المنهج الأزهري والمشروع الإسلامي | ج2 | برنامج مجالس الطبيبن | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

المنهج الأزهري والمشروع الإسلامي | ج2 | برنامج مجالس الطبيبن | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • المشروع الإسلامي هو في حقيقته المنهج الأزهري الذي يتناول العقيدة والشريعة والأخلاق ويهتم بعبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس.
  • الفرق الأساسي بين المنهج الأزهري والجماعات هو في "نحكم بالإسلام" مقابل "نحكم بالإسلام"، فالأول يهتم بتطبيق الإسلام بغض النظر عمن يتولى الحكم، بينما الثاني يسعى للوصول إلى كرسي الحكم.
  • يميز المنهج الأزهري بين السياسة بمعنى رعاية شؤون الأمة والسياسة الحزبية، فالدين يتدخل في الأولى ولا يتدخل في الثانية.
  • يقوم المنهج الأزهري على ركيزتين: السند الذي له وظيفتان (التوثيق والبركة)، والعلم بمختلف فروعه ومساعداته.
  • اكتسب الأزهر ثقة المسلمين وغير المسلمين لأنه مبني على العلم والوسطية وإدراك الواقع بشكل صحيح وعدم السعي للحكم.
  • لم يسعَ علماء الأزهر كالعز بن عبد السلام وابن تيمية والدردير للوصول إلى الحكم.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

افتتاح الحلقة والتذكير بموضوع المشروع الإسلامي والمنهج الأزهري

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين.

تحدثنا في حلقة سابقة عن المشروع الإسلامي وعن هذا العنوان الذي ينبهر به كثير من الناس، وقلنا إن حقيقة المشروع الإسلامي هو المنهج الأزهري. وعندما ظهر هذا الكلام في النصف الأول من القرن العشرين ظهر بهذا المعنى؛ المشروع الإسلامي يتحدث عن العقيدة وعن الشريعة وعن الأخلاق، يتحدث عن عبادة الله وعن عمارة الأرض وعن تزكية النفس.

ضرورة معرفة حقيقة المنهج الأزهري لفهم المشروع الإسلامي وكشف الانحراف عنه

المشروع الإسلامي كان هو الاسم الذي أُطلق على المنهج الأزهري؛ فلا بد علينا أن نعرف حقيقة المنهج الأزهري حتى نعرف حقيقة المشروع الإسلامي من ناحية، ونعرف كيف انحرف به المنحرفون عن المنهج الأزهري.

أتذكر جدالًا حدث بين رئيس جامعة الأزهر الأستاذ الدكتور السعدي فرهود رحمه الله تعالى وبين أحد المنتمين إلى الجماعات، وظل النقاش يبحث عن قضية المشروع الإسلامي وأنه هو المنهج الأزهري.

الفرق بين الأزهر والجماعات: نحكم بالإسلام أم نحكم بالإسلام

حتى قال له الشيخ الدكتور السعدي فرهود رحمه الله: يبدو أننا ندعو إلى عقيدة واحدة وإلى شريعة واحدة وإلى أخلاق واحدة، لكن الفرق بيننا وبينكم أننا نريد أن نُحكَم بالإسلام وأنتم تريدون أن تَحكُموا بالإسلام.

نحن نريد أن نُحكَم، أي بغض النظر عن من الذي يتولى الحكم؛ لأن الذي يتولى الحكم لا بد عليه أن يكون كفؤًا لتولي هذا الحكم. لا بد عليه أن يدرك ما معنى الدولة، لا بد عليه أن يدرك ما معنى مؤسسات هذه الدولة، لا بد عليه أن يدرك معنى القوانين وكيف تسير، لا بد عليه أن تكون لديه كفاءة كما نص على ذلك [الإمام] النووي — وتحدثنا عنه مرات — و[الإمام] الجويني و[الإمام] الماوردي وجميع علماء المسلمين؛ لا بد أن يكون كفؤًا لهذه القيادة.

الفارق الجوهري بين إرادة تطبيق الإسلام وإرادة الوصول إلى كرسي الحكم

ونحن وإياكم نريد أن نُحكَم بالإسلام، لكن أنتم تزيدون على ذلك أنكم تريدون أن تَحكُموا بالإسلام. سبحان الله! لقد أصبح الفارق بين المنهج الأزهري والجماعات في هذا المجال هو تشكيلة على حرف: نُحكَم فلا نسعى إلى تحصيل كرسي الحكم، أو نَحكُم — يعني الذي بيننا وبينه هو كرسي الحكم.

هذا هو الذي حدث؛ يشعر الحاكم دائمًا بأن الذي يريد أن يَحكُم ليس صادقًا، إنما هو يريد أن يستولي على الحكم؛ لأن هناك نموذجًا آخر موجودًا وهو الذي يريد أن يُحكَم.

الفرق بين الأمر بالمعروف الصادق والسعي الخفي للسلطة

ولذلك فهو [من يريد أن يُحكَم بالإسلام] يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويشعر الحاكم حينئذ بأن لهجته صادقة وأنه لا يريد أن يعزله من الحكم، وإنما هو ينصحه بأنه لا بد لنا أن نُحكَم بالإسلام عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا، حياةً ومبادئَ وهكذا.

ولذلك أصبح الفارق بين هذا وذاك: هل أنت تريد أن نُحكَم بالإسلام أو إنك تريد أن تَحكُم بالإسلام؟ فتكون قد أدخلت نفسك وذاتك في هذه المسألة وتتحمل مغبة هذا الدخول. هذا هو الالتباس.

المنهج الأزهري يفرق بين السياسة الشرعية والسياسة الحزبية

المنهج الأزهري يرى أن السياسة على نوعين: سياسة بمعنى رعاية شؤون الأمة، والدين هو الذي يقول لنا كيف نرعى شؤون الأمة ليل نهار في كل جزئياته. والسياسة الحزبية التي لها ترتيبات معينة نصل بها في النهاية إلى الحكم.

السياسة الحزبية لا يتدخل فيها الدين حتى نحسن الإدارة ونحسن الإرادة.

تزوير الانتخابات نوعان: تزوير الإدارة وتزوير الإرادة وكلاهما حرام

تزوير الانتخابات ليس فقط قاصرًا على تزوير الإدارة، أي الإدارة التي تتولى الانتخاب تأتي بصناديق فيها أوراق مملوءة جاهزة لطرف دون طرف؛ هذا تزوير وهذا حرام.

نفرض أن الإدارة سليمة مائة في المائة ولم تفعل شيئًا من ذلك، يبقى عدم تزوير الإرادة: لا يجوز أن تنزل وتعطي لأحدهم مائة جنيه كي ينتخبك. لا يجوز أن تنزل وتخدع أحدًا بأنك أنت متدين والله أعلم بك. لا يجوز أن تنزل وتخدع أحدًا بأنك متدين فالآخر هذا فاسق لا يصلح؛ فأصبحت قد توليت ما يتولاه الله سبحانه وتعالى، كأنك وصفت نفسك بصفات الألوهية. كل هذا ضد الإسلام وضد ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.

قاعدة الحكم بالظاهر والله يتولى السرائر وتطبيقها على المشروع الإسلامي

أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم في عموم الدين بقاعدة، أننا نحكم بالظاهر وأن الله يتولى السرائر. هذه قاعدة عامة فُهمت من كل القرآن ومن كل السنة.

إذن نحن أمام: هل تريد أن نُحكَم أو هل تريد أن تَحكُم؟

إذن فما المنهج الأزهري؟ هذا الذي اختُطف وسُمي بالمشروع الإسلامي من أجل أن يكون واجهة نصل بها إلى السياسة الحزبية التي لا يتدخل فيها الأزهر.

التفريق بين علاقة الدين بالسياسة العامة وعلاقته بالسياسة الحزبية

يأتون بآيات من القرآن ومن الأحاديث أن الدين له شأن ودخل بالسياسة. حسنًا، هذا ما نقوله نحن؛ نقول إن الدين له شأن بالسياسة، كل ذلك جائز.

ولكن هل له شأن بالسياسة الحزبية التي تجعلك رئيسًا أو نائبًا أو هنا أو هناك؟ أم أن له شأنًا بمعنى أنه يؤسس لرعاية شؤون الأمة في الداخل والخارج؟

لم يتخلَّ الأزهر يومًا من الأيام عن رعاية شؤون الأمة.

مشاركة الأزهر في صياغة الدستور المصري ودور الإمام محمد بخيت المطيعي

ولما جاء المصريون ليكتبوا ويصوغوا دستورًا معينًا سنة ألف وتسعمائة واحد وعشرين واثنين وعشرين، فإنه ساهم فيه اثنان من الأزهر. وكان أحد هذين الاثنين من لجنة الثلاثين الإمام محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية السابق؛ لأن ولايته انتهت عام ألف وتسعمائة وعشرين.

وبدؤوا في وضع الدستور في اثنين وعشرين، وصدر الدستور — دستور ثلاثة وعشرين — بدؤوا في الأعمال التحضيرية أواخر واحد وعشرين، لكنهم بدؤوا في وضع الدستور تمامًا في سنة اثنين وعشرين، ثم صدر في ثلاثة وعشرين. كان هناك اثنان ممثلان: واحد من الأزهر وواحد [آخر]، الشيخ محمد بخيت المطيعي علّامة الدنيا.

أركان المنهج الأزهري: السند والعلم وسبعون علمًا تُدرَّس في الأزهر

ما المنهج الأزهري؟ المنهج الأزهري له سند وله علم، والعلم له أركانه؛ يأتي بالعلم المعين وبالعلوم المساعدة.

حتى إن الأزهر قد دُرِّس فيه سبعون علمًا؛ الشيخ الشبراوي لديه إجازات لسبعين علمًا كان يُدرِّس في الجامع الأزهر.

أهمية السند في المنهج الأزهري وافتقاد الجماعات له

والسند — السند يفتقده هؤلاء الناس؛ الجماعات كلها تفتقد السند، لكن الأزهر لا يفتقد السند. تذهب تقرأ على الشيخ فيعطيك سندًا بالقراءة، تذهب تقرأ على الشيخ فيعطيك حديث الأولية:

«الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

السند أولًا توثيق، ثانيًا بركة. والبركة هذه معناها الأخلاق، معناها توفيق الله سبحانه وتعالى للإنسان، معناها أن الأمور ليست منفصلة ولا متشتتة، معناها أن الإنسان الكامل لا بد عليه أن يأخذ المنهج الكامل، معناها أشياء كثيرة جدًا.

انتشار الإسناد العلمي في العالم الإسلامي وعلاقته بالمنهج الأزهري

هذا الإسناد الذي لا تجده خارج الأزهر — [أي] خارج المنهج الأزهري — لأن كثيرًا من هذا الإسناد موجود في المغرب، في القيروان، موجود في الزيتونة، موجود في موريتانيا، موجود في إندونيسيا، في مشارق الأرض ومغاربها، في مكة في المدينة في الهند يوجد السند.

لكن هذا هو المنهج العلمي الذي نسميه هنا في مصر المنهج الأزهري، قائم على السند. والسند له وظيفتان: التوثيق والبركة.

البركة والمنظومة الأخلاقية وتكوين العقل الأزهري بالعلوم ومقاصدها

والبركة كلمة ليست غيبية بقدر ما تعني هذه المنظومة الأخلاقية التي يوفق الله سبحانه وتعالى القائمين بهذه العلوم فيها.

والأمر الثاني هو العلوم مع العلوم المساعدة؛ هناك علوم مقاصد وعلوم وسائل. هذا التكوين هو الذي كوَّن العقل الأزهري.

ثم إن هذا العقل الأزهري يتحدث بهذا السند وبذلك العلم في مجال العقيدة والشريعة والأخلاق، أي في مجال عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس، أي في العلم والعبادة والدعوة. سبحان الله! وهكذا وما زال على مر القرون.

أسباب ثقة الناس جميعًا في الأزهر عبر ألف سنة من التجربة

وهل خلط علماء الأزهر عبر القرون؟ الأزهر مزيته أن له ألف سنة تجربة، ولذلك وثق فيه الناس: المسلم وغير المسلم، المصري وغير المصري، جميع الناس، جميع الناس السنة والشيعة، جميع الناس وثقت في الأزهر.

لماذا؟ لأنه مبني أولًا على العلم، وثانيًا على الوسطية، وثالثًا على إدراك الواقع إدراكًا صحيحًا، ورابعًا على أنه لم يدخل في نزاع مع الدنيا وأنه يريد أن نُحكَم بالإسلام لا أن نَحكُم بالإسلام.

﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]

حقيقة المشروع الإسلامي وخطورة سرقته لأغراض السياسة الحزبية

هذا هو الأزهر وهذا هو المشروع الإسلامي الذي كان ينبغي أن يكون، وينبغي أن يسود، وينبغي أن يتبناه الناس. لا أن تُسرق هذه الكلمة وتُوجَّه إلى غير وجهتها وتصبح ألعوبة في مجال السياسة الحزبية.

ولم يأخذ العز بن عبد السلام أو ابن تيمية أو الدردير الحكمَ [أي لم يسعَ أحد من هؤلاء العلماء الكبار إلى كرسي الحكم].

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.