الكسب الحلال | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

الكسب الحلال | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • ذكر حديث المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما كسب الرجل كسباً أطيب من عمل يده، وما أنفق الرجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة".
  • الإنفاق على الأسرة ليس ضياعاً بل هو صدقة تنمو عند الله، والحسنة بعشرة أمثالها.
  • أهمية العمل والكسب باليد، وعدم الاعتماد على الميراث والثراء الموروث.
  • العقلاء من الأغنياء لا يمنحون أبناءهم كل ثرواتهم خوفاً من فسادهم، بل يدفعونهم للعمل.
  • حديث النبي عن المنفق والبخيل، فالمنفق كلما أنفق اتسعت عليه جبته الحديدية، والبخيل تضيق عليه.
  • الفرق بين الحرص المحمود والبخل المذموم، وبين الكرم الممدوح والإسراف المذموم.
  • حث النبي على الاجتماع في الطعام: "طعام الاثنين كاف للثلاثة، وطعام الثلاثة كاف للأربعة".
  • أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأخلاق الحسنة كإكرام الضيف واليتيم والإحسان للجار.
  • الأخلاق الحسنة عالمية ومتسامية على الزمان والمكان.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الحلقة وحديث المقدام بن معدي كرب عن أطيب الكسب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجال الطيبين في شهر رمضان الكريم.

معنا اليوم حديث عن المقدام بن معدي كرب الزبيدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:

قال رسول الله ﷺ: «ما كسب الرجل كسبًا أطيب من عمل يده، وما أنفق الرجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة»

هنا يبني رسول الله صلى الله عليه وسلم التعاون ابتداءً من الأسرة.

وجوب السعي على الرزق والإنفاق على الأسرة باعتباره صدقة

فأولًا الإنسان مطالب بالسعي وبعمارة الدنيا والسعي على الأرزاق. هذا السعي على الأرزاق يذهب به إلى زوجه وولده وخادمه، ينفق عليهم [كـ] أسرة.

ولكن هذا [الإنفاق] ليس هباءً وليس ضياعًا كما يظن بعض الناس، فيبخل — يبخل على أسرته بالنفقة — ولا يؤدي واجبه، ويوغر الصدور في حمق ليس بعده حمق.

ولكن لو عرف أن هذه [النفقة] صدقة، وأنها لا تضيع، وأنها تربو في يد الله سبحانه وتعالى وتزيد وتنمو، وأن ما أنفقه إن أنفق ألفًا فإنه يكون له عند الله على الأقل عشرة آلاف؛ لأن الحسنة بعشرة أمثالها، لو عرف ذلك لما تردد.

أطيب الكسب من عمل اليد وحكمة عقلاء الأغنياء مع أبنائهم

ثم إن أطيب الكسب ما كان من كسب يده. خرجنا من الأسرة إلى المجتمع، ولذلك ترى عقلاء الأغنياء لا يعطون أبناءهم كل ثروتهم، بل يقتطعون منها جزءًا ويعطوه الأبناء جزءًا من المال؛ حتى لا يعتمد [الابن] على ثراء أبيه ويتسلط عليه بالهلاك، ويكون نمطه نمطًا استهلاكيًا.

ولذلك لا يعطيه إلا القليل. أتذكر هذا الملياردير الأمريكي الذي اقتطع عشرة ملايين فأعطاها لابنه حتى يفتح — يعني — مشاريع له، لكنه لم يعطه هذه المليارات خوفًا على هذا الولد من الفساد.

فكرة الوقف في الإسلام ودوره في تنمية المجتمع وحماية الأبناء

من هنا أتت فكرة الوقف، وأن هناك أغنياء وأثرياء يمكن أن يقيموا أمة بأن يوقفوا جزءًا من أموالهم. والوقف حينئذ لا يحرم الورثة والأبناء ويتركهم — حتى مع [الأموال] الباقية — في غنى، ولكن يدفعهم إلى تنمية هذا الغنى لا إلى الاعتماد عليه.

وهذه تجارب كثيرة جدًا شهدناها في العالم كله، في المسلمين وغير المسلمين، أن من ترك لأبنائه الأموال الكثيرة التي معها يفسد الإنسان من كثرة الوجد — من كثرة ما يجد من مال — فإن ذلك ضد العمران.

أفضلية كسب اليد على الميراث وحكمة تفتيت الثروة في الشريعة

ولذلك ما كسب الرجل كسبًا أطيب من عمل يده وليس من الميراث، وإنما لا بد أن يعمل هو وأن ينمي. بوسيلة انتقال الملكيات عن طريق الميراث كانت هناك الأوامر الإلهية حقيقة مع الميراث أوامر معجزة؛ لأنه بيّن لنا تفتيت الثروة.

وتفتيت الثروة هذه مكّن من العمل. هناك أنظمة تعطي الكبير فقط وتحرم بقية الأولاد، فتتكون الثروات وتتضخم، ويقولون إن هذا له فائدة، وفائدة هذا هو — أي — الثراء الفاحش.

طيب، بعد ذلك أين العمل؟ وكثير جدًا من هذه النماذج أدت إلى الاستهلاك وفكر الاستهلاك الذي أهلك العالم الآن.

خلاصة حديث المقدام في وجوب العمل والإنفاق داخل الأسرة وخارجها

ولكن فكرة وجوب العمل وأنه ما كسب الرجل كسبًا أطيب من عمل يده هي الفكرة الأساسية لدينا.

إذن فحديث المقداد بن معديكرب يتحدث معنا في داخل الأسرة في ذلك الرجل السمح الكريم المعطاء — والحب عطاء — ويتكلم عن هذا الرجل كفرد من أفراد المجتمع في الخارج، وأن الأساس بينه وبين هذا المجتمع هو العمل قبل المال.

حديث مثل البخيل والمنفق كرجلين عليهما جبتان من حديد

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد»

الرجل البخيل والرجل المنفق: الرجل البخيل ضيّقها على نفسه، والرجل المنفق الكريم وسّعها على نفسه. عليهم جبتان من حديد — أي حلقات حديد متشابكة بعضها مع بعض — ويلبسونها من ثدييهما إلى تراقيهما. ثدييهما أي من الإبط هنا إلى التراقي التي هي [العظام] التي فوق — تحت الرقبة.

وصف حال المنفق وكيف تتسع عليه الجبة كلما أنفق

فأما المنفق فلا ينفق إلا إذا اتسعت [الجبة]؛ كل ما ينفق، كل ما هذه الحلقات تتسع بشكل واسع مريح أو توفرت — من الوفرة — يعني أيضًا إن الجبة قاعدة تتوسع عليه هكذا، فأصبحت واسعة عليه لا يشعر بضيقها.

إلا إذا اتسعت أو وفرت على جلده حتى تخفي أصابعه وتمحو أثره؛ فظلت حتى غطت يديه، وكذلك غطت رجليه لدرجة أنه يمشي وذيل الجلباب هذا خلفه يمحو أثره — أي يمسح آثار أقدامه. يا لها من كبيرة جدًا! أي بعد رجليه بنصف متر أو نحو ذلك. وكذلك من قاعدة أنه كلما أنفق كلما اتسعت [عليه الجبة].

وصف حال البخيل وكيف تضيق عليه الجبة ولا تتسع

وأما البخيل فالبخيل فماذا يحدث في الجبة الحديدية التي يرتديها؟ هذه فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة في مكانها، والحلقات تضيق وتلتصق على جلده، فهو يوسعها ولا تتسع.

يحاول؛ لأنه بخيل، فعندما يأتي لينفق ينفق بالمحاولة، يفتحها هكذا — هي لا تنفتح.

يعني أن المنفق في سعة من الله، والبخيل في ضيق من الله. هو الذي أدخل نفسه في هذا الضيق، والمنفق هو الذي — يعني — فعل الفعل الذي به بارك الله له في ماله وفي ولده وفي حياته.

الفرق بين البخل والحرص وبين الكرم والإسراف في الإنفاق

وهكذا فـالبخل لا يأتي إلا بالشح، والشح أصل كل نقص. أما الكرم فهو أصل كل عطاء وحب ومودة وتعاون.

هناك فرق كبير جدًا بين الحرص الذي يضع كل شيء في مكانه وبين البخل والحرص؛ فالحرص محمود لكن البخل غير محمود. وأيضًا هناك فرق ما بين الكرم والإسراف؛ فالكرم ممدوح لكن الإسراف مذموم.

ولا يجب علينا أن نسرف، ولكن لا بد لنا أن ننفق. ولذلك عبّر [النبي ﷺ] بالمنفق والبخيل. وهذا فيه ما فيه من أخلاق التعاون التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم داخل الأسرة وخارج الأسرة.

الإنفاق يشمل جماعة العمل والجيران وحديث طعام الاثنين كافٍ للثلاثة

كذلك الإنفاق يكون مع جماعة العمل، مع جماعة الجيران، كلٌّ بحسب وسعه.

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:

قال رسول الله ﷺ: «طعام الاثنين كافٍ للثلاثة، وطعام الثلاثة كافٍ للأربعة»

وهذا معناه حب الاجتماع، وأن يد الله مع الجماعة، وأنه كما أمرهم في الصلاة أن يلينوا في أيدي إخوانهم، أمرهم في الصلاة أن يكونوا على قلب رجل واحد، وأن يتبعوا إمامًا واحدًا قيامًا وركوعًا وسجودًا.

الأمر بالاجتماع في الأكل والشرب وتفلت هذا المعنى في زماننا

وهكذا حتى يتم ذلك التعاون. وأمرهم أيضًا في الأكل وفي الشرب أن يكونوا جماعة.

هذا المعنى بدأ في التفلت، وأصبح الناس لا يأكلون معًا، سواء في داخل الأسرة أو في خارجها.

قصة السائب بن عبد الله مع النبي يوم فتح مكة وشهادة الصحابة له

عن السائب بن عبد الله قال: جاء بي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة — جاء بي عثمان بن عفان وزهير — فجعلوا يثنون عليّ.

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «لا تعلمونني به، فقد كان صاحبي في الجاهلية»

السائب بن عبد الله [يقول النبي ﷺ]: أتعلمونني بصاحبي هذا؟ كان صاحبي قبل الوحي، كان صاحبي في الجاهلية. عثمان رجل كريم معطاء، والسائب كذلك كان كذلك، وكان صديق النبي صلى الله عليه وسلم.

وصية النبي للسائب بالحفاظ على أخلاق الجاهلية الحسنة في الإسلام

قال [السائب]: نعم يا رسول الله، فنعم الصاحب كنت. السائب يقول له: والله أنت ما من أحد أحسن منك يا رسول الله.

فقال [النبي ﷺ]:

قال رسول الله ﷺ: «يا سائب، انظر إلى أخلاقك التي كنت تصنعها في الجاهلية فاجعلها في الإسلام: اقرِ الضيف، وأكرم اليتيم، وأحسن إلى جارك»

وهنا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى أن الأخلاق عالمية، وأن هذه الأخلاق كنت تفعلها يا سائب وأنت في الجاهلية، فافعلها كما هي وأنت في الإسلام؛ فإن الإسلام يحب كل خلق حسن ويكره كل خلق دنيء.

أخلاق التعاون تتجاوز الزمان والمكان ودعوة لنشر أخلاق النبي للعالمين

ولذلك يا سائب ابقَ على ما أنت عليه من إكرام الضيف، ومن حسن الجوار، ومن إكرام اليتيم، ومن إكرام الأرملة، ومن التعاون لوجه الله تعالى.

أخلاق تجاوزت الزمان والمكان، أخلاق يقول لنا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها»

أخلاق يجب علينا أن نتمسك بها؛ لأننا في أشد الحاجة إليها، وكذلك كل العالمين في أشد الحاجة إلى أن نعلمهم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين يطلبون ذلك ويريدونه.

فمعنا كنز وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد الخلق، هيا بنا نعرض أخلاقه على العالمين. إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.