النماذج الأربعة للتعايش | خطبة الجمعة 8 مايو 2015 | أ.د. علي جمعة - خطب الجمعة

النماذج الأربعة للتعايش | خطبة الجمعة 8 مايو 2015 | أ.د. علي جمعة

29 دقيقة
  • قدم النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته أربعة نماذج للمسلمين في كيفية العيش في مختلف البيئات.
  • النموذج الأول: الحياة في ديار الكفر المحاربة للإسلام، كما عاش النبي في مكة وسط المشركين وعلّمنا التفريق بين المشرك والشرك.
  • النموذج الثاني: العيش في بلاد غير المسلمين الذين يقبلون المسلمين، كحال الصحابة في الحبشة حيث كان النجاشي عادلاً.
  • النموذج الثالث: المواطنة المشتركة كما حدث في المدينة، حيث وضع النبي صحيفة جمعت المسلمين واليهود والمشركين.
  • النموذج الرابع: استقلال المسلمين ببلادهم وتطبيق الشريعة.
  • ترك النبي هذه النماذج هداية ورحمة إلى يوم الدين، لكن ظهرت جماعات متطرفة لم تفهم الدين، فخرجت على المسلمين وغيرهم.
  • حذرنا النبي من هؤلاء الذين يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية، ولا يفرقون بين البر والفاجر.
  • يجب فهم سيرة النبي بشمولية وعدم الأخذ ببعض الكتاب والكفر ببعض.
محتويات الفيديو(30 أقسام)

خطبة الاستفتاح بالحمد والثناء على الله والصلاة على النبي

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.

فاللهم صلِّ على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ على سيدنا محمد في العالمين، وصلِّ على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وصلِّ على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا كثيرًا.

وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه الأبرار، يا رب العالمين.

آيات التقوى من سورة آل عمران والنساء والأحزاب

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي رسول الله

أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي سيدنا رسول الله ﷺ، وإن شر الأمور محدثاتها؛ فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله، تركنا سيدنا ﷺ على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. جعله الله سبحانه وتعالى أسوة حسنة للعالمين.

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

آيات قرآنية في وجوب اتباع الرسول وطاعته والاقتداء به

﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

﴿أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]

عناية المسلمين بالسيرة النبوية والسنة الشريفة جمعًا وتحقيقًا وشرحًا

رسول الله ﷺ التفت المسلمون إلى سيرته الشريفة وفرّقوا بينها وبين السنة المنيفة، وجمعوا هذه السيرة وتلك السنة في السنة؛ رتّبوها ونقدوها وضبطوا ألفاظها وشرحوا معانيها.

لكنهم لم يغفلوا سيرة رسول الله ﷺ فحفظوها، وهي مجموعة من المواقف والعلاقات؛ وكيف تعامل ﷺ وهو في دار المشركين في مكة.

مكة المكرمة بين قداسة البيت الحرام وشرك أهلها بالله

وقد اختلطت فيها [في مكة] عدة معانٍ؛ فهي موئل إسماعيل عليه السلام، وبها البيت الحرام الذي هو رحلة المؤمنين والأنبياء عبر العصور، ومقصد الأتقياء الأنقياء، ومحل نظر الله سبحانه وتعالى. وعنده يستجيب الله الدعاء ويغفر الذنوب، وعنده يحميه الله سبحانه وتعالى من كل عدوان، ويعاقب من اعتدى عليه، ويؤمّن من دخله.

ولكن أهل مكة يشركون بالله، والشرك إثم عظيم وذنب جليل ومصيبة دهياء؛ لأنها تكرّ على مقصد الخالق بالبطلان، ولأنها تقدح في التوحيد الذي هو أجلّ الحقائق في هذه الأكوان.

دروس النبي في العيش بدار الشرك والتفريق بين العاصي والمعصية

عاش رسول الله ﷺ في مكة، فعلّمنا كيف يعيش المسلم في دار تسبّ الله ورسوله، وكيف يفرّق هذا الفرق الدقيق بين العاصي والمعصية، وبين المشرك وهو إنسان والشرك [وهو الفعل]، وبين عالم الأشياء وعالم الأشخاص والأحداث.

علّمنا رسول الله ﷺ كيف نعيش لو أننا خُلقنا في مثل هذه الأجواء وتلك البيئة. وكان هذا النموذج باقيًا إلى يومنا هذا إلى يوم الدين؛ نطلب منه الهداية ونأخذ منه العبرة؛ لأنه من فعل رسول الله ﷺ.

مواقف النبي لا يكتنفها نسخ ولا تغيير فهو الرحمة المهداة والأسوة الحسنة

إن كانت هناك بعض الأحاديث قد اكتنفها النسخ والتغيير، فإن مواقف رسول الله ﷺ وهو الموفّق والمؤيّد من ربه لا يكتنفها نسخ ولا تغيير. فهو ﷺ الرحمة المهداة وهو الأسوة الحسنة.

هجرة الصحابة إلى الحبشة وأهمية العدل في حماية الملك

ذهب النبي ﷺ بعدما ضغط عليه المشركون وعلى أصحابه من عذاب وتنكيل، حتى أمر أصحابه أن يذهبوا إلى الحبشة فارّين بدينهم طالبين الأمان.

قال [النبي ﷺ]: «إن فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد»

يعلّمنا أن العدل أساس الملك، وأن هذا الملك النجاشي وإن كان على غير دين الإسلام إلا أنه عاقل عادل لا يُظلم عنده أحد. والذي هو على هذه الهيئة يؤيده الله حتى مع عدم إسلامه.

حياة الصحابة في الحبشة من الضيافة إلى المواطنة والجهاد مع النجاشي

وذهبت الصحابة الكرام وعاشوا في الحبشة، ولم تكن بعد نظم الجنسية ومفاهيم الوطنية قد اتخذت مصطلحاتها وصارت في نهجها كما حدث بعد ذلك بقرون. إلا أن الصحابة الكرام أصبحوا من مواطني هذه البلاد ومكثوا فيها.

وطالبوا مرارًا من ملك الحبشة أن يجاهدوا معه العدو، وكان له ابن عم ينازعه الملك ويقوم عليه في مرات متكررة. وكان النجاشي لحين يعتبرهم ضيوفًا وأنه ليس من اللائق أن يحارب الضيف معه، إلى أن اعتبرهم مواطنين وأذن لهم في الحرب معه.

وانتصر النجاشي بفضل عدله على ابن عمه دائمًا، والحمد لله رب العالمين. وكانوا إذا لم يحاربوا معه انتظروا النصر له وفرحوا به وهلّلوا وكبّروا.

دروس الصحابة في العيش ببلاد غير المسلمين التي يسودها العدل

عاشوا في الحبشة فعلّمونا كيف نعيش في دول لا ترفضنا وتمنحنا الجنسية فيها ولا تؤذينا، غير أنها ليست من المسلمين ولا تقيم معالم الإسلام ولا تعرف شيئًا عن الشريعة، بل ولا تريدها. إلا أن العدل هو الأساس فيها؛ فلا يُظلم عندهم أحد.

هجرة النبي إلى المدينة وتنوع سكانها من يهود ومشركين ومسلمين ومهاجرين

اشتد الضغط على رسول الله ﷺ فسافر إلى المدينة، وفيها أخلاط من الناس؛ بها يهود على ثلاث قبائل، وبها مشركون، وبها قوم قد دخلوا الإسلام، وبها مهاجرون من مكة.

بدؤوا بمصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه، حتى هاجر تسعون أسرة من الصحابة الكرام إلى المدينة المنورة، حتى حلّ بها رسول الله فنوّرها وشرّفها ﷺ.

صحيفة المدينة وتأسيس مبدأ المواطنة والحقوق المشتركة بين الجميع

وجد [النبي ﷺ] فيها [في المدينة] أخلاطًا من الناس ليسوا على عقيدة واحدة ولا على رأي واحد، فجمعهم على صحيفة المدينة. ونظر إلى المشترك بينهم وهو هذه المدينة وتلك الديار، وأنه ينبغي عليهم أن يقوموا بواجباتها، وأن حقوقها لنا ما لهم وعليهم ما لنا ونحن في ذلك سواء.

ووافق أهل المدينة كلهم من المنافقين والمشركين والمسلمين واليهود أن يعيشوا سويًّا في كنف ديار هي وطنهم، وفي كنف ديار هي بلادهم، وفي كنف ديار هي دارهم.

تأسيس مؤسسة المسجد النبوي وانفتاح النبي على جميع الناس

وأخذ النبي ﷺ في إنشاء مؤسسة المسجد، وكانت مؤسسة المسجد للعبادة وللقضاء وللتعليم ولترتيب الدفاع عن تلك البلاد.

وكان رسول الله ﷺ يتعامل مع العالمين بنسق مفتوح؛ فيستقبل وفد نجران ويناقشهم، فيصلّون صلاتهم جهة المشرق في مسجده الشريف. ويدخل إليه المشرك كما يدخل إليه المنافق كما يدخل إليه المسلم التقي النقي، فيقبل الجميع.

يدعو هذا المشرك إلى الله، وهذا المنافق إلى التوبة، وهذا العاصي إلى الاستقامة، وهذا المسلم إلى التعلم وإلى مزيد من التقوى لله رب العالمين.

تكالب الأعداء على المدينة من كل الجهات لإزالة الدعوة الإسلامية

لم يتركوه ﷺ وتكالبوا عليه؛ المشركون في الجنوب في مكة، واليهود في الشمال في خيبر، ومسيلمة الكذاب في المشرق. وأرادوا أن يطبقوا عليه من الجهات كلها حتى يزيلوا هذه المدينة وتلك الدعوة.

وأرادوا القضاء على هذه الجماعة الكريمة الشريفة التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.

دفاع النبي عن نفسه ورسالته في القتال لحماية الدين لا للعدوان

فدافع [النبي ﷺ] عن نفسه ونبّههم وأرسل إليهم رسالة:

قال ﷺ: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فمن فعل ذلك فقد عصم مني دمه وأجره على الله»

لا يريد منّا جزاءً ولا شكورًا، ولا يريد إفسادًا ولا فسادًا، بل ولا يريد دمًا يُراق ويُهراق. إنما أراد أن يدافع عن دين الله أمام المعتدين.

مراحل الصراع من بدر إلى الخندق وتحرير المدينة والقضاء على اليهود

ومن هنا دخلنا بعد صراع دام بدأه المشركون في بدر ثم في أحد ثم في الخندق، وكلها في المدينة، إلى أن دافع [النبي ﷺ] عن نفسه ونفض الغبار عن المدينة وعن أهلها، ودخل في المرحلة الرابعة.

خلصت المدينة له، قضى على اليهود بأحكام قضائية ما زال العالم لم يصل إليها إلى يومنا هذا. أتاهم وقال لهم: اختاروا قاضيكم، فاختاروا سعد بن معاذ. وليس هناك متهم إلى الآن في كل نظم القانون في العالم يختار قاضيه.

النبي سبق العقول القانونية بتوفيق الله فلم يكن مجرد عبقري بل موحى إليه

سبق رسول الله ﷺ العقول القانونية بتوفيق الله وبوحي الله. لم يكن ﷺ مجرد عبقري، بل كان عبقريًّا موحى إليه. لم يكن رسول الله ﷺ من أذكياء العالم فحسب، بل كان من أذكياء العالم والمصطفى المختار من رب العالمين ﷺ.

وأوضح لهم [للأعداء] أنني لن أصمت وسأدافع عن نفسي.

﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]

وما عاقبتها إلا الشهادة في سبيل الله؛ عاش حميدًا ﷺ ومات شهيدًا.

النماذج الأربعة لحياة المسلم في مختلف أنواع الديار والبلاد

هذه النماذج الأربعة: كيف يعيش المسلم في ديار الكفر والشرك المحاربة للإسلام، وكيف يعيش في بلاد غير المسلمين ممن يرضون بالإسلام ويتركون المسلمين يعيشون، وكيف يعيشون في بلاد المواطنة حيث اختلط الناس وذهب كل واحد منهم بعقيدته.

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]

﴿فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80]

النموذج الرابع استقلال المسلمين بالبلاد وتطبيق الشرع برضا الناس

والنموذج الرابع يستقل فيه المسلمون بالبلاد فيطبقون فيها الشرع الشريف كما يريدون؛ لأنه لا يمكن أن تحكم الناس بما لا يريدون.

النماذج الأربعة تركها لنا رسول الله ﷺ في سيرته الشريفة هداية ورحمة إلى يوم الدين.

ظهور نابتة من سفهاء الأحلام أصبحت ألعوبة في يد أعداء الإسلام

فجاءت نابتة من أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، وأصبحت ألعوبة في يد أعداء الإسلام. وأصبحنا حيارى في عالم حائر بين أدعياء الإسلام وأعداء الإسلام.

فأدعياء الإسلام تركوا الأدوات واللغة والفهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقولون من كلام خير البرية [النبي ﷺ]، لا يجاوز إيمانهم بلغ تراقيهم.

وصف النبي لفتنة الخوارج وأقوام تصدروا قبل أن يتفقهوا

وجلس رسول الله ﷺ يصف لنا هذه المهزلة التي نعيشها اليوم؛ أقوام لم يتعلموا وتصدّروا قبل أن يتفقهوا، وهاجموا الدين وكأنهم أنبياء، بل وكأنهم أولياء.

والله أعلم بما هنالك، وما كان الله سبحانه وتعالى ليستدرجهم إلى ذلك إلا لما اطّلع عليه وحده على قلوبهم من دَخَل [فساد].

فرأيناهم في سنة ألف وتسعمائة وثمانين يهجمون على البيت الحرام ويقتلون الحجاج ويعطّلون الطواف والسعي ويقتلون شرّ قتلة، والحمد لله رب العالمين.

تحذير النبي ممن يخرج على الأمة ولا يفرق بين برها وفاجرها

ورأيناهم وهم يخرجون على المسلمين وعلى غير المسلمين، لا يفرّقون بين برّهم وفاجرهم.

والنبي ﷺ يقول: «من خرج على أمتي» - وأمته النبي منها أمة الدعوة [وهي] كل البشرية، وأمة الإجابة وهم الذين آمنوا به - «من خرج على أمتي لا يفرّق بين برّها وفاجرها كنت خصيمًا له يوم القيامة»

التحذير من أخذ نصف الدين والكفر بنصفه والإيمان ببعض الكتاب دون بعض

أيها الناس، إن رسول الله ﷺ تركنا على المحجة البيضاء؛ فافهموا عنه واستوعبوا ما قال، ولا تأخذوا نصف الأمر وتكفروا بنصفه؛ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا.

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]

التحذير من سلب العقول عند ظهور الفتن ووجوب تدبر القرآن

عباد الله، اتقوا الله في أنفسكم واعقلوا؛ فإن رسول الله ﷺ حذّرنا أنه عند ظهور هذه الفتن بالذات فإن الله يسلب عقول أهل هذا الزمان، حتى يصبح الإنسان وكأنه يتلقى بدون تفكير.

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]

حاشاه! ادعوا ربكم.

الحمد لله والصلاة على النبي وآله وصحبه والخلفاء الراشدين

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه، ملء [السماوات] والأرض وملء ما شئت من شيء يا رب العالمين. الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى.

وعلى أهل بيته أهل الوفاء، وعلى الخلفاء الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن فاطمة عليها السلام، وعن الريحانتين الحسن والحسين.

اللهم يا ربنا ارضَ وصلِّ على نبيك وعلى صحابته الكرام وعلى أتباعه بإحسان.

دعاء بالمغفرة ورؤية الحق حقًا والباطل باطلًا والستر في الدنيا والآخرة

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار. وأرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وجنّبنا اتباعه.

نوّر قلوبنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسّر أمورنا، واسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك يا رب العالمين.

واجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة، كن لنا ولا تكن علينا، فارحم حيّنا وميّتنا وحاضرنا وغائبنا.

دعاء بالشفاء والرحمة ونصرة المظلومين وحماية الأمة من أعدائها

اشفِ مرضانا وارحم موتانا، ردّ غائبنا وانصر مظلومنا وفرّج مكروبنا، وسدّد الدين عن المدينين وسهّل الأمر على عبادك يا أرحم الراحمين.

اللهم من أراد هذه الأمة بسوء فخذه أخذ عزيز مقتدر. اللهم ردّ علينا القدس، اللهم ردّ علينا أرضنا واحمِ عرضنا.

اللهم ألّف بين قلوبنا وانزع الغلّ منها.

دعاء بالرحمة والحشر تحت لواء النبي ودخول الجنة بغير حساب

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا وتفرّقنا من بعده تفرّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا.

اللهم احشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا. ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، ومتّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم.

وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

دعاء بأن يكون القرآن ربيع القلوب وختام الخطبة بالصلاة على النبي

اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همّنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا. علّمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا، وأقمنا بالحق وفي الحق وأقم الحق بنا يا رب.

اجعل هذا البلد وسائر بلاد المسلمين سخاءً ورخاءً، دار عدل وإيمان وسلم وإسلام. اللهم وأمن وإحسان يا رب العالمين.

اللهم اجزِ عنّا النبي خير ما جازيت نبيًّا عن أمته، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، واجعل مكانه الفردوس الأعلى، وأعطه سؤله يوم القيامة.

اللهم اجعلنا من أصحابه في الجنة يا رب العالمين. اللهم أقرّ عين نبيك بإصلاح حال أمته.

وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم، وأقم الصلاة؛

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]