المعاملة بين المسلمين وأهل الكتاب | نور الحق | حـ 20 | أ.د علي جمعة
- •الإسلام يحترم حرية الاختيار للناس في اعتناق عقائدهم وأديانهم حتى لو خالفت عقيدة المسلمين.
- •الرحمة بين الخلق لا تستوجب الرضا بعقيدة الآخر، فالمسلم وغير المسلم شركاء في الوطن الواحد يتقاسمون حق المواطنة المتساوية.
- •قدم النبي صلى الله عليه وسلم أربعة نماذج للتعايش: نموذج المسلمين في مكة (أقلية والحكومة ضد الإسلام)، ونموذج الحبشة (حكومة غير مسلمة لكنها عادلة)، ونموذج المدينة الأول (مجتمع متعدد الديانات)، ونموذج المدينة الثاني (حكومة وشعب مسلم).
- •وضع النبي صحيفة المدينة كدستور للتعايش بين مختلف الطوائف والأديان وأرسى مبدأ المواطنة.
- •لم يجعل النبي الصدام أساساً للعلاقات مع غير المسلمين، بل أسس للتعايش السلمي.
- •المسلمون في الحبشة عرضوا الدفاع عن النجاشي وبلده وفرحوا بانتصاره رغم اختلاف الدين.
- •حسن الجوار أساس العلاقة مع غير المسلمين، وعدم فهم النصوص في سياقها يؤدي إلى فهم خاطئ للعلاقة.
مقدمة الحلقة والسؤال عن معاملة المسلمين لأهل الكتاب
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حلقة جديدة من حلقات برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بكم يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: في الحلقة الماضية مولانا تحدثنا عن الفرق بين الإرهاب والإرجاف، وفي نهاية الحلقة كنا وصلنا إلى أن الإسلام والشريعة الإسلامية تحرم الاعتداء على الكنائس أو على دور عبادة الديانات الأخرى. نريد من فضيلتكم اليوم يا مولانا أن نتحدث عن المعاملة بين المسلمين وبين أهل الكتاب كما أمرنا الله سبحانه وتعالى ورسوله؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله الله رحمة للعالمين، كان كذلك رحمة للعالمين، عليه الصلاة والسلام.
حرية الاختيار في العقيدة ومبدأ المواطنة في الإسلام
[الشيخ]: ولذلك فقد ترك [صلى الله عليه وآله وسلم] حرية الاختيار للناس في أن يختاروا عقائدهم وأديانهم وأقرها عليهم، حتى لو أنها خالفت عقيدة المسلمين.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الرحمة بين الخلق لا تستوجب الرضا بعقيدة الآخر، فأنا والمسيحي أبناء وطن واحد، ولذلك فبيننا مشترك وهو مصلحة ذلك الوطن، وهو حسن الجوار، وهو أننا نخدم هذا الوطن بأنفسنا وأرواحنا، ولنا فيه حقوق متساوية.
[المذيع]: وهذا ما يسمونه يا مولانا المواطنة.
[الشيخ]: قد يسمونه المواطنة أجل، وهذا لا يعني أنني على عقيدته ولا يعني أنه على عقيدتي.
الاشتراك في عمارة الدنيا دون إكراه في الدين والنهي عن النفاق
[الشيخ]: وعندما نشترك في عمارة الدنيا، لا يلزم من ذلك أيًّا من الطرفين أن يترك دينه وعقيدته، وإلا إذا أرغمت الناس إرغامًا على ترك دينهم، أوصلتهم إلى ما يسمى بالنفاق.
ولذلك كون أن الله سبحانه وتعالى نهى عن النفاق فإنه أقر الشفافية والمصداقية؛ كل شخص لا بد أن يكون ما يعتقده [ظاهرًا] في نفس الأمر، فإذا أخفى الإنسان معتقده يكون منافقًا.
وربنا يقول:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
مسألة مخيفة جدًّا أن أدعو الناس إلى أن يكونوا في الدرك الأسفل من النار!
[المذيع]: يظهرون إسلامهم ويقولون نحن مسلمون إذا أكرهناهم وشددنا عليهم، ولكنهم في الحقيقة يخفون عقائدهم.
المسلم لا يخفي إسلامه والحوار بين الأديان للبحث عن المشترك
[الشيخ]: وكذلك المسلم لا يصح وهو مسلم أن يخفي إسلامه، ويظهر عقيدة من معه، ويقول إنني والله أفعل هذا من أجل أن يرضى هذا.
ولذلك اتفق العقلاء من أهل الأرض، ونحن منذ أكثر من ثلاثين سنة ونحن ندخل فيما يسمى بالحوار، أي أن الحوار هدفه الوصول إلى البحث عن المشترك.
[المذيع]: أرضية مشتركة.
[الشيخ]: أرضية مشتركة نعم، ثم نبني مشاريعنا على هذا المشترك. ونحن في الحوار، هناك فرق بين الحوار والجدل الديني؛ الجدل الديني يمكن أن نقوم به في الأكاديميات، في الغرف المغلقة بين المتخصصين، ولكن العيش لا بد أن نعيش معًا بقواعد متفق عليها في المجتمع.
النماذج الأربعة التي تركها النبي للمسلمين في التعايش مع غيرهم
[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم، عليه الصلاة والسلام، من جمال سيرته ترك للمسلم من بعده أربعة نماذج:
النموذج الأول هو نموذج معيشة المسلمين في مكة: المسلمون قلة، الحكومة المكية إن صح التعبير ضد الإسلام، وتحاربه، وتقاومه، والمجتمع معظمه مشرك وكافر بالله ووثني ليس له دين أصلًا، بل هو وثني جاهلي.
النموذج الثاني هو نموذج الحبشة:
[المذيع]: الهجرة إلى الحبشة.
[الشيخ]: ذهب المسلمون إلى هناك، اذهبوا إلى الحبشة، سيدنا [رسول الله صلى الله عليه وسلم] قال لهم هكذا: اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها حاكمًا لا يُظلَم عنده أحد.
[المذيع]: حاكم عادل يعني لا يُظلَم عنده أحد.
نموذج الحبشة حيث عاش المسلمون في ظل حاكم مسيحي عادل
[الشيخ]: هذا الحاكم ليس مسلمًا.
[المذيع]: هذا الحاكم هو النجاشي.
[الشيخ]: هو النجاشي، ولكنه عادل وكان مؤمنًا بالمسيحية. إذن هو ليس ملحدًا وليس وثنيًّا وليس كذا وكذا، بل هو من أهل الكتاب.
عاش المسلمون في الحبشة، ولما عاش المسلمون في الحبشة كيف كان وضعهم؟ كانوا قلة مثل مكة، هناك حكومة تؤيد الإسلام ولا تعارضه، يعني لا تحارب الإسلام بل هم موافقون على أن يمنحوهم الجنسية ويعيشوا معهم، والحكومة غير مسلمة والشعب غير مسلم، فبقية الشعب كان غير مسلم، وهذا عن النموذج الثاني.
النموذج الثالث صحيفة المدينة وإقرار مبدأ المواطنة والتعددية
[الشيخ]: النموذج الثالث: المدينة في عهدها الأول، عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، كان فيها المشركون، وكان فيها اليهود، وكان فيها من الطوائف ما الله به عليم.
فالنبي صلى الله عليه وسلم وضع ما يسمى بصحيفة المدينة، رويت صحيفة المدينة إلينا من عدة وجوه، وهي مكونة من بنود تشرح قضية التعددية، وقضية المواطنة.
وفي نموذج [المدينة] هذا الشعب يجمع المسلمين وغير المسلمين وما إلى ذلك، والحكومة مسلمة بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، عليه الصلاة والسلام.
صحيفة المدينة أساس العقد الاجتماعي وسبق النبي لجان جاك روسو
[الشيخ]: وهو إقرار لمبدأ المواطنة والتقنين، ووضع دستور يسير عليه الجميع فيما يسمى بعد ذلك عند جان جاك روسو بالعقد الاجتماعي. والواضح أن جان جاك روسو هذا أخذ هذا من المسلمين؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام عقد اتفاقًا بين الطوائف المختلفة.
العقد الاجتماعي ما بين الهيئة التي تمثل الدولة وبين الشعب بمختلف طوائفه، وأديانه ومذاهبه، ومشاربه، ففعل هذا.
ماذا قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ عليه الصلاة والسلام. قال فيها [صلى الله عليه وآله وسلم] أننا بيننا مشترك فلا أوس، ولا خزرج، ولا مشرك، ولا مسلم، ولا يهودي، إنما نريد أن ندافع عن المدينة، وهو يقصد بذلك الوطن أو المواطنة، فنحن جميعًا سندافع عن المدينة.
[المذيع]: يدًا واحدة على من سوانا.
النموذج الرابع المدينة بعد جلاء اليهود والشعب كله مسلم
[الشيخ]: النموذج الرابع: بعد جلاء اليهود من المدينة، لما جلا اليهود من المدينة، وانتشر الإسلام شيئًا فشيئًا حتى استوعب أهل المدينة جميعهم، أصبح هناك نموذج رابع: الحكومة مسلمة، والشعب مسلم، وليس هناك أحد غير مسلم، جميعهم مسلمون.
عبر التاريخ يعيش المسلم في واحد من هذه النماذج الأربعة.
[المذيع]: ما شاء الله، إذن لا بد من وجود أحد هذه النماذج.
[الشيخ]: إما أن تكون الحكومة مسلمة وإما أن تكون الحكومة غير مسلمة، وإما أن تكون هذه الحكومة غير المسلمة معك أيها المسلم، أو تترك حرية للأديان، وإما أنها ضدك وتحاربك، وإما أن تكون في الحكومة المسلمة معك الشعب كله مسلم مائة في المائة، لا توجد طوائف أخرى، أو أن تكون معك طوائف أخرى من نفس الوضع.
النبي ترك المسلمين على المحجة البيضاء ولم يوقف الحياة في أي نموذج
[الشيخ]: إذن هو [النبي صلى الله عليه وسلم] قد تركنا فعلًا على المحجة البيضاء، ولا بد ونحن نتنقل في العالم، والعالم كله انفتح بعضه على بعض وأصبحنا في الجوار، أن ننتقي نموذجًا من هذه النماذج يناسب معيشتنا.
لم يوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياة في أي نموذج من هذه النماذج، فالحياة مستمرة دومًا.
[المذيع]: ما شاء الله.
[الشيخ]: لم يقل في واحدة من هذه النماذج فعليك أن تعتزل في الجبل في الكهف بحجة أننا لن نقدر أن نعمل هكذا، لم يقل ذلك، بل أمر المسلم دائمًا بأن يختار نموذجًا من النماذج الأربعة.
النبي لم يجعل الصدام أساسًا للعلاقة في أي نموذج من النماذج الأربعة
[الشيخ]: في النماذج الأربعة وداخل المجتمع، لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصدام أساسًا للعلاقة.
[المذيع]: ما شاء الله، عليه الصلاة والسلام.
[الشيخ]: أبدًا، هذا لم يحدث. وهم في مكة ماذا كان يحدث؟
[المذيع]: ممكن نعرف بعد إذن فضيلتكم وهم في مكة هذه.
[الشيخ]: نتكلم عن النماذج الأربعة بعد الفاصل.
[المذيع]: بعد الفاصل، فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.
العودة من الفاصل واستكمال النموذج الأول في مكة والمقارنة بالجمهوريات الشيوعية
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. مولانا قبل أن نخرج إلى الفاصل، فضيلتكم ذكرتم لنا النماذج الأربعة التي لا بد وأن يعيش المسلم في واحدة منها، وبعد ذلك، بدأنا بالنموذج الأول، الذي هو أقلية في دولة حكومتها غير مسلمة.
[الشيخ]: [تلك الحكومة] ليست غير مسلمة فحسب، بل هي أيضًا ضد الإسلام.
[المذيع]: نعم، ضد الإسلام، وهي بذلك على خلاف النموذج الذي كان في الحبشة، فالحكومة كانت غير مسلمة لكن ليست ضد الإسلام.
[الشيخ]: نعم، فلو تأملنا الجمهوريات الشيوعية، نجد أنها كانت ضد الإسلام وضد الدين كله، ضد الإسلام، والمسيحية، واليهودية، وكل دين؛ لأنها كانت ترى أن الدين أفيون الشعوب، وأنه ينبغي على الناس ألا يتدينوا بدين، وكان الذي يتدين بدين يتدين في الخفاء.
نموذج مكة والنبي يصلي في الكعبة رغم وجود الأصنام فيها
[الشيخ]: فهذه مكة، أي مثل نموذج مكة. فإذا كنت في مكة تجد أن سيدنا رسول الله يدخل الكعبة، ومنصوب فيها ثلاثمائة وستون صنمًا، والكعبة هذه هي بيت الله الحرام، هذا البيت الذي رفعه إبراهيم [عليه السلام].
ولذلك هي محل نظر الله، ولكن لوثها المشركون بالأصنام، وعلى الرغم من ذلك صلى [عليه الصلاة والسلام] في الكعبة.
[المذيع]: عليه الصلاة والسلام، ولم يحاول أن يحطم الأصنام، لم يحاول أن يحطم الأصنام.
بلال بن رباح وعمار بن ياسر نماذج على التعامل مع الاضطهاد في مكة
[الشيخ]: حدث هذا أيضًا مع العبد المسلم بلال بن رباح، يسقي سيده خمرًا مثلًا، فلم يسكبها عليه وقال له هذه حرام فلا تشربها.
فماذا صنعوا؟ عذبوه، فكان [بلال بن رباح] يصرخ الصرخة الشهيرة: أحدٌ أحدٌ.
قتلوا سمية أم عمار، وقتلوا أبا عمار أمامه، حتى قالوا له: سُبَّ النبي، فسبه تحت وطأة العذاب، فكان النبي يقول له:
«يا عمار، إن عادوا فعُد»
[المذيع]: إن عادوا فعُد، أي: إن عذبوك مرة أخرى فافعل ما يطلبونه حتى يتركونك، فقد كانوا يلقون به في الماء ليغرق.
النبي يغضب من دعوة الصدام ويعد بالنصر والأمان
[الشيخ]: نعم، فرسول الله علمنا كيف نتعامل مع المواقف المختلفة هذه في ظل هذا الجبروت. ويأتيه أحدهم ويقول: يا رسول الله استعرض بنا هذا الوادي، أي لماذا لا نجعلها دمًا ونصطدم بهم، فتمعر وجهه [صلى الله عليه وآله وسلم] غضبًا.
[الشيخ]: وقال: ألا إني رسول الله، وتمعر يعني أحمر من الغيظ.
[المذيع]: ظهر عليه الغضب، فتكون هذه المسألة التي أغضبت رسول الله سيئة إذن، فيكون الصدام سيئًا هكذا. فلنأخذها ببساطة إذن، سيدنا رسول الله غضب، فصاحب العقل عليه أن يميز.
ونحن نتحدث عن ماذا الآن؟ عن أخسّ وسط [وهو وسط] المشركين، فما بالك إذا لم يكونوا كذلك، بل كانوا من أهل الكتاب، فالأمر يكون أفضل وأرقى، فما بالك وأهل الكتاب؟ هؤلاء يسمحون لك بالمعيشة كما سنرى في نموذج الحبشة الآن، فهذا شيء آخر.
وعد النبي بالنصر وانتقال الحديث إلى نموذج الحبشة ومفهوم المواطنة
[الشيخ]: نعم، فتمعر وجهه غضبًا وقال:
«ألا إني رسول الله، ولينصرني الله حتى تسير الظعينة من مكة إلى الحيرة لا تخاف إلا الله، والذئب على غنمها»
وقد كان [ما وعد به صلى الله عليه وسلم]. فلما ننتقل إلى نموذج آخر في الحبشة نجد مفهوم المواطنة واضحًا؛ فقد أعطاهم [النجاشي] الجنسية وأمنهم فاستقروا.
ووجد النجاشي أن له ابن عم يريد أن ينازعه الملك وجاء بجيش لكي يحارب النجاشي ويأخذ منه هذا الأمر وأحدث له قلقًا، فذهب المسلمون إلى النجاشي وطلبوا منه أن ينضموا إلى جيشه.
[المذيع]: ليقاتلوا في صفه ضد [ابن عمه].
[الشيخ]: تحت راية غير إسلامية ولكنها للدفاع عن الشرعية، وعن الوطن.
فرح المسلمين بانتصار النجاشي على ابن عمه وتجسيد مفهوم المواطنة
[الشيخ]: فالنجاشي اعتبرهم ضيوفه فرفض، وقال لهم: لا، اتركوني فأنا قادر عليهم. فحدث النزاع عند النهر، فأرسلوا واحدًا منهم لكي يرى من بعيد لمن الغلبة ويبشرهم؛ لأنهم متشوقون لنصرة النجاشي.
فلما انتصر النجاشي على جيش ابن عمه وولوا الأدبار، رفع الرجل علامة بيضاء لكي يقول لهم إن النجاشي قد انتصر، ففرحوا وأقاموا احتفالًا قبل أن يأتي النجاشي بجيشه.
نحن نتحدث عن عشرة كيلومترات، خمسة كيلومترات هكذا وخمسة كيلومترات هكذا، يعني أن الرجل بعيد عنهم خمسة كيلومترات على مرتفع، هكذا يراهم وهم هناك بعيدون عنه خمسة كيلومترات أخرى، يعني في عشرة كيلومترات، وعندما عاد النجاشي هذه العشرة كيلومترات وجدهم منتشين وفرحين وهكذا.
نموذج الحبشة يؤسس لعلاقات اجتماعية طيبة ومحاولة ابن العم الثانية
[الشيخ]: فهذا نموذج يؤخذ منه أحكام ويؤخذ منه طريقة علاقات اجتماعية، وعلاقات طيبة، ومفهوم للمواطنة.
ثم بعد ذلك جاء ابن عمه أيضًا، جمع الفلول وما إلى ذلك مصممًا على أن يأخذ العرش، فالمسلمون مرة أخرى عرضوا على النجاشي أن ينضموا إلى الجيش، فأبى، فضغطوا عليه قالوا له: لا، يجب هذه المرة.
[المذيع]: سنحارب هذه المرة.
[الشيخ]: وحاربوا، وانتصر النجاشي مرة أخرى، وقضى على ابن عمه هذا قضاءً مبرمًا.
قصة إنعام الحسن وحسن الجوار مع غير المسلمين في الهند
[الشيخ]: إذن هؤلاء الناس يعلموننا كيف نكون نبلاء، كيف نكون الجار الحسن. أنا أتذكر عندما توفي الشيخ إنعام الحسن، إنعام الحسن هو قائد جماعات التبليغ، عندما توفي كان رجلًا صالحًا.
فقد حضر جنازته من الهندوك أكثر من المسلمين، فقد حضر مئات الآلاف أو الملايين من المسلمين وحضر مثلهم وأكثر من الهندوس. ما هذا ولماذا؟ قالوا لأنه كان حسن الجوار.
[المذيع]: أخلاقه كانت طيبة معهم.
[الشيخ]: جدًّا، ومرة جاره عانى من الزائدة الدودية أو أزمة معوية فحمله بنفسه وساق بالسيارة سريعًا كي يلحق به إلى المستشفى وظل معه حتى خرج في الإفاقة وهكذا إلى آخره، وهو لا يريد أن يغادر المستشفى؛ لأن جاره لديه ظرف، يجب أن يكون معه فيه. أفهذا الرجل يكون مكروهًا؟
[المذيع]: وجاره هذا ليس مسلمًا، فهو أكيد هندوكي.
[الشيخ]: نعم هندوكي، أفهذا الرجل [إنعام حسن] يكون مكروهًا؟! فعندما يفيق هذا الرجل الهندوكي من الأمر كإنسان ماذا سيفعل؟
[المذيع]: سيشكره.
[الشيخ]: هل سيقول له أنت سيء يا إنعام يا حسن؟ بالطبع لا.
السلف الصالح وحضور الجنائز دليل على حسن المعاملة لا على التضييق
[الشيخ]: ولذلك كان السلف الصالح يقولون ماذا؟ بيننا وبينكم الجنائز، في الجنازة الرجل مات فلا يوجد علاقات دنيوية بيننا وبينه، فإذا كان حضور الجنازة كثيرًا هكذا، فإن الناس كانت تحبه حقًّا.
فلماذا كانت تحبه؟ لأنه كان يعذبهم، ويزعجهم ويضيق عليهم المسالك، وهكذا؟ أبدًا، هذا فهم خاطئ.
وهذا بالضبط الذي يحدث عندما تبتر النصوص من سياقاتها، فيقول [صلى الله عليه وسلم]:
«اضطروهم إلى أضيق الطرق، لا تبدأوهم بالسلام، واضطروهم إلى أضيق الطرق»
وحذف بقية الحديث، بقية الحديث يشير إلى أن الناس سيثيرون مشاكل.
سبب حديث لا تبدأوهم بالسلام وسياقه الصحيح في شتم اليهود للمسلمين
[الشيخ]: اليهود يشتمون المسلمين، ويقولون لهم السام عليكم، المسلم يذهب ليشكو إلى النبي ويبكي قائلًا: يا رسول الله يقول السام عليكم، يشتمني، أأضربه؟ النبي عليه الصلاة والسلام ليس متفرغًا لهذه المشاكل.
[المذيع]: وهذا كان في النموذج الثالث [نموذج المدينة].
[الشيخ]: نعم، ولكنني أقولها كي أوضح للناس ألا يأخذوا الحديث هكذا [مبتورًا من سياقه]، ألا يأخذوا الحكاية هكذا، هو نعم لا تبدأوهم بالسلام.
لا تبدأوهم بالسلام، هذا الحديث كان له سبب، وهو أنه كانت ستقوم فتنة، فقال [صلى الله عليه وسلم] لهم: إذا فعل الكافر معك هذا، فلا تسلم عليه، وانتهى الأمر.
أي أن سيدنا رسول الله كان مهتمًّا بأمر آخر تمامًا، وهو بناء الإنسان، وإقامة العلاقات الحسنة، ولذلك كان عندما تظهر هذه العوائق يسدها، يقول [للمسلم]: إذن فلا تسلم عليه وانتهى الأمر.
[المذيع]: فلا يصح أن يقول أحد الآن لا تسلموا على المسيحي؟
[الشيخ]: مثلًا.
[المذيع]: لا تسلموا عليه وضيقوا عليه الطرق.
[الشيخ]: هذا الشخص جهل الحديث وجهل سببه، جهل بالحديث وجهل بسببه.
خطورة بتر النصوص من سياقاتها وقصة أبي نواس مع آية فويل للمصلين
[الشيخ]: فهو مثل من جهل تفسير الآيات:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]
﴿لَا تَقْرَبُوا ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [النساء: 43]
فأقول له: يا بني، كيف لا أقرب الصلاة؟ فالصلاة هي عماد الدين، فكيف تقول ذلك.
ونذكر أيضًا قول أبي نواس: ما قال ربك ويل للأولى سكروا ولكن قال ويل للمصلين. أبو نواس كان يشرب الخمر ويترك الصلاة، لماذا أبو نواس تفعل هكذا؟ قال إن الله قال:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]
لم يقل فويل للذين شربوا وسكروا، وهذا كلام فيه استهزاء بالشريعة وهكذا.
والذي يتصرف هكذا يقول لي: لكن أنا لم أدرس أو أتعلم، فأقول له: ما دمت لم تدرس فاصمت إذن وتعلم.
المشكلة في أخذ الأحكام من الكتب دون فهم النموذج الكلي والنماذج الأربعة مبنية على التعايش
[الشيخ]: فهذه هي المشكلة التي نواجهها وهي أن الناس تذهب إلى الكتب وتستنتج منها دون أن تفهم كيف كان شكل النموذج الكلي. طبعًا أنا لا أدري إن كان أمامنا وقت نكمل.
[المذيع]: لدينا دقيقة بالضبط يا مولانا.
[الشيخ]: النموذج الثاني والثالث، ولكن أريد أن أقول للناس أن هناك أربعة نماذج وأن أي إنسان في أي مكان لا يمكن أن يخرج عن هذه النماذج الأربعة، وأن هذه النماذج الأربعة كلها بنيت على التعايش، وليس على الصدام.
فليحفظوا هذه الكلمة، وهذا الكلام جاء بعد دراسة دقيقة لكل الجزئيات ولكن بصورة كلية:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]
ختام الحلقة والشكر لفضيلة الشيخ علي جمعة والوعد بلقاء قادم
[المذيع]: ربنا يفتح عليك يا مولانا ويزيدك علمًا وينفعنا بعلمك. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا العلم.
وعلى وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم نور الحق، وإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
