برنامج عمل لبناء الإنسان | خطبة الجمعة بتاريخ 2011 09 30 | أ.د. علي جمعة
- •الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة.
- •روى العرباض بن سارية أن النبي وعظهم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون.
- •أوصى النبي ﷺ بتقوى الله وهي كلمة جامعة وصفها علي بن أبي طالب بأنها الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل.
- •حث النبي ﷺ على السمع والطاعة ولو تأمر علينا عبد حبشي رأسه كالزبيبة.
- •أخبر أن من يعش بعده سيرى اختلافاً كثيراً، فعلينا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين.
- •أمر بالتمسك بسنته عضاً عليها بالنواجذ (أضراس العقل) أي التمسك الشديد.
- •حذر من محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
- •اهتم الرسول ﷺ بتربية الإنسان قبل البنيان وبناء الساجد قبل تزيين المساجد.
- •علينا تحويل النصيحة إلى برنامج يومي وأن ننتقل من دائرة السخط إلى دائرة الرضا.
خطبة الحمد والثناء على الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.
فاللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وفي كل وقت وحين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، وأتباعه الأبرار يا رب العالمين.
آيات التقوى من سورة آل عمران والنساء والأحزاب
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70]
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71]
منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تربية الصحابة وبناء الإنسان قبل البنيان
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وإن خير الهدي هدي سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتعهد أصحابه بالموعظة وكان يوصيهم ويربي نفوسهم؛ حتى يُنشئ ذلك الإنسان الذي يعبد ربه، والذي يعمر ولا يدمر، والذي يزكي نفسه، إنسان هو إنسان الحضارة.
واهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتربية الساجد قبل تزيين المساجد، واهتم صلى الله عليه وسلم ببناء الإنسان قبل البنيان؛ ولذلك ترك نورًا يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى يوم القيامة. فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وندعو الله سبحانه وتعالى أن نفهم عن سيدنا صلى الله عليه وسلم مراده، وأن نعرف كيف نحول كلماته إلى برنامج حياة يومي نعيش به وفيه.
حديث العرباض بن سارية وموعظة النبي البليغة التي وجلت منها القلوب
عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: تعهدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله لعلها موعظة مودع، كأنك ستفارقنا.
هذا كلام فيه شيء كبير من المشاعر والعاطفة، فيه قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقطر نورًا، ويخرج من فمه الشريف أنوار تصل إلى قلوبهم الشريفة، ووجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، وخافوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أنفسهم أن يفقدوه، فقالوا: يا رسول الله لعلها موعظة مودع، أوصنا.
حرص الصحابة على الوصية النبوية وتحويلها إلى برنامج عمل يومي
هم [الصحابة رضي الله عنهم] حريصون على الخلاصة، على البرنامج الذي سيضعه كل واحد منهم نصب عينيه مدى حياته. ومن أجل ذلك وببساطة فازوا، وما زلنا نذكر أحوالهم الكريمة ومواقفهم الشريفة إلى يومنا هذا بعد مرور أكثر من ألف وأربعمائة عام؛ لأنهم أسسوا وبنوا وأطاعوا وحولوا الموعظة والوصية إلى عمل.
الوصية الأولى بتقوى الله وجعلها هدفًا وغاية في الحياة
لعلها موعظة مودع، فأوصانا [رسول الله ﷺ] قال:
«أوصيكم بتقوى الله»
إذا هذا كلام مكرر لكنه هو المفتاح. تخيل لو أنك عشت حياتك وليس لديك هدف إلا أن تصل إلى تقوى الله، هل ستمد يدك إلى رشوة؟ هل ستحدثك نفسك أن تسرق أو أن تغتصب؟ هل سترضى لنفسك أن تفعل الذنب في الخفاء وأنك قد وضعت هدفًا لك أن تجعل تقوى الله هي الهدف، هي الغاية، هي نهاية الطريق؟
حاول أن تفعل هذا وانظر إلى نفسك وكيف تصل إلى مرحلة رباه ربه [أي: تولى الله تربيته]؛ فإن الله يحسن تربيتك بمجرد أن تجعل التقوى لله برنامجًا لك وهدفًا وغاية؛ فإن الله يساعدك ويعينك على نفسك وعلى الدنيا وعلى الهوى وعلى الشيطان ووسواسه.
﴿إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]
تعريف الإمام علي للتقوى بأنها الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل
فأوصانا [رسول الله ﷺ] وقال: أوصيكم بتقوى الله، كلمة جامعة. سُئل الإمام علي [رضي الله عنه] عن التقوى فقال: هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل.
كان سيدنا علي فصيحًا بليغًا، كلامه سهم محكم. الخوف من الجليل كفانا، العمل بالتنزيل كفانا، الرضا بالقليل — طمع الدنيا أهلكنا ولم نحصل على شيء — فلماذا لا نلقي أحمالنا على الله ونرضى بما قسمه سبحانه وتعالى ونرضى به سبحانه وتعالى؟
جرّب؛ فإنك لن تخسر بل ستفوز في الدنيا والآخرة، وتشعر بالرضا وبالقناعة وبالتوكل على الله، وتكون الدنيا في يدك لا في قلبك، ويحسدك الملوك على ذلك.
الوصية بالسمع والطاعة ومبدأ المساواة بين البشر في الإسلام
فأوصانا [رسول الله ﷺ] قال:
«أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ولو تأمّر عليكم عبد»
وفي رواية:
«ولو أُمِّر عليكم عبد حبشي رأسه كزبيبة»
الإسلام دين العالم لا يعرف الفرق بين الأسود والأبيض والأحمر والأصفر أبدًا، لا يعرف الفرق بين البشر إلا بالتقوى.
والسمع والطاعة؛ لأن السمع والطاعة هو الذي يجمع الجماعة. السمع والطاعة في نظام فيه نصيحة لله ولرسوله ولعامة المسلمين ولأئمتهم. أمرنا بالسمع والطاعة في نظام فيه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وتأكيد على ذلك، وهو أعلى أنواع الرقابة والمساءلة.
السمع والطاعة ليس خنوعًا بل منظومة متكاملة لبناء المجتمع
لم يأمرنا [الإسلام] بالسمع والطاعة خنوعًا كما يظن بعضهم وينفر من الإسلام؛ لأنه آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 85]
خزي في الدنيا وفي الآخرة. إذا [فهمنا ذلك أدركنا أن] أنا إمام [أي: الإسلام منظومة] كلٌّ لا يتجزأ، فيه أمر بالمعروف وفيه نهي عن المنكر وفيه مراقبة وفيه مساءلة وفيه نصيحة وفيه سمع وطاعة؛ حتى تستقر أمور المجتمع وينطلق إلى البناء، بناء الإنسان وبناء البنيان، وإن كان الإنسان قبل البنيان وإن كان الساجد قبل المساجد.
أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ولو تأمّر عليكم عبد، ولو أُمِّر عليكم عبد حبشي، ولو أُمِّر عليكم عبد حبشي رأسه كالزبيبة.
التمسك بالسنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين عند ظهور الاختلاف
ومن يعش منكم — وفي رواية: ومن يعش منكم بعدي — يرى اختلافًا كثيرًا، وقد كان. صدقت يا رسول الله! ومن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا.
«فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ»
وفي رواية:
«فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة»
وفي رواية:
«وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة»
[أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم والترمذي وقال: حسن صحيح]. فهو حديث صحيح وثابت عن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه عن سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم.
معنى النواجذ والتمسك الشديد بسنة النبي وبرنامج بناء الأمة
والنواجذ أضراس العقل التي نسميها بأضراس العقل، وأضراس العقل هي آخر الضروس في الفك الأسفل وفي الفك الأعلى. ومعنى عضّوا عليها بالنواجذ يعني بكل أسنانكم؛ ولو أنكم عضضتم على شيء بكل أسنانكم كان عضًّا شديدًا قويًّا لا يستطيع أحد أن ينتزع ما قد فعلتم فيه هذا من أفواهكم.
فهو يأمرنا بكلمة النواجذ أن نتمسك تمسكًا شديدًا بتقوى الله وبالسمع والطاعة وباتباع سنته عند اختلاف الناس. برنامج عمل للإنسان يبني الإنسان، وللمجتمع يبني المجتمع، وللأمة تُبنى به الأمة.
جزاك الله عنا يا سيدي يا رسول الله خيرًا، وفّيت وكفّيت وبلّغت فما قصّرت.
دعوة لتحويل الوصية النبوية إلى برنامج عمل يومي والانتقال من السخط إلى الرضا
أما نحن فعلينا بحبنا لسيدنا صلى الله عليه وسلم أن نتمثل بالصحابة الكرام وأن نحول الشعار إلى عمل، والنظر إلى فعل، والنصيحة إلى برنامج يومي يتسق معنا مع كل شخص؛ حتى ننتقل من دائرة سخطه [سبحانه وتعالى] إلى دائرة رضاه.
والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وسلم.
الدعاء بالصلاة على النبي وسؤال الله الحشر تحت لوائه والشرب من يده الشريفة
اللهم يا ربنا صلِّ وسلم عليه صلاة تليق بمكانته ومكانه عندك يا ربنا. اجزه عنا خير ما جزيت نبيًّا عن أمته. يا ربنا ارزقه الفردوس الأعلى وارزقه سؤاله يوم القيامة وشفّعه فينا.
يا ربنا نسألك أن تحشرنا تحت لوائه وأن تسقينا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب؛ فنحن في حاجة إلى رحمتك ولست في حاجة إلى مؤاخذتنا، فاغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم.
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عفو يا غفار.
الدعاء بالمغفرة والرحمة واستجابة الدعاء في ساعة الإجابة
كن لنا ولا تكن علينا، فارحم حيّنا وميتنا وحاضرنا وغائبنا، وهب مسيئنا لمحسننا، واغفر لنا جملة واحدة. اللهم لعلها أن تكون ساعة الإجابة فاستجب لنا وارحم ضعفنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ونوّر قلوبنا وسامحنا.
اللهم إننا جئناك تائبين إليك وقد وعدت أننا إذا جئنا إليك غفرت لنا، فاغفر لنا يا أرحم الراحمين. اغفر لنا ذنوبنا واستر عيوبنا ويسّر غيوبنا.
الدعاء بالتمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم وجعل القرآن ربيع القلوب
اللهم متّعنا بالنظر إلى وجهك الشريف، اللهم متّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم متّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنة الخلد يا أرحم الراحمين.
واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا. علّمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وافتح علينا فتوح العارفين بك.
وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وحبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومن المتقين ومع القوم الصالحين الصادقين يا أرحم الراحمين.
الدعاء بالقبول والنقل من دائرة السخط إلى الرضا ورد القدس والصلاة على النبي
يا رب هذا حالنا لا يخفى عليك، وضعفنا ظاهر بين يديك، فتقبلنا يا رب العالمين وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك.
اللهم رُدّ علينا القدس ردًّا جميلًا. اللهم إنك تعلم أنه لا حول لنا ولا قوة، فوفّقنا إلى ما تحب وترضى، واستعملنا فيما تحب وترضى، واهدنا في من هديت وعافنا في من عافيت وتولنا في من توليت وبارك لنا فيما أعطيت.
اشفِ مرضانا وارحم موتانا واقضِ حوائجنا وسدّد الدين عن المدينين وفرّج كرب المكروبين وانصر المظلومين، ومكّنّا في الأرض وأعنّا على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولك عاقبة الأمور من قبل ومن بعد يا أرحم الراحمين.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وأقم الصلاة:
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]
