المشرب في الطريق | رب لترضى جـ 1 | حـ 13 | أ.د علي جمعة - تصوف, رب لترضى

المشرب في الطريق | رب لترضى جـ 1 | حـ 13 | أ.د علي جمعة

24 دقيقة
  • المشارب هي طبائع الناس المختلفة كما ورد في حديث النبي "الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف".
  • تنوعت طبائع الصحابة فمنهم الرصين كشماس بن قيس، ومنهم جهوري الصوت كعمر، ومنهم الضحوك كنعيمان الذي كان يُضحك النبي.
  • المشرب قد يدفع صاحبه إلى تبني توجهات معينة دون علم كاف، وقد يمنعه من قبول الخلاف.
  • الحق واحد لكن له وجوه متعددة كالكعبة التي تستقبل من جهات مختلفة.
  • الاجتهاد هو الحق الواحد وهو بذل الوسع بموجب القواعد للوصول إلى الحكم، ويمكن أن تختلف النتائج مع وحدة المنهج.
  • المجتهد مأجور سواء أصاب أم أخطأ لأنه بذل الوسع بنية طاعة الله ورسوله.
  • وضح المتحدث معنى حديث "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" بأن المساجد مصدر ميمي يدل على الزمان والمكان والحدث، وأن المقصود السجود للمقبور وليس بناء المساجد قرب القبور.
محتويات الفيديو(18 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين وسؤال عن معنى المشرب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

[السائل]: أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات رب لترضى، معنا مجموعة من الشباب الطيب. هل من سؤال فضيلتكم؟ حقيقة الحلقة التي مضت كنت قد انتهيت إلى قول "المشرب"، فكنا بعد إذن حضرتكم نريد أن نعرف ما هو المشرب الذي يجعل بعض الناس يفسرون أشياء على غير ما هي عليه؟

[الشيخ]: يعني النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

قال رسول الله ﷺ: «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف»

فربنا خلق الخلق لهم مشارب مختلفة؛ فتجد مشربًا شديدًا، وتجد مشربًا ضحوكًا يحب الضحك، وتجد مشربًا هادئًا، وتجد مشربًا عنيفًا، وتجد مشربًا وسطًا. فهذه مشارب مختلفة، وكل المشارب كانت في الصحابة الكرام.

نماذج من مشارب الصحابة بين الرصانة والجهورية واللين

فوجدنا من لا يحب المزاح أبدًا، عابسًا تمامًا، أي تجده هيئته رصينة لا يمزح. ومنهم كان سيدنا شماس بن قيس أو قيس بن شماس، كان سيدنا يعني لا يحب المزاح ولا هذه الأشياء.

ففي إحدى المرات قال: آتونا السُّفرة نلعب بها، فقالوا متعجبين: نعم! قال: انسوا هذا، كأني لم أقله، وكأنه يقول لهم إنها غلطة. والسُّفرة يا مولانا تعني مائدة الطعام؟ الصُّفرة التي هي قطعة قماش هكذا يضعها، السُّفرة. فلم يُرَ قط يضحك ولا يمزح ولا كذلك إلى آخره، مشربه هكذا مشرب رصين.

سيدنا عمر كان جهوري الصوت، صوته عالٍ، بحيث الذي يسمعه أولًا يُسمِع، كان إذا تكلم أسمَع، وإذا ضرب أوجع. كذلك هو. سيدنا أبو بكر كان رجلًا أسيفًا، يعني صوته خفيض، ليس جهوري الصوت مثل سيدنا عمر. طبائع، خِلقة، وكلهم أفاضل وأكابر.

قصة سيدنا نعيمان الضحوك ومقالبه مع النبي ﷺ والبقال

سيدنا نعيمان كان ضحوكًا، كان يُضحك النبي ﷺ كثيرًا. وكان يُبتلى في أنه لا يقدر أن يُقلع عن الخمر.

كان يذهب إلى البقال ويقول له: أنا أريد جبنة وأشياء من هذا القبيل — فهذه الأشياء لم تكن موجودة في عصرهم، جبنة وحلاوة وخبز وأشياء — يعني أنا أصور لكم فقط القضية. فيقول إنها لسيدنا رسول الله ﷺ، فالبقال يظن أنه آخذها للرسول، فيجهزها له ويعطيها له.

ويذهب يقول له: يا رسول الله، هذه لك ولأصحابك من البقال الفلاني. فالنبي ﷺ يعتبرها هدية، فيأكل في أمانة الله هو وأصحابه وانتهى الأمر.

قليلًا ويأتي البقال يقول: يا رسول الله، الحساب ثلاثة دراهم. حساب ماذا؟ حساب الطعام الذي أكلته! هذا حتى إن بقيته لا تزال أمامك. ونعيمان خلف سارية من سواري المسجد يضحك؛ لأنه فعل هذا المقلب. فالنبي عليه الصلاة والسلام ينظر إليه هكذا، ويعطي للرجل دراهمه الثلاثة وينصرف. كان يعني يُضحِك النبي ﷺ وهكذا.

ابتلاء نعيمان بشرب الخمر وشهادة النبي ﷺ بحبه لله ورسوله

إلا يا أخي أنه [نعيمان] كان يحب النبي ﷺ حبًّا لا تعرف مقداره، الله أعلم بقدره. فكان ينسى نفسه ويشرب الخمر بعد التحريم — يا مولانا بعد التحريم — فكلهم كانوا يشربون قبل التحريم.

فيشرب خمرًا، ثم يصبح الصباح يقول: ما الذي فعلته هذا! ويذهب يبكي إلى رسول الله ﷺ: أقم عليّ الحد، طهّرني، أنا نسيت نفسي، ما شعرت، غلبتني شهوتي، أو كذلك.

فالنبي عليه الصلاة والسلام يقوم يقول لهم: اضربوه. فكانوا يمسكون جريدة أو شيئًا فيضربونه أربعين ضربة هكذا في حد الخمر. ثم يتوقف عن الشرب قليلًا، شهرًا، أربعين يومًا، ويفعلها مرة أخرى.

فسيدنا عمر — الرجل الجاد الذي لا يحب هذا الحال — يعني كيف يعني، الذي لا يقدر على نفسه يعني كيف يعني! فسيدنا عمر قال: يا رسول الله، دعني أقتل هذا المنافق. قال ﷺ: لا، إنه يحب الله ورسوله.

المشرب لا يبرر المعصية لكنه يفسر اختلاف طبائع الناس

مشرب! هل نحن راضون يعني بعصيان نعيمان؟ لا، المعصية معصية، والخمر حرام، والذي فعله إثم وخطيئة استوجبت الحد. لكن يا جماعة، هذا يحب الله ورسوله.

هذا لا يعني أننا نقول للناس: أحبوا الله ورسوله واشربوا كما تشاؤون. لا، وإنما هذا يبين لي أن مشارب الناس تختلف.

فهناك من طبعه يحب الشدة والعنف، هو هكذا؛ إن وضعته في الحق كان كذلك، وإن وضعته في الباطل كان كذلك. والطبع معناه أنه هو طابعه هكذا، طابعه هكذا، تربيته هكذا. فهؤلاء الناس يعني رأينا كثيرًا منهم طبائعهم هكذا.

أما الذي طبعه رقيق منهم، فلا يرتاح ولا يستمر في العنف والقسوة أبدًا، لا يعرف ماذا يعني أن يقول هذا، ويبقى قريبًا من الرجوع. فهذا معنى المشرب.

المشرب يدفع البعض لرفض الخلاف وعدم قبول توسيع الأفق

وهذا أحد الأسباب وليس كل الأسباب. فهؤلاء الناس اتجهوا إلى هذه التوجهات ليس عن علم، بل المشرب دفعهم إلى أن يتبنوا هذا.

لأنه كان السؤال — أتذكر أن محمدًا سأله في الحلقة التي [مضت] يقول: طيب، أنا مقتنع بكلامك، هو غير مقتنع به، لماذا عندما يسمع كلامك ينفر منه أيضًا؟ لا توجد فائدة، ينفر من ماذا؟ لماذا لا يرضى أن يتسع أفقه؟ حتى ليس فقط أن يقتنع، بل حتى أن يقبل الخلاف فيه.

كزوجة سيدي الجيلاني هكذا يا مولانا؟ ها، مثل زوجة سيدي عبد القادر الجيلاني، هي مشربها أنه الدجال ولا ترضى بغير ذلك.

الحق واحد لكن له وجوه متعددة كالكعبة ذات الاتجاهات المختلفة

فأنا أقول لك شيئًا، أنت لست مقتنعًا بهذا الكلام كله. قال: نعم. فقلت له: فلتكن على سبيل الخلاف، لتكن على سبيل الخلاف، أنا صاحب رأي وأعرضه وأعرض أدلته وأصوله وكل شيء، وأنت لك رأي بأصولك بفكرك بطريقتك بهذا، فاجعلها محل خلاف وقيل وقال.

قال: لا، هذا الحق واحد، هذا الذي أنا عليه هو فقط.

[السائل]: هل حقًّا الحق واحد يا مولانا؟

[الشيخ]: الحق واحد، ولكن له وجوه متعددة. الحق مثل المكعب، هو مكعب واحد، إنما له وجوه متعددة.

والله ضرب لنا المثال بالكعبة؛ الكعبة تأتي من كونها لها ستة وجوه: تستقبل هنا صحيح، تستقبل هنا صحيح، تستقبل هنا صحيح. ونحن في دائرة؛ ونحن في الهند قبلتنا في الغرب، ونحن في المغرب قبلتنا في الشرق، ونحن في الشام قبلتنا في الجنوب، ونحن في السودان قبلتنا في الشمال.

سبحان الله! لكن كلنا محقون. لماذا؟ لأنه مكعب، لأنه الحق واحد صحيح، هي الكعبة في كذا، كعبة هي الكعبة واحدة، لكن لها وجوه متعددة.

المشرب يمنع البعض ليس فقط من الاقتناع بل من قبول الخلاف أيضًا

فهذا المشرب يجعله يمنعه، ليس فقط كذلك من الاقتناع، هذا يجعله يمنعه من قبول الخلاف إلى هذا الحد.

[السائل]: نعم يا سيدنا، يعني فضيلتكم، موضوع حديث «لا يصلينّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة»، هذا الحديث يُقال أيضًا إنه يُستخدم لكي يُقال إن الحق يتعدد وليس واحدًا؛ لأن النبي ﷺ أقرّ هؤلاء وأقرّ هؤلاء، فيكون الاثنان على الحق، فيكون هناك أكثر من حق؟

[الشيخ]: صحيح، هناك أكثر من حق والحق واحد. هناك أكثر من حق والحق واحد. كيف هو؟ ما الحق؟ ما الحق؟ سنأخذه بعد الفاصل لكي نتوسع فيه.

الحق الواحد هو بذل الوسع بموجب القواعد للوصول إلى الحكم الشرعي

بسم الله الرحمن الرحيم، كنا قبل الفاصل نتحدث عن ما هو الحق. ضربنا مثلًا: أحمد سأل عنه بقضية «لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة»، فاختلفوا فأقرّهما النبي صلى الله عليه وسلم. فهل الحق متعدد؟

لا، الحق واحد، الذي هو ماذا؟ أن أبذل الوسع بموجب القواعد للوصول إلى الحكم. هو هذا الحق الذي هو واحد لا يتغير.

أنا صليت بعد أن بذلت الوسع وعرفت أن المقصد هو السرعة، وأن هذا من رسول الله ﷺ هو عبارة عن تعبير يدفعني دفعًا إلى الإسراع حتى أدرك العصر، وهو يعرف مدة ويعرف أن ذلك يكون ممكنًا أن أصلي العصر في بني قريظة.

والآخر يقول: لا، هذا النص هنا معتبر، أنا لم أصلِّ العصر الآن، حتى لو وقفت أصلي لن أدرك الوقت الخاص بي الذي هناك، ولذلك يجب أن أترك الصلاة الآن حتى أسرع وأسارع الخطى، فأكون في الوقت المناسب في أرض هؤلاء الناس الذين اعتدوا وخانوا وعملوا وفعلوا كذا في الخندق.

الاجتهاد هو الحق الواحد والاختلاف في النتيجة لا في عملية الاجتهاد

يبقى الإنسان إذا بذل الوسع والجهد بموجب القواعد المرعية للوصول إلى الحكم، فإذا فعلت ذلك وفعلت أنت ذلك، فهذا حقنا. فأنا توصلت إلى حكم مخالف للحكم الذي توصلت إليه أنت، فالقواعد تمكّن من هذا؛ تمكّن الوصول إلى هذا وتمكّن الوصول إلى ذاك.

وهذا اختلاف في النتيجة ليس اختلافًا في عملية الاجتهاد. هذا لديه اجتهاد وذاك لديه اجتهاد، فالاجتهاد هو الواحد، الاجتهاد هو الحق الواحد.

لماذا وأنا فعلت ذلك؟ لماذا؟ لأنني أريد أن أطيع الله ورسوله. حسنًا، وأنت فعلت ذلك لماذا؟ لأنك تريد أن تطيع الله ورسوله. هذا هو المقصود.

المجتهد يؤجر حتى لو أخطأ والاجتهاد حق لأهل العلم المؤهلين

أنا سآخذ ثوابًا وأنت ستأخذ ثوابين. نعم، هذا فضل الله يؤتيه من يشاء. ولكن على فكرة، إن الثواب أيضًا ليس عقابًا؛ أنت تحصل على ثوابين، لا مانع في ذلك.

وفي حديث القرطبي:

«فإن أخطأ فله أجران، وإن أصاب فله عشرة»

جميل! أنا إذا أخطأت سآخذ أجرين، وأنت ستأخذ عشرة، لكنني سآخذ أيضًا أجرين. لماذا؟ لأنني فعلت ما يكون الذي هو الاجتهاد، الذي هو بذل الوسع، الذي هو إرادة طاعة الله ورسوله.

[السائل]: من الذي يحق له الاجتهاد يا مولانا؟

[الشيخ]: المجتهد. كانوا مجتهدين، هؤلاء صحابة، عالمين باللغة العربية، تربوا في مدرسة سيدنا النبي ﷺ، وكله تمام.

التعدد في وسيلة إدراك الحق لا في الحق نفسه ولماذا يعترضون على الذكر والسبحة

[السائل]: يا شيخ، البعض يعلّق على هذا الحديث أن في الحق ومُدرَك الحق ووسيلة إدراك الحق، فوسيلة إدراك الحق هي التي يمكن أن تتعدد بحسب الشخص الذي يدرك هذا الحق فيه، فالتعدد يأتي في وسيلة إدراك الحق وليس في الحق نفسه أيضًا، فيمكن أن يكون الاجتهاد هو الذي يتعدد وهو الوسيلة التي يُدرَك بها الحق، فما رأي فضيلتك؟

[الشيخ]: ليكن هذا، ولنأتِ لنطبقه إذن على ما نحن فيه. فلماذا يعترضون إذن على الذكر؟ ولماذا يعترضون على السبحة؟ ولماذا يعترضون على المسجد؟ ولماذا يعترضون؟ بينما الحق واحد وهو إرادة طاعة الله ورسوله.

ثم بعد ذلك كل هذا الناتج آتٍ من أنني توصلت بالقواعد المرعية الشرعية إلى هذا، فلماذا يعترضون؟

المشكلة أنهم يرصون الكلام نظريًّا ويتخلون عنه عند التطبيق

هذا هو، هذه هي المشكلة التي بيننا وبينهم؛ أنهم يرصون الكلام جنب بعضه، وعندما نأتي في التطبيق يتخلون عنه في أقرب طريق. هذا هو الذي نحن نقوله.

نعم، هذه وسيلة، وهذه لا أعرف ما هي. حسنًا، طبّق إذن! فدعني في حالي. لكن هو لا [يدعنا في حالنا].

تهمة الشرك الموجهة لأهل السنة وزيارة القبور والرد عليها

ولنعرّج على نقطة أخرى، ربما أنتم سألتم عنها في الحلقات الأولى وما وفّيناها حقها، تركناها نحن هكذا: حكاية الشرك.

أنتم مشركون! نحن لسنا مشركين، نحن موحدون بالله، مؤمنون بالإسلام، مصدقون بنبوة النبي المصطفى ﷺ، نحفظ القرآن ونتبرك به ونجعله هداية.

فلماذا تذهبون لزيارة سيدنا الحسين؟ ومرة خرج أحد أئمتهم وقال: انظروا، قولوا أي شيء إلا موضوع زيارة القبور هذه التي لا يريد يا عزيزي أن يتقبلها.

لماذا؟ لأنه ليس لديه الأدوات التي يفهم بها. قال: انظر، هذا هو الكلام الذي لا نريده! عندما يكون الحديث واضحًا صريحًا مريحًا في البخاري! أتشكك في البخاري؟

قلت له: لا، أنا من النوع الذي لا يشكك في البخاري، وكل ما بين دفتي الصحيح صحيح، ومسلم كذلك، وأي حديث يثبت بسنده أنه صحيح ما يوجد مانع، أهلًا وسهلًا.

حديث لعن الله اليهود والنصارى ومعنى المساجد كمصدر ميمي في اللغة العربية

قال لي: الحمد لله، نصف القضية قُضيت.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وأوليائهم مساجد»

قلت له: نعم. قال: يعني أنت مؤمن بهذا؟ قلت له: نعم. فقال: إذن لماذا بنيتم على قبر سيدنا الحسين؟ قلت له: ما علاقة هذا بالحديث؟ فقال: ستجعلني أجنّ! أليس الأمر واضحًا؟

قلت له: ليس واضحًا ولا شيء، أنا لا أعرف ما الذي في عقلك. ولكن هذه "المساجد"، ما هي هذه الكلمة في اللغة العربية؟ فقال لي: لا أدري.

قلت له: المساجد هذه جمع. فقال لي: نعم، إنني أعرف. فقلت له: جمع ماذا؟ قال لي: مسجد. قلت له: حسنًا، مسجد هذا أي نوع من أنواع المشتقات؟ قال لي: لا أعرف.

قلت له: إن سبب عدم معرفتك هو سبب الحالة التي أنت فيها هذه. مسجد مصدر ميمي. قال لي: ماذا؟ مسجد من المسجد مصدر ميمي؟ قلت له: نعم، مسجد مصدر ميمي.

المصدر الميمي يدل على الزمان والمكان والحدث وتطبيقه على كلمة مسجد

المصدر الميمي في اللغة العربية يدل على ماذا؟ قال لي: لا أعرف. قلت له: هذه هي المصيبة أنك أنت لا تعرف، هذا هو السبب.

مسجد مصدر ميمي يدل على الزمان والمكان والحدث. حسنًا، أنت فاهم ما قلته؟ يعني أن المصدر الميمي يدل على الزمان والمكان والحدث، هل تفهم؟ قال لي: لا أعرف.

قلت له: يعني زمن السجود اسمه مسجد، مكان السجود اسمه مسجد، نفس السجود اسمه مسجد. المصدر الميمي يدل على الزمان — يعني زمن هذا الفعل — والمكان — يعني مكان هذا الفعل الذي هو سجد — والحدث نفسه الذي هو ذات الفعل.

مسجد مصدر ميمي يدل على الزمان والمكان والحدث. هذا الذي قرأناه وفهمناه وتعلمناه.

معنى اتخاذ القبور مساجد هو السجود لمن في القبر لا البناء بجانبه

فلما يأتي ليقول لك:

«لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وأوليائهم وصالحيهم مساجد»

يعني يسجدون لمن في القبر. فأي فرقة في العالم تسجد لمن في القبر وتعبد الأشخاص؟

الإسلام يقول إن هذا خطأ، هذا كلام لا يرضي الله، هذا نوع من أنواع الانحراف عن العقيدة الصحيحة.

حسنًا، مثل ماذا يعني ذلك؟

﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 30]

فهل كل اليهود يقولون عزير ابن الله؟ لا، هذه فرقة تسمى العزيرية، رأت عزيرًا أحضر لهم التوراة — في أحد يحفظ التوراة هو هكذا — فقالوا: والله هذا ربنا، هذا ابن ربنا!

﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 30]

فسجدوا له، هذه هي الحكاية.

الفرق بين عبادة الأشخاص وزيارة القبور والدعاء لأصحابها

﴿وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 30]

أيضًا بعض الطوائف تقول بهذا، يقولون: لا، هذا ابن الله، يعني الابن الجسدي له كذلك. آه، لا، هذا تكون الحكاية هكذا مشوشة. الذي يقول هكذا يكون هكذا.

فهل نحن عبدنا الحسين؟ عبدنا السيدة زينب؟ سجدنا لمن في القبر؟ إذن عبدنا سيدنا النبي ﷺ؟ ما [هذا]! النبي ﷺ نزوره هو وسيدنا عمر وسيدنا أبو بكر وكل شيء في أمانة الله. هل سجدنا له؟

فإذا يا جماعة الخير، القضية هنا في منتهى الخطورة. نحن الحديث هو حديث صحيح، ومعناه مختلف تمامًا. معنى أن أصبح مشركًا عندما بنيت قطعة من المسجد بجانب [القبر]!

ذلك الذي يقول الإمام البيضاوي ماذا؟ وهو من أفضل القربات أن تبني مسجدًا عند القبر؛ لكي نزوره، لكي ندعو له، لكي كذا وكذا.

أيضًا يمكن أن نأخذ هذا البحث بتوسع قليل في حلقة قادمة. فإلى لقاء قريب، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.