الكمال بن الهمام | ح #37 | مصر أرض الصالحين | أ.د. علي جمعة - شخصيات إسلامية, مصر أرض الصالحين

الكمال بن الهمام | ح #37 | مصر أرض الصالحين | أ.د. علي جمعة

24 دقيقة
  • الكمال بن الهمام فيلسوف الفقه الحنفي، وُلد في الإسكندرية عام 790هـ لعائلة أصلها من سيواس بتركيا.
  • بدأ تعليمه بحفظ القرآن ثم انتقل إلى القاهرة للقاء العلماء، ورحل إلى الحجاز للحج وطلب العلم وهو في الثانية والثلاثين من عمره.
  • برع في اللغة والتفسير وأصول الفقه والفقه الحنفي والحديث، وتتلمذ على يد كبار علماء عصره كالعيني وابن حجر العسقلاني.
  • ألّف كتاب "فتح القدير" في الفقه الحنفي، وكتاب "المسايرة في العقائد"، وكتاب "التحرير في الجمع بين الطريقتين".
  • رفض الكمال بن الهمام تولي منصب القضاء، وكان يستقيل من التدريس عند حصول تدخل في شؤون العلم.
  • كان له دور اجتماعي مهم إذ تكفل بتربية الإمام السيوطي بعد وفاة والده.
  • توفي ودُفن في القاهرة بجوار ابن عطاء الله السكندري في منطقة المقطم.
محتويات الفيديو(26 أقسام)

دعاء افتتاحي بحفظ مصر وأهلها وطلب الجنة والنظر إلى وجه الله الكريم

يا رب اجعل مصر وأهلها وجيشها وحماتها وشرطتها ونساءها وأطفالها في عين رعايتك، اللهم يا ربنا أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، كما أكرمتنا في الدنيا فأكرمنا في الآخرة، وكما وفقتنا في الدنيا فاسترنا في الآخرة، وكما هديتنا في الدنيا فاهدنا إلى كل خير واجمعنا على كل إخاء.

تقديم المذيع لحلقة عن الكمال بن الهمام فيلسوف الفقه الحنفي

[المذيع]: في القناة نتوقف اليوم مع فيلسوف الفقه الحنفي، فصيح اللسان، قوي الحجة، الذي جمع ما بين العقل والنقل، وبرع وتميز في الكثير من العلوم. نتوقف اليوم مع الكمال بن الهمام في مصر أرض الصالحين.

الكمال بن الهمام ركن الحنفية، الكمال بن الهمام من الفقهية العظيمة والمهمة في فقه الفروع على مذهب السادة الحنفية، فقد ألَّف كتابه الماتع فتح القدير في الفقه الحنفي، وهو كتاب ضخم مليء بأدلة الأحناف من الأحاديث وتخريجها وبيان حالها مع ذكر الفروع بتفاصيلها، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

ترحيب المذيع بالدكتور علي جمعة وتقديم حلقة الكمال بن الهمام

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، وما زلنا معكم نتتبع آثار العلماء والصالحين على أرض مصر الغنية الحمد لله بعلمائها، سواء أبناء هذه الأرض أو من اكتسبوا هذه البنوة بالقدوم إليها. اليوم نتوقف في محطة جديدة مع عالم وفقيه جديد هو الكمال بن الهمام.

بداية أرحب بفضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، السلام عليكم مولانا.

[الشيخ]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلًا بكم، أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: يا مولانا.

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مكانة الكمال بن الهمام كإمام الحنفية الذي إليه المنتهى في التصنيف والتحرير

الكمال بن الهمام هو إمام الحنفية الذي إليه المنتهى، أي أننا عندما نصل إلى غاية الحنفية نجد الكمال بن الهمام، فقد وصل إلى القمة في التصنيف وفي التأليف وفي نقل المذهب وفي تحريره وخدمته، خدمة كانت محل اتفاق ومحل تعظيم في العالم كله.

مولد الكمال بن الهمام في الإسكندرية وأصوله من مدينة سيواس التركية

الكمال بن الهمام وُلد في مصر ومات ودُفن في مصر، لكنه وُلد في الإسكندرية، وولد سنة سبعمائة وتسعين، أي سبعمائة وتسعين نسميها آخر القرن الثامن الهجري، ثم تأتي سنة ثمانمائة فندخل في القرن التاسع الهجري.

سنة سبعمائة وتسعين وُلِدَ ابن الهمام في الإسكندرية لعائلة أصلها من مدينة ما زالت موجودة إلى الآن في الأناضول في تركيا اسمها سيواس، ولذلك أحيانًا نجد من يقول الكمال بن الهمام السيواسي، فكلمة السيواسي هذه لأن أجداده - جده كان في سيواس في تركيا.

طبعًا العثمانلية لم يدخلوا مصر ولا أي شيء، هؤلاء أناس قادمون، ولكن هذه المنطقة كلها حنفية، ولذلك نشأ الكمال بن الهمام حنفيًا، لكنه درس المذهب الحنفي والمذهب الشافعي ودرس كل العلوم وغيرها إلى آخره.

رحلة الكمال بن الهمام العلمية من الإسكندرية إلى القاهرة والحجاز وتبحره في العلوم

فالكمال بن الهمام وُلد في الإسكندرية، ثم بعد ذلك أصبح على ما كانت عليه ثقافة العصر وترتيبات العصر أنه حفظ القرآن ثم رحل إلى القاهرة من أجل أن يلتقي بالعلماء؛ لأنها كانت عاصمة الدنيا حينئذ.

ثم في سنة اثنتين وعشرين ذهب إلى الحجاز ليحج وهو في الثانية والثلاثين من عمره، وما زال يدرس ويدرس فحصّل دراسة كبيرة جدًا في اللغة وفي التفسير وفي أصول الفقه، وتبحر فيها تبحرًا عجيبًا في أصول الفقه، تبحر تبحرًا عجيبًا في الفقه الحنفي، تبحر تبحرًا عجيبًا في الأحاديث.

وسنة اثنين وعشرين ذهب ليدرس في الحجاز أيضًا، وكانت له رحلات علمية كبعثة، وعندما عاد ظهرت عليه ملامح العلم.

شيوخ الكمال بن الهمام ومنهم العيني شارح البخاري والقسطلاني

[المذيع]: من هم شيوخه؟

[الشيخ]: إنهم شيوخ، الشيخ العيني الذي درس عليه، الشيخ العيني هذا شرح البخاري عمدة القاري شرح صحيح البخاري. العيني هذا مدفون خلف جامعة الأزهر حاليًا، خلف المستشفى الحسيني الجامعي هكذا مدفون.

ومعه شخص آخر وهو القسطلاني شارح البخاري، فالجامع يسمونه جامع الشارحين.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: شارح البخاري الحنفي وشارح البخاري القسطلاني. الجامع العيني هذا هو الأستاذ الكمال بن الهمام الذي نتحدث عنه.

أساتذة الكمال بن الهمام من تلاميذ العراقي الكبير وابن حجر العسقلاني

أبو زرعة العراقي ابن عبد الرحيم العراقي، ولي الدين العراقي الكبير، الذي خرّج أحاديث إحياء علوم الدين وغيرها، والذي هو أستاذ ابن حجر [العسقلاني]. هو [الكمال بن الهمام] لم يدرك العراقي، فقد مات العراقي مبكرًا قليلًا، لكنه أدرك ابنه.

وكان للعراقي تلاميذ، من هم هؤلاء التلاميذ؟ ابن حجر العسقلاني أمير المؤمنين في الحديث أستاذ الكمال بن الهمام، وابنه الولي أبو زرعة أستاذ الكمال بن الهمام، وخادمه نور الدين الهيثمي أستاذ الكمال بن الهمام.

فابن الهمام ذهب وقرأ على العيني وقرأ أيضًا على ابن حجر.

المنازعات العلمية بين ابن حجر والعيني في شرح البخاري والحراك الفكري بين المدارس

كان بين ابن حجر والعيني بعض المنازعات؛ لأن هذا شافعي وذاك [حنفي]، منازعات علمية، وهما الاثنان كانا يشرحان البخاري في نفس الوقت.

فكان تلاميذ هذا يوصلون كراسات الشرح الخاصة به إلى ذاك، ويأخذون كراسات هذا ويوصلونها إلى ذاك لكي يستفيد، فكانا يردان على بعضهما في الشرح. فيقول لك: وقال بعضهم - الذي هو الرجل الثاني هذا - هو كذا وكذا، وهذا فالآخر يقول له: قال بعضهم كذا وكذا والرد عليها كذا وكذا.

يعني هناك حراك علمي وحراك فكري ما بين هذه المدارس، وكلها تتغير في النهاية. يعني ما هي سعادة الدارين؟ ما هي سعادة الناس؟ وما الذي يمكننا أن نفعله حتى يعيش الإنسان بسهولة ويسر؟ ابن الهمام أصبح يذهب إلى هذا، إذن هو يستفيد من كل المدارس الموجودة.

نظام التعجيز في التعليم الإسلامي وشبهه بنظام الدكتوراة المعاصر

ابن الهمام تبحّر في العلم عن طريق الدراسة وعن طريق الرحلة وعن طريق التدريس. بدأ يحصل على ما يشبه الدكتوراة.

كانوا في الدكتوراة هذه يصنعون ما يسمى بـالتعجيز. التعجيز هذا واضح من اسمه، واضح من اسمها - أتعلم - التعجيز أنني كطالب أجلس في مجلس الدرس وكأنني أستاذ، يأتون ويصنعون لي كرسيًا لأجلس عليه، بينما أنا طالب والأساتذة تجلس أسفل هكذا تستمع، أتفهم؟

ويختار موضوعًا من القرآن، من السنة، من الفقه، من الأصول في الفرع الذي هو متخصص فيه أو ليس في الفرع الذي هو متخصص فيه، هو حر وينطلق أمامه وينطلق أمامه، أتفهم؟

تعجيز الكمال بن الهمام في تفسير آية الحكمة وشهادة ابن حجر له بالتفنن

فخذ تفسير قوله تعالى:

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 269]

واستفاض في شرحها فأُعجب به الأساتذة حتى قال له ابن حجر [العسقلاني]: إنك متفنن، أي أنت تعرف عدة علوم ليس هذا [فحسب].

وقد كانوا يمنحونه الإجازة بالتدريس على ثلاث مراحل:

  1. الدرجة الأولى في كل العلوم.
  2. الدرجة الثانية في بعض العلوم.
  3. الدرجة الثالثة في علم واحد.

أما الرابعة فهي أن يقولوا له: لا، لم تصل بعد إلى درجة الصلاحية للتدريس. فإذا تصدَّر للتدريس عُوقب، حيث يُقبض عليه ويُعاقب بدرجات متفاوتة.

نظام الأستاذ للتلميذ في الأزهر وأصله الذي نقلته جامعة كيمبريدج

وكان وفي قواعد تُتَّبَع فيما لم نصل إليه حتى الآن، فيما لم نصل إليه حتى الآن. فأنا كنت في كيمبريدج فتحدثت مع أحد الأساتذة فقال لي: هذا نظام واحد لواحد، يعني أستاذ لتلميذ مختص به.

قلت له: من أين أتيتم بهذا؟ قال لي: من الأزهر، من الأزهر، من الأزهر.

السيوطي كان يفعل ذلك، وإن شاء الله ونراه ونحن نتحدث عن السيوطي وكيف كان يدرس عند أستاذ حتى يموت فينتقل إلى أستاذ آخر ويصبح يُلازم هذا الأستاذ ويتعلم منه وهكذا إلى آخره.

وإن شاء الله وإن هذا واحد لواحد، هذا كان النظام الذي نحن مشتاقون فيه للكمال بن الهمام رضي الله تعالى [عنه]، موجز في كل العلوم، عظيم.

انتقال الحديث إلى مرحلة القضاء في حياة الكمال بن الهمام وتولي العلماء للقضاء والحكم

[المذيع]: طيب، أستأذن حضرتك بعد الفاصل لننتقل لمرحلة أخرى في حياة هذا العالم المصري الجليل وهي مرحلة القضاء. يعني أكثر من شخصية في حلقة أو في حلقاتنا ورحلتنا رأيناهم علماء أجلاء، بعد ذلك يتولون القضاء، ثم منهم حتى من يتولى حكم البلاد أو الولاية يعني، ومنهم من يرفض هذه الولاية وخاصةً.

زيارة ضريح الكمال بن الهمام في سفح المقطم بجوار مسجد ابن عطاء الله السكندري

داخل أضرحة المقطم حيث تسكن روح الشيخ شيخ الإسلام وعلامة زمانه الكمال بن الهمام. فإذا أردت أن تلقي عليه السلام فلتدخل إلى ساحة مسجد ابن عطاء الله السكندري حيث توجد روحه الطاهرة داخل هذا المسجد، فتجلس على أعتاب المقام وتمد روحك بمدد روحانيٌّ كريمٌ بجوار مقامات الصالحين.

مصر هي أرض الصالحين، هذه البقعة المباركة وهي سفح المقطم يُقال أنه ما هناك قدر شبر إلا وفيه دُفِنَ وليٌّ أو صحابيٌّ أو أحد الصالحين.

رفض الكمال بن الهمام للقضاء واستقالته من التدريس واعتزاله الناس

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى، وما زلنا مع سيرة العالِم المصري الكمال بن الهمام مع فضيلة الدكتور علي جمعة. أهلًا بحضرتك مرة أخرى.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: الكمال بن الهمام رفض القضاء، وفي مرحلة أخرى استقال من التدريس، وفي أخرى نرى الكمال بن الهمام يُصرّ على بعض المواقف ويتخذ مواقف قد تكون حادة، وينعزل حتى بعيدًا عن الناس. هذه المحطات، كيف تصفها حضرتك أو كيف تراها في شخصية هذا العالم المصري؟

[الشيخ]: طلب الاستقلال.

موقف الكمال بن الهمام من الواسطة في التعيين ورفضه لتدخل الأمير برسباي

كان مثلًا يدرس في المدرسة، وكان في ذلك الوقت شخص اسمه برسباي وهو والي مصر أو كبير مصر، حاكم مصر برسباي، وكان يحبه كثيرًا.

وبعد ذلك جاء أحد النواب وقال له: عيّن هذا في المدرسة، عيّن هذا في المدرسة. ماذا يعني ذلك؟ يعني بالواسطة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: ولكن هذا ليس هو أهلًا أن يتولى هذا الأمر. قال له: أقول لك ماذا، عينه في المدرسة، فأنا أمير من الأمراء. فرد عليه: حسنًا، ماشي، السلام عليكم.

فالسلام عليكم هنا نابعة من رفضه أن يكون الشخص المناسب في المكان المناسب، وهذا مبدأ، فقد رفض أن يكسر هذا المبدأ.

اعتزال الكمال بن الهمام في طرة وموقفه من برسباي وتمسكه بإتقان العمل

حسنًا، هكذا أنت معارض الكبير، معارض الحاكم، معارض الوالي، معارض الأمير، معارض نائب الأمير. أنا مالي، أنا أريد أن أتقن عملي، نريد العمل متقنًا.

إن كان بها، نريدها يعني كما كانوا يقولون قديمًا: ماذا تريدون؟ نريدها طراوة. خلاص، السلام عليكم، ذاهب، ماشٍ.

واعتزل في طرة هذه التي الطريق حلوان هذه، هي اعتزل وأصبح يُدرِّس للأولاد وقال لهم هكذا: أنا لست راجعًا. فبرسباي ارتعد، الرجل الكبير أصبح ماذا هذا فعلًا؟ قالوا له: لماذا هذا؟ وجعل الرجل يذهب ليقبّل فوق قدميه.

قال له: أنا لم أتركها من أجلك، أنا تركتها لله سبحانه.

نصيحة الكمال بن الهمام بتنظيم الأمور واعتذاره عن الإدارة حفاظاً على مبادئه

سبحان الله، أنت اليوم شخص آخر، وغدًا هذا. نظموا أنفسكم أنتم الآن؛ لأنني لم أكن مسؤولًا أمام الله عن هذا الخلل.

فادي هذا مثلًا اعتذاره للإدارة للأمير مثلًا في المدرسة. بعد ذلك كان هناك أحد من أيضًا الناس الذين هم الملأ يعني أو الناس الأكابر اسمه جقمق، أصبح اسمه الملك الظاهر بعد ذلك بعد برسباي ما بات، وهكذا.

وكان يحبه كثيرًا ويعظمه، وكان جقمق هذا قد أصبح تقيًا يصلي ويصوم ويتصدق ويعمل ولا يظلم الناس.

علاقة الكمال بن الهمام بالملك الظاهر جقمق ورفضه التدخل في شؤون العلم والقضاء

فكان الكمال بن الهمام يقول له: لا تفعل كذا، افعل كذا، في الديوان لديك كذا وكذا من الأخطاء، وهكذا.

فعندما يكون هناك توائم، تكون هناك خدمة: حاضر، سأخدمك بعناية. عندما يكون هناك تدخل في التدريس أو في الإدارة أو في القضاء، فتفضل ها هي استقالتي. أنا لا أريد تدخلًا في شؤون العلم أو في القضاء.

[المذيع]: نعم، كما قلنا مرة قبل ذلك مع شخص ما، وهو استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية من فصل السلطات.

[الشيخ]: نعم.

الجانب الاجتماعي للكمال بن الهمام وكفالته للإمام السيوطي بعد وفاة أبيه

فالإمام هذا هو الذي هو كمال بن الهمام، يعني كان له جانب اجتماعي أيضًا. أنت تعلم أن الإمام السيوطي وُلِد سنة ثمانمائة وتسعة وأربعين، ثمانمائة وتسعة وأربعين. هذا الرجل عاش كم سنة؟ تسعة وخمسين سنة.

فأبوه توفي وهو عنده ست سنين، يعني حوالي سنة ثمانمائة وخمسة وخمسين. أبوه كان السيوطي على وشك الموت، فجاء الكمال بن الهمام وقال له: أنا سأموت فهذا ابني وصية عندك.

فتربى السيوطي في بيت الكمال بن الهمام وتأثر به كثيرًا، وسنرى حلقة خاصة بالسيوطي في برنامجنا؛ لأنه شخصية فوق الخيال. هذا الذي فوق الخيال تربى في بيت الكمال بن الهمام.

تواصل العلم وتوريثه والمنهجية في التعليم عند الكمال بن الهمام وعصره

[المذيع]: تواصل العلم يا مولانا وتوريث العلم كان واضحًا كسمة من سمات هذا العصر.

[الشيخ]: الذي كان يتميز بـالطريقة المنهجية، حيث إنهم يعلمونهم المنهجية وليس الجزئيات فقط، أي ليست مجرد معلومات، بل ما هو المنهج الذي يكمن وراء هذه المعلومات.

ولذلك نجد أنه بعد أن انطلقوا، أخذوا ما أسميناه نحن ببعض شهادات الدكتوراة وأجازه كل المشايخ أن يُدرِّس في جميع العلوم.

مؤلفات الكمال بن الهمام في العقيدة والأصول وكتاب المسايرة والتحرير

فوجدناه قد ألَّف كتابًا ممتعًا في العقيدة، ما زال يُدرَّس في الأزهر إلى الآن، اسمه المسايرة في العقائد.

ووجدناه مؤلفًا كتابًا آخر جمع فيه - انظر إلى الذكاء والعبقرية وانظر إلى مصر وأبنائها، يعني شيء غريب الشكل - عندنا مدرسة شافعية أثرية في أصول الفقه، لدينا مدرسة عقلية فكرية تُسمى الحنفية. هذه مدرسة وتلك مدرسة، هذا يأخذ الفروع ويستخرج منها الأصول، وذاك يأخذ الأصول ويبني عليها الفروع، أي أنهما على عكس بعضهما.

فقام شخص بالجمع بينهما ليشكل الدائرة الكاملة، ذلك الذي يبحث في أرسطو ويكتب كتابًا اسمه التحرير في الجمع بين الطريقتين، يُدرَّس في الأزهر إلى الآن منذ ستمائة سنة، وهذا العلم قائم ويُدرَّس.

كتاب فتح القدير على العبد الفقير ولطافة الكمال بن الهمام في شكر الله

وفاجأنا بكتاب فتح القدير على العبد الفقير.

[المذيع]: ما هو فتح القدير يا سيدي الشيخ الكمال؟

[الشيخ]: إنه الكتاب العمدة في فقه الحنفية الذي جمع فيه كل فروع الحنفية محققة ومحررة ومدللة، موضحًا مصادرها ووجهتها وكيفيتها وكيف تبني عليها.

فلما ألَّف الكتاب حصل له استغراب: هل أنا الذي كتبت هذا؟ أمعقول هذا أم هو توفيق من عند الله؟ فذهب مسميًا إياه بهذا الاسم اللطيف فتح القدير على العبد الفقير.

[المذيع]: يا سلام!

[الشيخ]: هل أنت منتبه؟ يعني انظر إلى اللطافة حتى في شكر الله سبحانه وتعالى.

دفن الكمال بن الهمام بجوار ابن عطاء الله السكندري وتسمية منطقة البساتين

دفن ابن الكمال رحمه الله بجوار ابن عطاء الله السكندري. ابن عطاء الله السكندري توفي سنة سبعمائة وتسعة، وهو [الكمال بن الهمام] مولود سنة سبعمائة وتسعين، يعني هذا في الأول وهذا في الآخر.

عندما توفي أصبح ابن مولانا واحدًا وستين، دُفِنَ بجوار ابن دقيق العيد، بجوار ابن عطاء الله السكندري، ابن سيد الناس بجوار أبي جمرة بعد ذلك بجوار ابن عطاء الله السكندري، وقبره يُزار إلى الآن.

مع هذا الذي كنا نسميه يعني بستان الجنة، وعلى فكرة سُميت بمثل هذا البساتين؛ لأنها بستان الجنة، حيث فيها كل هؤلاء الصالحين وكل هذا العدد الكبير الذي تشرفت به مصر والذي أثّر في أجوائها.

مصر أرض الصالحين بكثرة العبادة والذكر والإخلاص وبناء الحضارة

مصر من كثرة العبادة وكثرة الذكر وكثرة الإخلاص وكثرة الإتقان وكثرة العمل وبناء الحضارة وعمارة الدنيا، فالحقيقة أنها أرض الصالحين الحمد لله دائمًا يا رب إن شاء الله.

[المذيع]: وأنا أشكر حضرتك شكرًا جزيلًا، أهلًا وسهلًا بفضيلة العلامة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، شكرًا لفضيلتك.

[الشيخ]: شكرًا، جزيلًا.

[المذيع]: موصولٌ لحضراتكم، إلى اللقاء.

دعاء ختامي للأموات بالرحمة والمغفرة وسعة القبر ودخول الجنة

من سبقونا إلى دار الحق، ندعو لهم فنقول: اللهم ارحم ميتنا واغفر له وآنس وحشته ووسع قبره، اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النار، اللهم ارحمه رحمة تسع السماوات والأرض.

اللهم اجعل قبره نورًا لا ينقطع واجعله في جنتك آمنًا مطمئنًا يا رب العالمين، افسح له في قبره، ومدّ له في بصره، وافرش قبره من فراش الجنة.

ارحمه ولا تطفئ نور قبره يا قيوم، أقمه على نور في قبره مستبشرًا بحسن إجابته وتثبيتك إياه عند السؤال. اللهم قِهِ عذاب القبر وقِهِ عذاب النار، جافِ الأرض عن جنبيه، اغفر له وارحمه واعْفُ عنه وعافه وأَكْرِمْ نُزُلَهُ وأبدله أهلًا خيرًا من أهله ودارًا خيرًا من داره.

اللهم يا ربنا ألْحِقْنا به تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهمَّ آمين.