها.

قصة لقاء الدكتور أحمد صقر وتحليل مكونات البيبسي والكوكاكولا

وكذلك الوضع لأي منتجات أخرى مثل معجون الأسنان إلى آخره. آه، وأي منتجات أخرى. لكن من الذي قال وما الذي حدث وكيف يحدث وهكذا.

في سنة ألف وتسعمائة — في عام ألف وتسعمائة وثمانين — التقيت بالدكتور أحمد صقر وهو أستاذ كيمياء الأغذية في جامعات أمريكا في شيكاغو. ورأيته قد اهتم بحصر جميع ما يدخل في طعام الإنسان فوجدها مائة وأربع عشرة مادة.

مائة وأربع عشرة مادة، يعني مثلًا: الماء يدخل فيكتب ماء، الدقيق يدخل فيكتب دقيق، السكر يدخل فيكتب، يدخل فيكتب ملح — مائة وأربعة عشر مادة.

وقلت له: وهل هذا على سبيل الحصر؟ فقال لي: غالبًا؛ لأنه بعد مدة لم أضف إلى هذا الجدول إلا عنصرًا كل مدة طويلة يظهر عنصر في السوق لم يكن موجودًا في قائمة المائة وأربعة عشر.

تحليل مكونات البيبسي والكوكاكولا وفتوى الشيخ حسنين مخلوف بحلها

وذهب مكان المائة وأربعة عشر عنصرًا لكي يرى ما هي تركيبتها. والأشياء التي نحرمها إما أن تكون الكحوليات وإما أن تكون الميتة والخنزير وأمثال هذه الأشياء.

وسألته سؤالًا مباشرًا عن البيبسي كولا والكوكا كولا فقال لي: لم أجد فيها شيئًا.

وجئنا فوجدنا أن الشيخ حسنين مخلوف — مفتي الديار المصرية — تعرض لمثل هذا، فأرسل إلى مصلحة الكيمياء أنها تفتح المواد الواردة من مواد البيبسي — المادة الفعالة التي توضع وما إلى ذلك — ويحللونها ويرون إذا كان فيها ببسين حيواني أو إذا كان فيها خنزير أو دهن أو ما شابه ذلك.

وقام بهذا طبيب كبير كان اسمه الدكتور الجبالي، وصدرت الفتوى من الشيخ مخلوف بعد أن قامت الكيمياء المصرية بالتحليل: لم تجد شيئًا من هذا — لا فيها خنزير ولا فيها جوافة ولا فيها أي شيء.

تحليل مجمع البحوث والمركز القومي للبحوث أثبت خلو المنتج من المحرمات

وأنها عبارة عن مخلّقات معملية وأنها لا تشتمل على أي أنواع هرمونية حيوانية إطلاقًا.

وبقينا صامتين لمدة طويلة حتى خرج أحدهم من الأفاضل وقال: هذا أنا سمعت الأستاذ الطبيب الخاص بأولادي قال إن فيها شيئًا. فاجتمع مجمع البحوث وأرسل إلى المركز القومي للبحوث وأرسل إلى صيدلية الأزهر وأرسل إلى لا أعرف أي معمل.

وحللوا المنتج النهائي فلم يجدوا فيه شيئًا. حللوا الصناديق التي جاءت فلم يجدوا فيها شيئًا — لا مادة ولا مادة ولا أي شيء. فصدرت فتوى بأن هذه الأشياء حلال.

التثبت من المعلومات قبل نشرها من أخلاق المسلم وتحذير النبي من فشو الكذب

فعندما يأتيني هنا أصبح السؤال هو فتوى صحيح، ولكن سنحولها إلى قيم. تم الإعلان عنها — أي ما معنى تم الإعلان؟ هذه مجهولات. من الذي أعلن هذا؟

حسنًا، أنا أحتفظ ولدي شيء من التحليل ولدي التحليل نفسه. فالتحليل نفسه أظهر ماذا؟ وهكذا، من المركز القومي للبحوث. وأجريت مقارنة بين دار الإفتاء وبين المركز القومي — بروتوكول تعاون لكي يفعلوا لي ذلك — وقلت لهم: أنا مستعد عندما تكون هناك تكلفة أدفع التكلفة. وصدر التحليل يبين بأنه ليس فيها شيء من جهة والثانية والثالثة.

هنا بعد إعلان التحاليل — من الذي أعلن؟ السؤال الذي يسأله هذا يعطينا معلومة إضافية — ليس هناك معلومة إضافية. انتهى، إذن يكون حلالًا هكذا.

التوثق من الأخبار خلق إسلامي وتحذير النبي من انتشار الكذب في آخر الزمان

ما هذا؟ لا يجوز هذا الكلام. أي لا يصح أن نفعل ذلك؛ لأن هذا التوثق من الأخلاق.

«كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»

توثّق، وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام أيضًا يحذرنا من العصر الذي نحن فيه وكثرة المعلومات مع عدم التوثق فيقول:

«ثم تفشو الكذب»

ثم ينتشر الكذب. ينتشر لدرجة أنه يصبح في مائة معلومة تسعة وتسعون منها كذب وواحدة صدق.

فماذا يجعلنا نتساهل أكثر أم نشدد أكثر في قضية القبول والتأكد؟ هذا يجعلنا نشدد أكثر وليس نتساهل أكثر.

العلاقة بين القيم والمفاهيم وهل البركة قيمة أم حالة ناتجة عن الخلق

هناك سؤال يقول: ما العلاقة بين القيم والمفاهيم؟ هذا يظهر مدحت الذي لم يكتب هذا الكلام هو. حسنًا، ما العلاقة بين القيم والمفاهيم؟ ومتى يكون المفهوم قيمة والعكس؟ مثال: هل البركة يمكن أن تُدرس كمفهوم في إطار النموذج المعرفي الإسلامي؟

إن القيم قد ضربنا عليها أمثلة: الرحمة من القيم، الكرم من القيم، الرضا من القيم، التوبة قيمة، الاستقامة قيمة، الحب قيمة.

لكن هذه البركة هي قيمة أم حالة؟ يعني يحكي لي أحد كبار السن فيقول لي: أنا مؤمن بالبركة وأؤمن كثيرًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أمر الغلام عمر بن أم سلمة:

«يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»

وقال: «طعام الاثنين يكفي الثلاثة» إلى آخره.

بركة، فيها بركة، قال لي.

تجربة عملية في البركة: رطلان من اللحم كانا يكفيان سبعة أشخاص يومين

ولكن هذه تجربة عشتها. أي أنني كنت أشتري رطلين من اللحم — الكيلو رطلين وربع، الكيلو رطلين وربع — الرطل هذا منذ زمن بعيد من هنا كان بالأوقية هذه.

فكنت أشتري الرطلين من اللحم، وكنا أنا وزوجتي وخمسة من أولادي، وكان يكفينا يومين، وكنا نقوم شباعى. رطلين على قليل من الملوخية نأكل جميعًا لحمًا اليوم وغدًا ونقوم شبعانين مسرورين نشعر أننا كنا لحمًا.

اليوم الأولاد تزوجوا وذهبوا إلى بيوتهم، وأنا والزوجة ونشتري كيلوغرامين وينتهيان في يوم ونحن شبعانون.

ما تفسير هذه الظاهرة إلا أن يكون هناك ما يسمى بالبركة، وأن البركة انسحبت.

البركة حالة ناتجة عن القناعة وليست خلقًا في ذاتها

فالبركة هنا هذه حالة من القناعة.

«القناعة كنز لا يفنى»

الذي يفنى: أنا معي مقدار معين من الأموال ومسرور وسعيد، والذي معه مليون ضعف لي الآن ويريد المزيد ولا يملأ.

«ولو أن لابن آدم واديًا من ذهب لطلب ثانيًا، فلو أُعطي لطلب ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب»

فذهبوا قائلين: بل ما هذا؟ القناعة كنز لا يفنى. يعني هذه عملية شعور داخلي بأنني لست راضيًا ومتبرمًا وقلقًا، وكل حين أقول: إما أن يكفيني هؤلاء أو ستفضحني أو ستسترني أو ما الحكاية؟ هذا ليس بقليل.

والآخر نائم وهو مطمئن وهو سعيد. هذه حالة، هذا ليس خلقًا. هذه حالة ناتجة عن الخلق.

بركة العلم في التلقي عن المشايخ بالسند المتصل وأثرها في التربية

يقولون إن للعلم بركة. فجربناها: عندما اتصل السند — جلسنا نتلقى العلم عن مشايخنا الذين جلسوا يتلقونه عن مشايخهم عن مشايخهم في سلسلة متصلة — وجدنا فيها بركة.

وعندما لم نجلس وقرأنا من الكتب وجدنا أنه ليس فيها بركة. الولد الذي لم يدرس على المشايخ مثل النبت الشيطاني — ينبت لنا كل ما هو غريب وعجيب، يأتينا بكل بلاء.

وبعد ذلك اكتشفنا أن العلم منظومة وليس معلومات، وأن المشايخ وهم يعطوننا العلم لم يعطونا معلومات مجردة، بل نحن رأيناه في حالة مواقف: كان يعامل خادم المسجد كيف؟ كان يعامل واحدًا داخلًا في الدرس يسأل بطريقة بدوية جافة كيف؟ متى كان يغضب ومتى كان يضبط نفسه ومتى كان يتحكم ومتى كان يسكت ومتى كان يتغافل؟

العلم ليس معلومات فحسب بل حياة ومواقف وتفاعل يُتلقى من المشايخ

هذا ليس هو العلم، هذا في إطار. هذا سألناهم الحقيقة هكذا، قالوا لنا: نعم، هذا نحن تعلمنا من مشايخنا كذا وكذا، وكلها ليست معلومات التي في الكتاب.

هذه مواقف، هذه طريقة أداء، هذه حياة، هذا تفاعل، هذه مجموعة بينية من العلاقات.

إذا أردنا أن نعمل الشيء الخاص بالأستاذ مدحت — حد المجموعة البينية من العلاقات المتشابكة في اتجاهين — أي في اتجاه واحد أم في اتجاهين؟ في اتجاهين مما يولد علاقات أخرى خفية لا يراها الرأي عندما يرى.

حسنًا، أنا أحب هذا الكلام، لكن مع ذلك هي حياة.

بركة العلم أنك تتعلم العلم وما يحيط به وكيف تعاش الحياة

لما إذا كان هذا العلم فيه بركة، فما بركته؟ أنني لم أتعلم العلم فحسب، بل تعلمت العلم وما يحيط به. لم أتعلم معلومات وحسب من عقلي، بل تعلمت كيف تُعاش الحياة.

ولذلك نجد أن كل من تعلم على المشايخ بهذه الطريقة متواضع، ويعلم كل من اتسع علمه أن ما لم يعلمه أكثر، فتجده متواضعًا مع الثقة بالنفس.

فهو قد عرف الآن كم يملك من مليون معلومة، ولكن معها عرف أنه لا يعرف مائتي مليار معلومة. فماذا حدث له؟

ولكن لو رجع إلى المليون — نعم، هذا يمكن أن يتكبر قائلًا: أنا أملك مليونًا معلومة. ولكن لأنه يعرف مساحة ما يجهل فتجده كذلك.

التوازن في التعامل يأتي بالتلقي عن المشايخ وهناك بركة موروثة

ولكن ليست هذه هي القضية، بل القضية تكمن في كيفية تعامله، في كيفية توازنه. هذه تأتي بالتلقي.

ولذلك قالوا إن هناك بركة موروثة مثلًا وهكذا. نعم، حسنًا.

انتشار فكرة النسبية المطلقة بين الشباب وقياس القيم عليها

يقول هنا: انتشرت حاليًا بين الشباب فكرة النسبية والنسبية المطلقة، ويقيسون القيم عليها حتى في الأساسيات في أخلاق المسلمين ومبادئ الشريعة أو حتى عادات وتقاليد المجتمع. حتى الرشوة أصبحت كذلك وكثير من الأمور الأخرى، وأصبح الموضوع موضوع تصور هكذا، حتى في أبسط البديهيات.

كيف نحل هذه المشكلة؟

أولًا: النسبية والنسبية المطلقة ليست جديدة. قضية المطلق والنسبي وارتباطها بالقيم وكيف نصل إلى مشترك إنساني حول قضية المطلق — فما هي الأسس التي تحكم وجود المطلق وكيف نصل إليه — قضية النسبية والنسبية المطلقة والمطلق قضية قديمة وقضية متطورة.

من أرسطو إلى هيجل: تطور فكرة المطلق والنسبي في الفلسفة الغربية

التي عندما ألف أرسطو القانون ألفه ولم يذكر فيه الله إلا في حوالي عشرين سطرًا هكذا. تكلم عما أسماه من يترجمون إلى العربية بـالقضاء، وقال: هذا شأن القضاء، هذا شأن يعني هذه مطلقة تمامًا لدرجة أنه لا مريد ولا غير مريد ولا عليم ولا غير عليم؛ لأنه لو قلت عليم يعني كأنه يمكن أن يكون غير عليم — سبحانه.

لا، ما نعرف ما في هذا الموضوع. ولكن هذا الذي قالوه كلمتان ورد غطاهما يسمونهم القضاء في الأورجانون العظيم هذا الذي تحدث فيه عن هذه الأمور جميعها.

وظل حتى جاء هيجل وقال: إن الله داخل الكون وليس خارجه. الله داخل الكون، إذن فهو نسبي؛ لأن الله إذا كان حالًّا فينا فهو يتغير بتغيرنا ونحن سائرون هكذا.

نيتشه وموت الإله: من هيجل إلى النسبية المطلقة التي تنفي الحقيقة

جاء نيتشه وأخذ هيجل وقال له: يا صديقي أجدع واحد، أنا مؤمن تمامًا بذلك أن الله داخل الكون. حسن هكذا، يبقى ما ليس هناك إله.

أعطي الذي ندخله: جاء به جديد. لماذا؟ ما ليس هناك إله مفارق، ما دام ما ليس هناك إله خارج الكون — صحيح يا هيجل؟ أنت رجل مؤمن وتقول أن ربنا موجود لكن موجود [داخل الكون] — إذن فهو غير موجود في الخارج. صحيح؟ قال له: صحيح.

طيب، ما دام أنه لم يقبل بعضهم البعض. طيب، إذا كان صحيحًا فإذن لا يوجد رب. صحيح؟ قال: لا، ما دام أنه لا يوجد رب في الخارج. أنت تقول هكذا وأنا مؤمن بهذا.

ذهبت إلى الغابة في هكذا تكلم زرادشت. يسمى الآن بـالنسبية المطلقة. والنسبية المطلقة هذه معناها: الكون كما تراه.

النسبية المطلقة تنفي وجود الحقيقة المطلقة وتناقض نفسها

فما الحقيقة إذن؟ قال له: ليست حقيقة. فالنسبية المطلقة تنفي الحقيقة المطلقة — تنفي وجودها، وليس تنفي تعذر الوصول إليها.

ملاك الحقيقة يسمونهم كذلك. ملاك الحقيقة هؤلاء يقولون عنهم إنهم متطرفون. أنا أقول: أنا مؤمن بأن معي الحقيقة بأن الله موجود. قال لي: لا تكن متطرفًا لأنك سترفض الآخر طوال الوقت.

فماذا أفعل؟ لم يقل شيئًا. أنت محق وهو محق وكل واحد يرى الكون كما يريد ويكون هو المحق.

هيجل الذي قال هذا الكلام أخبرنا بشيء وهو لم يقع فيه لكننا نحن الذين نقع فيه: أن النسبية المطلقة مطلق. النسبية المطلقة مطلق! إذن نحن لن نعرف من في المطلق؛ لأن الذي يؤمن بالنسبية المطلقة يؤمن إذن — ما لديه إيمان بأن الكون كما تراه — فما هو إذن مطلق هذا هو الآخر، لكن مطلق فاسد.

جدلية هيجل وماركس وكيف يكر مذهب النسبية المطلقة على نفسه بالبطلان

لكن إذن مطلق. ومن هنا يكر المذهب على نفسه بالبطلان.

وهذه فكرة هيجل في الرأي والرأي المضاد والرأي التوفيقي الأول. وبعد ذلك الديالكتيك التي هي هذه الحركة الجدلية التي يسمونها الجدلية: أن هناك جدلية ما بين رأي، وبعد ذلك منه هو نفسه منه يوجد فيه يخرج نقيضه، فيتوقف يجلس يفكر كيف يحل هذا التناقض فيخرج برأي آخر.

فطالما هو يخرج برأي آخر يخرج فيه أيضًا الشيء المناقض، فتخرج للرأي المقابل من هذين الاثنين — الرأي التوفيقي الثاني فالثالث فالرابع فالخامس وهكذا.

تطور البشر عند هيجل في جدلية التاريخ وعند ماركس في جدلية الاقتصاد.

المسلمون يؤمنون بالمطلق لأن الله حرم الأخلاق قبل أن نُخلق

فالقضية كلها هي: هل يوجد رب أم لا يوجد؟ فإذا كنا نحن مسلمين ونقول يوجد ربنا فيكون هناك مطلق.

يعني ماذا؟ يعني خارج الكون. يعني كان أن نكون. يعني أن الله سبحانه وتعالى حرم علينا الكذب قبل أن نُخلق — هذا الإطلاق.

لكن صاحبنا يقول ماذا؟ يقول: لا، ما تكسبه تلعبه. مبدأ ميكيافيلي: اكذب في الوقت الذي يكون فيه الكذب محققًا لمصلحتك، ولا تكذب ويكون الكذب حرامًا وخطأ وعدم شفافية وقلة أدب وخيانة عندما لا يكون ذلك لمصلحتك على المدى الطويل أو على المدى القصير.

أنا أقول:

«أيكذب المؤمن؟ قال: لا، الكذب حرام»

قال: لا تكن ساذجًا هكذا فاجعلها نسبية.

الأخلاق في الإسلام مطلقة لأنها من عند الله وموجودة قبل وجودنا

ونحن نقول: أبدًا، الأخلاق مطلقة. الأخلاق موجودة قبل أن نوجد، ولذلك فهي غير داخلة في الزمان ولا المكان ولا الأشخاص ولا الأحوال — الأربعة التي نحفظ فيها هذه.

ولذلك فهي مطلقة، ولأنها من عند الله فهي مطلقة، ولذلك ستبقى هذه الأشياء دائمًا.

إنك تقول لي: لا، هذا أنت تفعل مثل الوثنية الإغريقية، فهم كانوا أيضًا يسمون أسماء الله — لكن آلهتهم — ففيهم إله للعدل وفيهم إله للحب وفيهم إله للقتال وفيهم إله لا أدري لماذا وإله للسماء وإله للأرض.

فأنت كذلك أيضًا أنت في أسماء الله الحسنى وأنت تقول: يا خالق يا بارئ يا مصور — ما كل واحدة من هذه كانت آلهة عند الإغريق.

ابن حزم: إذا انقضى المشترك بينك وبين محاورك لا يصلح الكلام بعده

ابن حزم يقول: إذا وصل معك إلى هذا الحد انقضى المشترك الذي بينك وبينه، لا يصلح معه الكلام بعد ذلك.

لماذا؟ مشترك وأساس التفاهم البشري والاجتماع البشري: البحث عن المشترك.

هنا في السؤال يقول: فأين البحث عن المشترك؟ حب الله وحسن الجوار هو المشترك. فإذا لم نحب الله ولم نحسن الجوار فلا يوجد مشترك بيني وبينك لكي أناقشك أصلًا.

وعندما يتعذر النقاش ويُفقد المشترك فإن القنابل ستعمل. طوال التاريخ كان الأمر كذلك: إذا انتهى البحث عن المشترك يبقى على الفور الطيران والقنابل ستعمل.

المشترك الإنساني ضرورة للحوار ونصيحة للغربيين الفاهمين بالتعاون

نحن في عصرنا الحاضر أضفنا عنصرًا جديدًا في القنابل والمصلحة: أنه حتى لو كان هناك مشترك سأضربك. لكن هذه ليست إنسانية.

هذه يمكن أن نجدها عند الغربيين الفاهمين الواعين الذين نقول لهم: تعالوا معنا نحاور أنفسنا وهكذا. نعم، أنا هذا استجابة، ولكن ليس عند متخذ القرار وإنما عند جمهور الناس.

ونقول لهم: إن هناك مشتركًا إنسانيًا، تعالوا نحب الله ونحسن الأوضاع. فيمد يديه لأي — أغلب المتدينين في الأرض بأي دين يوافق على هذا الكلام.

ولكن المشكلة أن صاحب القرار أصبح يضربني حتى مع وجودي المشترك. لماذا؟ لأن هذه المصلحة قضية أخرى. فأنت تفتري على البعيد.

ولكن على كل حال، إذا لم يوجد مشترك فقدنا اللغة. حسنًا، لا توجد فائدة إذن. يجب أن نخلع النظارة.

تعريف الصوفية: تجربة روحانية مقيدة بالكتاب والسنة

نعم، ما الصوفية؟ ما هي الصوفية؟

الحق أن الجنيد يقول:

«إن طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة»

الصوفية تجربة إنسانية تقيدت بالكتاب والسنة. الصوفية حالة روحانية، ولكن مسلمًا يجلس يقرأ القرآن ويتأمل فيه ويستخرج من المعاني ما يعيش فيه من أجل التخلية والتحلية والتجلي وهكذا.

فالقضية كلها: الصوفية هذا مشرب موجود في الهندوسية وموجود في المسيحية وموجود في كل شيء، لكن خاصتنا تقيدت بالكتاب والسنة. أحدهم يقرأ الكتاب والسنة ويرى منها ما يطور به نفسه.

التبرك بأهل البيت ليس شركًا وأسئلة متفرقة خارج موضوع المحاضرة

هل التبرك بأهل البيت شرك؟ التبرك بأهل البيت — لا. ما معنى التبرك بأهل البيت؟ يعني واحد من أهل البيت فيقبل يده مثلًا. ليس شركًا، تقبيل اليد ليس شركًا.

العمل في بنوك غير إسلامية، هل الشخص غير المتعسر ماديًا يعمل؟ لا أعرف ما هذا. كل هذا خارج المحاضرة، حولنا إلى لجنة الفتاوى.

هل الأسئلة كلها مكتوبة أم يمكن فتح باب الأسئلة الشفهية؟ شفهية. هيا، أين الشفهية؟ حسنًا، تفضلي.

رقم واحد: قولي اسمك. رقم اثنان: قفي حتى نراك. رقم ثلاثة: اختصري في الكلام. ورقم أربعة: سنجيبك فورًا. ورقم خمسة: لا أحد يشكر فورًا.

كيف نعرف أن الإيمان دخل القلب وأهمية التربية في بناء الإيمان

إلى قيم، وإذا جلسنا معهم أحيانًا نجد أن كثيرًا من الهداية في المحاضرة أن الإيمان إذا دخل القلب لم يخرج منه أبدًا وأنه هو بالكفر جديد.

كيف نعرف أن الإيمان قد دخل القلب؟ خصوصًا أننا فيه لزم الإسلامية ووجدنا هناك ضلالة. أنا هناك انخفاض للإيمان في كثير من المواقع نتيجة نبأ التبشير والإيذاء والجهالة والتنمية في أمريكا الشمالية من الشباب الذين يتركون الإسلام ويأتون إلى الإلحاد والانحراف.

﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوٓا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14]

كيف نعرف أن هذا قد دخل الإيمان في قلبه؟ أنه لا يتردد، لا يتشكك، لا يخرج عن إسلامه. أما يرتد ويخرج عن إسلامه — الإيمان أصلًا لم يدخل. هو أسلم نعم، ولكن على الفور بالدلالات الخارجية هكذا نعرف أن الإيمان لم يدخل في قلبه فحسب.

إدخال الإيمان في القلوب يكون بالتربية وهي أساس بناء الإنسان

ولكن أنت ربما لا تصدقين بالسؤال هكذا. أنت تريدين أن تقولي: كيف ندخل الإيمان قلبه؟ بالتربية.

كل مؤتمراتنا في الثلاثين سنة التي مضت في والاجتماع والدين والسياسة كله رجعنا إلى التربية. إذا لم نحسن التربية فقدنا الناس، وإذا أحسنا التربية بنينا الإنسان وهكذا.

فالتربية هي الأساس في كل هذا. والتربية هذه هي التي فعلًا بحر ومناهج وطرق وما إلى ذلك. ويمكن أن نستفيد من تجارب الأمم ويمكن أن نستفيد من تجارب الماضي.

لكن في الحقيقة لدينا أزمة كبيرة في تربية الإنسان. لم نفقد التربية تمامًا ولكننا فقدنا التربية بصورة واسعة. ولذلك يجب علينا أن نعود مرة أخرى إلى الاهتمام البالغ بالتربية.

قيم الدعوة إلى الله: لا تهدي من أحببت والتفريق بين النصيحة والفضيحة

تفضلي من جانبك. أذهبتني هنا محفوظ عمي. سؤالي عن الموارد الرياضية والهندسية والدولة وإزالة التمييز بين الميزان حيث ما نكون الشيء ما الذي بيد شخص والحدوث في الشخص الذي الدنيا...

هو قبل أن لكي نذهب لنعمل دعوة يجب علينا أن نعرف مجموعة من القيم:

أول هذه القيم: أنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

ثاني هذه القيم: أنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

ثالث هذه القيم: أن الإنسان ينبغي أن يفرق بين النصيحة والفضيحة. والنصيحة هذه لها شروط والفضيحة لها شروط.

الداعية ليس مسؤولًا عن الهداية بل عن البلاغ فقط ولو بآية واحدة

أشعر في كلامك بأمر منتشر بين الدعاة أنه مسؤول عن هدايته، وهذا لا يحدث. هذا قال له كذلك بالصراحة:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56]

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]

أشعر بسيطرة الكم في الكلام بدءًا ومقياسًا ومعيارًا، وهذا كذلك قال له:

«بلغوا عني ولو آية»

تخيلي أنك تقولين ما مرة واحدة في عمرك فقط — هو هذا التبليغ. أنت لست مسؤولة عن الهداية، ولست مسؤولة عن كم الهداية، ولست مسؤولة عن هذا الأمر إطلاقًا.

ولذلك ستلتفتين إلى نفسك، ستعيشين مع ربك، ستبلغين بسهولة.

أثر الكلمة قد يظهر بعد سنوات والأنبياء يأتون يوم القيامة وليس معهم أحد

وانتبهي إذن: إن الذي بلغته اليوم سيهتدي بسببك وبسبب كلامك، ولكن بعد عشر سنوات. كلمة ترن في أذنه بعد عشر سنوات وهو لا يعرف من أنت ولا يتذكر شكلك بالضبط، وتجده محسوبًا لك في يوم القيامة.

يوم القيامة هذا أمر لطيف جدًا أنه ليست نهايته هنا. فلو كانت نهايته هنا لانتهى الأمر فورًا ولكان السؤال: ماذا فعلت؟ ها هو يعطيني عشر سنوات أم واحد اهتدى.

من الذي أخبرك؟ أنت لا شأن لك. أنت لا شأن لك.

ويأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد.

الأنبياء المرسلون الموحى إليهم يأتون يوم القيامة وليس معهم أحد. نحن ما شأننا؟ نحن اهتدى أم لم يهتد. نحن بالأسوة الحسنة، بالرفق الشديد هكذا، وماذا لو كان بالمناقشة، بالجوار ونحن على ما نحن عليه.

سؤال حول التوفيق بين اسم الله الآخر وخلود الإنسان في الآخرة

نعم، كان هناك أحد. تفضل. سؤال حول كيفية التوفيق بين اسم الله الآخر وبين خلود الآخرة من حيث نصب ما يعمل.

هناك تعارض. هذا التوفيق عندما يحدث فيه تعارض. فما هو التعارض الذي بين اسمه الآخر وبين الآخرة في الخلود؟

الإنسان خالد في الآخرة — نعم، الإنسان خالد في الآخرة. والله سبحانه وتعالى خارج عن الزمان. فما التعارض الذي في ذهنك لكي نحله؟

سؤال: كيف نخلق؟ بسم الله. الآخرة — لا. هذا هو إشكال فلسفي فيما إذا خلد الإنسان في علاقته مع الرحمن. يعني هذا إنسان خالد والله سبحانه وتعالى لا يموت، فكيف هو الآخر بالرغم من أن الإنسان يعيش دائمًا؟ فيبقى الله ليس الآخر إذن.

معنى الأول والآخر: الله سرمدي خارج الزمان والدائرة تفسر ذلك

فيبقى الله معه وليس الآخر. أي أنه يفهم الآخر بأنه سيبقى الباقي وقد فني كل شيء. فإذا فني كل شيء ففي ذلك [يكون هو الآخر]، ولكن في الآخرة التي فيها خلود فأين الله الآخر؟

أي كان حقًا ما يشارك في الآخرة — اشترك معها الإنسان في الخلود. أتريد أن تقول ذلك؟ إذا كان يريد أن يقول ذلك فليقل، وإذا كان لا يريد أن يقول ذلك...

أي هو يظن أن الآخرة معناها أن الله سبحانه وتعالى آخر الإنسان — لا.

الأول الآخر هذه تعطينا — انظر: ضرب الله لنا أمثلة في الكون نفهم بها الحقائق. من ضمن ما ضرب لنا المثال وخلق الدائرة: أين أولها وأين آخرها؟ لا تعرف. أي موضع تضع يدك عليه على المحيط هو أول الدائرة وآخرها وفي الوقت نفسه بل والنقطة نفسها.

الدائرة تدل على أبدية السير والله سرمدي خارج الزمان والمكان

فالله طيب. والدائرة هذه تعطينا ماذا؟ تعطينا شيئًا غريبًا جدًا: أبدية السير.

أبدية السير يعني لو سرنا في خط مستقيم له بداية ونهاية انتهى — بدأنا من هنا ونصل إلى هنا. طيب، سرنا في دائرة لن ننتهي منها، سنظل سائرين دائمًا.

فالأول الآخر معناه السرمدي، وهو سرمدي سبحانه وتعالى لأنه الذي خلق الزمان، فهو خارج الزمان هكذا، وهو سبحانه وتعالى خارجه.

فلا بداية له — وإلا كان ليصبح داخل الزمان لأن البداية من صفات الزمان — ولا نهاية له لأنه خارج الزمان. وليس له عمر ولا سن ولا له ما للعمر والسن وبداية ونهاية — كل هذه من صفات الزمن الذي هو خارجه.

وليس له حد ولا طول ولا عرض ولا له — لأن هذه من صفات المكان الذي هو خارجه. هو ليس في الزمان ولا في المكان، هذا هو خارج الأكوان.

الخلود في الآخرة لا يتعارض مع كون الله الآخر لأنه خارج الزمان

فإذا عندما تتخيل خروجك من الدنيا ولكن أنت في الجنة — لا، أنت في مكان مخلوق ويمر عليك زمان، ولكن هذا الزمان لا اعتبار له مع خليتك — الخلية لن تكبر، ستظل كما أنت على الدوام، شعرك لن يشيب مثلًا ولن يطول مثلًا.

ففي خلود لأنك أنت — الخلود هذا معناه عدم التغيير. إنما زمان، والله خارج هذا الزمان.

فالله سبحانه وتعالى الأول الآخر معناه يدل لك على الدائرة لكي يفهمك أن هذه الدائرة فيها أسرار غريبة عجيبة.

ألا تعرف أن هذه الدائرة أذهلت فيثاغورس فقال: إن الرياضيات توصل إلى الإيمان بالله. لماذا؟ كلما يصل في عقله من الداخل إلى حقيقة يراها مطبقة في الخارج المحسوس، قال: الله — ما الذي طبق ما في الأذهان على ما في الأعيان؟ رب الأكوان.

فيثاغورس والرياضيات كدليل على وجود الله: ما في الأذهان مطابق لما في الأعيان

ففكروا أن في فيثاغورس عبد الرياضيات من كثرة كلامه على أن الرياضيات هي دليل وجود الله. ما الذي يجعل ما توصلت إليه في عقلي من أن اثنين في باي نق هو المحيط — وبعد أسهل — فلا هذا فيها اثنان.

طالما فبقي أتجنب الله كيف يعني؟ وطالما تربيع بقي المساحة فقال: كيف نتوصل لحقائق في ذهني بعدين ألقاها خارجًا؟

هذا يعني في أحد غيري وغير خارجي هو الذي عملها. لازم كذلك؛ لأن أنا لست أنا الذي عملتها — لو كنت أنا الذي عملتها كنت قلت أنا فعلتها — لكن أنا لم أفعلها ولكنها موجودة في عقلي وعقلي هو الذي أتى بها.

وبعد ذلك وجدت التي في الخارج وأنا لم أفعلها هي التي في الداخل. فكيف يكون هذا؟ لا بد من وجود إله خارج هذا الكون خلق هذا وذاك.

انتبه، فهو الأول والآخر.

سؤال عن أسماء الله الحسنى في القرآن والسنة والرد على من يشكك في الموروث

تأتي لنا بسؤال أصعب كريم وتقول لي سؤال بسيط. فهيا، أنت تريد أن تقول لي شيئًا فقل ولا يهمك. قل هكذا مثل الخطباء يوم الجمعة.

مولانا، كنت أريد أن أسأل سؤالًا. باسم الله. حسنة. حضرتك ذكرت في القرآن مائة وعشرة أحاديث — هو أنا الذي قلت ذلك — وفي الحديث مائة وعشرة أحاديث صحيحة بحض بداية الحديث المسلم الولد بن مسلم.

الحديث الذي يقول سبحانه بأن يعني يوجد الأمر الذي يقول إن هذا الحديث كان اجتهاد مني. وأجد الآن بعض الأحيان غير الأسماء أو بعضها من ضمن الأسماء المشهورة على السمك أيضًا.

وسؤالي قد يكون سؤالًا وإنما استفسار من ناحية. ما نقول إن السؤال هو الاستفسار.

شروط الاشتقاق الثلاثة والمستويات الأربعة لأسماء الله والرد على المشككين

أولًا يا هذا أسأل بالواسطة. نحن نجمع. حضرتك قلت شروطًا ثلاثة منطبقة على الاثنين والثلاثة — إننا إلا توهمنا نقص — هذا في الاشتقاق. نعم.

آه، ما نحن سنقول إلى أربعة مستويات. حضرتك سكرتها عليه على الجمع بين ما قاله هذا الرجل حديثًا وما نردده ووعدناه قديمًا من الأسماء المشهورة على الأيام.

لأن هو أنزل مظلومًا الآن. تقول: الله ربنا والإله له من الأسماء الحسنى الواحد الحي ذو الملك والملك المليك ذو الشرف إلا أن تدري إلى أن أتى بالفعل الله العظيم.

عارف، أنا كل شيء من أوله لآخره. ما أنتم ستلقنونني. انتظر فقط حتى أرى ما السؤال. ولدي المجلدات الخمسة ولدي الطبعة الأولى والطبعة الثانية ولدي يعني لا أعرف ما هو السؤال.

الرد على من يشكك في أسماء الله المشهورة ويدعي اكتشاف التسعة والتسعين

إذن تجمعين بين ماذا يا ابنتي؟ هذا كلام مختلط. هذا كلام مختلط.

هذا شخص لم يجد شيئًا فذهب يدخل أسماء الله الحسنى في القرآن وهو لا يريد أن يجعلها حسنى. فماذا سأفعل له؟ وأنكر السنة وخلط وزاد ونقص وملك ولا أعرف ماذا أفعل.

هذا كلام مختلط لأنه لم يستعمل أدوات العلماء الراسخين في العلم فذهب وكذلك.

المصيبة الثانية أنه يشكك في الموروث الذي نحن نقول عليه البركة. هذا الأمة تسير على هذا منذ أربعة عشر قرنًا، وبعد ذلك هو يريد لنفسه أن يصنع شيئًا جديدًا.

يقول مصطفى الرافعي: وأهل التجديد يريدون أن يجددوا الشمس والقمر. يريدون الشمس فقط أن تطلع بطريقة أخرى والقمر كذلك. أي شمس التي ستجدد؟ لماذا نبذل جهدًا في ذلك؟

هل يوجد شيء اسمه القيم الإسلامية أم أن الأخلاق مشتركة بين الأديان

قولي. أنا اسمي مي عشري. أردت أن أسأل عن حضرتك قولت إن نحن في الإسلام القيم أصلها الرحمة. أنا فقط أريد أسأل: هل يوجد شيء في الإسلام تسمى القيم الإسلامية؟

في شيء يسمى الأخلاق الإسلامية. الأخلاق. هل أتى الإسلام بأخلاق جديدة أم أن هذه الأخلاق كانت موجودة طوال الوقت ونزلت مع آدم، ولكنها تجلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان خلقًا يمشي على الأرض وكان خلقه القرآن؟

لماذا أخلاق إسلامية؟ للوصف. يعني مثلًا عندما نقول كشري عابدين — لماذا كشري عابدين؟ لأنه موجود في مكان عابدين. فما حسنًا، هو كشري سحس. لماذا يسمى كشري عابدين؟ كشري سحس هو مثل كشري عابدين، لكن كشري عابدين سميناه عابدين لأن هذا المكان مهم.

كل ما قاله هذا الشخص موجود في القرآن ولم يأت بجديد واختيار أبي هريرة أولى

هذه النقطة الأولى. النقطة الثانية: الكلام الذي يقوله هذا كله لم يخرج عن القرآن والسنة. ولكن هي الدعوة الذي يدعي أنه قد توصل إلى التسعة والتسعين فيريد أن يلغي ما حفظه الناس ويريد أن يأتي بغيرها من عنده من القرآن — اختيارات يعني.

والله إن لدي أنه إذا كان أبو هريرة هو الذي اختارها فاختيار أبي هريرة أولى. وبسبب بسيط أنه رأى رسول الله ودعا له.

أو اشتقاق أولًا، وفي البعد بأنه يعني قد يكون، ومع أن هناك نقصًا غير أنه يكتفي باسمه قائلًا إنها خفية لا يعلمها أحد. فإذا جمعنا كل هذا أليس نحن متأكدين هنا؟

ولكن هي هذا تحصيل حاصل. الكأس لا تبقى مملوءة ونأتي نملؤها تنسكب.

الأخلاق إسلامية لأن الإسلام يقول بها وليس لأنها حصرية عليه

لماذا؟ إسلامي لأن الإسلام يقول بها. حسنًا، هل غيره لا يقول بها؟ هل قال أحد ذلك؟ مفهوم اللقب في الأصول غير معتبر به.

فليقولوا لنا هكذا. مفهوم اللقب غير معتبر به. عندما نأتي لنقول: محمد رسول الله، فيصبح عيسى ليس رسول الله؟ قال: لا، يصلح هذا الكلام.

فعندما نقول هذا كشري عابدين فيصبح كشري سحس ليس كشري؟ لا، كشري. فما الفرق بينه وبين كشري عابدين؟ ولا شيء. إذن لماذا سميتموه عابدين؟ لأن محله في عابدين.

فهذه أخلاق إسلامية لأن الإسلام دعا إليها. يعني المسيحية دعت إلى ضدها؟ لا، المسيحية دعت إلى نفس الشيء هذا. ربما الترتيب، ربما الأهمية، ربما مقدار كم الاهتمام — هذا قضية أخرى. لكنها هي.

والنبي عليه الصلاة والسلام:

«إنما بُعثت لأتمم [مكارم الأخلاق]»

وهذا الكلام قلناه. نعم.

نقد من يشكك في الموروث ويدعي اكتشاف أسماء الله دون منهج علمي

الكلام الذي قاله هذا — كل هذه الألفاظ موجودة في القرآن — فليس محتاجًا إلى إله. وسيدنا أبو هريرة أولى بالحصر منه.

وعندما يأتي هو ويحصرها تصبح مسألة شخصية ما كان ينبغي عليه أن يذكرها للناس. الله فتح عليه هكذا ورأى حلمًا تسعة وتسعين اسمًا من المائة واثنين وخمسين اسمًا — امضِ لحال سبيلك.

ولكن هكذا تجلس في الإذاعات وغيرها وتجلس وأنا اكتشفت التسعة والتسعين اسمًا وكل هذا ضلال الذي كنتم فيه — والله لا يجوز هكذا. يكون هو الذي فيه ضلال.

هذا لم يترك إذاعة ولا تلفزيونًا إلا وأدخلنا فيه. أنا أيضًا وأنا عرضت هذا على فضيلة المفتي وفضيلة المفتي وأنا — أنت ما شأنك أنت وما شأن المفتي؟

ما فعله السلف لا يحتاج إلى إعادة اختراع والتشكيك في الموروث مرفوض

لأنه زارني وأعطاني كتابًا هدية — يا ليتني لم آخذه — ليس لها طعم ولا لون ولا رائحة ولا شيء. وليس هذا ما فعله السلف، فلن نعيد هذا العبث.

وشيء يجب أن يصل إليه أولًا: كل ما قاله هذا موجود في القرآن. لكنه يريد أن يشكك.

الذي ننتقده الآن عليه أنه يشكك في الموروث ويشكك فيما استقر عند الناس، ثم إنه لم يأت بجديد. هذا تحصيل حاصل. الكوب ممتلئ والأيام تأتي بماذا وهكذا.

ما هذا كله؟ حسنًا.

أركان العملية التعليمية خمسة ولا بد من وجود الأستاذ للتعلم

جميعكم قفوا هكذا. واحد اثنان، قف أنت حتى بقيت يدك في فمك لماذا. قف.

حسنًا، أسأل هكذا السؤال. حسنًا، كان المريض المصطلحي من جميع حينها طريقة المصطلح قضيته يموت لله مع والله فرحة طيبة كانت، وبإذن الله وفضله وجواره.

آه، عندما نتحدث عن الإنسان الغربي فإنه إن شاء الله يكون سريعًا في التجفيف على الفور.

أول شيء أنه يعني عندما يصيبك ضربتان تتوقف على الفور. أول شيء هو الماء.

هذا البعض يعني، ولكن وبهذا الكون يجزم بالحكمة.

وهذا الذي موجود في الكتب الصغيرة الموجودة في السوق. اذهب واشتر لك كتابين أو ثلاثة منها: الله يتجلى في عصر العلم، يدعو إلى الإيمان، حقيقة الوجود الحق — موجودة في المكاتب.

أركان العملية التعليمية خمسة: الطالب، الأستاذ، والمنهج، والكتاب، والجو العلمي. فنان أنت إذن باشا يا صديقنا هكذا. التعليمية خمسة أركان، فيجب وجود الأستاذ. نعم.

المشكلة الحقيقية ليست في وجود الله بل في إنكار الوحي والرسالة

حسنًا، هذا السبب غير الرياضي بدلًا من أن يدفعه إلى الإيمان دفعه إلى الكفر، ودفع غيره إلى الإيمان.

أنت لو قرأت كلام هوكينغ ستتعجب وتقول: اللهم، أي يعني يوجد ربنا إذن. هذا يقول لك: أنا الله — وهو لأنه مسكين لديه عقد نفسية — قال: لا.

حتى الآن كثير جدًا ممن قرأ هوكينغ يقولون إنه سيسلم. يقولون هكذا سيؤمن. لكن القضية ليست كذلك.

أغلب الناس — الستة مليارات الذين على وجه الأرض — يقولون إن ربنا موجود. هم مختلفون في النقطة الثانية وهي صفات الله: هو السبب الذي خلق هذا الكون، حكيم، محيي، مميت، سميع، بصير، عليم، مريد، أرسل الرسل — هذا رقم اثنين: الصفات.

خمسة مليارات ونصف مؤمنون أيضًا بهذه الصفات.

إنكار الوحي لا يُقنع بمعادلات رياضية بل بالأدب والسعادة الإيمانية

رقم ثلاثة: الوحي. فهل هكذا جل جلاله الله أوحى إلينا بشيء أم تركنا بعقولنا هكذا؟ أصبحنا أربعة مليارات فقط، ومليارين يقولان: تركنا بعقولنا.

أنا لست أناقشك في وجود الله — وجود الله هذا انتهينا منه وتركناه وتجاوزنا الإلحاد الأسود الذي كان عند هكسلي أو كان عند لا أعرف من ديفيد من — هذا انتهى من زمان. لا أحد الآن ملحد — الإلحاد الأسود هكذا — الإلحاد الأسود هذا انتهى لدرجة أنه جُرّم في كثير من القوانين الغربية.

لكن المصيبة ليست في الوجود ولا في الصفات. المصيبة في الوحي: أنهم ينكرون الوحي. وهنا أنت لن تستطيع أن تقنعه بمعادلات رياضية أبدًا.

هذا له كلام كثير أدبي. ولذلك تقول له: إن هناك وحيًا والله لم يتركنا وأنا سعيد. أنا في منتهى السعادة. وتأخذ نفسك وتمضي.

دعاء تحسين الخلق والفتح الإلهي قد يأتي في لحظة واحدة

ما هذا؟ يقول:

«يا رب أحسن خُلقي كما أحسنت خَلقي»

وكان هذا من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يمكن أن هذا الأمر في لحظة. وسبحان الله، عبد القادر الجيلاني يقول: يظل الولي ثلاثين سنة لا يُفتح عليه، ويُفتح على أحدكم في لحظة.

أنت منتبه؟ إذن يعني هذا ماذا؟ يعني إنها مشيئة ربنا. إذن فأخلصي النية:

«إنما الأعمال بالنيات»

وادعي: يا رب كما أحسنت خَلقي فأحسن خُلقي. وقوليها هكذا من قلبك، ويمكن أن تصبحي في اليوم التالي تجدين نفسك حسنة الأخلاق.

ابدأ بنفسك ولا تشغل نفسك بالمجتمع والله يلقي القبول على من يحب

إن المسألة أيضًا تتعلق بالمجتمع، يعني أنا فرد من المجتمع وأعتقد في الفكرة أن أضحي بنفسي من أجل الأسرة.

ابدأ بنفسك ثم بمن تعول. هيا نبدأ بأنفسنا. ادعي لنفسك ولا تشغلي نفسك لا بالمجتمع ولا بالناس. اجعليها فردية: كن حيث أقامك الله.

فربنا سيقيمك في أمر عندما يحسن — افترض أن الله أذن بأن يحسن خلقك — فسيلقي عليك القبول بأمر عجيب.

فإن الله إذا أحب عبدًا نادى في الملأ الأعلى: «يا جبريل إني أحب فلانًا»، فينزل جبريل بها إلى الملأ الأعلى قائلًا: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، وتنزل تتسلسل هكذا إلى أن يلقي الله المحبة له في الأرض.

فيصبح ليس عائلتك فقط، بل هذا كل من يراك يحبك وكل — فمنكم من إذا رأيتموه ذكرتم الله. انظروا هكذا وادعوا الله. ما الذي يحدث؟ هذا انتهى، يحدث هكذا.

سؤال عن أصل الأخلاق الرحمة وكيفية الموازنة بين الرحمة والحقوق

فإذا كنت تريدين أن تصلي إلى هذا وغدًا في الصباح بالليل. حسنًا.

اسمحوا لي يا مولانا. حضرتكم ممتلئة. أول سؤال: حضرتك قولت أن أصل الأخلاق هو الرحمة.

كيف يوازن الإنسان بين القوة في قول الحق يعني مثلًا عندك مثلًا مشكلة في قدمي الرحمة لكن حضرتك ماذا لو قدمت الرحمة في حقوق ستضيع؟

طيب، قدمي الرحمة. آه، ما أنا عارف الحكاية كلها. آه، قدمي الرحمة. قدمي الرحمة.

قال [النبي ﷺ]، وحينئذ وهو يحكي في حكايات كذلك لسيدنا رسول الله لكي يدلنا ويرشدنا ويهدينا فقال: تترك حقك وتعطي الناس حقوقهم وتترك حقك وتسأل الله السلامة.

الحقوق ستضيع؟ اجعلي الرحمة فقط هي كذلك.

تقديم الرحمة لا يعني ضياع الحقوق بل الحكمة في التعامل والتربية بالرحمة

إذن فقط اصبر على التربية المفروضة. لا، نحن لا نشجع ولا شيء. هذا نحن نعلمك أن تكون حكيمًا وأنا حكيم وأنا حكيم وإلى آخره.

ويمكن أن أجعله أن هذا ابني جزء مني — أجعله أن ابني جعلني هذا أن ابني — وانظر الفرق. كل الذي أنت ما هذا ستجدينه تمامًا ولكن بالرحمة، بتجلي الرحمة.

وانتبهي كيف. فلا تخافي على المجتمع والناس — هذا كله أوهام وضياع للحقوق وانهيار للدنيا. دعي هذا كله أوهام.

نهايتها أنني عندما خُلقت بالرحمة ربي يرحمني:

«ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

الإصلاح يكون بالتدريج والحكمة وليس بالاستعجال

تفضلي. أقول لك: ما هو الإصلاح الآن؟ تسعة ونص.

التدريج. نعم، حسنًا. إذن الحقيقة واحدة بأنه سكر ديماسة بالتدريج.

بالأستاذ يجب أن يقال لك شيخ أستاذ واحدة عشرة دولارات. لا أعتقد إلا بعد عشرين ثلاثين أربعين سنة خمسين.

يجب أستاذ. أركان العملية التعليمية خمسة: الطالب، الأستاذ، والمنهج، والكتاب، والجو العلمي. فنان أنت إذن باشا يا صديقنا هكذا. التعليمية خمسة أركان، فيجب وجود الأستاذ. نعم.

وجود الله ثابت والمشكلة في إنكار الوحي وليس في إنكار الوجود أو الصفات

كلها تقول ما هذه الكتب تتحدث عن السبعين قصة الإيمان لنديم الجسر — كلها تجيب على سؤالك هذا بمنتهى البساطة.

أمعقول أن أجد أمامي كتابًا في المعلقات السبع ويكون قد حدثت هزة أرضية فسقطت الحروف في المطبعة وجعلتها تصبح هكذا ثم اشتغلت المطبعة وحدها؟ ثم لا يوجد إمكان لهذا. اسمها القصور الذاتي، ونظرية القصور الذاتي هذه أبسط دليل على وجود الله.

ولكن القضية ليست وجود الله. أنت ستجد أغلب هؤلاء الناس مؤمنين بوجود الله، ولكنه سبب غير رياضي.

وهم عندما قالوا إنه في الانفجار الكبير قلنا لهم: من الذي عمل الانفجار الكبير؟ قالوا: لا، هذا سبب غير رياضي. عندما هوكينغ حين تكلم عن الثقوب السوداء لسبب غير رياضي ظل واقفًا على أنه سبب غير رياضي.

الأخلاق في الإسلام لا تنفصل عن العبادات والإيمان والإحسان

تفضل. موضوع الأخلاق موضوع تهتم به جميع الناس بالدعوة وبالبناء أيضًا. الدعوة الغربية الحديثة أصبح لديهم موضوع الأخلاق وخصوصًا الدعوة الاجتماعية راغبون في بناء جسور، وأننا يجب أن يدرسونا الأخلاق ويجب أن يكون له معنى آخر.

وحتى في النماذج الأخرى أصبحوا يقدمون الأخلاق وبالبناء أيضًا هذا. الأخلاق ليست مجرد — الآن نحن كمسلمين أرى من وجهة نظري أن الأخلاق هي حقيقة أصل من الأصول، ولكنه لا يعني أن الإسلام لا يتجزأ عن العبادات.

مثلما ضربت حضرتك مثال المياه هيدروجين وأكسجين — أنا لا أستطيع أن أعمل الأخلاق بعيدًا عن مفهومي في فكري أنني هكذا أعمل بالعلم؛ لأنك لو فصلت الأخلاق عن العبادات فأكون جعلت الأخلاق هكذا نسبية.

من الذي قال لك إننا سنفصل؟ هذا هو الاتجاه الموجود الذي نحن عليه. وما شأننا بالاتجاه الذي في الخارج؟

الإسلام دين متكامل يربط بين الإسلام والإيمان والإحسان ولا فصل فيه

أنا أقول لك هكذا: لماذا ألبس العمامة إذن؟ ما أنا لابس العمامة لكي أقول لك إن الذي نقوله هذا إسلامي.

فأنت الآن كلمة إسلامي تعني أنني أصلي وأصوم وما إلى ذلك، وتحدثنا عن الإسلام وعن الإيمان وربطت لك ذلك بالإحسان وكل ذلك. فليس هناك شيء — الفصل الذي تتصوره غير موجود عندنا.

نحن دين، وهذا الدين نقول: منظومة القيم في هذا الدين. فذهبنا مركزين عليها ومبينين كذلك هي أين منها. فلنبق في مرتبة الإيمان ثم الإسلام ثم الإحسان. فلا تخف.

الفرق بين الأخلاق والسلوكيات ومفهوم الجنتلمان والآداب

طيب، ما الذي يحدث؟ هؤلاء في المدارس الخاصة الآن أو الذي في المدارس فيه ما هم أيضًا أولادنا ما ومقصوده في فرق بين الأخلاق وبين السلوك.

الجنتلمان — مفهوم الجنتلمان مثلًا — يختلف. الأخلاق هذه لا بد أن ترتبط بالعقيدة. أولها:

«إنما الأعمال بالنيات» كما فعل البخاري [في صحيحه]

وآخرها:

«كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»

إنما الرجل المهذب هذا — الكم هذا، الكم هذا يعني ماذا؟ الزر هذا الذي يسمونه الكبك — كبك هذا بالفارسية، الكم هذه بالفرنسية — لازم يكون مستديرًا إذا كانت الساعة مستديرة، ويجب أن يتناسب مع لون البدلة التي ترتديها أو القماش الذي ترتديه لتكون بذلك رجلًا أنيقًا. وما شأني أنا بهذا الكلام.

السلوكيات والتهذيب ليست هي الأخلاق بل هي آداب تختلف باختلاف البيئات

وفص الخاتم يجب أن يتناسق مع الساعة وتكون بذلك رجلًا أنيقًا، خاصة إذا كان هذا من دانهيل وهذا من دانهيل مثلها والقلم الذي أيضًا دانهيل — يا لتكون رجلًا مهذبًا تمامًا.

هذا هو السلوك. هذا الذي يعلمونه الآن في المدارس. يتعلمون في المدارس التهذيب: أي كيف تأكل بالشوكة — الشوكة على اليمين أم على الشمال — الملعقة يشربون بها الحساء أم يأكلون بها الأرز.

فإذا أكلت بها الأرز فلن تكون رجلًا مهذبًا لأنها مصنوعة للحساء. وإذا وضعت الشوكة على يدك اليمين فإنك لا تكون من النبلاء بل تكون فلاحًا وهكذا.

أعمال لا نهاية لها، ولكن هذه ليست الأخلاق، بل هذه تسمى السلوكيات.

الفرق بين السلوكيات والآداب وبين منظومة القيم والأخلاق المتعلقة بالقلب

والرجل المهذب الذي وصلنا به إلى مراحل تاريخية يسمى الداندي. والداندي هؤلاء كانوا المتأنقين، والمتأنقون هذه فئة كانت كما أقول لك هكذا يفعلون هكذا — هذا مع هذا يعطي هذا — متزلقون هؤلاء. هو هذا الذي جاء منهم فكرة الجنتلمان.

هذه سلوكيات يمكن أن تجدها عندنا بعنوان آخر وهو الآداب. وانتبه، الآداب هذه يتحدث عنها محمد الغزالي: أنك عندما يُقدم لك طبق بلح لا تأخذ بلحتين — فليبق واحد — خذ بلحة وكل، اقرأها وافتحها لعل تكون النوايا تضر أضراسك، وأزل منها النوايا وكل الجزء الآخر.

هذا سلوك، هذا أدب، هذا لباقة ولياقة. ويؤلفون فيها كتبًا اسمها الأدب وليس اسمها الأخلاق.

ولكن الأخلاق هذه أمور في القلب كما ذكرنا الآن، وأمور متعلقة بذكر الله وأمور متعلقة بالذكر والفكر وأمور كذلك. منظومة القيم ليست منظومة السلوكيات المؤدبة.

السلوكيات تختلف باختلاف البيئات وفتح السيارة للمرأة ليس من الأخلاق

أن تبقى لا ترفع صوتك، لا تنظر في رسالة أخيك وهو يقرأ، لا تتدخل عارفًا وهكذا. وتختلف حتى باختلاف البيئات.

امرأة وهي داخلة تأتي: اخلع القبعة. لم تخلع القبعة تكون ماذا؟ لا أدب. لأنك غير مهذب. وعندما تأتي المرأة لتركب السيارة تذهب لتفتح لها السيارة — هي مسكينة مقيدة بالكعب العالي وبالشيء الذي يرتدونه هذا فتتعثر هكذا.

فإذا لم تفتح السيارة فأنت قليل الأدب. هذه قضية أخرى تمامًا غير المنظومة التي نتحدث عنها اليوم وهي منظومة القيم.

طبعًا حكاية فتح السيارة هذه تجلب مشاكل. نعم، لأن الجميع الآن يقول لك: هذا الرجل الشرقي رجل زائف لأنه لا يفتح السيارة — هي التي تفتح السيارة والولد على كتفها وتقود أيضًا وهكذا.

فهذه قضية أخرى. هذه ليست الأخلاق التي نتحدث عنها. الرحمة تجعلنا نفتح لها السيارة رحمة بها، لكن هناك لا — هناك صور كهذه. هذا سلوك ليس بسلوك ليس خلقًا.

خاتمة المحاضرة والدعاء وأهمية الصبر على الأذى كما صبر الأنبياء

شكرًا. حسنًا، نشكركم على هذه الجلسة التي استمتعنا بها. وهؤلاء هل أجبنا عليهم أم لا؟ لم نجب؟

حسنًا. أما وزن العلاقة فقد عرفناها. ما حكم العمل في شركات التأمين — هذه فتوى. كيفية التوفيق بيننا اسم الله الآخر — انتهى.

ألا يمكن التصدي لوسائل الإعلام بما يكفي تنشر بكبار الرموز؟ لا، ليس ممكنًا. حسنًا، شكرًا.

هل يمكن إيقاف الإعلام عما هو فيه من غيه؟ ذلك لا، ليس ممكنًا.

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: 18]

وكما أُوذي الأنبياء يُؤذى الناس كذلك، وبعد ذلك يُختبرون ويصبرون. والله سبحانه وتعالى من وراء القصد.

سؤال عن الموازنة بين الرحمة والقوة في قول الحق وتقديم الرحمة دائمًا

أنا كنت قد قابلت بعضًا من الرياض ولم أسمعك جيدًا وهكذا. أنا كنت قد استلمت أو كنت قد سميت حلقة عن الذي يحدث الآن أننا في فيلم نقول فيه الموضوع.

ويعني أن الإنسان لا يعرف كيف يفعل شيئًا أو أنه لا يعرف كيف يتعامل مع نفسه أو يثبت نفسه. جيلنا يعيش كله بهدف السرعة ويريد أن يصلح كل الأمر.

أي كان يأتي: كيف أهرب، كيف أحل هذه المشكلة أو كيف أحل هذا أو نعالج هذا الأمر ونجد الأسلوب الأعدل الممكن أو ألا نمر الآن بكل هذه المراحل أو لا أعرف ماذا أفعل في حل لهذا الأمر.

هو قصدك أنك تريدين أن تأخذي حبوبًا للأخلاق فتجدي نفسك ذات أخلاق. يمكن، لكن ادعي ربك هكذا. ليس أمامك إلا الدعاء؛ لأن نحن حتى الآن لم نخترع هذه الحبوب.