المتشددون | حـ 5 | عبد الرزاق باشا السنهوري والنهضة | أ.د علي جمعة

المذيع [الأستاذ شريف فؤاد]: هذه تحيةٌ لكم من عند الله طيبة مباركة مشاهدينا الكرام أرحب بكم في مستهل هذا اللقاء والرحلة الإيمانية التي نتواصل فيها في ملمح تاريخي ومحاولة ننهل من علم ضيفنا الكريم فيها لبيان مفهوم كيف يفكر المتشددون وما الذي أوصلهم إلى هذا المآل انطلاقاً من مفهوم الدين أو الإسلام الصحيح ننهل دائماً من علم العلامة الجليل ضيفنا الكريم فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة الذي أرحب به أيما ترحيب. أرحب بفضيلتك يا مولانا، الشيخ: أهلًا وسهلاً بكم. المذيع: وصلنا في الحقيقة
إلى عبد الرزاق باشا السنهوري الذي وضع قانوناً مدنياً رائعًا، وظل تقريباً اثنتي عشرة سنة يعمل على صياغة هذا القانون ولم يستطع أصحاب الحجة أن يخرجوا منه أو يضعوا أيديهم على سلبيات فيه، إلا اللهم سلبية حسن الهضيبي. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. حسن الهضيبي ذهب إلى البرلمان وعرض عليهم أنه يعني ضد فكرة أن يضع أحد من الناس سواء كان واحداً أو لجنة قانونًا؛ لأن هذا -في تصوره- يخالف اجتهاد القاضي أو يخالف ما عليه الفقه الإسلامي أو شيء من هذا القبيل، أي أنه يعترض على التقنين. ومن هنا وجدنا وفجأة وفي غياب كثير من قيادات الإخوان أن حسن الهضيبي أصبح هو المرشح لخلافة حسن البنا بالرغم أن أحداً لم يعرفه،
المذيع: يا سلام! الشيخ: وهذه هي الأزمة التي حدثت بين الشيخ الغزالي وسيد سابق وأحمد الباقوري وغيرهم. المذيع: وكلهم خرجوا يا مولانا، الشيخ: كلهم خرجوا لأنهم فوجئوا بشخص ليس منهم، لأن حسن البنا عندما كان الشيخ الغزالي يأتي إلى المجلة يجعله يؤمه، وهو في عمر العشرين سنة تقريباً. الشيخ الغزالي مولود سنة سبعة عشر، ألف وتسع مئة وسبعة عشر، فنحن نتحدث عن شاب في سنة أربعين مثلاً، عمره ثلاثة وعشرون سنة. وفي سنة سبعة وأربعين كان عمره ثلاثين سنة. هذا الشاب لأنه حسن مولود سنة ستة، فستة من سبعة عشر يعني أحد عشر سنة. كثير هذه الأحد عشر سنة، تجعله أستاذاً له المذيع: جيل، الشيخ: الفرق جيل. الغزالي كان مع حسن البنا موجود معهم ويرى الأحداث ويشاهد كل شيء وما
إلى ذلك. فكيف لا يكون خليفته الغزالي مثلاً! لماذا لا يكون أحمد حسن الباقوري! أو أو عبد العزيز كامل! أو أو سيد سابق! فهناك أشخاص آخرون أيضاً، ولكن فجأة أصبح حسن الهضيبي لماذا؟ من أجل هذا الموقف المذيع: فكر منغلق، الشيخ: لا، هذا ليس فكراً منغلقًا، هذا فكر معين هكذا لكي -لا أقع في توصيفه- هو فكر يناسب دعوة الإخوان إلى أننا لسنا على الحق وأنهم هم الذين على الحق، وأنه ينبغي عليهم أن يتولوا الحكم كذا إلى آخره كما سنرى. عبد الرزاق باشا السنهوري كان رجلاً مسلمًا فلما جُمعت أشعاره -التي كان يكتبها في أمور متفرقة- وُجد أنها كلها من الشعر الإسلامي.
عبد الرزاق باشا السنهوري لم يغب عن همّ المسلمين بضياع الخلافة -وهو في السوربون- ولكن بطريقة واقعية بطريقة عصرية، يريد أن يطبق الإسلام فعلاً، المذيع: نعم، الشيخ: فعبد الرزاق باشا السنهوري كتب -وتأمل وقال-: "على فكرة نحن نحتاج أن نعمل كثيراً، إننا نحتاج أن نُعلّم الشرعيين الاجتهاد، كيف نعلمهم الاجتهاد؟ لأننا نحتاج إلى جيش من المجتهدين حتى نطور القانون الذي وضعته". المذيع: يا سلام! الشيخ: أتريد يا عبد الرزاق باشا أن تطور هذا؟ قال طبعاً المذيع: أخذ بأسباب العصر، الشيخ: وهناك خطوة ثانية وهناك خطوة ثالثة، فهذا
القانون يجب أن يتطور، والمتطور هذا يجب أن يتطور، ولكي ننشئ هذه الصنعة يجب أن ننشئ صانعها. المذيع: يا سلام! جيل من المتعلمين، الشيخ: من المتعلمين، فمن الذي وجده فاهمًا لفكرته، وجد عبد الرحمن باشا عزام. المذيع: طبعاً المذيع: من هو عبد الرحمن عزام هذا هو أمين عام الجامعة العربية المذيع: أول أمين عام الجامعة العربية. الشيخ: فاتفق معه أن ينشئ معهداً وأسماه معهد الدراسات العربية -حتى لا يغضب أحد- معهد الدراسات العربية يُدرَّس فيه نظريات القانون العالمية المنظمة للفكر، ويُدرِّس فيه الشريعة، ويدرس فيه اللغة العربية التي هي أداة للفهم حتى يُخرج من طلبة أو
بعض طلبة -فعندما أُعلِّم مائة ويخرج لي منهم أربعة هؤلاء هم من أريدهم- أو بعض طلبة معهد الدراسات العربية أي من يقوم بواجب الوقت ويكون مؤهلاً لصياغة القوانين. وقد نشأ هذا المعهد فعلاً ودرّس فيه الأكابر: عبد المنعم الصدة ومحمد عبد الله وعبد الله العربي والأكابر أساطين القانون والشريعة محمد أبو زهرة وعلي الخفيف، الأكابر درسوا فيه فرج السنهوري -فرج السنهوري غير عبد الرزاق السنهورى- درس فيه الأكابر -في معهد الدراسات العربية- ابتغاء ماذا؟ ابتغاء إخراج مجتهد يفهم العصر
ويفهم... المذيع: ويطور القانون الذي وضعه عبد الرزاق السنهوري الشيخ: من خلال ماذا؟ من خلال الشريعة الإسلامية أهؤلاء كفار؟ عبد الرزاق باشا الذي يفعل ذلك، الذي يَصنع المجتهد، الذي يريد أن يصنع، الذي يأمل، أهؤلاء كفار؟ عيبٌ هذا الكلام الفارغ. انظر إلى الأعمال. ما رأيك يا سيدي الفاضل أن مكتبة معهد الدراسات العربية في جاردن سيتي بجوار دار الحكمة في شارع القصر العيني من أكبر المكاتب التي نجد فيها المرجع الذي لا نجده في دار الكتب المذيع: ما زال موجوداً معهد الدراسات العربية هذا يا مولانا؟ المذيع: أتتصور أنه ما زال موجودًا! المذيع: أنا أول مرة أسمع عنه من فضيلتك في الحقيقة. الشيخ: وهو تابع لجامعة الدول العربية، المذيع: تابع لجامعة الدول العربية، الشيخ: نعم تابع لجامعة الدول العربية، ولكن الزخم الذي كان موجدًا [وقت] السيد
السنهوري -المستشار السنهوري توفي عام ألف وتسعمائة وسبعين- وبعد ذلك بدأنا وانشغلنا بالحرب وانشغلنا بأمور أخرى، والفتنة التي حدثت في سحب الجامعة العربية إلى تونس. التداعيات منذ السبعينيات وحتى الآن شغلت الناس عن فكر عبد الرحمن باشا عزام وعن فكر عبد الرزاق باشا السنهوري في إنشاء أو إيجاد بيئة على الأقل يمكن تتيح لمجتهد واحد أن يخرج، فكرة الفاهم بعمق، فكرة الفاهم القادر على صياغة القوانين بما لا يخرج عن الشريعة الإسلامية. وسنرى تداعيات هذا في كثير جداً من التجليات حتى نرد على هذا الفكر القَمِيء والذي يتبناه الآن أمثال القرضاوي وغير القرضاوي وهذه الأمور، المذيع: يعني نحن لدينا قانون مدني مستوحى من الشريعة الإسلامية وضعه
عبد الرزاق السنهوري. الشيخ: استمروا في البرلمان يراجعونه حتى سبتمبر ألف وتسعمائة تسعة وأربعين. المذيع: ثلاث سنوات تقريباً، الشيخ: لا سنتين يعني من عام ثمانية وأربعين، أي حوالي أربعة عشر أو خمسة عشر شهراً، نعم، وأصدروه في سبتمبر سنة ألف وتسعمائة تسعة وأربعين. المذيع: عظيم، الشيخ: الذي يهمني في ذلك أمران: الأمر الأول أن عبد الرزاق باشا السنهوري نص على أن هذا هو الخطوة الأولى. المذيع: عظيم، الشيخ: إذن في تطوير له، وعلى فكرة هذا التطوير لم يتم المذيع: حتى الآن! الشيخ: وحتى الآن، فما الذي تم؟ هذه الخطوة الأولى التي تم أنه بعد إهانة النظام هنا لعبد الرزاق باشا السنهوري ذهب إلى البلاد العربية وإلى العراق، ووضع لهم القانون هناك، وقال: "هذا القانون هو الذي كنت أتمنى انه يتطور
في مصر"، فأصبح القانون المدني العراقي هو الخطوة الثانية. ثم جاء الجماعة من الأردن، سيدنا الشيخ عبد العزيز الخياط رحمه الله تعالى شيخنا. أراد أن يضع القانون المدني هناك، مَن أبو القانون المدني؟ المذيع: السنهوري. الشيخ: فاستدعوه: لمراجعة القانون المدني الأردني؛ فذهب ووجد المخطط وقال: "هذه الخطوة الثانية". هو لم يشترك في صياغة القانون الأردني. القانون المدني الأردني وصفه عبد الرزاق باشا السنهوري بأنه الخطوة التي تلي العراق. أهذا يكون كافراً طبعاً عندما تقرأ القانون المدني الأردني تجد أنه أقرب كثيرًا إلى الفقه الإسلامي، مثلًا السوريون أخذوا قانوننا وطبقوه
كما هو، وهي الخطوة الأولى. أفغانستان ترجمت القانون كما هو، وعندما أتوا في أفغانستان بعد حركات طالبان وغيرها، رجعوا وقالوا من أين أتينا بهذا القانون؟ المذيع: من مصر بلد الأزهر. الشيخ: فلما ترجموه إلى العربية وجدوه هو قانوننا -ترجموه من الأفغان إلى العربية- فوجدوه قانوننا، فقالوا لنا: على فكرة هذا هو هذا باللفظ والكلمة وما إلى ذلك. وطلبوا منا ما لدينا من الأعمال التحضيرية وما إلى ذلك. وبدأ عصر جديد في العلاقة بين مصر وأفغانستان سنة ألفين وسبعة، المذيع: يا سلام. الشيخ: عبد الرزاق باشا السنهوري كان مسلماً وأراد الإسلام ولم يخرج عنه، وهكذا في ذات الوقت. هذه النقطة الأولى انتهينا منها،
لنأتِ الآن إلى النقطة الثانية. نحن نتحدث عن أي سنة؟ المذيع: ألف وتسعمائة تسعة وأربعون الشيخ: في سبتمبر عام ثمانية وأربعين قام أحد مشايخنا واسمه عبد الله بن حسن التيدي. ما شأن هذا الشيخ؟ هذا الشيخ أزهري محترم، هذا الشيخ حصل على دراساته أو الدكتوراه الخاصة به من باريس من السوربون. وبعد ذلك الشيخ عبدالله قال: أنا لي وجهة نظر أخرى غير وجهات النظر الموجودة، ما هي؟ فألّف كتاباً في أربعة مجلدات اسمه "المقارنات التشريعية". هذا الكتاب سمعنا اسمه من قبل، المذيع: "المقارنات
التشريعية" الشيخ: الذي ألفه مخلوف المنياوي الذي كان في مجلدين، المذيع: قدري باشا، الشيخ: هذه مقارنات تشريعية طُبعت في مطبعة عيسى الحلبي سنة ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين -كان حينها توجد مكتبة مفتوحة اسمها عيسى الحلبي- طبعت له هذا الكتاب في أربعة مجلدات وهو لا يدري عن مجهود الشيخ مخلوف المنياوي، فأخذ الاسم هكذا مصادفة. هذا اسمه المقارنات في أربع مجلدات. المذيع: أستأذن فضيلتك بالتفصيل نتحدث عن المقارنات والشيخ السيد عبد الله التيدي ومجهوده بعد هذا الفاصل، إن أذنت لنا مولانا الشيخ: إن شاء الله تفضل. المذيع: ابقوا معنا، الحديث يتواصل. الحقيقة تاريخ مهم يتعلق بالفكر والفقه الإسلامي وبيان صحيح الدين بعد الفاصل نواصل مع العلّامة الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة
أرحّب بكم مجدّدًا الحديث يتواصل وبرنامج المتشددون، العلامة الجليل للأستاذ الدكتور علي جمعة نتحدث عن المقارنات التشريعية التي عمل عليها الشيخ السيد عبد الله التيدي إن صح التعبير، ولم يكن يعلم أن هناك مجهوداً للشيخ مخلوف المنياوي كما تحدث فضيلتكم في وقت سابق، الشيخ: فسمى كتابه بنفس اسم كتاب مخلوف المنياوي دون أن يشير إليه ودون أن يطلع عليه، وفي الحقيقة أن كتاب الشيخ مخلوف المنياوي كان موجوداً في أضابير دار الكتب ولم يلتفت إليه أحد، وكان بخط اليد. وعبد الله بن
حسين التيدي لم يطّلع عليه إطلاقاً. عبد الله بن حسين التيدي قام بمجهود شخصي منه في مقارنة الفقه المالكي بالقانون الفرنسي، وعمل جداول وعمل أشياء، مجهود ضخم جداً قام به الشيخ عبد الله رحمه الله الشيخ عبد الله جعل اثنين من العلماء الكبار يكتبون له تقريظاً لكتابه، من هما؟ -وهذا التقريظ في آخر الكتاب وليس في أوله- سيدنا الشيخ محمد أبو النور زهير -وهو شيخي في أصول الفقه- يا سلام! نعم، وكنا نقول له: يا مولانا، أنت عندما تتعرق، فإنك تتعرق علم أصول الفقه المذيع: أخذت عنه العلم وكنت تجلسون إليه يا مولانا، الشيخ: وقرأت عليه المذكرات وأجازني بها، وحتى في طبعة أنا ذكرت أنه أجازني بإقرائها وتدريسها بعد أن قرأتها عليه كلمة كلمة وقرأنا عليه منهاج
البيضاوي. هذا سيدنا الشيخ من؟ محمد أبو النور زهير، والشيخ الثاني عبد السميع إمام رحم الله الجميع. الشيخ عبد السميع إمام كان قد اختار جوار الحرم المكي، فسافر هناك وأقام في الحرم المكي مدرساً وأستاذاً للعلوم. هذان الاثنان قدما تقريظاً لمن؟ لعبد الله بن حسين التيدى. ماذا يقول؟ انظر الفرق بين الأزاهرة المعترضين. أزاهرة يعترضون ولكن بأدب، المذيع: يوجد علمٌ نختلف عليه الشيخ: يقول: "أنا لا يعجبني أنك تقنن، يا من تقنن -ولم يذكروا اسم السنهوري- لا يعجبني أنكم تقننون هكذا. لماذا لا تأخذون من الفقه مباشرة؟" هذه وجهة نظر، علِم أراد قلبُه أن يقول هكذا، فليقل
وجهة نظره. وربما تكون هي الأصح، وربما تكون هي الأنفع للناس. كل شخص له وجهة نظر، لم يُفسّقوه، لم يُكفّروه، لم يحتقروه، لم يشتموه، لم يسبّوه، وإنما قالوا: يا إخواننا، نحن سمعنا أن هناك أمراً يُدبّر الآن بصياغة القوانين وسوف تُضيّق واسعاً، هذا الفقه شيء واسع. وجهة نظر السنهوري أن القاضي لا يتحمل هذا الاتساع، فيجب أن أعينه بمحددات ويجب أن يكون هذا التحديد من عند الجهة التشريعية التي بيدها السلطان الذي هو اختيار المذيع: الفكر وهذه أيضاً خلفيته الفكرية لأنه كان قاضياً، فهذا كان غالباً على تأليفه. الشيخ: الثاني، يتبنى ويرغب، كلامه جميل، ونحن نقوله وندرسه ونسمعه، لكن بالطرق
الأدبية والطرق العلمية والطرق التي فيها البحث عما ينفع الناس. بالطرق التي ندرك فيها الواقع الصحيح وليس الخيالات، حسناً، فسيدي الشيخ عبد الله التيدي رحمه الله تعالى اعترض على السنهوري، إنما الاعتراض المناسب الذي يصدر من مَنْ؟ من العالم الأزهري. ما الفرق إذاً بين المتشدد؟ ها هو المتشدد يعترض، والشيخ عبد الله التيدي مع عبد السميع أمام مع أبي النور زهير يعترض المذيع: ولكن لأنهم أزهريون الشيخ: فالطريقة مختلفة. هذا يقول لك: "ومن لم يحكم بما أنزل الله"، وأنت تحكم، وما هذا الكذب؟ والآخر يقول له: "أنا أرى رؤية غير رؤيتك، المذيع: لا توجد مشكلة، مرحباً بالاجتهاد"، الشيخ: وهذه أربع مجلدات بذلت فيها
الجهد لأبين لك تفوق الفقه المالكي على التشريع الفرنسي، حسناً، قُل. المذيع: مرحباً الشيخ: ومرحباً، وقد نتبناك في يوم من الأيام. أتنتبه [للفرق]، المذيع: هل تمت الاستفادة من هذه المجلدات مولانا؟ الشيخ: اختفت هذه المجلدات بعدما صدرت بقليل، المذيع: يا سبحان الله! وظللنا لا نراها ابتداءً من سنة اثنين وخمسين مثلاً، انتهت الكتب. يبدو أن عيسى الحلبي لما طبعها طبع نسخاً محدودة لأنني وأنا رجل مهتم بالكتب ومهتم بمتابعتها. فقدت المجلدين الثاني والثالث المذيع: من هذه المجموعة، أما الأول والرابع فلم أفقدهما. سقط لى من الأول إلى
الرابع بعد حوالي خمسة وعشرين عاماً، هل تفهم ما أقول؟ فبادرت قائلاً: لا، هذا الكتاب لا يعرفه أحد، وقلما يكون أحداً قد اطلع عليه فطبعناه فأصبحنا طابعين المجلدين الخاصين بمخلوف المنياوي، وأصبحنا طابعين الأربعة مجلدات الخاصة بعبد الله التيدي، وأصبحنا طابعين الأربعة مجلدات الخاصة بقدري باشا والعدل والإنصاف، فيكون ذلك اثني عشر وثلاثة عشر، وبعد ذلك معرفة الإنسان فيكون أربعة عشر، وهكذا. المذيع: هذه مجموعة ثرية للغاية يا مولانا. الشيخ: لماذا؟ لأنها تقول إن هؤلاء الناس مسلمون وأن لهم وجهات نظر نختلف ونتفق، لكن هناك مجهودات علمية لا بد أن تتم. هؤلاء آباؤنا، الشيخ عبد الله التيدي وهذا هو الشيخ محمد أبو النور زهير،
هؤلاء الشيوخ هم آبائي وهم في جيل أبي حقاً، فينبغي علينا أن نحترمهم، أو ربما هم أكبر من أبي حقاً، فيجب علينا أن نتأدب مع ومع علمائنا ومع من بذلوا لمصر كل هذا الفكر الإسلامي المذيع: والفكر الإسلامي والقانون، الشيخ: فحضرتك هاتان النقطتان اللتان كنت أرغب في إضافتهما لعبد الرزاق باشا السنهوري: النقطة الأولى أنه قال إن هذا القانون المصري هو الخطوة الأولى، وقال إن العراقي هو الخطوة الثانية، وقال إن الأردني هو الخطوة الثالثة، وأن من اعترض اعترض بعلم، اعترض بأدب، اعترض ببناء وليس بهدم، وهذه آراء من خلال: أنت أيها المتشدد تريد أن تميل إلى كلام الشيخ عبد الله التيدي، حسناً، المذيع: ولكنه لا يفهم شيئاً
أصلاً. الشيخ: تريد أن تميل إلى الشيخ عبد الله التيدي الذي لم تسمع عنه طوال عمرك ولم تقرأ كتبه، تبنى رأيه لكن قُلْ إنَّ هناك رأيًا غير هذا الرأي، فهذا رأيٌ وذاك رأي، وهذه طريقة وتلك طريقة، وليس أننا نحكم بغير ما أنزل الله. من قال هذه الخرافة؟ الذي قال هذه الخرافة هم هذه الجماعات. مرةً في عهد الخديوي إسماعيل، أرادوا أن ينشئوا مدرسة للحقوق، فأنشأوا مدرسة الحقوق ووضعوا لها منهجًا. فمن ضمن المنهج دراسة أصول الفقه ودراسة الشريعة الإسلامية وتاريخ التشريع، وما إلى ذلك. ثم يقول أحدهم في كتابه -أشياء فضائح-: وكما ترى فإنهم درسوا أصول الفقه والشريعة الإسلامية ذراً للرماد في العيون. يا سلام الله! حسناً، ولكن أنا قرأت هذا قراءة ثانية، هؤلاء
الناس لم يخرجوا عن الإسلام بل أرادوا خطابًا جديدًا للإسلام، ولذلك فإنهم أنشؤوا كليات الحقوق وأنشؤوا كليات الشريعة والقانون. ولما أنشأوا هذا المعهد وضعوا الشريعة فيه كأساس، لماذا هذه الكلمة ذراً للرماد فى العيون؟ من أين جاء بها؟ جاء بها من النظارة السوداء التى يرتديها ويحكم بها على المجتمع، هذا الكلام مهم للغاية ونحن نتكلم عن المتشددين لماذا؟ لأنه لو قرأ شاباً هذا الكلام لإعتقد أننا فسقة من أيام محمد على لأنه من أبطل الحدود وهذا كذب، لم يقم محمد على بإبطال الحدود، ونكون فسقة فى أيام اسماعيل لأنه من رفض المجلة العدلية، وهذا أيضاً كذب، فقد كان له مراد سياسي آخر غير الخروج على الشريعة، ونحن فسقة لأننا لم نطبق شرع الله، وهذا الكلام أيضاً كذب، لأن دستورنا فيه أننا مسلمون، أربعون قانون معمول بهم الآن من الشريعة الإسلامية، هناك أيضاً محكمة دستورية عليا لتراقب أى مخالفة تصدر فى الصياغات ضد الشريعة الإسلامية فتبطل القانون تاريخ
طويل لإقامة أركان الدين، للأذان، للصلاة، لرمضان، للحج. من قال لكم هذا الخطاب السياسي؟ مرة في خطاب سياسي لعبد الناصر وللسادات ولحسني مبارك ولأي شخص، هذا الخطاب السياسي كان شيئًا مثل المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أو ما يشبه هيئة الاستعلامات
يُصدرون خطابات دينية، فهناك خطابات دينية لعبد الناصر وهناك خطابات دينية للسادات وهناك خطابات دينية، وكلها تُثبت أنهم مع الإسلام. وعندما تقرأ هذه الخطابات تتساءل: هل هذا شيخ إسلام أم ماذا؟ الخطابات التي يتحدث فيها عبد الناصر أو غيره، لماذا تُكفِّرون الناس؟ أنتم لا تقرؤون بشكل صحيح. حسناً، النبي عليه الصلاة والسلام قال لكم: "ما أقاموا فيكم الصلاة". هؤلاء الناس لم يكونوا يصلون صلاة الجمعة، بل صلوا للجمعة اليتيمة، ويصلون الأعياد، ويصلون كذا إلى آخره. هؤلاء الناس منعوكم من الصلاة، وأغلقوا المساجد، ثم يأتي مثلاً أمر تنظيمي بأن يُغلق المسجد من العشاء الى الفجر لئلا تسرق الصنابير، فيقول لك: "إنهم يغلقون المساجد". أنتم كاذبون، أنتم أناس كاذبون، وتوبوا من الكذب، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "أيكذب المؤمن؟" قال: "لا"، أخرجه
مالك في الموطأ. لا، المؤمن لا يكذب، لا يكذب. المذيع: قد يكون المؤمن جباناً، أو بخيلاً، أو زانياً، أو سارقاً، نعم، إلا الكذب، الشيخ: اتقوا الله فأنا الآن الذي انتهينا منه من عبد الرزاق السنهوري سنتحدث بعد ذلك إن شاء الله عن محمد عبده وجمال الدين الأفغاني المذيع: وجمال الدين الأفغاني. أشكر فضيلتك على هذه الإطلالة الرائعة بدءًا من عبد القادر البغدادي في حلقات سابقة وصولاً إلى عبد الرزاق باشا السنهوري والشيخ السيد حسين التيدي، الشيخ: عبد الله حسين المذيع: عبد الله حسين التيدي، وأوضحت فضيلتك من خلال هذه الإطلالة وهذا الملمح التاريخي أنه كان دائماً هناك محاولات جادة لعلماء كبار في مجال القانون والشريعة لإعداد قانون يطابق تماماً الشريعة الإسلامية، وليس كما يقول هؤلاء المتشددون أننا لا نحكم بما أنزل
الله. الشيخ: شكراً لك، المذيع: أشكر فضيلتكم يا مولانا أهلاً وسهلاً، نشكركم على حسن المتابعة. مشاهدينا الكرام، الرحلة متواصلة وسنكون في ملمح تاريخي أيضاً، مهم لأنه في الحقيقة ما يقوم به مولانا العلامة الجليل فضيلة الدكتور علي جمعة في بيان مفهوم الإسلام الصحيح والفرق بينه وبين فكر هؤلاء المتشددين أمر نحن في أمس الحاجة اليه في هذه الأيام في لقاء قادم نواصل الحديث بإذن الله والمتشددون إلى اللقاء