النابتة والبدع | الشيخ علي جمعة - خطب الجمعة

النابتة والبدع | الشيخ علي جمعة

33 دقيقة
  • نحمد الله ونصلي على رسوله الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة.
  • الحديث النبوي "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" يحتاج إلى فهم صحيح، فالبدعة هي ما أُحدث مخالفاً للدين وأصوله.
  • ما أُحدث موافقاً لأصول الدين ولم يخالف شيئاً منه فليس ببدعة مذمومة، كما فعل عمر بن الخطاب بجمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح وقال: "نعم البدعة".
  • المحدثات التي توافق أصول الشريعة كتوسيع المساجد وتزيينها بالسجاد وإنشاء المحاريب واستخدام مكبرات الصوت كلها أمور حسنة.
  • يقع الخلل عند من يفهم البدعة فهماً خاطئاً فيحرم ما ليس بحرام كالتصوير الفوتوغرافي والسيارات.
  • النبي صلى الله عليه وسلم أقر دعاء الصحابي الذي قال: "اللهم ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه".
  • مهمتنا البيان للناس لا الانشغال بالرد على المخالفين، فالشعب يتبع من يبين له بوضوح.
محتويات الفيديو(26 أقسام)

خطبة الحاجة والثناء على الله تعالى والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.

فاللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في العالمين، وصلِّ وسلِّم على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه بإحسان يا أرحم الراحمين.

آيات التقوى من القرآن الكريم وخطبة أما بعد في ذم البدعة

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

فهم العلماء لحديث البدعة وانحراف النابتة عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم

هكذا ورد عن سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وآله وسلم، فهمه العلماء وشرحه الفقهاء، وطار به النابتة [أي: الجهلة المتعالمون] الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، وغيّروا مناهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخالفوا السلف والخلف، وخرجوا بذلك عن الصراط المستقيم.

ويسأل الناس: ما معنى هذا الحديث؟ والنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه أبو داود والترمذي عن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه أنه قال:

«وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بموعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب»

فبكى الصحابة وقالوا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودّع. وهذا يدل [على] أن هذا الحديث كان قريبًا من انتقاله إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وآله وسلم.

وصية النبي بالسمع والطاعة والنهي عن الاختلاف والفرقة

كأنها موعظة مودّع، فقال [رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم]:

«أوصيكم بالسمع والطاعة ولو تأمّر عليكم عبد حبشي»

وفي إحدى الروايات: «عبد حبشي رأسه كالزبيبة»، إذ يأمرنا بالسمع والطاعة كما أمرنا بتقوى الله.

نهانا [رسول الله صلى الله عليه وسلم] عن الاختلاف وعن الفرقة وعن الخروج عن ولي الأمر. بعضهم يظن أن هذا [الأمر بالسمع والطاعة] ضعف، وهو عين القوة.

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]

والكتلة الصلبة في هذه الأمة هي التي وقفت أمام المشركين واليهود؛ لوحدة الكلمة واتحاد الصف.

قوة الأمة الإسلامية في وحدتها وانتصاراتها التاريخية على أعدائها

هي [وحدة الأمة] التي قاومت فارس والروم وهم على أعلى درجات التمكن في الأرض من حيث القوة، هي التي صدّت الصليبيين وهزمت ودحرت التتار حتى دخلوا في دين الله أفواجًا.

لم نرَ أمة قط دخلت في دين الضعيف إلا التتار؛ دخلوا في دين الإسلام. لم نرَ أمة قط تقف أمام هذا البلاء من الاستعمار الحديث ونهب الثروات وإبادة الشعوب والقتل على الهوية والتدبير والتدمير إلا هذه الأمة؛ لوحدتها.

ربها واحد، ودينها واحد، قبلتها واحدة، نبيها واحد، قرآنها واحد، شهر صيامها واحد، رحلة حجها واحد. أمة ليست فقط توحّد الله، لكنها أمة الوحدة.

وصية النبي بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين والتحذير من المحدثات

«أوصيكم بالسمع والطاعة ولو تأمّر عليكم عبد حبشي، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وعليكم بسنتي؛ فسترون اختلافًا من بعدي، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»

وفي رواية: «عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور». والنواجذ ما نسميه الآن بضرس العقل، وهو نهاية الأضراس، ومعنى هذا كناية عن شدة التمسك [بالسنة].

فأرشدنا [رسول الله صلى الله عليه وسلم] إلى منهج عجيب غريب لخّصه في قوله صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة رضي الله عنها:

«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو [ردّ]»

ما ليس منه [أي: ما ليس من الدين]؛ فإذا كان ما نُحدثه من الدين وعلى منهج الدين فهو مقبول.

صلاة التراويح نموذج على البدعة الحسنة التي أقرها عمر رضي الله عنه

وهكذا كانت سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده [صلى الله عليه وسلم] الذين فهموا الدين. لم يصلِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة التراويح، وكان قيام رمضان الذي أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في البيوت.

ودخل عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] مرة فوجد الناس تصلي قيام الليل فرادى في المسجد، فاستحسن أن يجتمعوا على قارئ واحد؛ فإن صلاة الجماعة من الدين، وقيام رمضان من الدين، واستماعنا إلى القرآن من الدين؛ ولذلك فإن مجموع ذلك من الدين.

صحيح أنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه لا يخالف ما أمر به ولا يعترض على أمر منه بالبطلان.

قول عمر رضي الله عنه نعم البدعة ومدحه لصلاة التراويح جماعة

فعيّن لهم [عمر رضي الله عنه] أُبيّ بن كعب، عيّن لهم أُبيّ بن كعب حتى يقوم بهم [في صلاة التراويح]. ودخل وهو لا يصلي معهم فرأى أُبيًّا [يؤمّهم]، فقال: نِعْمَ البدعة!

نِعْمَ [البدعة]؛ إنه أمر جديد لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه وصفه بالمدح لا بالقدح.

وتذكّرنا حينئذ كلام رسول الله وهو يقول صلى الله عليه وسلم:

«فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»

توسعة المسجد وتزيين المساجد بالسجاد وحكم خلع النعال في الصلاة

رأى عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن المسجد قد ضاق على أفواج المسلمين حيث تكاثر العدد، فوسّع المسجد.

رأى المسلمون بعد ذلك أن يزيّنوا مساجدهم بالسجاد، وكانت الصحابة الكرام كانوا يصلون في نعالهم؛ لأنهم كانوا يصلون على الحصباء وعلى الأرض.

فلما رأى العلماء وأهل الله من العابدين تزيين المساجد بالسجاد، أمروا المصلين بخلع نعالهم؛ لأن لبس النعل في الصلاة ليس واجبًا، ولأن الصلاة به على السجاد من فعل المجوس، ولأن الصلاة به على السجاد يؤدي إلى أمر من القذارة المنزّه عنها المسجد، فأمروا بهذا [الخلع].

تطور المنبر من جذع النخل إلى المنبر المرتفع لاتساع أعداد المسلمين

وازداد الناس ودخل الناس في دين الله أفواجًا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي بجذع من النخل فيقف عليه فيرتفع نحو خمسين سنتيمترًا من الأرض حتى يصل صوته إلى آخر المسجد، الذي هو الآن الروضة الشريفة، وهي مساحة لا يزيد الواقف فيها عن ثلاثمائة بأي حال من الأحوال.

فلما اتسع العدد، النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يجلس نزل من على الجذع، فصُنع له منبرًا من عيدان [وهو نوع من أنواع الخشب اسمه عيدان].

فلما اتسع الناس علا المنبر، وبدلًا من أن يكون من ثلاث درجات أصبح من عشرين درجة حتى يصل صوت الخطيب إلى نهاية المسجد الذي اتسع. فكانت محدثة لكنها كانت طيبة.

اختراع المحاريب وحديث من سنّ في الإسلام سنة حسنة

وحتى لا يقطع [الإمام] الصف كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، اخترعوا المحاريب حتى يقف فيها الإمام فيوفّر صفًّا للمسلمين، فكانت حسنة.

وذكّرنا ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم:

«من سنّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجره شيئًا، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من اتبعها لا ينقص ذلك من وزره شيء»

فالبدعة هي ما ليست من الدين [أي: ما يناقض أصول الشريعة ومقاصدها].

جهل بعض المتشددين بمفهوم البدعة وموقفهم من التصوير الفوتوغرافي

ولذلك لما جهل هذا الجاهلون وجاءت الصورة الفوتوغرافية قالوا إنها بدعة، وهي ليست ببدعة. وألّف مفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت المطيعي رضي الله تعالى عنه كتاب «الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي».

وظلّ هؤلاء يحرّمون الصورة إلى أن قال كبيرهم إنها حلال، فجاءت رغبة التصوير الذي حُرموا منه سنين، وانقلبت البدعة [المزعومة] إلى شيء حسن! عقول هشّة وتفكير منحرف ومنهج معوجّ، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

تحريم السيارة والدراجة وإنكار دوران الأرض من مظاهر الجهل بالدين

ولما خرجت السيارة أبوا ركوبها ثم ركبوها، وأفتوا بحرمة الدراجة لأنها لم تكن على عهد رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، فاختلط عليهم الحابل بالنابل. وما زال بعضهم يحرّم قيادة المرأة للسيارة وإلى يومنا هذا.

وبعضهم يقول إن الأرض لا تدور حول نفسها! رؤوسهم هي التي تلف وتدور. لماذا؟ لقوله تعالى:

﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]

ولم يعلم الجاهل أن الشمس لها أكثر من أربعة عشر حركة، وأنها تجري في السماء.

خطورة مخالفة منهج النبي وحديث تداعي الأمم على المسلمين

إذن فنحن أمام مصيبة كبرى وبلية عظمى أن يفكر المسلمون بما يناقض الإسلام، وأن يخرجوا عن منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه هو وأصحابه، وأن لا يفهموا مراده ومراد الله.

فبدلًا من أن يكونوا شهداء على الناس يتسلط الناس عليهم:

قال رسول الله ﷺ: «تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعة الطعام، قالوا: أمِن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا، أنتم يومئذ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل، ينزع الله المهابة من قلوب عدوكم ويلقي الوهن في قلوبكم، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت»

حب الدنيا والتصدر بغير علم وتقديم علم الأبدان على علم الأديان

حب الزعامة، حب التصدّر، حب الكلام قبل التعلّم، حب هذه الشهوات التي نراها. فيتصدّر غير المتخصص ويتكلم في غير ما هو له، والمستشار مؤتمن.

حبٌّ استهانوا فيه بالدين، وأصبح علم الأبدان [الطب] أولى من علم الأديان! فلا يذهب أحدهم إلا إلى الطبيب الخِرّيت النِّطاسي [أي: الحاذق الماهر]، ولكنه يذهب إلى كل أحد يسمع منه من غير المتعلمين من أهل الذكر.

والحمد لله، كل واحد من هؤلاء ممن ضلّ الطريق وحاد عن الصراط المستقيم ليس له شيخ، لم يكن له من يعلّمه. واقرؤوا تراجمهم؛ بل اكتفى بالكتاب فقط وظنّ نفسه أنه قادر على استيعاب العلم.

إنكار الفاسقين لعلم الدين والقرآن يسميه علمًا ويعلّم التواضع

ولذلك ترى الفاسقين ينكرون علم الدين ويقولون إن الدين ليس بعلم، والله يسميه علمًا:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

والله يسميه علمًا فيقول:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

يُعلّم طلبة العلم التواضع، وأن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، وأنه مع المحبرة إلى المقبرة، من المهد إلى اللحد. لكنهم أفسدوا ويفسدون.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في شأن هؤلاء:

«أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من كلام خير البرية، يقولون من كلام خير البرية، لا يجاوز إيمانهم تراقيهم»

قصة رؤية النبي للملائكة تتنازع على دعاء أحد المأمومين في الصلاة

أيها المسلمون، مرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد في سنن النسائي يصلي بالصحابة الكرام، وبينما هو يصلي رأى مشهدًا غريبًا. وكان بموجب نبوته قد كُشف عنه الحجاب صلى الله عليه وآله وسلم.

رأى الملائكة في المحراب يتحدثون ويتكلمون، منظر غريب! فالملائكة عادة كانت تقف في سكون مع النبي، لكن لاحظ أنهم يتكلمون وكأنهم يناقشون شيئًا مهمًّا، وكأنهم يتنازعون فيما بينهم حول شيء ما.

فلما رأى أنهم يريدون أن يأخذوا شيئًا، أيّهم يصعد به أولًا إلى السماء وكأنهم فرحون به، عرف صلى الله عليه وسلم أن هذا الشيء هو ذكر ودعاء قاله أحد المأمومين من أصحابه الكرام لا يعرف من هو. فالملائكة تتنازع على دعاء هو لا يعرفه ولا يعرف من قاله، عجيب!

سؤال النبي عن الدعاء بعد الرفع من الركوع وبيان فضله العظيم

فلما انتهى [رسول الله صلى الله عليه وسلم] من الصلاة فالتفت إلى الصحابة كما في [سنن] النسائي وقال:

من الذي قال ما قال عند الرفع من الركوع؟ فخاف الرجل أن يكون قد أخطأ وخجل فسكت. قال: من؟ فإنه لم يقل إلا خيرًا. قال: أنا يا رسول الله.

قال: ماذا قلت؟ قال: قلت: اللهم ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طاهرًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء.

قال [رسول الله ﷺ]: «رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيّهم يصعد بها إلى السماء»

الملائكة تصعد بالدعاء الطيب إلى السماء وفضل الذكر المحدث الموافق للدين

الملائكة لم تكن تعرف مفهوم البدعة عند النابتة [أي: المتشددين الجهلة]، وكانت تنتظر إقرار النبي [صلى الله عليه وسلم]. الملائكة تعرف وتعلم أن كل طيب يُصعد به إلى السماء.

وعندما يُصعد به إلى السماء يجد هناك أنوارًا وتنكشف له الأستار، ويُعطى من العطايا ما جعل بضعة وثلاثين ملكًا يتسابقون أيّهم يصعد بها إلى السماء.

قصة بلال رضي الله عنه وسماع النبي خشخشة نعليه في الجنة

رأى النبي [صلى الله عليه وسلم] بلالًا في يوم فقال له:

«يا بلال، رأيتك البارحة وسمعت خشخشة نعليك قبلي في الجنة، فبِمَ هذا؟»

قال: لا أدري يا رسول الله. إذن نعلا بلال في حالة سيئة قديم، وعندما يسير يُحدث صوت خشخشة.

كانت الدنيا في أيديهم ولم تكن في قلوبهم، ما كانوا يفرحون بالموجود ولا يحزنون على المفقود. كانت قلوبهم خاشعة لرب العالمين، متعلقة بحبه سبحانه وتعالى.

ففازوا وغيّروا الدنيا وأخرجوا الناس من الظلمات إلى النور:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

بلال يصلي ركعتين بعد كل وضوء وهذا من البدعة الحسنة الموافقة للدين

قال [بلال رضي الله عنه]: إلا أنني يا رسول الله كلما توضأت صليت ركعتين.

حدثٌ [جديد]، النبي [صلى الله عليه وسلم] لم يعلّمه هذا، لكنه لما عرف أن الوضوء من الإسلام وأن الركعتين من الإسلام، وأن الله يحب الزيادة في النافلة:

«فلا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به»

فعل هذا [بلال رضي الله عنه]، فكان ذلك حادثة ولكنها لا تكرّ على شيء من الدين بالبطلان [أي: لا تناقض أصلًا من أصول الشريعة].

الرد على دعاة خلع الحجاب ومنهج البيان دون الاشتغال بالرد على المنحرفين

على الجانب الآخر نرى أولئك الذين يأمرون النساء بخلع الحجاب، ويطلب كثير من الناس أن نردّ عليهم. وليس لدينا وقت أن نردّ على أحد؛ فمهمتنا البيان، نبيّن للناس ولا نشتغل بأحد.

والشعب يطيع من يبيّن لا من يخرّف ويحرّف. علّمنا هذا الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حيث يقول فيما أورده صاحب عمدة القاري في شرح صحيح البخاري الإمام العيني:

لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا ... لأصبح الصخر مثقالًا بدينار

أقِم البيان ودع الناس مع رب الناس، يعلم حالها في الدنيا وحالها في الآخرة. وفي الآخرة سنرى العجب العجاب والأمر المستغرب.

دعوة المسلمين إلى العفاف والتمسك بكلام رسول الله في مواجهة الفتن

وفي الدنيا فإذا أصابتنا مصيبة قلنا:

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]

فيخرج آخرون يدعون إلى الإلحاد، وآخرون يدعون إلى الإباحية، وآخرون يدعون إلى قلة الحياء وقلة التدين وقلة الأدب باللفظ الصريح.

ماذا علينا أن نفعل؟ ندعو المسلمين إلى العفاف، وندعو المسلمين إلى كلام رسول الله الذي يصل من القلب إلى القلب:

قال رسول الله ﷺ: «اضمن لي ما بين لحييك وما بين رجليك أضمن لك الجنة»

صلى الله عليه وسلم يا سيدي يا رسول الله.

دعاء الحمد والثناء على الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

ادعوا ربكم. الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء يا أرحم الراحمين.

والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله جوهر النفوس وتاج الرؤوس. اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيًّا عن أمته، واحشرنا تحت لوائه، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده.

﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: 45]

وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه وخليله، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.

الصلاة على النبي والدعاء بالفهم والشهادة والتمكين في الأرض

فاللهم يا ربنا صلِّ وسلِّم عليه صلاة وسلامًا دائمين كما يليق بمكانته ومقامه عندك يا رب العالمين.

وفهّمنا مراده [صلى الله عليه وسلم]، واجعلنا من الذين جعلناه شهيدًا فينا، ووفّقنا أن نكون شهداء على الناس، ومكّن لنا في الأرض كما مكّنت للذين من قبلنا، واشرح صدورنا وأعمر بنا [البلاد].

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار. اشفِ مرضانا وارحم موتانا وفرّج كرب مكروبنا وانصر مظلومنا وردّ غائبنا.

الدعاء الجامع بالرحمة والهداية والعفو وحسن العبادة وختام الخطبة

واجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرّقنا من بعده تفرّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا. أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، واصرف عنا شر ما قضيت؛ إنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك.

اللهم يا ربنا اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسّر أمورنا. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا رب.

هذا حالنا لا يخفى عليك، وعلم كل شيء بيدك، فكن لنا ولا تكن علينا. فارحم حيّنا وميّتنا وحاضرنا وغائبنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تؤاخذنا بما نسينا أو أخطأنا.

افتح علينا فتوح العارفين بك، علّمنا الأدب معك، اسلك بنا الطريق إليك، رقّق قلوبنا لذكرك، هدّئ البال وأصلح الحال وألّف بين القلوب يا أرحم الراحمين.

يا رب وفّقنا إلى ما تحب وترضى، وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك يا رب. يا رب اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همّنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا.

اللهم آتِ سيدنا محمدًا الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة، وابعثه اللهم مقامًا محمودًا الذي وعدته؛ إنك لا تخلف الميعاد.

وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم. وأقم الصلاة:

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]