المسؤولية المجتمعية | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

المسؤولية المجتمعية | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة".
  • يُعلِّمنا هذا الحديث المسؤولية الاجتماعية والتعاون، فالصدقة ليست بالمال فقط، بل بكل عمل خير.
  • الصدقة تشمل ذكر الله والتكبير والتسبيح والتحميد والاستغفار.
  • تشمل الصدقة أيضًا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإزالة الأذى عن الطريق ومساعدة المحتاج.
  • من الصدقة إنقاذ المتلهف المستغيث، وإعانة الضعيف، وحمل الثقيل.
  • حتى جماع الزوجة يكون صدقة إذا وضع الإنسان شهوته في الحلال.
  • جميع الأخلاق مرتبطة بالعقيدة ارتباطًا عضويًا، ولا تصلح إلا بعد الإيمان بالله والإخلاص له.
  • الإيمان بالله أمر مهم، بينما الكفر والإلحاد يدمر المجتمعات ويفقد الإنسان قيمته.
  • الناس في حاجة إلى أخلاق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لتستقيم حياتهم.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

مقدمة الحلقة وحديث النبي عن ثواب الغرس والزرع

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في شهر رمضان المعظم.

روى سيدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، كما ورد في صحيح الإمام البخاري، قال:

قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة»

المسؤولية الاجتماعية والشعور بالانتماء في ضوء حديث الغرس

في هذا الحديث يعلمنا رسول الله ﷺ المسؤولية الاجتماعية التي تندرج تحت خلق التعاون، الشعور بالانتماء، الشعور بأن العالم أنا في حاجة إليه وهو في حاجة إليّ.

ولذلك اغرس غرسًا أو ازرع زرعًا، فتخرج نخلة مثمرة يأكل بلحها ناس يقتاتون به، أو يأكل ثمرتها طير أيضًا يقتات بها، فإن الله سبحانه وتعالى يحسب لنا كل ذلك صدقة.

إذن الصدقة ليست بالمال فقط تكون الصدقة، بل أيضًا بفعل الخير:

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

قصة محمد بك أبو الذهب وإطعام طيور السماء من فوق المئذنة

كان هناك أحد الولاة يُدعى محمد بك أبو الذهب، أنشأ مسجدًا بجوار الأزهر وهو ما زال قائمًا حتى الآن، وهو المسجد المطل على باب الأزهر الرئيسي الذي يُسمى بباب المزينين.

إذا نظرنا إلى المئذنة التي فوق مسجد محمد بك أبو الذهب وجدنا أربعة صوامع كان يضع فيها القمح أو الشعير من أجل طيور السماء، فطيور السماء تأتي إلى هذا المكان وتلتف حوله وتأكل منه؛ لأن في إطعام هذه الطيور صدقة.

الفرق بين الزرع والغرس وأن نية الإفادة تجعل العمل صدقة

فانظر إلى هذه المعاني: أنا أزرع أو أغرس. الزرع يكون في الأرض مما لا جذور له ولا جذع له ولا كذلك، والغرس يكون للنخيل وللأشجار المثمرة وما إلى ذلك.

فسواء كان الغرس أو الزرع، أنا أفعل ذلك بنية إفادة الإنسان، بل وإفادة الطير والحيوان، يُعتبر صدقة.

مفهوم الصدقة الواسع يشمل التبسم والدلالة على الخير

إذن الصدقة ليست فقط بهذا المعنى الضيق من إعطاء المال، بل إن التبسم في وجه أخيك صدقة، بل إن الدال على الخير كفاعله، بل إنك تدل المستدل -يعني واحدًا يسألك عن عنوان أو نحو ذلك- فتدله، فلك بذلك صدقة.

وهكذا نرى هذه القيم الاجتماعية؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وحده، ولا يستطيع أن يستغني عن الآخرين، ولا أيضًا يأمره الدين بأن ينعزل ويترك الخير فلا يقدمه للآخرين، بل لا بد له أن يُفيد وأن يستفيد، أن يأخذ وأن يعطي.

حديث أبي ذر عن وجوب الصدقة كل يوم وأبوابها من الذكر والتسبيح

عن أبي سلام قال: قال أبو ذر [رضي الله عنه]: على كل نفس في كل يوم طلعت فيه الشمس صدقة.

إذن عليّ أن أتصدق كل يوم، كيف هذا وأنا ليس معي من المال ما يكفي؟ في كل يوم طلعت فيه الشمس صدقة على نفسه. فلما سمع [أبو ذر] رسول الله ﷺ يقول ذلك، قال: قلت يا رسول الله، من أين أتصدق وليس لدينا أموال؟

قال [رسول الله ﷺ]:

«إن من أبواب الصدقة التكبير»

أي عندما يجلس الإنسان يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ويذكر ربه، تُكتب له صدقة. وسبحان الله، عندما يسبّح تُكتب له صدقة، والحمد لله، ولا إله إلا الله، واستغفر الله.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإزالة الأذى من أبواب الصدقة

وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوكة عن طريق الناس. تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، تكتب مثلًا مقالة صالحة تأمر فيها بالمعروف وتنهى عن المنكر في جريدة متداولة، فإن لك بذلك صدقة.

إذن مفهوم الصدقة مفهوم واسع يشتمل على هذه التصرفات: قد تكون سياسية، وقد تكون اقتصادية، وقد تكون دينية، وقد تكون غير ذلك، وكل ذلك من دين الله.

إزالة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان وتركها من شعب الكفر

وتعزل الشوكة عن طريق الناس تُعدّ صدقة، وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظم والحجر.

قال رسول الله ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان»

تخيّل أن هذا من شعب الإيمان: أن تزيل وأن تفسح الطريق وأن تنظف الطريق. إذن الذي يلقي بالقاذورات من سيارته، والذي يأكل الموز ويرمي القشر حتى يُصيب الناس في أبدانهم، هو من شعب غير الإيمان.

وغير الإيمان هذا ماذا يعني؟ غير الإيمان سيكون من شعب الكفر؛ كل المعاصي من شعب الكفر، وكل الطاعات من شعب الإيمان.

التنبيه على خطورة إيذاء الطريق دون تكفير فاعله

نحن لا نكفّر من يفعل ذلك [إلقاء الأذى في الطريق]، ولكن نقول له: أنت ارتكبت شيئًا قبيحًا، ينبغي عليك أن تقف وأن تراجع نفسك، وأن لا تفعل ذلك بعد هذا؛ لأنه من شعب الكفر.

أي هل الكفر جميل؟ الإيمان هو الجميل، وهو الذي يُثيبك عند الله.

من أبواب الصدقة إعانة الأعمى والأصم ودلالة المحتاج

وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظم والحجر، وتهدي الأعمى -أي توصل الأعمى-، وتُسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها.

السعي بشدة لنجدة المستغيث والشهامة من دين الله

وتسعى بشدة ساقيك إلى المتلهف المستغيث. وجدت واحدًا يصرخ، ولذلك نجد كثيرًا هذه النماذج الطيبة: شرطي قُتل أثناء اشتباكه مع من أراد أن يغتصب فتاة، فهذا يُعدّ إن شاء الله من الشهداء.

شخص يغرق فينزل آخر وينقذه، لصوص يعتدون على أحد من الناس فيأتي المواطنون وينقذونه -أي ينقذوا هذا الإنسان من أولئك اللصوص-.

الشهامة التي كان يُضرب بنا المثل فيها، وابن الحي وابنة الحي وما إلى ذلك، هذه الشهامة من دين الله.

الإسلام يرفض التهاون ويبني شخصية قوية تنجد المحتاج

وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، أي بشدة ساقيك، أي بسرعة تجري؛ لأن هناك أحدًا قال: أنقذوني. وليس يقول له: ما شأني، ليس لي علاقة يا هذا اتركني.

كل هذا التهاون والاستهانة والاستهتار، كل هذا لا يعرفه خُلق الإسلام. الإسلام يبني شخصية متوازنة قوية تسعى بشدة ساقيها إلى اللهفان المستغيث.

وترفع بقوة ذراعيك مع الضعيف في مقطف أو شيء ثقيل، والذي يريد أن يحمله فيقول لك: ساعدني هكذا لأرفعه على ظهري أو على كتفي أو ما شابه ذلك إلى آخره، فيساعدونه. قال لك بأن هذا صدقة، حتى هذه الحركة لك بها صدقة، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك.

حديث أبي ذر عن الأجر في معاشرة الزوجة وبيان النبي لذلك

وبعد ذلك ينتقل [الحديث] إلى ما هو أدق من ذلك، فيقول له [رسول الله ﷺ]:

«ولك في جماع زوجتك أجر»

قال أبو ذر [رضي الله عنه]: يا رسول الله، كيف يكون لي أجر في شهوتي؟

فقال رسول الله ﷺ:

«أرأيت لو كان لك ولد فأدرك ورجوت خيره فمات، أكنت تحتسب به؟»

قلت: نعم. قال: فأنت خلقته؟ قال: بل الله خلقه. قال: فأنت هديته؟ قال: بل الله هداه. قال: فأنت ترزقه؟ قال: بل الله يرزقه.

قال:

«كذلك فضعه في حلاله وجنّبه حرامه، فإن شاء الله أحياه وإن شاء أماته، ولك أجر»

العلاقة بين الرجل والمرأة أساسها الزواج وتربية الأبناء في الحلال

إذن فالعلاقة بين الرجل والمرأة أساسها الزواج، وكل علاقة خارج الزواج هي علاقة يرفضها الشرع الشريف.

فقال له [رسول الله ﷺ]: أنت تقضي شهوتك، نعم، ولكن تقضيها في الحلال. وإذا بهذه العلاقة تأتي بالولد، وهذا الولد ليس عليك خلقه، وليس عليك رزقه، وليس عليك حياته، وليس عليك شيء، ولكن جنّبه الحرام.

وقد جنّبته؛ لأنه وُلد في زواج وفي نكاح صحيح وليس في سفاح. فجنّبه الحرام، فأنت أتيت به من الحلال وجنّبه الحرام، يعني أن شأن التربية مهم.

الشهوة في الحلال يُثاب عليها والحرام يأثم صاحبه

ولذلك فهذه الشهوة تأخذ عليها أجرًا. وفي حديث آخر:

«أرأيت لو وضعتها في حرام أكنت تأثم؟»

قال: نعم يا رسول الله، كنت آثم. قال:

«إذن فإذا وضعتها في حلال فأنت تُثاب»

إذن فرسول الله ﷺ يبيّن لنا أن فضل الله واسع، وأن جميع الأخلاق مرتبطة بالعقيدة ارتباطًا عضويًا.

الأخلاق لا تصلح إلا بالإيمان بالله والإخلاص له سبحانه

كلها [الأخلاق] لا تصلح إلا بعد أن نؤمن بالله سبحانه وتعالى، ونتمسك بإيماننا، ونتوكل عليه حق التوكل، ونُخلص نياتنا له سبحانه وتعالى، ونجعل كل هذه الأفعال له سبحانه وتعالى.

فالإيمان بالله أمر مهم، أما الكفر به والإلحاد به سبحانه وتعالى فهو أمر جدّ خطير، جدّ خطير؛ يكرّ على الاجتماع البشري بالبطلان، ويدمّر المجتمعات، ويُذهب الإنسان فلا يبقى منه شيء.

خطورة الإلحاد على الإنسان والمجتمع والعودة إلى أخلاق النبي

أماتوا الله في نفوسهم فأماتهم الله، ثم أماتوا الإنسان أمام الإنسان، فلم يبقَ إلا قطعة لحم لا معنى لها بدون الأخلاق.

ولذلك استغاثوا مرة أخرى بهذه الأخلاق، أخلاق رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.

إلى لقاء آخر غدًا، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.