الكرامات جـ 2 | رب لترضى جـ 1 | الحلقة التاسعة | قناة الإرث النبوي | أ.د علي جمعة
- •الكرامات ظواهر خارقة للعادة تظهر على أيدي أولياء الله، وأهل السنة والجماعة متفقون على إثباتها.
- •الفرق بين المعجزة والكرامة أن المعجزة تكون للنبي، بينما الكرامة تكون للولي، وكل كرامة لولي هي معجزة لنبيه.
- •من أمثلة الكرامات: سماع عمر بن الخطاب لسارية وهو في الشام، وإضاءة السوط في الظلام، وسماع عبادة بن الصامت لسلام الملائكة.
- •ذكر المتحدث شواهد من تجاربه الشخصية مع بعض المشايخ كالشيخ أحمد حمادة الذي كانت تستجاب دعواته.
- •ذكر قصة الشيخ المعداوي الضرير الذي كان يرى نوراً وظلمة عند دخول طلابه عليه.
- •الكرامة ليست مقياساً للحق، فقد تظهر لتثبيت الولي، وميزان قبولها موافقتها للشرع.
- •الكرامات تذكرنا بأن وراء العالم المنظور عالماً غير منظور.
- •لا علاقة للقصص الخرافية بالتصوف الحقيقي المبني على الذكر والفكر والأدب والعبودية.
- •التجربة هي الفيصل بين الخرافة والحقيقة في التعامل مع الكرامات.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين للحديث عن التصوف الإسلامي
[السائل]: مولانا سيدي علي جمعة:
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات "ربي لترضى"، ومع هؤلاء الشباب الذين كالورد -بمعنى شباب في مقتبل العمر- نبدأ هذه الحلقة في الإجابة على أسئلتهم حول التصوف الإسلامي وبعض كتبه ومصادره. من لديه سؤال اليوم؟ تفضل.
سؤال عن كرامة إبراهيم المجذوب في كتاب جامع كرامات الأولياء وموقف الشيخ منها
[السائل]: حضرتك تحدثت لنا في الحلقة التي مضت عن الكرامات، حضرتك في كتاب "جامع كرامات الأولياء" للنبهاني، هو -أي: النبهاني- يذكر فيه -أي: في كتابه- يقول: إبراهيم المجذوب المصري المشهور بابن خريطة، قال الخواص إنه -أي: إبراهيم المجذوب- من أهل التوبة، وكان إذا عرضت الضرورة يعلمه بها فتزول، وكان كل قميص يلبسه يخيطه ويخرقه على رقبته، فإن ضيّقه جدًّا حتى يختنق حصل للناس شدة عظيمة، وإن وسّعه حصل لهم الفرج والراحة. هذا من الأمور صعبة التصديق؟
[الشيخ]: لا، تصدّقها، لا تصدّقها، ما ذكرته هو من باب الخبر. واحد يقول لك انتبه، هناك فرق بين أمرين: الأمر الأول الخبر؛ أن هناك شخصًا كان اسمه إبراهيم وكان يضع شيئًا في رقبته يشدّها هكذا -أشار مولانا إلى رقبته كأنه [إبراهيم المجذوب] رضي الله عنه يربط بحبل ويشدّ على رقبته- فتضيق على الناس، ويفتحها هكذا -وأشار إلى رقبته كأنه يوسّع ربطته عن رقبته- فتتوسع على الناس.
وأنت قلت: يا الله! ما هذا الكلام؟ هذا الكلام لا يدخل عقلي إطلاقًا! فلا تصدّقه. وما علاقة هذا بالتصوف! لا علاقة له بالتصوف. أين هذا من الذكر؟ أين هذا من الفكر؟ أين هذا من الأدب؟ أين هذا من الامتثال؟ أين هذا من الاحترام؟ أين هذا من آداب العبودية؟ أين هذا من التخلية؟ أين هذا من التحلية؟
الفرق بين الخبر والتجربة في قبول الكرامات ورفض العقلية الخرافية
أين الكلام إذا كنت لا ترضى أن تصدّقه أو لم تصدّقه؟ حسنًا، لا تصدّقه. جاء آخر ويقول لك: هذا الكلام أنا رأيته. قلت له: حسنًا، أنت رأيته! رأيت إبراهيم الذي يضع حبلًا في رأسه أو في رقبته ويشدّ هكذا ويفعل هكذا؟ قال لي: نعم.
قلت له: عندما كان يشدّ كانت الدنيا تضيق على الناس؟ قال لي: نعم، في قريتنا حدث فيها هكذا. فقلت له: حسنًا، صدّق. ماذا يعني عندما يأتي أحد [بهذا الفعل] وهذا حدث كوني؟
أحد يأتي يقول لي: أنا رأيت الشمس حمراء اليوم. فقلت له: حسنًا، وماذا بعد ذلك؟ وجاء ثانٍ قال: لا، أنا رأيتها صفراء! رأيتها صفراء! رأيتها صفراء! لا يحدث شيء. ما علاقة هذا بالطريق إلى الله؟ لا علاقة له بالطريق إلى الله.
التحذير من العقلية الخرافية والتفريق بينها وبين الكرامة الحقيقية
والذي يأتي بهذه الأشياء ويقول لك: أنا لا أصدّقها، فيجب عليك أنت أيضًا ألّا تصدّقها؛ لأن هذه تكون عقلية خرافية، عقلية خرافية. عقلية الخرافة هي العقلية الأسطورية الوهمية الافتراضية، وليست ما نراه بأعيننا أو نعيشه في حياتنا.
أنا الآن وجدت رجلًا يدعو الله فربنا يستجيب، أيّ خرافة في ذلك؟ التجربة هي التي ستثبت لي إذا كان هذا رجلًا مستجاب الدعاء أم لا. فدعا قائلًا: يا ربّ، يا ربّ، فحصل له مراده وتحققت الدعوة.
أأتي فأقول له: لا، هذا اتصال غير منطقي! كيف تقول يا ربّ فيحدث الأمر؟ كيف يعني؟ أنا لست مصدّقًا أن هناك اتصالًا بين هذا وذاك! أنت حرّ ألّا تصدّق يا أخي، لكن الذي يحدث أن هذا الرجل كلما دعا قائلًا يا ربّ يحدث ما دعا به وطلبه، فماذا أفعل لك إذن؟
قصة الشيخ أحمد حمادة ومداومته على العبادة وصفاته
أنت الآن، الأمور [واضحة]، الفرق بين الخرافة وبين الحقيقة: التجربة. كان لدينا شيخ عظيم جدًّا رحمه الله تعالى كان اسمه الشيخ أحمد حمادة، والشيخ أحمد حمادة لم يتزوج ومات وعنده اثنان وتسعون سنة لمّا مات.
والشيخ أحمد حمادة كان ساكنًا خلف السيدة سكينة بنت سيدنا الحسين، وكان ساكنًا في شقة صاحب البيت أعطاها له لأنه اعتقد فيه الولاية، قال: هذا رجل صالح ورجل وليّ وهكذا، وظلّ تاركه ساكنًا بها حتى مات.
والشقة لم يستخدم فيها الشيخ أحمد حمادة إلا غرفة واحدة يستقبل فيها الناس، ويقوم فيصلي الضحى اثنتي عشرة ركعة، ويصلي قيام الليل إحدى عشرة ركعة.
وفاة الشيخ أحمد حمادة في الليلة الوحيدة التي لم يقم فيها الليل
وفي إحدى الليالي ترك [الشيخ أحمد حمادة] قيام الليل، وكان الرجل الذي يسكن فوقه هو نفسه صاحب البيت، كان يشعر بالشيخ أحمد حمادة وهو يتوضأ في الليل. ففي هذا اليوم لم يشعر به.
أنت تعرف أيّ يوم هذا؟ نزل فوجده ميتًا. اليوم الذي مات فيه هو اليوم الوحيد الذي لم يصلِّ فيه الليل، وذلك لسبب بسيط جدًّا وهو أنه مات.
وكان الشيخ أحمد حمادة يحفظ القرآن بالقراءات العشر، وكان يجلس في صحن الأزهر وفي مسجد سيدنا الحسين يعلّم الناس القراءات العشرة، وكان يقرأ المجموع للإمام النووي لأن مذهبه كان شافعيًّا، وكان عالمًا من علماء الأزهر ولا أحد يسمع به، الشيخ أحمد حمادة.
شهادة الشيخ على كرامة الشيخ أحمد حمادة في صلاة الفريضة والسنة
وأنا في شبابي رأيت شيئًا غريبًا جدًّا على هذا الرجل، شيئًا غريبًا جدًّا، ربما عندما أقوله لك الآن لا تصدّقه وتقول لي: في الحقيقة أنا لست أصدّق هذا الكلام الذي تقوله. وليس هناك مانع ألّا تصدّقها فلن يحدث شيء.
افترض أنني جئت صباحًا وقلت لك إنني رأيت حلمًا يقول كذا وكذا، فقلت لي: لست أصدّقك. فالدنيا لن تنهار، ولكن كيف آتي بك معي في الحلم لأريه لك؟ وكيف أعرضه؟ ما أنا لا أعرف. ولكن لماذا أصدّق؟ لأنني رأيتها بعيني، ليس خبرًا، بل إنني رأيت بعيني.
ما القصة؟ صلّينا الظهر، كان للشيخ [أحمد حمادة] خاصية عجيبة الشكل، وهي أنه يأتي في صلاة الفرض ويقول: احملوني، احملوني، احملوني. فنأتي واضعين أيدينا تحت إبطه من هنا ومن هنا ونحمله وهو يزن فقط ستة وأربعون كيلوغرامًا، يعني شيء بسيط هكذا، ونجعله يقوم.
عجيبة الشيخ أحمد حمادة في القيام للفريضة والعجز عن السنة
فكان [الشيخ أحمد حمادة] يصلي الفريضة معنا تمام التمام. أول ما يسلّم: السلام عليكم، السلام عليكم، تنفد البطارية! فيقول: احملوني. يقول [الشيخ علي جمعة متعجبًا]: ما شاء الله! نفدت البطارية أم ماذا؟ على قدر الفريضة؛ في الفريضة يقوم، وفي السنة يا عيني يصلي وهو جالس.
ويصلي الضحى وقيام الليل قائمًا واقفًا مثل الفرض، وأمر غريب جدًّا.
الشيخ أحمد حمادة جالس يذكر الله والناس تأتيه بحوائجها فتُستجاب
المهم، هذا الرجل أنا شهدت الآتي: شهدت وهو جالس، هذا الرجل لا علاقة له بالدنيا، جالس يا عيني يذكر الله وحسب. والإمام السيوطي يقول: هذا الصنف من الناس الذي هو من أهل الله، هذا الذي جالس يذكر وفقط وانتهى الأمر، هو واحد هكذا، هذا يجب أن يكون موجودًا في الأمة لكي يدعو والله يستجيب، فالناس تعرف أن هناك ربنا. الإمام السيوطي يقول هكذا.
فوجدت [الشيخ أحمد حمادة] في صفّ، أنا جالس هكذا، هو وهو جالس، والنافذة خلفه والباب أمامه، طابور يدخل: يا مولانا أنا ذاهب إلى السفارة الأمريكية ولا يريدون أن يعطوني التأشيرة. انتهى، بالتوفيق إن شاء الله، بالتوفيق، هيّا هكذا. يا سيدنا غدًا عندي امتحان أريد أن أنجح. بالتوفيق إن شاء الله. يا سيدنا أنا أريد أن أُعيَّن في الشركة الفلانية وهم غير موافقين. بالتوفيق إن شاء الله. يا سيدنا أنا كنت ذاهبًا لأخطب واحدة وأريد الأمور أن تسير. بالتوفيق إن شاء الله.
ويدعو لهؤلاء العشرة الذين يقفون في صفّ.
التحقق من استجابة دعاء الشيخ أحمد حمادة لجميع من طلب منه الدعاء
فقلت: ما هذه الحكاية؟ ما هذه الحكاية؟ أسيفتح هذا كشكًا أم ماذا للدعاء؟ يعني أسيفتح كشكًا من أجل الدعاء؟ وبعد ذلك لا يأخذ قرشًا ولا يأخذ نقودًا ولا يأخذ أيّ شيء.
فتعرّفت على هؤلاء العشرة وأحضرت ورقة هكذا ثم كتبت أسماءهم لكي أراهم. وذهبت فقابلت الرجل هذا وسألته: ماذا فعلت في التأشيرة؟ قال: أخذتها. وكان معك أخوك؟ قال: انتهى، أخي سافر. وانتبه كيف تمّ هذا!
ماذا فعلت في الوظيفة؟ قال: أنا موظف الآن في نفس الشركة. فعلت ماذا في المرأة التي ذهبت لخطبتها؟ انتهى، هذا نحن تزوجنا وهكذا. هذا أنا رأيته بعيني، لم يبقَ أيّ أحد ممن ذهب إليه إلا وكلّه استُجيبت له الدعوة.
الكرامة الحقيقية في استجابة الدعاء والفرق بين الخبر والمشاهدة
أليست هذه كرامة؟ أليس هذا أمرًا غير طبيعي؟ الإنسان تُستجاب له مثلًا ثلاث أو أربع دعوات ولا تُستجاب له ثلاث أو أربع دعوات أخرى، لكن هذا [الشيخ أحمد حمادة] استُجيبت له كلها وهكذا كان دائمًا.
ربما عندما أقول لك أنت هذه العبارة لا تصدّقها لأنك لم ترها، لكن أنا رأيتها. بعد الفاصل هيّا بنا نرى أشياء أخرى ألطف من هذا وألطف مما ستجدها في جامع الكرامات، بعد الفاصل.
إجماع أهل السنة والجماعة على إثبات الكرامات والفرق بين الكرامة والمعجزة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. قبل الفاصل كنت سألتني يا سيد بلال عن قضية الكرامة.
أهل السنة والجماعة جميعهم متفقون على أن هناك كرامة، وأن الكرامة خارقة من خوارق العادات. والإمام البخاري حدّثنا في صحيحه عن بعض كرامات منسوبة إلى الصحابة الكرام، وهناك في غير البخاري قصص كثيرة من كرامات -أي خوارق للعادات-.
وكل كرامة لوليّ فهي معجزة النبي؛ أي أن المعجزة والكرامة خوارق من خوارق العادات، لكنها عندما تكون على يد مُتحدٍّ بالنبوة ويقول: أنا نبيّ، تسمّيها معجزة. لمّا تكون على يد واحد من أتباعه نسمّيها كرامة، وتكون هي معجزة لنبيّه. فهناك فرق بين الكرامة والمعجزة، وأهل السنة والجماعة جميعًا على إثبات الكرامات.
كرامة سيدنا عمر بن الخطاب مع سارية بن زنيم ونداؤه يا سارية الجبل
والكرامة لها أنواع عديدة؛ ففي كرامة مثل سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] ما كان واقفًا يخطب فكُشف له حال المسلمين، وكان [الجيش] تحت قيادة سارية [بن زنيم]، وأنهم إذا احتموا بالجبل فازوا ونجوا من هجوم الأعداء.
فقطع الخطبة وقال: يا سارية، الجبل الجبل! -يعني احتمِ بالجبل-. سيدنا عمر في المدينة وسارية في الشام.
وفي نفس الوقت سارية سمع سيدنا عمر وصوت عمر يقول: يا سارية، الجبل الجبل! فاحتمى بالجبل، وبذلك استطاع المسلمون النجاة من هجوم الأعداء.
والناس أصبحت مستغربة ممن هم في حضرة عمر: من هو سارية وما هو الجبل؟ فسألوه بعد الخطبة: أنت قلت يا سارية الجبل الجبل، ما هذه الحكاية؟ قال لهم: أنا كُشف لي هكذا كما لو كان مثل التلفزيون. هذه كرامة لأنه من أولياء الله؛ هؤلاء إخواننا في الشام حدث كذا وأن هناك جبلًا فأقول لهم احتموا بالجبل.
كرامة عبادة بن الصامت في سماع سلام الملائكة وكرامة السوط المضيء
فهذا يحدث أم لا يحدث؟ أهل السنة والجماعة جميعًا [يثبتون ذلك]، وإلا يكون مبتدعًا الذي ينكر وجود الكرامات.
وكان عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه إذا دخل البيت سلّمت عليه الملائكة وسمع سلام الملائكة، فما هي إلا كرامة؛ لأن نحن عندما ندخل لا نسمع سلام الملائكة.
حتى إذا اكتوى -يعني استعمل الكيّ في شيء كان يؤلمه- استعمل الكيّ فلم يعد يسمع سلام الملائكة؛ فالملائكة تكره الكيّ. فترك الكيّ فعاد مرة أخرى يسمع سلام الملائكة.
واحد [من الصحابة] كان في يده سوط هكذا ويمشي مع صاحبه هكذا، فأضاء السوط الطريق له مثل البطارية. كرامات موجودة في البخاري وموجودة هنا وهناك.
كرامة الشيخ الشاطبي الضرير في تخطي دور الطالب الجنب في حلقة القرآن
الشيخ الشاطبي صاحب الشاطبية في القراءات من أهل القرآن، فجلس هكذا وحوله حلقة يستمعون إلى القرآن وهو يصحّح لهم، وكان ضريرًا.
وبعد ذلك قال: اقرأ أولًا، وبعد ذلك الثاني، ثم قال: لا، تقرأ أنت الثالث، بل الرابع الذي يقرأ. فالرابع قرأ، الخامس قرأ. أما الثالث يفكّر: يا الله! لماذا تخطّى الشيخ دوري؟ لماذا؟ آه! تذكّر هذا أنه جُنُب.
فقام من الحلقة والشيخ لا يرى -الشيخ ضرير- وذهب فاغتسل وعاد وجلس مكانه. توقّف الدور عند أحمد [الذي قبله]، فعاد وقال له: اقرأ، اقرأ.
هو رأى ماذا الشيخ؟ وما الحكاية؟ والرواية أنها كرامة، يعني ربنا سبحانه وتعالى أكرمه بهذا.
الكرامة قد تكون توفيقًا من الله والشيخ نفسه قد لا يعرف كيف حدثت
ويعني هكذا، وفي بعض الأحيان الشيخ نفسه لا يعرف، وهذا يكون توفيقًا؛ أي جاء هكذا معه، سبحان الله.
أحيانًا تتكرر كثيرًا لدرجة أنك لا تصدّق أن الشيخ هذا لا يعرف. كيف ذلك؟ هذه مرة والثانية والثالثة والرابعة، كيف هذا الكلام؟
فأهل السنة والجماعة قالوا: يا إخواننا، ليس فيها شيء، إنها كرامة، يعني شيء من عند الله للتثبيت، حتى نعرف أن وراء هذا المنظور عالمًا غير منظور.
كرامة الشيخ المعداوي الصعيدي الضرير في كشف حال أحد طلابه
يحدّثنا الشيخ جاد الرب رمضان رحمه الله -شيخنا الذي قرأنا عليه الأشباه والنظائر للسيوطي- كانوا يقرؤون على الشيخ الصعيدي، الشيخ علي المعداوي الصعيدي.
والشيخ علي المعداوي الصعيدي كان ضريرًا، وكانوا يقرؤون عنده في مسجد الظاهر جاشنكير. الشيخ المعداوي هذا هو شيخ شيخي -أي شيخ شيخي أنا- وهو تلميذ السيد محمد أمين البغدادي المدفون في ذلك المسجد النقشبندي الذي هو الظاهر جاشنكير بعد سيدنا الحسين بقليل.
وهم ستة طلاب من كلية الشريعة يذهبون ليقرؤوا الكتاب والعلم هذا على الشيخ المعداوي الصعيدي، أنهم يذهبون كل يوم كل يوم كل يوم كل يوم وفي أمان الله.
الشيخ المعداوي يطرد أحد الطلاب ويتبين أنه ضُبط في مكان مشبوه وفُصل
وبعد ذلك الشيخ المعداوي جلس في الخلوة وهم داخلون عليه كالمعتاد، فقال له: قف يا ولد، أنت وهو، اخرجوا إلى الخارج. والله لا يفلح، والله لا يفلح، والله لا يفلح! هيّا إلى الخارج.
فقالوا: ما الأمر يا سيدنا الشيخ؟ نأتي نحن كل يوم كالمعتاد. قال: لا، هيّا اخرجوا من هنا. أخذوا بعضهم البعض وذهبوا إلى الكلية.
وفي اليوم الثاني أو اليوم الثالث وجدوا على باب الكلية إعلانًا بفصل أحدهم! فُصل أحدهم؛ ضبطته الشرطة في مكان مشبوه، ورُفع أمره إلى عميد الكلية، وعميد الكلية جمع الكلية وقرروا رفد هذا الشخص.
بقوا خمسة، فقالوا: والله هذا يجب أن يكون [من كرامات] الشيخ! ربنا أنار بصيرته في شيء نحن لا نعرف ما هو، فلنرجع إليه مرة أخرى.
الشيخ المعداوي يكشف سر رؤيته للنور والظلمة عند دخول الطلاب عليه
فرجعوا مرة أخرى إلى الشيخ علي المعداوي الصعيدي ودخلوا: سيدنا الشيخ، جئنا لنقرأ. قال: نعم، تعالوا. فدخلوا قرؤوا عليه.
وبعد ذلك -كما يحكي لي الشيخ جاد- قالوا له: ما هذا؟ هل هو وحي؟ قال له: أعوذ بالله يا ابني! قال له: إذن قل لي ما حدث، فهّمنا الآن، لا تجعلنا نُجَنّ! قل لنا ما حدث.
قال له: أنا جالس، وكلما كنتم تأتون إليّ تدخلون عليّ مثل النور هكذا. أنا أعمى لا أرى شيئًا، ولكن في نور هكذا يدخل عليّ. هذه المرة يدخل عليّ ظلمة.
ولكن ما هذا النور الذي كان يدخل عليه؟ ما هذه الظلمة التي باتت تدخل عليه؟ لا نعرف، ولكنه الرجل يقول بصدق. هو لا يعرف الرجل [المفصول] بالمناسبة، ولا ما اسمه، ولا ما عمله.
تفسير رؤية النور والظلمة عند الشيخ المعداوي وتسمية ذلك كرامة
أتلاحظ أنه رأى نورًا ورأى ظلمة فقط؟ فلمّا حدث ذلك: رأى نورًا، أهلًا وسهلًا. رأى ظلمة، ابتعدوا عني أنا لست ناقصًا. رأى نورًا آخر، أهلًا وسهلًا. بمنتهى البساطة.
ماذا تسمّي هذا إذن؟ نحن يا سيدي نسمّيه كرامة. نحن يا سيدي نؤمن بالكرامات التي من هذا الشكل الذي هو هكذا. أتنتبه كيف؟
الكرامة ليست مقياسًا للحق ويجب عرض صاحبها على الشرع الشريف
ولكن لنفترض أننا سمعنا عن شخص يمشي على المياه فليمشِ، يطير في الهواء فليطِر. السؤال المهم: هل الكرامة مقياس للحق؟
هذا هو السؤال المهم. الإجابة: الكرامة ليست مقياسًا للحق. ماذا يعني ذلك؟ إذا كان الصوفية يقولون: إذا رأيت الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فاعرض أمره على الشرع الشريف، فإن وافقه فذاك، انتهى، تكون هذه كرامة من عند الله.
فماذا يعني إذن أنه أفضل؟ أبدًا. فماذا يعني؟ ولا شيء. يعني أنه لا يزال في الطريق [إلى الله]، الله يريد أن يثبّت فؤاده. وإلا [إن لم يوافق الشرع] فهو شيطان.
الشيطان قد يُجري خوارق وعقيدة أهل السنة ثابتة في إثبات الكرامات
لماذا إذن؟ لأن الشيطان في الواقع أيضًا عندنا يعرف أن يمشّيني على الماء، ويستطيع أن يطيّرني في الهواء، يضعني في قائمة المبتدئين.
وأن ما فيها أيّ شيء، وعقيدة أهل السنة والجماعة ثابتة. أما من أنكر [الكرامات] فهو مبتدع أصلًا.
فإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
