اللقاء العام الرابع | أ.د علي جمعة
- •الطريقة الصديقية الشاذلية تسعى إلى الله تعالى باعتباره المقصود الأساسي في السير والسلوك.
- •غياب اللقاء الجسدي مع الشيخ لا يعني انقطاع المدد، إذ "إذا غابت الأشباح التقت الأرواح".
- •التوحيد الخالص يقتضي عدم التعلق بالشيخ أو حتى بالذكر، فالمقصود هو الله وحده.
- •يجب الإكثار من ذكر الله على كل حال، مع تحرير النية لله في كل الأفعال والأحوال.
- •لا ينبغي للمريد الالتفات لحاله من قبض أو بسط، بل عليه الرضا بما يجريه الله عليه.
- •ليس المقصود من الذكر الترقي في المقامات، بل العبادة الخالصة لله تعالى.
- •الرابطة مع الشيخ وسيلة لتركيز الذهن في الذكر وليست مقصودة لذاتها.
- •المحبة هي الوصال، وليست طريقاً إليه، فالمحب لمن يحب مطيع.
- •المريد مطالب بفهم "لا حول ولا قوة إلا بالله" بعمق، والتخلق بالأخلاق الحسنة.
- •اتخاذ الأسباب واجب، لكن الاعتماد عليها شرك، "فترك الأسباب جهل والاعتماد عليها شرك".
افتتاح اللقاء الرابع لأهل الطريقة الصديقية الشاذلية العلية
بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ومرحبًا بكم في هذا اللقاء الرابع لعموم أهل الطريقة الصديقية الشاذلية العلية، التي منَّ الله علينا بها، نرويها كابرًا عن كابر حتى ينتهي إلى سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم، نبينا المصطفى وحبيبنا المجتبى.
نفعنا الله به في الدنيا والآخرة، وجعله شفيعًا لنا عند ربنا؛ فإنه هو الأسوة الحسنة، وهو السراج المنير، وهو حبيب رب العالمين صلى الله عليه وآله وسلم.
يسأل بعض الناس أسئلة، هذه الأسئلة هي تكون محور حضورنا في هذا اللقاء.
هل توقف التواصل مع الشيخ يعني انقطاع المدد أو الخروج من الطريق
سائل يسأل: هل توقف التواصل مع الشيخ كما حدث في هذه الأزمة الأخيرة هل معناه انقطاع المدد أو إنه خارج الطريق؟
كان مشايخنا رضي الله تعالى عنهم يقولون لنا: إذا غابت الأشباح التقت الأرواح، ولذلك فإن اللقاء الشبحي أي بالأجساد ليس هو أساس الطريقة.
وذلك أننا في هذا الطريق إنما نسعى إلى الله سبحانه وتعالى، والله هو مقصود الكل وهو مطلوبي في السير في هذا الطريق، والله سبحانه وتعالى باقٍ.
موقف أبي بكر الصديق عند وفاة النبي وأن المقصود هو الله وحده
ولذلك عندما التفت سيدنا عمر، وهو من الصديقين الكبار، عند وفاة النبي إلى قضية فراق الأشباح، قام أبو بكر وقال: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
ولذلك فإن في هذا الطريق الشيخ يُعين ويساعد ويرشد ويعلم، لكن مقصود الكل هو الله سبحانه وتعالى. نسعى إليه بالذكر ونسعى إليه بالفكر، نسعى إليه من غير أن نلتفت إلى شيء، ونسعى إليه ونحن مؤمنون بقضائه، ونحن راضون بفعله في هذا الكون.
مواجهة التصرفات الكونية بالصبر والرضا والتسليم لله تعالى
سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فكل هذه التصرفات الكونية التي لا حيلة لنا فيها إنما نواجهها بقول يعقوب وهو يعلم أبناءه:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]
ما دام الأمر من عند الله سبحانه وتعالى فعلينا أن نصبر وأن نرضى وأن نسلم وأن نتوكل وأن نجعل ملتقى الأرواح إذا ما افتقدنا ملتقى الأشباح.
سؤال عن الشوق للشيخ ورؤيته وأن المقصود هو الأنس بالله لا بالمخلوقين
يسأل آخر: أحيانًا أخجل من ذكر بعض الأمور للمقدم وأتمنى لو كنت أذكرها لمولانا الشيخ، ويزيد شوقي وحبي لشيخي وأتمنى رؤيته ولو منامًا، فهل إلى ذلك من سبيل؟
أيضًا هذا يندرج تحت ما ذكرناه، يندرج تحت أننا في هذا الطريق ليس المقصد هو أن نلتذ بلقاء الشيخ ولا حتى أن نلتذ بالذكر ولا أن نلتذ بالعبادة، ولكن أن نلتذ بالأنس بالله سبحانه وتعالى؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو المقصود.
وهذا هو التوحيد الخالص، وهذا هو معنى أننا نحاول أن نخلص الدين كله لله. تسقط رسوم الأكوان وتسقط رسوم الأشخاص، ولا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
التعلق بالنبي والشيخ لا ينبغي أن يصرف عن المقصود وهو الله تعالى
فهذا هو المقصود من هذا الطريق، وكل ما يعتري الإنسان من تعلق بالشيخ، من تعلق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو صخرة الكونين وهو مُلتجأ الخلق وهو العبد الأول عند ربه سبحانه وتعالى.
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
فكان مثالًا يُحتذى، وكما قالوا: لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك، أي أن هذا الكون خُلق من أجل العبادة، من أجل أن يُعبد هذا الكون ربه.
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
فهم يسبحون ويسجدون ويرضون ويأتون ويسلمون.
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
النبي مخلوق ووسيلتنا إلى الله والأنس يكون بالله وحده جل جلاله
وبالرغم من ذلك فإن سيد الكونين هذا أيضًا وهو من طائفة الكون هو مخلوق لربه، وإنما أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون الأنس به وحده جل جلال الله، حتى ولو كان سيدنا النبي هو وسيلتنا إليه وهو مرشدنا وهو الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نتبعه حتى قال:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
سؤال عن برنامج يومي مبارك وأهمية تحرير النية لله في كل الأعمال
يسأل: إذا سمح مولانا، هل يمكن أن يتفضل علينا ببرنامج نلتمس به البركة لتنظيم اليوم؟
اتق الله ما استطعت؛ لأن الله سبحانه وتعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
وارضَ بما قسمه الله لك، ولكن أول ما وضع البخاري في صحيحه:
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى»
يجب عليك أن تحرر النية لله وأن تجعل كل فعلك وكل تركك وكل حركاتك وكل سكناتك لله رب العالمين، هنا ستنال وتصل إلى المقصود الأتم من العبادة.
حكم الإسراع في الذكر وجمعه مع عمل آخر لإتمام العدد في وقته
يسأل ويقول: كثيرًا ما نضطر للإسراع في الذكر أو جمعه بعمل آخر كي نتم العدد في وقته، فهل هذا قصور؟
بل هذا هو المطلوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل حال. والمطلوب شرعًا أن نذكر الله كثيرًا. ذكر الله يتأتى بالصلاة ويتأتى بقراءة القرآن، يتأتى بالتسبيح أو الاستغفار أو نحوها.
ولكن الذي طلبه الله منا أن نذكر الله كثيرًا:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
ولذلك نذكره في حال الخلوة، ونذكره في حال الجلوة، ونذكره على كل حال، حتى لو لم نكن على طهارة، لا صغرى ولا وسطى ولا كبرى.
الحث على الإكثار من ذكر الله حتى يرطب اللسان وينير القلب
بل نذكره سبحانه وتعالى امتثالًا لإرشاد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول:
قال رسول الله ﷺ: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»
كلما اشتد ذكرك جف لسانك، ولكن هذا الجفاف جسدي ظاهري، والحقيقة أن هذا الجفاف عند الله مثل دم الشهيد أطيب عند الله من ريح المسك، مثل خلوف فم الصائم فهو أطيب عند الله من ريح المسك.
ولذلك فإن هذا الجفاف نحافظ عليه بعد الذكر حتى تأتي الواردات كما سنرى في بعض الأسئلة.
أسرِع، حَصِّل، واذكر الله سبحانه وتعالى حتى يقال عنك إنك مجنون؛ لأن هذا هو الذي ينير القلوب، وهذا هو الذي يجعل اللسان مع الجنان مع الجسم بأركانه مع الأركان خاضعًا لله سبحانه وتعالى.
عدم التفتيش في أحوال القبض والبسط والرضا بما يجريه الله على العبد
يقول: إذا كان المريد عاجزًا عن فهم أحواله فلا يستطيع التفريق إذا كان حال القبض أو البسط مثلًا مرتبطًا بالذكر أو بأمور الدنيا؟
لا تفتش مثل هذا التفتيش، دعها، اتركها، لا تلتفت حتى إلى حالك، لا تلتفت إلى حالك ولا تركز معه؛ لأن هذا نوع من أنواع الاهتمام بغير المقصود؛ لأن المقصود هو الله.
أما أنه قد ورد قبض رضينا بالقبض، أو ورد بسط رضينا بالبسط، ونلتذ أن هذا من عند الله سبحانه وتعالى في الحالة وفي اللحظة التي نعيشها. لا نكره قبضًا ولا نرغب بسطًا، وإنما نحن نعبد ربنا وما يُجريه على أجسادنا وعلى قلوبنا وعلى أرواحنا وعلى نفوسنا فليجريه سبحانه وتعالى ونحن في رضا كامل وفي رضا تام.
﴿رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: 8]
ارضَ عن ربك.
هل انتهاء ورد الأسماء يعني التغلب على النفس الأمارة وأن الذكر عبادة لا غاية
هل بانتهاء المريد من ورد الأسماء الأصول والفروع وأسماء الله الحسنى يكون قد تغلب على نفسه الأمارة؟
المفروض أن هذه الأشياء لها آثار، فإذا تمت هذه الآثار فإنه يكون قد نرتقي، لكننا لا نلتفت إلى هذا الارتقاء ولا نجعله غايتنا.
نحن نذكر لأن الله يحب منا الذكر، ونحن نذكر عبادةً لله، لا من أجل أن نرتقي ولا أن ننتقل من مرحلة إلى مرحلة ولا أن نقضي على أنفسنا الأمارة أو اللوامة أو غير ذلك من الترقيات. هذا سيتم عندما يريد الله له التمام.
معنى لا حول ولا قوة إلا بالله وأنها مفتاح الأمان في معية الله
يجب علينا دائمًا أن نتذكر هذا الذي نقوله لأنه مفتاح لكل شيء وهو معنى لا حول ولا قوة إلا بالله. لا حول ولا قوة إلا بالله أي لا فاعل في هذا الكون إلا الله.
وأننا في معية الله سبحانه وتعالى فنحن في مأمن، حتى لو تواردت علينا الأفعال وتواردت علينا الأحوال وتواردت علينا التقلبات، فنحن في مأمن لأننا في معية الله سبحانه وتعالى.
ومن أجل هذا فلا تطلب من ذكرك الترقي وتلتفت إلى نفسك وتقول: هل أنا أصبحت في درجة أخرى؟ إذن فأنت تعبد هذه الدرجة، بمعنى أنك تسعى وأن مقصودك هو هذه الدرجة، ونحن نريد أن يكون مقصودنا هو الله لا رب سواه هو رب العالمين.
الفرق بين العبادة والتدريب والعادة وأن المطلوب هو العبادة الخالصة لله
ولذلك فنحن نقوم بهذه الأفعال إما عبادةً لله ونريد العبادة، وإما تدريبًا وتربيةً من أجل الترقي وهذا أدون من العبادة ونحن نريد العبادة، وإما أن يكون هذا من باب العادة ونحن لا نريد أن يكون من باب العادة حتى لو كانت عادةً طيبةً.
ومن هنا يأتي كلام أبي يزيد البسطامي عندما سألوه: ما لنا نعبد ولا نشعر بلذة العبادة؟ قال: عبدتم العبادة، يعني جعلتم العبادة هي المقصد. أنا صليت كم ركعة، أنا ذكرت كم اسمًا، أنا الآن في أي مرحلة، قربني يا شيخ إليك حتى أتمتع بالجلوس تحت قدميك، إلى آخر هذه الرغبات.
ما زالت رغبات، ولكن المقصود هو أن نحرر أنفسنا وندرب أنفسنا على هذا التحرير ونتعود عليه:
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]
إدراك معنى لا حول ولا قوة إلا بالله لتحقيق الترقي والتلذذ بالعبادة
إذن كل هذه الأسئلة تدور حول معنى واحد وهو أنه يجب علينا أن ندرك بعمق معنى لا حول ولا قوة إلا بالله، حتى ننجو وحتى نترقى وحتى نلتذ بالعبادة وحتى نشعر بآثار هذه العبادة من مقاومة النفس الأمارة والترقي من اللوامة إلى الملهمة إلى الراضية إلى المرضية إلى المطمئنة إلى الكاملة.
لكن هذا ليس هو مقصودنا، ليس هو مرادنا، بل مرادنا هو الله، ومقصودنا ومطلوبنا هو الله.
مراحل تلقي المعاني الربانية من التلقي إلى الفهم إلى التصديق إلى المعايشة
مسألة صعبة أن يفرق الإنسان بين هذه المعاني الدقيقة، لكننا نحاول ونتعلم ونعلِّم، وبتكرار هذه المعاني سنفهم وسنعيش هذه المعاني.
أول المراحل أن تتلقى، ثم تفهم ما المراد، ثم تصدق بهذا المراد، ثم تحفظ هذا المراد، ثم تعيش هذا المراد. هذا هو الذي نريده، أن تعيش هذه المرادات الربانية الإلهية.
هكذا فعل فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
استحباب كتمان النفس بعد الذكر ودوران الواردات عند بعض الطرق الصوفية
يقول: قرأنا في بعض كتب الصوفية ما يسمونه استحباب كتمان النفس مرات بعد الذكر من أجل دوران الوارد.
بعض الطرق فيها أنه يهتم بالجذب، أي يجذبك من هذه الحياة الدنيا ومشاغلها وملهياتها إلى الله سبحانه وتعالى، حتى يدفعك هذا الجذب إلى السلوك فيبدأ بالجذب متجهًا به إلى السلوك.
وبعض هذه الطرق ومنها طريقتنا نبدأ بالسلوك حتى تصل إلى الانجذاب إلى حضرة المولى سبحانه وتعالى. فهذا وارد وهذا وارد.
كيفية كتمان النفس بعد الذكر وأثره في سيلان الواردات الروحية
وكتمان النفس هذا معناه أنه بعد الذكر نجلس هُنَيْهة ونغمض أعيننا ونأخذ النَفَس ثلاثًا، ثم نكتم هذا النَفَس في صدورنا هُنَيْهَة، يعني شيء بسيط هكذا، وبعدين نخرجه؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يكتم نفسه تحت الماء أكثر من دقيقتين، يعني الأرقام القياسية.
ولكن هذا لا يتحمل دقيقتين ولا دقيقة، وإنما هي قضية أنه يأخذ نفسه ثلاث مرات ثم يكتمه حتى يحتاج إلى التنفس فيخرج النفس.
ويقولون إن هذا يعني يجعل سيلان من الواردات وهو الذي يسمونه دوران الواردات، فيأتي الوارد ثم وارد بعده ثم وارد بعده.
الواردات ليست مقصودة لذاتها والمقصود من الذكر هو الله وحده
الواردات قد تحدث في قلب الإنسان راحة وقد تحدث له نوعًا من أنواع الشعور بالصلة، ولكن أيضًا هي غير مقصودة. ليس هذا هو مقصودنا من الذكر ومن العبادة ومن التوجه.
مقصودنا هو الله:
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]
وليس أن نلتذ بالعبادة. فمن أراد أن يفعل هذا [كتمان النفس] فهو جائز، إنما مع تحرير ذهنه وقلبه من أن يتعلق بغير الله سبحانه وتعالى؛ لأن تحرير القلب من هذا التعلق هو الذي سيأتي بكل هذه الأشياء بسهولة، بنظام، بوضوح، باستمرار، تدوم.
وأحب الأعمال إلى الله، وكذلك أحسن الأحوال عند الله ما دام واتصل.
كيفية الاستفادة من العزلة المنزلية بالأذكار والأفكار والتدبر
يسأل يقول: أنا الآن في عزل منزلي، أجلس بمفردي بغرفة في المنزل، قليلًا ما أتحدث لأحد، فكيف أستفيد من تلك الخلوة بالأذكار والأفكار؟
أما الأذكار فتتمثل في القرآن الكريم، وتتمثل في الذكر المحض، وتتمثل في الدعاء والمناجاة والالتجاء.
وأما الأفكار فتتمثل في التدبر. أجلس مع آية من آيات الله وحاول أن تفهم معانيها وحاول أن تفهم مراميها وحاول أن تعيش فيها وفيما تقتضيه من أمور.
هل الخلوة تتطلب إذنًا من الشيخ وما الذي يسرع بالسير إلى الله
هل هذه الخلوة تتطلب إذنًا من الشيخ؟
ما [يحتاج] الشيخ إذن؟ خلاص، لأن الله أذِنَ. الله سبحانه وتعالى هو الذي أذِنَ لك بهذه العزلة لأنه فرضها عليك. يبقى إذن الشيخ يأذن لأن الشيخ تحت مراد الله سبحانه وتعالى.
ما الذي يسرع بالإنسان في السير إلى الله؟ هذا الإخلاص الذي تكلمنا عنه.
العلاقة بين الحروف والأعداد وأجرام السماء وشأن الإنسان في الأرض
ورد في عدد من الأحزاب الذكر: باحون وقاف آدم وحم وها، فما معناها؟
هي هناك علاقة ما بين الحروف وبين الأعداد وبين جريان أجرام السماء في السماء وبين أحوال شأن الإنسان في الأرض. هناك علاقة لا تصدر إلا عن حكيم.
كلما اطلع الإنسان على هذه العلاقات التي يتعجب منها لا يمكن إلا أن يقول أن الذي خلق هذا الكون وأوجده وكان سببًا في إنشائه وقال له كن فيكون، لا يمكن إلا أن يكون متصفًا بصفات الكمال، متصفًا بصفات الجمال، متصفًا بصفات الجلال. لا يمكن إلا أن يكون كذلك.
اكتشاف الأقدمين لعلاقات الحروف والأعداد وإلهام سيدنا إدريس بها
فهذه العلاقات اكتشفها الأقدمون، وورد ما يدل على أن سيدنا إدريس أول من ألهمه الله وأوحى إليه بمثل هذه العلاقات.
هذه العلاقات تفنن فيها المتفننون، وفتح الله على عباده في إدراك تلك العلاقات. هذه العلاقات وجد الباحثون فيها أن لها علاقات مع أسماء الله الحسنى الموجودة في الحديث، الموجودة في الروايات المختلفة، الموجودة في القرآن الكريم.
وعددها أكثر من مائة وخمسين اسمًا [في القرآن]، وفي السنة أكثر من مائة وستين اسمًا، وفي المجموع بينهما أكثر من مائتين وأربعين اسمًا.
تبحر أئمة الصوفية في علوم الحروف والأعداد ووضع التركيبات بناءً عليها
وجدوا أن هناك علاقات بين هذه الحروف وهذه الأعداد وهذه الترتيبات في علوم كان سيدي أبو الحسن الشاذلي يعني متبحرًا فيها، كان سيدي عبد العزيز الدباغ متبحرًا فيها، كان سيدي إبراهيم الدسوقي متبحرًا فيها.
وبناءً عليه وُضِعَت مثل هذه التركيبات. هذه التركيبات كثيرًا ما يكون لها في كثير من الأحيان تفسير ولها معنى، ولكن المشايخ لا يريدون أن تكون شائعة بين الخَلْق؛ لأنها تشتمل على معانٍ قد تُثقِل في الفهم إلا بعد فهم هذه العلاقات وتلك الجداول وهذه الروابط ما بين الحروف وما بين الأعداد وما بين جريان أجرام السماء وجريان شأن الإنسان في الأرض إلى آخره.
حديث النبي عن موافقة الخط وثمرات الأكابر في الذكر والتوحيد والأخلاق
ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «فمن وافق خطُهُ خطَهُ» [أي خط النبي الأول الذي أوحى الله له هذه العلاقات] «فذاك»
يعني سيصل إلى شيء. فلما رأينا الخير جرى على يد أولئك الأكابر من الأئمة الذين أمرونا بذكر الله، أمرونا بالتوحيد الخالص، أمرونا بالعبادة، أمرونا بكل هذه الأخلاق الطيبة، أمرونا ألا تكون الدنيا في قلوبنا وإذا كانت تكون في أيدينا، أمرونا بأن نكون في الدنيا كعابر سبيل.
لم يطلبوا سلطانًا ولا دنيا ولا شيئًا من هذا الوضع، لم يأمرونا بالسيء من الأخلاق، عرفنا أن الله فتح لهم وبهم وعليهم هذه العلوم.
دلالات الحروف المقطعة في القرآن وإشارتها إلى علوم الحروف والأعداد
إذن هذه الأمور لها دلالات على تلك العلاقات التي بين الحروف والأعداد، ولكن ليس من الضروري أن نعلم معانيها الدقيقة؛ لأن معانيها الدقيقة تحتاج إلى إيضاح يمكن أن يُشرح في ورقات كثيرة حتى نستوعب ما المراد منها.
ولكن القرآن الكريم أشار إلى هذا بالحروف المقطعة في أوله: الٓمٓ، حمٓ، قٓ، نٓ، وهكذا، وكأنه يشير إلى شيء من هذه العلوم.
يجب علينا أن نسعى في فهمها وأن نسعى في علمها، وليس في محض معرفتها هكذا، بل أن وراءها أسرارًا كثيرة يمكن أن تفيد في الدعاء. فلأننا سلّمنا لسيدي أبي الحسن الشاذلي علمه وفضله وإمامته، فعلنا [ذلك تسليمًا له].
هل الانقطاع عن الورد ثم العودة علامة على أن رزق المريد ليس في الطريق
هذا الانقطاع عن الورد ثم العودة والانقطاع لفترة قد تزيد عن شهر ثم العودة لفترة تطول أو تقصر، هل هذه علامة بأن رزق المريد ليس في هذا الطريق؟
ما دمت تجد قلبك في الطريق فدم عليه؛ لأن الأمر هو أمر القلب وليس أمر المجيء والانقطاع من عوارض الدنيا. إذا وجدت قلبك في هذا الطريق فدم عليه.
معنى النفس مطية يقويها إنضاؤها وقلة الطعام والمنام والكلام والأنام
ورد عن مولانا في كتاب الطريق إلى الله قوله: النفس مطية يقويها إنضاؤها ويضعفها استمتاعها.
تكلموا عن هذه الأربعة:
- قلة الطعام
- قلة المنام
- قلة الكلام
- قلة الأنام
هذه الأربعة هي المقصود بأن نُمضي، وهذه عبارة نُمضي النفس تعني أن النفس تنحف، لا تتضخم ولا تثقل، لا تصبح نفسًا ثقيلة، بل تكون خفيفة.
قال رسول الله ﷺ: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه»
فكما أن الجسم له ثقل، فإن هذه النفس لها ثقل ووخامة قد يعطلها في الترقي مع الله سبحانه وتعالى.
تشبيه النفس بالفرس الناضي وأن نحافتها تسرع بها في السباق إلى الله
ولذلك فإن إنضاؤها يعني نحافتها تفيدها وتجعل الفرس الناضي أسرع؛ لأنه لا يحمل دهنًا ولا يحمل ثقلًا يعطله من الفوز بالدرجة الأولى في السباق، وأن يكون المجلي لا المصلي. المجلي يعني الذي يأتي أولًا، المصلي هو الذي يأتي ثانيًا في السباق في عالم الخيل.
ويضعفها استمتاعها ولو كان في حلال.
الفرق بين النفس والروح في القرآن الكريم وأوصاف النفس المختلفة
فهو يقول: هل هذه هي النفس أو الروح؟
لا، الروح لم توصف في القرآن الكريم، لكن التي وصفت بأنها مطمئنة، بأنها راضية، بأنها مرضية، بأنها ملهمة:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ [الشمس: 8]
فهي النفس. فالنفس هي التي ستؤاخذ، ولكن في بعض الكتب عبر عن النفس بالروح، فكثير من الاستعمالات لتلازمهما؛ لأن النفس لا تخرج عند الموت لا تخرج إلا مع الروح.
فالروح هي التي تخرج إذا كان هناك موت، أما النفس تخرج وحدها إذا كان هناك موت [أي في النوم تخرج النفس وحدها وفي الموت تخرج مع الروح] كما ذكرنا ذلك كثيرًا.
هل كثرة الصلاة على النبي تقوم مقام المربي عند البعد والمسافة
هل كثرة الصلاة والسلام على رسول الله تقوم مقام المربي عند البعد والمسافة؟
كما ذكرنا قضية الأشباح والأرواح [إذا غابت الأشباح التقت الأرواح]، ولكن الصلاة على سيدنا رسول الله بركة، والإكثار منها علامة رحمة. فينبغي علينا أن نكثر الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، قربت المسافات أو بعدت.
حكم تثليث أذكار المسبعات عند ضيق الوقت وإتمامها إذا بدأت بالفاتحة
إذا ضاق الوقت، هل ينفع أن نثلث أذكار المسبعات؟
لا، إذا ضاق الوقت وأوشكت الشمس أن تشرق وبدأت بقراءة الفاتحة، فإذا أتممتها أتمم المسبعات كاملة؛ لأنك لو كنت تصلي الفجر فأتممت ركعة، أي جزءًا من الصلاة، ثم أشرقت الشمس فالوقت وقت حضور وأداء وليس وقت قضاء.
ومن هنا كان سيدنا أبو بكر يطيل في صلاته بالمسلمين فيقولون: ستصبح، ستصبح، يعني الشمس خلاص ستشرق، فقال: لو أشرقت ما وجدتنا غافلين.
فالقضية هنا هي أن ما دمنا أدركنا شيئًا من المسبعات فلنتمه، ويكون ذلك أيضًا في وقتها ملتزمين بشرطها.
النجاة من كثرة الفتن والحيرة بالتوقف عن تصفح الإنترنت والاشتغال بالله
كثرة الفتن من حولنا وكثرة الحيرة، ماذا نفعل حتى ننجو؟
توقف عن تصفح الفيسبوك والإنترنت ستجد نفسك مسرورًا غاية السرور. لكن الحيرة كلها نابعة من أننا نشغل أنفسنا بما لم يشغلنا الله سبحانه وتعالى به.
الإسلام ليس فيه رجال دين والشيخ معلم ومرشد لا مشرع
إلى أي مدى يكون لرجال الدين المسلمين سلطة روحية على مريديهم؟
هي المشكلة أن الإسلام ليس فيه أصلًا رجال دين. رجال الدين هم أولئك الطائفة في أديان مختلفة تشرع للمسلمين شريعتهم، تشرع لأهل تلك الديانة شريعتهم.
وليس هناك هذا النوع ممن يشرع للمسلمين شريعتهم. الشريعة كملت وتمت بنزول القرآن الكريم وبإيضاح النبي صلى الله عليه وسلم في سنته لهذا القرآن العظيم، وباجتهادات أولئك الأئمة الذين وفقهم الله سبحانه وتعالى من غير حول منهم ولا قوة في فهم وفي الحفاظ على هذه الشريعة ولغتها.
لكن ليس هناك ما يسمى برجال الدين، رجال الدين هي كلمة خطأ. ولذلك أصلًا ليس لأحد سلطان على أحد، والأمر كله في العلاقة بينك وبين ربك. شيخك ومرشدك ومُقَدَّمُك إنما هو معلم، إنما هو المرشد، إنما هو دال على الخير وليس مشرعًا لشيء من هذا إطلاقًا.
ماذا نفعل عندما يخطئ في حقنا أحد المسلمين وخاصة من الصوفية
ماذا نفعل عندما يخطئ في حقنا أحد المسلمين وخاصة من الصوفية؟
كأنه ليس موجودًا، لا تلتفت إليه، تجاوز واشتغل بما شغلك الله به.
التنقل بين الطرق والأوراد دون إتمام يمنع الوصول إلى المقصود
بعض الأشخاص يتنقلون من طريق إلى آخر ومن ورد إلى آخر فلا يحصلون على الأثر المطلوب.
هذا الشخص الذي ينتقل من طريق إلى آخر ومن ورد إلى آخر دون أن يتم، كطالب العلم الذي يقرأ في هذا الكتاب صفحات ثم يعود يقرأ في كتاب آخر صفحات ثم يعود، سيظل هكذا أبدًا في مكانه كما يقولون محلك سر.
إذا أراد أن يصل إلى جهة معينة وسار كيلومترًا ثم رجع هذا الكيلو من أجلها لأنه يبدأ من نقطة انطلاق أخرى، فإنه لا يصل إلى مقصوده أبدًا.
متى نجعل أبناءنا يلتزمون بالأوراد وشروط الصلاة التفريجية ونيتها
متى نجعل أبناءنا يلتزمون بالأوراد؟
عندما يطيقون ذلك، ويتراوح هذا من سن العاشرة إلى الثانية عشرة.
هل يشترط في الصلاة التفريجية نية واحدة؟
لا بد أن تكون لنيةٍ واحدة ولا يجوز فيها تعدد النيات.
هل يُشترط إتمام عددها الكبير أربع أرباعات في يوم واحد؟
ليس في يوم واحد، وإنما عندما تتم يَقبل الله الدعاء كما هو مُجرَّب.
ذكر لتيسير الحال وذكر للخلاص من القلق والهم والغم بالاستغفار
ممكن ذِكر لتيسير الحال:
aقرأ سورة:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1]
أربعين مرة فييسر الله الحال.
ويقول أيضًا: ذِكر للخلاص من القلق والهم والغم:
aاذكر الله سبحانه وتعالى بالاستغفار، كل هذه الأشياء تذهب بالاستغفار بلا عدد، يعني بأعداد كبيرة كما تريد.
قراءة حزب البحر لتفريج الكرب وأعداده المختلفة الواردة عن المشايخ
هل يوصى بقراءة حزب البحر سبعين مرة تحديدًا لتفريج الكرب؟
ورد هذا أنه يقرأ حزب البحر:
- •قالوا سبعين [مرة]
- •وقالوا ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر
- •وقالوا ألف مرة لأن الألف هي نهاية العدد عند العرب
- •وقالوا كثيرًا من هذا
وعلى كل حال جرب وافعل، والله سبحانه وتعالى ينفعنا بدعاء الصالحين.
كيف نتعلق باسم الله الكريم دون الوقوع في الغرور
﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: 6]
كيف نتعلق بهذا الاسم وهو الكريم دون أن نقع في الغرور؟
aاذكر يا كريم؛ لأن يا كريم هذا يعني - قال بعض الناس - أنه لعله الاسم الأعظم. فيا كريم هذا له قيمة كبيرة وعدده مائتان وسبعون.
هل الكرامة تخرق العقل أم العادة فقط وموقف جمهور العلماء من ذلك
هل يمكن أن تخرق الكرامة العقل أم أنها تخرق العادة فقط؟
جماهير العلماء على أنها تخرق العادة فقط، وجماهير هنا يكاد أن يكون إجماعًا.
ولكن هناك كلام لسيدي محيي الدين بن العربي وكأنه يشير فيه إلى أنه دخل أرضًا تسمى سمسمة أو الأرض البيضاء وأنه رأى فيها اجتماع النقيضين، يعني رأى فيها الكرامات وكأنها تخرق قواعد العقل.
ورد عليه العلماء في هذا وخطَّؤوه وقالوا له: أنت رأيت شيئًا ليس فيه اجتماع نقيضين، بل فيه فرق من جهة لم ترها. يعني أيضًا صمَّموا على أن اجتماع النقيضين محال، وهذا هو الحق الذي أخذناه عن مشايخنا ونسير عليه.
متى يبدأ المريد بذكر أحزاب الإمام الشاذلي وأنها أقرب وسيلة للوصول
يقول: ماذا بعد الورد الثابت وورد الأسماء؟ يعني متى أبدأ ذكر أحزاب الإمام الشاذلي؟
على الفور، من الآن ابدأ الذكر بأحزاب الإمام الشاذلي؛ لأنها عبارة عن دعاء ومناجاة وتوسل إلى الله سبحانه وتعالى.
وكنوز الأسرار كان سيدنا الشيخ القاضي يقول إنها أقرب وسيلة للوصول إلى الله سبحانه وتعالى. فيجب علينا أن نسير فيها.
هل يتعارض كون الإنسان مخيرًا مع إرادة الله وقهره للأشياء
يقول: هل يتعارض كون الإنسان مخيرًا مع إرادة الله وقهره للأشياء؟
أبدًا؛ لأن الله هو الذي خلق لنا الاختيار. ولذلك إذا بحثنا المسألة عن طريق مستوى الإنسان فإن الإنسان مخير قطعًا، معه عقل ومعه إرادة ومعه اختيار.
ولكن من جهة الرحمن هو خلق كل شيء بما فيه الخير وبما فيه الشر وبما فيه الإنسان والأكوان، خلق كل شيء. كل هذا الله سبحانه وتعالى عندما خلقني، خلقني بإرادتي وهذا هو الذي سأُحاسب عليه.
باختياري: أصلي أو لا أصلي، أزكي أو لا أزكي، أرتكب المعصية أو أتركها. إذن هذا باختياري أنا وعليه يتم الحساب.
تشبيه الكون بالفيلم السينمائي والتوفيق بين إرادة الله واختيار الإنسان
إنما هو الذي خلق كل شيء. كأننا هنا في فيلم سينمائي، الذي أنتجه والذي أخرجه والذي صوره والذي أبرزه هو الله سبحانه وتعالى فهو رب العالمين.
كوني في داخل الفيلم أتحرك، هذا بإرادتي وبكفاءتي وما إلى ذلك، لكنه هو الذي أوجد كل هذا الكون بما فيه.
فليس هناك تعارض؛ لأنهما دائرتان متداخلتان وليست متقاطعتان ولا متعارضتان.
اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل وموافقة الأشاعرة له وتنزيهه عن التشبيه
سمعت أحد المشايخ الحنابلة يقولون أن سيدي عبد القادر الجيلاني قال: لا يكون لله ولي على غير اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل.
صحيح، ونحن على اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل، والأشعري على اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل وصرح في كتبه بهذا.
ولكن الإمام أحمد بن حنبل ليس مشبهًا ولا مجسمًا ولا مثل هذه الأشياء. نحن على اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل. أحمد بن حنبل من أئمة الأمة ومن أتقيائها ومن خُلصائها وممن اختلط لحمه ودمه بسنة رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم، وأقامه الله في ذلك.
لكن كلام سيدي عبد القادر كلام صحيح وكل الأشاعرة هم على مذهب الإمام أحمد، ولذلك كل الأشاعرة أقروا بهذا المذهب. حتى ألّف ابن الجوزي كتابه الماتع دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، فكان كل هذا ردًا على دعاوى ابن حامد والزاغوني وغيرهم من المشبهة.
هل يستطيع المريد الخروج من الطريقة وتفاصيل السير بالأسماء والأوراد
هل يستطيع المريد الخروج من الطريقة متى شاء أم أن له شروطًا؟ يشترط بعد الثلاثين يومًا من السير بالأسماء أم يكتفي بالأساس والمسبعات والوظيفة؟
كل هذا بالتفصيل مكتوب في الكتب ويجب عليك أن تراجعها لأنها مُجاب عنها بالتفصيل.
ما يحبه الشيخ من المريد وأهمية الإخلاص وفهم لا حول ولا قوة إلا بالله
ما الأشياء التي يجب أو التي يُحب شيخنا نور الدين أن أفعلها كمريد وأواظب عليها؟
ما ذكرناه من الإخلاص، من فهم لا حول ولا قوة إلا بالله التي هي مفتاح لكل الحِكم العطائية.
الدعاء المحبوب هو أن نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
رسول الله قال:
قال رسول الله ﷺ: «اسألوا الله لي الوسيلة»
فما الدعاء الذي تحبونه حتى ندعو الله به؟
أن نكون مع رسول الله، لماذا نترك رسول الله؟ أن نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو الدعاء الذي نحبه.
ماذا يفعل المريد ليشعر بوجود شيخه معه في الظروف الصعبة
ماذا يفعل المريد ليشعر بوجود شيخه معه خاصة في الظروف مثل التي نمر بها؟
لا يفعل شيئًا، يستأنس بالله، يرضى بالله. إذا غابت الأشباح التقت الأرواح.
ماذا بعد الورد الثابت وورد الأسماء؟ يعني متى أبدأ ذكرًا؟
هذا ذكرناه قبل ذلك، مُكَرَّر.
الفرق بين ما يوصل إليه الذكر والفكر عند الصوفية وبين التأمل عند غير المسلمين
بعضهم يساوي بين ما يوصل إليه الذكر والفكر ومجاهدة النفس عند الصوفية وما يصل إليه بالتأمل وغيره عند غير المسلمين، ويساوون بين الصوفية ومن يدعونهم بالمتنورين، فهل هذا صحيح؟
هذا خطأ. والصوفية اطلعت على كل ما وصلت إليه الفلسفات والمذاهب الأخلاقية في الشرق والغرب، واستطاعوا من خلال عرضها على الكتاب والسنة وأصول الديانة الإسلامية أن يستخلصوا هذا الذي نفعله في الصوفية بأمر الله وبأمر رسوله وبالتجربة البشرية المعتبرة التي تتساوى مع ما أمر الله به ورسوله.
فهذا الذي يظن أن التأمل والميديتيشن واليوجا وغيرها من هذه التراهات، وهي أمور ملوثة بعقائد وثنية، يظن أنها تساوي هذا التوحيد الخالص، فهو مخطئ.
صحبة الشيخ مأخوذة من ملازمة الصحابة للنبي وآدابها الشرعية
ماذا عن صحبة الشيخ وما يجب على المريد لتحقيق هذه الصحبة؟
صحبة الشيخ أخذوها من ملازمة الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضعوا لها آدابًا.
ومن هذه الآداب:
﴿وَلَا مُسْتَـْٔنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى ٱلنَّبِىَّ فَيَسْتَحْىِ مِنكُمْ وَٱللَّهُ لَا يَسْتَحْىِ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ [الأحزاب: 53]
النبي صلى الله عليه وسلم لأنه سيكون له ميراث محمدي في التعليم والإرشاد والتربية، واجه هذه المشكلة أن الكل يحب أن يجلس إليه.
حديث حنظلة ساعة وساعة والتوازن بين العبادة وعمارة الدنيا
حتى قال له حنظلة: عندما نكون معك تكون قلوبنا في السماء ومعلقة بالعرش، وعندما نخرج ونعايش أهلنا وأموالنا تحدثنا أنفسنا. فقال:
قال رسول الله ﷺ: «يا حنظلة، ساعة وساعة، والله لو استمررتم على ما كنتم عليه معي لصافحتكم الملائكة في الطرقات»
كثير من الناس يفهمون أنها درجة عالية، وأنا أفهم منها أنها تحذير؛ لأنه لو صافحتنا الملائكة في الطرقات تركنا الدنيا وتركنا عمارتها، فوقعنا مرة أخرى في المعصية؛ لأن الله أمرنا أن نعمر هذه الدنيا، ولانشغلنا بجمال الملائكة وأنسها عن الهدف الأساس للخلافة البشرية في الأرض.
ولذلك يا حنظلة ساعة وساعة، هذه هي، هذا هو الكمال وليس الكمال أن نلتذ فنخالف.
صحبة الشيخ مضبوطة بآداب شرعية على رأسها عدم الاستئناس بالحديث
يجب علينا أن نفهم هذا الأمر بدقة. فصحبة الشيخ هي مضبوطة بتلك الآداب التي على رأسها:
﴿وَلَا مُسْتَـْٔنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى ٱلنَّبِىَّ فَيَسْتَحْىِ مِنكُمْ وَٱللَّهُ لَا يَسْتَحْىِ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ [الأحزاب: 53]
كيفية إحداث الرابطة أثناء الذكر واستحضار المواجهة الشريفة أو الكعبة أو المصحف
كلما هممت بإحداث الرابطة وتخيل حضرة مولانا أثناء الذكر أتلعثم ولا أستطيع، فماذا أفعل؟
يعني ليس بالضرورة أن تستحضر الصورة، فيمكن أن تستحضر المواجهة الشريفة [لسيدنا النبي]، ويمكن أن تستحضر الكعبة المشرفة، ويمكن أن تستحضر مصحفًا موجودًا مثلًا كصورة مصحف.
المقصود من الرابطة ألّا يشتت ذهنك فيتصور ربك. احذر؛ لأن هذا هو المقصود من قولنا: سبحان الله، سبحان الله، يعني أنزِّه الله عن كل صورة.
الرابطة صحيح فيها صلة عندما تكون بصورة الشيخ، ولكن أيضًا لها جانب سلبي وهو أنها تسلب مني الصور وتشغلني عن استحضار صورة لرب العالمين، فيؤدي ذلك إلى تدهورات نفسية وإلى تخيلات شيطانية.
بدائل الرابطة بصورة الشيخ والتنزيه عن تصور رب العالمين
فهي [الرابطة] لها جانب إيجابي وجانب آخر تسلب عني هذه الصور، فنفعلها بهذه الطريقة. أما صورة الشيخ فإن تعذر فصورة شيء مما خلقه الله كالمواجهة الشريفة لسيدنا النبي، كالكعبة، والمصحف.
كلام الله غير مخلوق، لكن المصحف المطبوع عندنا هذا المتلو هذا دال فهو مخلوق. ولذلك يمكن لكل هذه المخلوقات أن تأتي حتى لا ينثال في الأذهان صور غير مرغوب فيها لتصور رب العالمين:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]
علم الجفر ليس له علاقة بالتصوف ولا ينبغي الاستماع إليه
شاهدت ڤيديو يتحدث شخص فيه عن رموز وأشياء لا أفهمها ويقول أنها من علم الجَفْر، فما هو هذا العلم وهل له علاقة بالتصوف؟
ليس له علاقة بالتصوف، ولا تستمع إليه مرة أخرى؛ لأن ذلك لا يضر ولا ينفع.
معنى التنوير في إسقاط التدبير عند ابن عطاء الله السكندري
نريد فهم عبارة سيدي ابن عطاء الله: التنوير في إسقاط التدبير، فما معنى التدبير؟
التدبير هو أن ترى لنفسك حولًا وقوة وأنك تدبر شيئًا بعيدًا عن مراد الله سبحانه وتعالى.
أما أن تتخذ الأسباب التي خلقها الله من أجل أن الله قد أمرنا باتخاذها فهذا ليس من قبيل التدبير.
كيف يتخلص الإنسان من الاعتقاد في الأسباب مع اتخاذها
كيف يتخلص الإنسان من الاعتقاد في الأخذ بالأسباب مع أنه يعرف أنها ليست التي تُحدِث النتائج؟
يتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نتخذ الأسباب ولكن ألا نعتمد عليها، حتى وضع العلماء تلك القاعدة الجليلة:
ترك الأسباب جهل، والاعتماد عليها شرك.
كيف يعرف المريد أن به كبرًا وعلاج ذلك بجبر الخواطر والتواضع
كيف يعرف المريد أن به كِبْر؟
لا يفتش في هذه الأشياء ويحاول أن يتواضع لله سبحانه وتعالى. وكان مشايخنا يضبطونها بجبر الخواطر، يعني لا تحاول أن تكسر خاطر أحد خاصة الضعفاء.
كلما حاولت أن تكسر الخاطر، قاوم نفسك ولا تجعله، لا تجعل نفسك تفعل هذا الأمر، وبذلك تخرج من هذه الأمور.
العلاقة بين مقام الرضا والمحبة وأن المحبة الحقيقية هي نفسها الوصال
يقول: بين مقام الرضا والمحبة في بداية طريق المريد أيهما أولى بالاتباع؟ فالمحبة تقتضي طلب الوصال من الله أو الرسول أو الأولياء، والرضا يقتضي التسليم بالحال، أيهما أقرب لرضا المحبوب؟
هو في الحقيقة أن المحبة لا تقتضي طلب الوصال، بل إن المحبة هي نفسها هي الوصال. يعني لو كان في قلبك حب حقيقي لله أو لرسوله فقد اتصلت به. فالمحبة هي الوصال.
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
إذن فالمحبة إذا كنت حقًا تحبه لأطعته. إن المحب لمن يحب مطيع.
رؤية رسول الله على غير هيئته في المنام وتأويلها عند أصحاب التأويل
في كتاب سيدي النبهاني سعادة الدارين، فضل رؤية رسول الله على غير هيئته. فصل: رؤية رسول الله على غير هيئته، وأن سيد الكونين مثلًا يعكس حال ومقام الرائي، وربما رجع ذلك لنقص في دين الرائي.
نسأل الله سبحانه وتعالى الكمال دائمًا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لو رُئي في غير هيئته فإن ذلك له تأويل، فليعرضه على أصحاب التأويل ويذكرون له المعنى الذي هو فيه.
كونه يدل على نقصان في الدين قد يكون ذلك، وهل يدل على معصية قد يكون ذلك، هل فيه إشارة لفعل معين وليس فيه نقصان قد يكون ذلك، حسب الرؤية وحسب سياقاتها.
حب الولي للمريد وثواب المحبة القلبية وقصيدة سيدي أبي مدين
هل حب ولي بعينه واختصاص حبه [يعني حب الولي للمريد]؟
yعني الحب عندما يحدث في القلب فإن الله سبحانه وتعالى ينشئ له ثوابًا، وهذا الثواب يكون حب الطرف الآخر له.
في قصيدة سيدي أبي مدين "ما لذة العيش؟" قال حضرته: إنه الرضا، يختص بمن حضر إذا كان هناك أمر بالحضور.
ولذلك التعميم هنا ليس على وجهه، يعني الشيخ قال: احضروا، فلم يحضر أحد، فحينئذٍ يقول هذا الكلام الذي ترجمه كثير من الناس من العوام، لكنهم عرفوا الحكمة يقولون: الغائب ليس له نائب.
لكن قضية البُعد والمسافات والمدن والاختلافات وما إلى آخره ليست من هذا القبيل إطلاقًا.
هل مقام القطبية يستمر مع القطب في البرزخ بعد الانتقال
هل مقام القطبية يستمر مع القطب في البرزخ؟
إن الكريم إذا وهب ما يسلب، ولكن هو مقامه يستمر معه، ولكنه هناك في الملكوت له مقامه كما كان له مقامه في الملك.
إنما منصب الملك ذهب لأنه انتقل، ولذلك يُعيَّن مكانه قطب آخر.
قراءة حزب الإخفاء بنية الحماية والحفظ وتجنب الأذى من أي شخص
هل يمكن قراءة حزب الإخفاء بنية الحماية والحفظ وتجنب الأذى من شخص معين أم يُقرأ على أعداء الحرب فقط؟
لا، يُقرأ على كل هذه النيات وكل طلب للحفظ.
الطريق إلى الله يمكن أن يشفي من الاضطرابات النفسية ودور المقدم في التربية
هل الطريق إلى الله من الممكن أن يشفي من الاضطرابات النفسية؟
طبعًا يمكن أن يُشفى منها، ونسأل الله سبحانه وتعالى الشفاء لكل مريض.
هل مقدم الطريقة يُعتبر مربيًا للمريدين المنتسبين له أم أنه فقط مجرد نائب؟
حسب مرتبة هذا المقدم، ولكن في النهاية شيخ الطريقة هو الذي منه الإرشاد ومنه التوجيه.
الأخلاق السيئة قابلة للتغيير وجواز قول ربنا يحبك
أشعر أن الأخلاق السيئة لدي صعبة التغيير، هل الطبائع السيئة تتغير؟
طبعًا:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]
وهذا معناه أن هناك تغييرًا حتى للسيئ.
سمعتُ أنه لا يجوز أن نقول لأحد ربنا يحبك، فهل هذا صحيح؟
يعني هل مثلًا ربنا يكرهك هي التي صحيحة؟ ربنا يحبك وإلا لم يخلقك وإلا لم يرشدك إلى هذا الخير، سواء كان الإسلام أو كانت الطاعة في الإسلام أو كان استجابة الدعاء. من قال لك أن الله لا يحب صنعته؟ الله يحبك قطعًا.
الدعاء الختامي بالمغفرة والرحمة والحشر تحت لواء النبي صلى الله عليه وسلم
وفي النهاية ندعو الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وأن يكفر عنا سيئاتنا وأن يجمعنا في الدنيا والآخرة على الخير، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يشرح صدورنا للإسلام وأن ينور أبصارنا وبصائرنا إلى حقائقه، وأن ينقلنا من دائرة سخطه إلى دائرة رضاه.
وأن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وصدورنا، وأن يحشرنا تحت لواء سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يدخلنا الجنة ببركته من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، وأن نشرب من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا.
فاللهم يا ربنا متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وأدخلنا الجنة مع الأبرار، أصلح حالنا واغفر ذنبنا واستر عيبنا وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإلى لقاء آخر أستودعكم الله.
