المتشددون | حـ 5 | عبد الرزاق باشا السنهوري والنهضة | أ.د علي جمعة - المتشددون

المتشددون | حـ 5 | عبد الرزاق باشا السنهوري والنهضة | أ.د علي جمعة

27 دقيقة
  • تحدث النص عن جهود علماء مصر في بناء قانون مدني مستوحى من الشريعة الإسلامية، وخاصة دور عبد الرزاق السنهوري الذي وضع قانوناً مدنياً عام 1949 بعد عمل استمر 12 سنة.
  • وضح النص أن السنهوري اعتبر هذا القانون الخطوة الأولى في مشروع تطويري، وأنه وضع بعد ذلك قانوناً للعراق كخطوة ثانية، ثم جاء القانون الأردني كخطوة ثالثة، وكانت جميعها تقترب تدريجياً من الفقه الإسلامي.
  • أشار النص إلى معهد الدراسات العربية الذي أنشأه عبد الرحمن عزام بهدف تخريج مجتهدين يفهمون العصر ويطورون القانون.
  • تناول النص موقف الشيخ عبد الله حسين التيدي الذي اعترض على التقنين بأدب وعلم، مقارناً ذلك بنهج المتشددين الذين يكفرون مخالفيهم.
  • أوضح النص أن الحكام المصريين لم يخرجوا عن الإسلام بل أرادوا خطاباً جديداً له.
محتويات الفيديو(39 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بالعلامة الدكتور علي جمعة لمناقشة فكر المتشددين

هذه تحيةٌ لكم من عند الله طيبة مباركة مشاهدينا الكرام، أرحب بكم في مستهل هذا اللقاء والرحلة الإيمانية التي نتواصل فيها في ملمح تاريخي ومحاولة ننهل من علم ضيفنا الكريم فيها؛ لبيان مفهوم كيف يفكر المتشددون وما الذي أوصلهم إلى هذا المآل، انطلاقًا من مفهوم الدين أو الإسلام الصحيح.

ننهل دائمًا من علم العلامة الجليل ضيفنا الكريم فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، الذي أرحب به أيما ترحيب، أرحب بفضيلتك يا مولانا.

الشيخ: أهلًا وسهلًا بكم.

عبد الرزاق السنهوري وقانونه المدني واعتراض حسن الهضيبي عليه في البرلمان

وصلنا في الحقيقة إلى عبد الرزاق باشا السنهوري الذي وضع قانونًا مدنيًا رائعًا، وظل تقريبًا اثنتي عشرة سنة يعمل على صياغة هذا القانون، ولم يستطع أصحاب الحجة أن يخرجوا منه أو يضعوا أيديهم على سلبيات فيه، إلا اللهم سلبية حسن الهضيبي.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. حسن الهضيبي ذهب إلى البرلمان وعرض عليهم أنه ضد فكرة أن يضع أحد من الناس -سواء كان واحدًا أو لجنة- قانونًا؛ لأن هذا -في تصوره- يخالف اجتهاد القاضي أو يخالف ما عليه الفقه الإسلامي أو شيء من هذا القبيل، أي أنه يعترض على التقنين.

تولي حسن الهضيبي خلافة حسن البنا رغم عدم معرفة أحد به وخروج كبار العلماء

ومن هنا وجدنا وفجأة -وفي غياب كثير من قيادات الإخوان- أن حسن الهضيبي أصبح هو المرشح لخلافة حسن البنا، بالرغم أن أحدًا لم يعرفه.

يا سلام! وهذه هي الأزمة التي حدثت بين الشيخ الغزالي وسيد سابق وأحمد الباقوري وغيرهم. وكلهم خرجوا يا مولانا. كلهم خرجوا لأنهم فوجئوا بشخص ليس منهم.

مكانة الشيخ الغزالي عند حسن البنا وأحقيته بالخلافة دون الهضيبي

لأن حسن البنا عندما كان الشيخ الغزالي يأتي إلى المجلة يجعله يؤمه، وهو في عمر العشرين سنة تقريبًا. الشيخ الغزالي مولود سنة ألف وتسعمئة وسبعة عشر، فنحن نتحدث عن شاب في سنة أربعين مثلًا عمره ثلاثة وعشرون سنة، وفي سنة سبعة وأربعين كان عمره ثلاثين سنة.

هذا الشاب -لأنه حسن [البنا] مولود سنة ستة- فستة من سبعة عشر يعني أحد عشر سنة، كثير هذه الأحد عشر سنة، تجعله أستاذًا له. الفرق جيل [كامل بينهما].

تساؤلات حول اختيار الهضيبي خليفة لحسن البنا بدلاً من العلماء الأكفاء

الغزالي كان مع حسن البنا موجودًا معهم ويرى الأحداث ويشاهد كل شيء وما إلى ذلك، فكيف لا يكون خليفته الغزالي مثلًا! لماذا لا يكون أحمد حسن الباقوري! أو عبد العزيز كامل! أو سيد سابق!

فهناك أشخاص آخرون أيضًا، ولكن فجأة أصبح حسن الهضيبي [هو المرشد]. لماذا؟ من أجل هذا الموقف [موقفه من رفض التقنين].

فكر الإخوان في رفض التقنين وادعاء احتكار الحق والسعي للحكم

هل هذا فكر منغلق؟ لا، هذا ليس فكرًا منغلقًا، هذا فكر معين هكذا -لكي لا أقع في توصيفه- هو فكر يناسب دعوة الإخوان إلى أننا لسنا على الحق وأنهم هم الذين على الحق، وأنه ينبغي عليهم أن يتولوا الحكم كذا إلى آخره، كما سنرى.

إسلام عبد الرزاق السنهوري وأشعاره الإسلامية واهتمامه بقضية الخلافة

عبد الرزاق باشا السنهوري كان رجلًا مسلمًا، فلما جُمعت أشعاره -التي كان يكتبها في أمور متفرقة- وُجد أنها كلها من الشعر الإسلامي.

عبد الرزاق باشا السنهوري لم يغب عن همّ المسلمين بضياع الخلافة -وهو في السوربون- ولكن بطريقة واقعية، بطريقة عصرية، يريد أن يطبق الإسلام فعلًا.

رؤية السنهوري لتعليم الشرعيين الاجتهاد وإنشاء جيش من المجتهدين لتطوير القانون

فعبد الرزاق باشا السنهوري كتب -وتأمل وقال-: على فكرة نحن نحتاج أن نعمل كثيرًا، إننا نحتاج أن نُعلّم الشرعيين الاجتهاد.

كيف نعلمهم الاجتهاد؟ لأننا نحتاج إلى جيش من المجتهدين حتى نطور القانون الذي وضعته.

يا سلام! أتريد يا عبد الرزاق باشا أن تطور هذا؟ قال: طبعًا. وهناك خطوة ثانية وهناك خطوة ثالثة، فهذا القانون يجب أن يتطور، والمتطور هذا يجب أن يتطور، ولكي ننشئ هذه الصنعة يجب أن ننشئ صانعها.

إنشاء معهد الدراسات العربية بالتعاون مع عبد الرحمن عزام لتخريج المجتهدين

يا سلام! جيل من المتعلمين. من المتعلمين، فمن الذي وجده [السنهوري] فاهمًا لفكرته؟ وجد عبد الرحمن باشا عزام. طبعًا، من هو عبد الرحمن عزام؟ هذا هو أول أمين عام للجامعة العربية.

فاتفق معه أن ينشئ معهدًا وأسماه معهد الدراسات العربية -حتى لا يغضب أحد-. يُدرَّس فيه نظريات القانون العالمية المنظمة للفكر، ويُدرِّس فيه الشريعة، ويُدرَّس فيه اللغة العربية التي هي أداة للفهم؛ حتى يُخرج من طلبة -أو بعض طلبة، فعندما أُعلِّم مائة ويخرج لي منهم أربعة هؤلاء هم من أريدهم- أو بعض طلبة معهد الدراسات العربية، أي من يقوم بواجب الوقت ويكون مؤهلًا لصياغة القوانين.

أكابر العلماء الذين درّسوا في معهد الدراسات العربية لإخراج مجتهدين يفهمون العصر

وقد نشأ هذا المعهد فعلًا ودرّس فيه الأكابر: عبد المنعم الصدة، ومحمد عبد الله، وعبد الله العربي، والأكابر أساطين القانون والشريعة: محمد أبو زهرة، وعلي الخفيف.

الأكابر درسوا فيه. فرج السنهوري -فرج السنهوري غير عبد الرزاق السنهوري- درس فيه. الأكابر -في معهد الدراسات العربية- ابتغاء ماذا؟ ابتغاء إخراج مجتهد يفهم العصر ويفهم... ويطور القانون الذي وضعه عبد الرزاق السنهوري.

الرد على تكفير السنهوري وبيان أنه صانع المجتهدين من خلال الشريعة الإسلامية

من خلال ماذا؟ من خلال الشريعة الإسلامية. أهؤلاء كفار؟ عبد الرزاق باشا الذي يفعل ذلك، الذي يَصنع المجتهد، الذي يريد أن يصنع، الذي يأمل، أهؤلاء كفار؟ عيبٌ هذا الكلام الفارغ!

انظر إلى الأعمال! ما رأيك يا سيدي الفاضل أن مكتبة معهد الدراسات العربية في جاردن سيتي بجوار دار الحكمة في شارع القصر العيني من أكبر المكاتب التي نجد فيها المرجع الذي لا نجده في دار الكتب.

معهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية وتراجع دوره بعد وفاة السنهوري

ما زال موجودًا معهد الدراسات العربية هذا يا مولانا؟ أتتصور أنه ما زال موجودًا! أنا أول مرة أسمع عنه من فضيلتك في الحقيقة.

وهو تابع لجامعة الدول العربية. نعم تابع لجامعة الدول العربية، ولكن الزخم الذي كان موجدًا [وقت] السيد السنهوري -المستشار السنهوري توفي عام ألف وتسعمائة وسبعين- وبعد ذلك بدأنا وانشغلنا بالحرب وانشغلنا بأمور أخرى.

والفتنة التي حدثت في سحب الجامعة العربية إلى تونس، التداعيات منذ السبعينيات وحتى الآن شغلت الناس عن فكر عبد الرحمن باشا عزام وعن فكر عبد الرزاق باشا السنهوري في إنشاء أو إيجاد بيئة على الأقل يمكن تتيح لمجتهد واحد أن يخرج.

فكرة إيجاد الفقيه القادر على صياغة القوانين والرد على الفكر القميء للمتشددين

فكرة الفاهم بعمق، فكرة الفاهم القادر على صياغة القوانين بما لا يخرج عن الشريعة الإسلامية.

وسنرى تداعيات هذا في كثير جدًا من التجليات؛ حتى نرد على هذا الفكر القَمِيء والذي يتبناه الآن أمثال القرضاوي وغير القرضاوي وهذه الأمور.

يعني نحن لدينا قانون مدني مستوحى من الشريعة الإسلامية وضعه عبد الرزاق السنهوري.

مراجعة البرلمان للقانون المدني وإصداره في سبتمبر 1949 ونقطتان مهمتان حوله

استمروا في البرلمان يراجعونه حتى سبتمبر ألف وتسعمائة تسعة وأربعين. ثلاث سنوات تقريبًا. لا، سنتين يعني من عام ثمانية وأربعين، أي حوالي أربعة عشر أو خمسة عشر شهرًا، نعم، وأصدروه في سبتمبر سنة ألف وتسعمائة تسعة وأربعين.

الذي يهمني في ذلك أمران: الأمر الأول أن عبد الرزاق باشا السنهوري نص على أن هذا هو الخطوة الأولى. إذن في تطوير له، وعلى فكرة هذا التطوير لم يتم حتى الآن!

انتقال السنهوري إلى العراق والأردن وتطور القانون المدني عبر خطوات متتالية

فما الذي تم؟ هذه الخطوة الأولى التي تم أنه بعد إهانة النظام هنا لعبد الرزاق باشا السنهوري، ذهب إلى البلاد العربية وإلى العراق، ووضع لهم القانون هناك، وقال: هذا القانون هو الذي كنت أتمنى أنه يتطور في مصر، فأصبح القانون المدني العراقي هو الخطوة الثانية.

ثم جاء الجماعة من الأردن، سيدنا الشيخ عبد العزيز الخياط رحمه الله تعالى، شيخنا أراد أن يضع القانون المدني هناك. مَن أبو القانون المدني؟ السنهوري. فاستدعوه لمراجعة القانون المدني الأردني؛ فذهب ووجد المخطط وقال: هذه الخطوة الثانية.

القانون المدني الأردني كخطوة ثالثة وقربه من الفقه الإسلامي وانتشار قانون السنهوري

هو [السنهوري] لم يشترك في صياغة القانون الأردني، [لكن] القانون المدني الأردني وصفه عبد الرزاق باشا السنهوري بأنه الخطوة التي تلي العراق. أهذا يكون كافرًا؟

طبعًا عندما تقرأ القانون المدني الأردني تجد أنه أقرب كثيرًا إلى الفقه الإسلامي. مثلًا السوريون أخذوا قانوننا وطبقوه كما هو، وهي الخطوة الأولى. أفغانستان ترجمت القانون كما هو، وعندما أتوا في أفغانستان بعد حركات طالبان وغيرها، رجعوا وقالوا: من أين أتينا بهذا القانون؟

اكتشاف أفغانستان أن قانونها مترجم عن القانون المصري وبداية علاقة جديدة مع مصر

من مصر بلد الأزهر. فلما ترجموه إلى العربية وجدوه هو قانوننا -ترجموه من الأفغان [الأفغانية] إلى العربية- فوجدوه قانوننا، فقالوا لنا: على فكرة هذا هو هذا باللفظ والكلمة وما إلى ذلك.

وطلبوا منا ما لدينا من الأعمال التحضيرية وما إلى ذلك، وبدأ عصر جديد في العلاقة بين مصر وأفغانستان سنة ألفين وسبعة.

تأكيد إسلام السنهوري والانتقال إلى النقطة الثانية عن الشيخ عبد الله التيدي

عبد الرزاق باشا السنهوري كان مسلمًا وأراد الإسلام ولم يخرج عنه، وهكذا في ذات الوقت هذه النقطة الأولى انتهينا منها.

لنأتِ الآن إلى النقطة الثانية: نحن نتحدث عن أي سنة؟ ألف وتسعمائة تسعة وأربعون. في سبتمبر عام ثمانية وأربعين قام أحد مشايخنا واسمه عبد الله بن حسن التيدي.

ما شأن هذا الشيخ؟ هذا الشيخ أزهري محترم، هذا الشيخ حصل على دراساته أو الدكتوراه الخاصة به من باريس من السوربون.

كتاب المقارنات التشريعية للشيخ عبد الله التيدي في أربعة مجلدات

وبعد ذلك الشيخ عبد الله قال: أنا لي وجهة نظر أخرى غير وجهات النظر الموجودة. ما هي؟ فألّف كتابًا في أربعة مجلدات اسمه المقارنات التشريعية.

هذا الكتاب سمعنا اسمه من قبل. المقارنات التشريعية، الذي ألفه مخلوف المنياوي الذي كان في مجلدين. [وكذلك كتاب] قدري باشا.

طباعة كتاب المقارنات التشريعية في مطبعة عيسى الحلبي دون علم بمجهود المنياوي

هذه مقارنات تشريعية طُبعت في مطبعة عيسى الحلبي سنة ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين -كان حينها توجد مكتبة مفتوحة اسمها عيسى الحلبي- طبعت له هذا الكتاب في أربعة مجلدات.

وهو لا يدري عن مجهود الشيخ مخلوف المنياوي، فأخذ الاسم هكذا مصادفة. هذا اسمه المقارنات في أربع مجلدات.

فاصل إعلاني والعودة للحديث عن المقارنات التشريعية وكتاب التيدي

أستأذن فضيلتك بالتفصيل نتحدث عن المقارنات والشيخ السيد عبد الله التيدي ومجهوده بعد هذا الفاصل، إن أذنت لنا مولانا. إن شاء الله تفضل.

ابقوا معنا، الحديث يتواصل، الحقيقة تاريخ مهم يتعلق بالفكر والفقه الإسلامي وبيان صحيح الدين. بعد الفاصل نواصل مع العلّامة الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة.

أرحّب بكم مجدّدًا، الحديث يتواصل وبرنامج المتشددون، العلامة الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة. نتحدث عن المقارنات التشريعية التي عمل عليها الشيخ السيد عبد الله التيدي إن صح التعبير، ولم يكن يعلم أن هناك مجهودًا للشيخ مخلوف المنياوي كما تحدث فضيلتكم في وقت سابق.

تسمية كتاب التيدي بنفس اسم كتاب المنياوي مصادفة وكتاب المنياوي المخطوط في دار الكتب

فسمى كتابه بنفس اسم كتاب مخلوف المنياوي دون أن يشير إليه ودون أن يطلع عليه. وفي الحقيقة أن كتاب الشيخ مخلوف المنياوي كان موجودًا في أضابير دار الكتب ولم يلتفت إليه أحد، وكان بخط اليد.

وعبد الله بن حسين التيدي لم يطّلع عليه إطلاقًا. عبد الله بن حسين التيدي قام بمجهود شخصي منه في مقارنة الفقه المالكي بالقانون الفرنسي، وعمل جداول وعمل أشياء، مجهود ضخم جدًا قام به الشيخ عبد الله رحمه الله.

تقريظ الشيخ أبو النور زهير والشيخ عبد السميع إمام لكتاب التيدي

الشيخ عبد الله جعل اثنين من العلماء الكبار يكتبون له تقريظًا لكتابه. من هما؟ -وهذا التقريظ في آخر الكتاب وليس في أوله-:

سيدنا الشيخ محمد أبو النور زهير -وهو شيخي في أصول الفقه- يا سلام! نعم، وكنا نقول له: يا مولانا، أنت عندما تتعرق، فإنك تتعرق علم أصول الفقه.

وقرأت عليه المذكرات وأجازني بها، وحتى في طبعة أنا ذكرت أنه أجازني بإقرائها وتدريسها بعد أن قرأتها عليه كلمة كلمة، وقرأنا عليه منهاج البيضاوي. هذا سيدنا الشيخ من؟ محمد أبو النور زهير.

الشيخ عبد السميع إمام وتقديم التقريظ لكتاب التيدي والفرق بين اعتراض الأزاهرة والمتشددين

والشيخ الثاني عبد السميع إمام رحم الله الجميع. الشيخ عبد السميع إمام كان قد اختار جوار الحرم المكي، فسافر هناك وأقام في الحرم المكي مدرسًا وأستاذًا للعلوم.

هذان الاثنان قدما تقريظًا لمن؟ لعبد الله بن حسين التيدي. ماذا يقول؟ انظر الفرق بين الأزاهرة المعترضين: أزاهرة يعترضون ولكن بأدب. يوجد علمٌ نختلف عليه.

اعتراض العلماء الأزاهرة على التقنين بأدب واحترام مع عرض وجهة نظرهم العلمية

يقول [المعترض الأزهري]: أنا لا يعجبني أنك تقنن، يا من تقنن -ولم يذكروا اسم السنهوري- لا يعجبني أنكم تقننون هكذا، لماذا لا تأخذون من الفقه مباشرة؟ هذه وجهة نظر.

علِم، أراد قلبُه أن يقول هكذا، فليقل وجهة نظره، وربما تكون هي الأصح، وربما تكون هي الأنفع للناس. كل شخص له وجهة نظر.

لم يُفسّقوه، لم يُكفّروه، لم يحتقروه، لم يشتموه، لم يسبّوه، وإنما قالوا: يا إخواننا، نحن سمعنا أن هناك أمرًا يُدبّر الآن بصياغة القوانين وسوف تُضيّق واسعًا، هذا الفقه شيء واسع.

وجهة نظر السنهوري في ضرورة التقنين لمساعدة القاضي وتحديد الجهة التشريعية

وجهة نظر السنهوري أن القاضي لا يتحمل هذا الاتساع، فيجب أن أعينه بمحددات، ويجب أن يكون هذا التحديد من عند الجهة التشريعية التي بيدها السلطان الذي هو اختيار [الأمة].

وهذه أيضًا خلفيته الفكرية لأنه كان قاضيًا، فهذا كان غالبًا على تأليفه.

الفرق بين الاعتراض العلمي الأدبي والاعتراض المتشدد بالتكفير والتفسيق

الثاني [المعترض الأزهري] يتبنى ويرغب [في الأخذ من الفقه مباشرة]، كلامه جميل، ونحن نقوله وندرسه ونسمعه، لكن بالطرق الأدبية والطرق العلمية والطرق التي فيها البحث عما ينفع الناس، بالطرق التي ندرك فيها الواقع الصحيح وليس الخيالات.

حسنًا، فسيدي الشيخ عبد الله التيدي رحمه الله تعالى اعترض على السنهوري، إنما الاعتراض المناسب الذي يصدر من مَنْ؟ من العالم الأزهري.

ما الفرق إذن بين المتشدد؟ ها هو المتشدد يعترض، والشيخ عبد الله التيدي مع عبد السميع إمام مع أبي النور زهير يعترض. ولكن لأنهم أزهريون فالطريقة مختلفة.

المتشدد يكفّر بآية ومن لم يحكم بما أنزل الله بينما الأزهري يعرض رأيه بأدب

هذا [المتشدد] يقول لك:

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ [المائدة: 44]

وأنت تحكم [بغير ما أنزل الله]، وما هذا الكذب؟ والآخر [الأزهري] يقول له: أنا أرى رؤية غير رؤيتك.

لا توجد مشكلة، مرحبًا بالاجتهاد. وهذه أربع مجلدات بذلت فيها الجهد لأبين لك تفوق الفقه المالكي على التشريع الفرنسي. حسنًا، قُل. مرحبًا. ومرحبًا، وقد نتبناك في يوم من الأيام. أتنتبه للفرق [بين الأسلوبين]؟

اختفاء مجلدات المقارنات التشريعية وجهود إعادة طباعتها بعد عقود

هل تمت الاستفادة من هذه المجلدات مولانا؟ اختفت هذه المجلدات بعدما صدرت بقليل. يا سبحان الله! وظللنا لا نراها ابتداءً من سنة اثنين وخمسين مثلًا.

انتهت الكتب، يبدو أن عيسى الحلبي لما طبعها طبع نسخًا محدودة، لأنني وأنا رجل مهتم بالكتب ومهتم بمتابعتها فقدت المجلدين الثاني والثالث من هذه المجموعة، أما الأول والرابع فلم أفقدهما.

سقط لي [الكتاب كاملًا] من الأول إلى الرابع بعد حوالي خمسة وعشرين عامًا. هل تفهم ما أقول؟ فبادرت قائلًا: لا، هذا الكتاب لا يعرفه أحد، وقلما يكون أحدًا قد اطلع عليه.

طباعة مجموعة كاملة من كتب المقارنات التشريعية لمخلوف المنياوي والتيدي وقدري باشا

فطبعناه، فأصبحنا طابعين المجلدين الخاصين بمخلوف المنياوي، وأصبحنا طابعين الأربعة مجلدات الخاصة بعبد الله التيدي، وأصبحنا طابعين الأربعة مجلدات الخاصة بقدري باشا والعدل والإنصاف.

فيكون ذلك اثني عشر وثلاثة عشر، وبعد ذلك معرفة الإنسان فيكون أربعة عشر، وهكذا. هذه مجموعة ثرية للغاية يا مولانا.

أهمية هذه المجموعة في إثبات إسلام العلماء واحترام اختلاف وجهات النظر العلمية

لماذا [هذه المجموعة مهمة]؟ لأنها تقول إن هؤلاء الناس مسلمون وأن لهم وجهات نظر نختلف ونتفق، لكن هناك مجهودات علمية لا بد أن تتم.

هؤلاء آباؤنا، الشيخ عبد الله التيدي وهذا هو الشيخ محمد أبو النور زهير، هؤلاء الشيوخ هم آبائي وهم في جيل أبي حقًا. فينبغي علينا أن نحترمهم، أو ربما هم أكبر من أبي حقًا، فيجب علينا أن نتأدب مع ومع علمائنا ومع من بذلوا لمصر كل هذا الفكر الإسلامي والفكر الإسلامي والقانون.

خلاصة النقطتين حول السنهوري: تطور القانون عبر خطوات والاعتراض العلمي البنّاء

فحضرتك هاتان النقطتان اللتان كنت أرغب في إضافتهما لعبد الرزاق باشا السنهوري:

النقطة الأولى: أنه قال إن هذا القانون المصري هو الخطوة الأولى، وقال إن العراقي هو الخطوة الثانية، وقال إن الأردني هو الخطوة الثالثة.

[النقطة الثانية]: وأن من اعترض اعترض بعلم، اعترض بأدب، اعترض ببناء وليس بهدم.

وهذه آراء من خلال: أنت أيها المتشدد تريد أن تميل إلى كلام الشيخ عبد الله التيدي، حسنًا.

المتشدد لم يقرأ كتب التيدي ويجب أن يعترف بتعدد الآراء لا بتكفير المخالف

ولكنه لا يفهم شيئًا أصلًا. تريد أن تميل إلى الشيخ عبد الله التيدي الذي لم تسمع عنه طوال عمرك ولم تقرأ كتبه، تبنَّ رأيه، لكن قُلْ إنَّ هناك رأيًا غير هذا الرأي.

فهذا رأيٌ وذاك رأي، وهذه طريقة وتلك طريقة، وليس أننا نحكم بغير ما أنزل الله. من قال هذه الخرافة؟ الذي قال هذه الخرافة هم هذه الجماعات [المتشددة].

إنشاء مدرسة الحقوق في عهد الخديوي إسماعيل وتضمينها دراسة الشريعة وأصول الفقه

مرةً في عهد الخديوي إسماعيل، أرادوا أن ينشئوا مدرسة للحقوق، فأنشأوا مدرسة الحقوق ووضعوا لها منهجًا، فمن ضمن المنهج دراسة أصول الفقه ودراسة الشريعة الإسلامية وتاريخ التشريع وما إلى ذلك.

ثم يقول أحدهم في كتابه -أشياء فضائح-: وكما ترى فإنهم درسوا أصول الفقه والشريعة الإسلامية ذرًا للرماد في العيون! الله! حسنًا، ولكن أنا قرأت هذا قراءة ثانية، هؤلاء الناس لم يخرجوا عن الإسلام بل أرادوا خطابًا جديدًا للإسلام.

الرد على ادعاء ذر الرماد في العيون وبيان أن الشريعة أساس في كليات الحقوق والمعاهد

ولذلك فإنهم أنشؤوا كليات الحقوق وأنشؤوا كليات الشريعة والقانون، ولما أنشأوا هذا المعهد -معهد الدراسات العربية- وضعوا الشريعة فيه كأساس.

لماذا هذه الكلمة "ذرًا للرماد في العيون"؟ من أين جاء بها؟ جاء بها من النظارة السوداء التي يرتديها ويحكم بها على المجتمع.

هذا الكلام مهم للغاية ونحن نتكلم عن المتشددين. لماذا؟ لأنه لو قرأ شابًا هذا الكلام لاعتقد أننا فسقة من أيام محمد علي لأنه من أبطل الحدود -وهذا كذب، لم يقم محمد علي بإبطال الحدود-، ونكون فسقة في أيام إسماعيل لأنه من رفض المجلة العدلية -وهذا أيضًا كذب، فقد كان له مراد سياسي آخر غير الخروج على الشريعة-.

الرد على ادعاء عدم تطبيق الشريعة وبيان أن الدستور والقوانين مبنية على الإسلام

ونحن فسقة لأننا لم نطبق شرع الله -وهذا الكلام أيضًا كذب-؛ لأن دستورنا فيه أننا مسلمون، أربعون قانونًا معمول بهم الآن من الشريعة الإسلامية، هناك أيضًا محكمة دستورية عليا لتراقب أي مخالفة تصدر في الصياغات ضد الشريعة الإسلامية فتبطل القانون.

تاريخ طويل لإقامة أركان الدين، للأذان، للصلاة، لرمضان، للحج. من قال لكم هذا الخطاب السياسي؟

الخطابات الدينية للرؤساء المصريين تثبت التزامهم بالإسلام والرد على التكفير

مرة في خطاب سياسي لعبد الناصر وللسادات ولحسني مبارك ولأي شخص، هذا الخطاب السياسي كان شيئًا مثل المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أو ما يشبه هيئة الاستعلامات، يُصدرون خطابات دينية.

فهناك خطابات دينية لعبد الناصر، وهناك خطابات دينية للسادات، وهناك خطابات دينية، وكلها تُثبت أنهم مع الإسلام.

وعندما تقرأ هذه الخطابات تتساءل: هل هذا شيخ إسلام أم ماذا؟ الخطابات التي يتحدث فيها عبد الناصر أو غيره. لماذا تُكفِّرون الناس؟ أنتم لا تقرؤون بشكل صحيح.

حديث النبي ﷺ عن إقامة الصلاة والرد على ادعاء إغلاق المساجد وتكذيب المتشددين

حسنًا، النبي عليه الصلاة والسلام قال لكم:

قال النبي ﷺ: «ما أقاموا فيكم الصلاة»

هؤلاء الناس لم يكونوا يصلون صلاة الجمعة [فحسب]، بل صلوا للجمعة اليتيمة، ويصلون الأعياد، ويصلون كذا إلى آخره. هؤلاء الناس منعوكم من الصلاة وأغلقوا المساجد؟

ثم يأتي مثلًا أمر تنظيمي بأن يُغلق المسجد من العشاء إلى الفجر لئلا تُسرق الصنابير، فيقول لك: إنهم يغلقون المساجد! أنتم كاذبون، أنتم أناس كاذبون، وتوبوا من الكذب.

لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

قال النبي ﷺ: «أيكذب المؤمن؟ قال: لا» أخرجه مالك في الموطأ

لا، المؤمن لا يكذب، لا يكذب. قد يكون المؤمن جبانًا، أو بخيلًا، أو زانيًا، أو سارقًا، نعم، إلا الكذب.

خاتمة الحلقة والإعلان عن الحديث القادم عن محمد عبده وجمال الدين الأفغاني

اتقوا الله! فأنا الآن الذي انتهينا منه من عبد الرزاق السنهوري، سنتحدث بعد ذلك إن شاء الله عن محمد عبده وجمال الدين الأفغاني.

أشكر فضيلتك على هذه الإطلالة الرائعة، بدءًا من عبد القادر البغدادي في حلقات سابقة وصولًا إلى عبد الرزاق باشا السنهوري والشيخ السيد عبد الله حسين التيدي.

وأوضحت فضيلتك من خلال هذه الإطلالة وهذا الملمح التاريخي أنه كان دائمًا هناك محاولات جادة لعلماء كبار في مجال القانون والشريعة لإعداد قانون يطابق تمامًا الشريعة الإسلامية، وليس كما يقول هؤلاء المتشددون أننا لا نحكم بما أنزل الله.

شكرًا لك. أشكر فضيلتكم يا مولانا، أهلًا وسهلًا. نشكركم على حسن المتابعة مشاهدينا الكرام، الرحلة متواصلة وسنكون في ملمح تاريخي أيضًا مهم؛ لأنه في الحقيقة ما يقوم به مولانا العلامة الجليل فضيلة الدكتور علي جمعة في بيان مفهوم الإسلام الصحيح والفرق بينه وبين فكر هؤلاء المتشددين أمر نحن في أمس الحاجة إليه في هذه الأيام. في لقاء قادم نواصل الحديث بإذن الله، والمتشددون إلى اللقاء.