برنامج كلمة حق | أ.د علي جمعة | الإسلام والبيئة بتاريخ 2011 - 09 - 02 - كلمة حق

برنامج كلمة حق | أ.د علي جمعة | الإسلام والبيئة بتاريخ 2011 - 09 - 02

48 دقيقة
  • اهتم الإسلام بالبيئة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، ويظهر ذلك في آيات القرآن والسنة النبوية المطهرة.
  • يقوم المفهوم الإسلامي للبيئة على أساس عقائدي متين، إذ بيّن القرآن أن كل شيء في الكون يسبح بحمد الله، مما يستوجب التعامل مع البيئة برفق واحترام.
  • نهى الإسلام عن الإسراف في الماء، وحث على غرس الأشجار، وأمر بإماطة الأذى عن الطريق، وحرم تلويث المياه.
  • تضمنت شعائر الحج تحريم الصيد وقطع الأشجار كإشارة للتوازن البيئي.
  • الرفق بالحيوان من قيم الإسلام، فقد نهى عن تحميله ما لا يطيق، وبين أن رحمة الحيوان سبب لدخول الجنة.
  • يعاني العالم اليوم من تغيرات بيئية خطيرة بسبب الإفراط في الاستهلاك والتلوث بأنواعه السمعي والبصري والفكري.
  • يقدم التراث الإسلامي حلولاً جذرية لمشكلات البيئة المعاصرة من خلال منهج متكامل يقوم على الرحمة والاعتدال.
محتويات الفيديو(51 أقسام)

مقدمة البرنامج عن التغييرات البيئية الخطيرة واهتمام الإسلام بالبيئة

[المذيع]: تغييرات بيئية خطيرة جدًا يشهدها العالم أجمع، تهدد الحياة على الأرض. تغييرات بيئية خطيرة جدًا يشهدها العالم أجمع، تهدد العالم بتدمير الجهاز العصبي للإنسان، وبالتالي إفقاده القدرة على العمل والإنتاج والتعايش في هذه الحياة.

الإسلام الحقيقة، وعلى مدى أكثر من ألف وأربعمائة عام، اهتم جدًا وعُني بالبيئة، والحضارة الإسلامية أعطت الكثير للبيئة. عن كيفية اعتناء الإسلام بالبيئة نتحدث في كلمة حق.

الترحيب بالضيوف وطرح سؤال كيف اهتم الإسلام بالبيئة وما هو فقه البيئة

[المذيع]: أجدد التحية لحضراتكم ولضيوفنا الكرام الذين أرحب بهم، يحدثونا عن البيئة في الإسلام في هذه الليلة. فضيلة مفتي الديار المصرية العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بك.

[الشيخ]: فضيلة الدكتور، أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: أرحب بفضيلتك، وأيضًا معنا المثقف والقانوني المصري سعادة المستشار الأستاذ رجائي عطية عضو مجمع البحوث الإسلامية، أهلًا بك.

[المستشار رجائي عطية]: أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: فضيلة الشيخ أحمد نبوي الداعية الإسلامي، أهلًا وسهلًا. يعني الحقيقة أن البيئة في الإسلام من الأشياء المهمة جدًا، وأيضًا عالجها الإسلام سواء في الآيات القرآنية أو في السنة النبوية المطهرة. فضيلة الإمام، يعني في البداية نود أن نعرف من فضيلتكم: كيف اهتم الإسلام بالبيئة؟ وما هو فقه البيئة في الإسلام؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. عندما عرض الغرب قضية البيئة، عرضوها بعد أن أفسدوا هذه البيئة؛ فتسببوا في ثقب الأوزون من الفريون، وسببوا ظاهرة التصحر الناتجة عن القضاء على الغابات.

إفساد الغرب للبيئة ثم ادعاؤهم اكتشاف قضية البيئة كشيء جديد

[الشيخ]: والغابات عنصر من عناصر دورة الأمطار، فحدث التصحر ووقعت المجاعات في أفريقيا بسبب تلويثهم الأنهار بالمواد الكيميائية في بلدانهم.

وعندما تلوثت البيئة والهواء من الصناعات مثل صناعة الألومنيوم، وكذلك الأسلحة المدمرة مثل الغبار الذري، وهكذا هم أنفسهم تنبهوا إلى أنهم يفسدون هذا الكون، فأتوا وكأنهم جاءوا بشيء جديد.

إذا ما أردنا أن نسأل عن هذا الشيء الجديد الذي يتحدث عن السماء وعن الهواء وعن الأرض وعن الماء وعن الكون الذي نحيا فيه، وهذه المأدبة الربانية التي خلقنا الله فيها، فلنذهب إلى القرآن والسنة ولنرَ.

تأصيل قضية البيئة من الكتاب والسنة وعلاقة الإنسان بالكون والرحمن

[الشيخ]: ما هذا المفهوم؟ ماذا يقول ربنا سبحانه وتعالى؟ وهنا نسمي هذا الرجوع إلى الكتاب والسنة التأصيل. تأصيل، فما هو تأصيل هذه القضية؟ قضية البيئة أصَّلها هكذا من الكتاب والسنة.

فعندما أذهب إلى الكتاب، قد أجد الموضوع وقد لا أجده مباشرة، لكن هنا سأجد تأصيلًا وتأصيلًا عميقًا جدًا مبهرًا، يجعلنا ننتبه عبر القرون وليست تحت مثل هذه القضية، إنما هي في قضية بناء الإنسان أصلًا وعلاقته مع الرحمن من جهة، ومع الأكوان من جهة أخرى. صحيح.

تسبيح الكائنات لله تعالى وتحول ذلك إلى عقيدة إسلامية راسخة

[الشيخ]: فهلم بنا نلحظ هذا التأصيل. والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]

يا للعجب! ما معنى هذا؟ الطاولة التي أمامي والخشب هذا يسبح! يعني الثياب التي ألبسها هذه تسبح! عقيدة المسلم هكذا.

وأصبحت المسألة عقيدة؛ لأنها وردت عن رب العالمين في كتابه الكريم، فيجب عليَّ تصديقها، ويجب عليَّ الاعتقاد فيها. فتحولت هذه العبارة إلى عقيدة؛ لأنها جاءت من رب العالمين سبحانه وتعالى.

﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]

المسلم لديه في السنة أن الحصى قد سبَّح في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذن هو يتفاعل مع الكون على هذا الأساس، وهو أنه كون يعبد ربه، وأن تيار الكون هكذا إنما هو يسير نحو عبادة الله سبحانه وتعالى.

سجود الكائنات وبكاء السماء والأرض وتفاعل الكون مع الإنسان المسلم

[الشيخ]: عندما أجد في القرآن يذكر أن:

﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6]

فما معنى هذا؟ إنني عندما أسجد لله أشعر أن الأكوان جميعها تسجد لله سبحانه وتعالى.

وعندما أجد في القرآن بعد التسبيح وبعد السجود وهكذا أن الله سبحانه وتعالى يصف السماء والأرض بالبكاء، يا للروعة!

﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ﴾ [الدخان: 29]

يعني أن السماء تبكي على أحد، والسماء ترحم أحدًا، وكذلك إلى آخره. وبعد ذلك:

﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]

ما هذا؟ إنهم يقولون ويؤكدون بأنهم يأتون ويذهبون. إذن الله سبحانه وتعالى خلقني في كون متفاعل.

التأصيل العقدي للتعامل مع الكون والرفق بالمخلوقات المسبحة لله

[الشيخ]: وعندما أنتقل إلى جزئيات هذا التأصيل الكلي الذي هو على مستوى العقيدة، الذي هو أيضًا محجوب عني، يقول أنك لن تسمع تسبيحهم. هذا هو يسبح ولكن لا تسمع تسبيحهم.

ولذلك هذه الجزئية جعلت أهل الله من أهل التصوف يقولون لك: وأنت داخل لا تصفق الباب وراءك. لماذا؟ قال: هذا يسبح، هذا يسبح.

قال النبي ﷺ: «إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»

فأصبح المسلم يتعامل مع الأكوان برفق وحنان؛ لأنه أصل من أسمائه سبحانه وتعالى الحنان المنان، ولأن الكون هذا يسبح، وما دام يسبح فهو يعبد ربنا.

الكون أفضل من الإنسان في التسبيح والإنسان سيد في الكون لا سيد عليه

[الشيخ]: فهذا يعني أن الله يُسبَّح دائمًا وأنا لا أسبح دائمًا، فأنا أسبح وِردي هكذا في الصباح فقط أو في الليل وفقط مرة واحدة. هكذا يكون هو أفضل مني.

تصور أنني أسير وليس لدي احتقار لهذا الكون ولا تعالٍ على هذا الكون، وإن كنت سيدًا في هذا الكون، لكنني لست سيدًا لهذا الكون. الذي هو سيد، السيد هو الله. في الحديث النبوي يقول هكذا سيدنا رسول الله.

جزئيات التعامل مع البيئة من النهي عن الإسراف في الماء والحث على الزراعة

[الشيخ]: نذهب إلى الجزئيات، فنجد سيدنا رسول الله أمرنا بعدم الإسراف في الماء، ونجد أن سيدنا رسول الله أمرنا بأنه عندما تكون معنا فسيلة زراعية صغيرة هكذا حتى لو قامت الساعة فلنغرسها في الأرض.

نجد أن سيدنا رسول الله ينبهنا على معانٍ مفتاحية في التعامل مع البيئة:

﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

إذن عدم السرف. انظر إلى المبدأ العام، عندما يقول إنه سبحانه وتعالى لا يحب المسرفين، فالعلاقة بيني وبين الأكوان في مستوى آخر من التفكير وصل إليه علماء الإسلام.

حديث المرأة والهرة ومنهج التجريد لاستخلاص علاقة الإنسان بالأكوان

[الشيخ]: عندما يقول:

قال النبي ﷺ: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»

فيأتي العلماء ليعملوا شيئًا يسمى التجريد. والتجريد هو أن يضعوا الحديث هكذا ويقولوا: هيا لنفكر فيه. امرأة وقطة، فلنفترض أنه كان كلبًا، هل يختلف الحال؟ لا. قال: إذن فلنجرد القطة، نلغي القطة ونجعلها حيوانًا.

فلنفترض المرأة كانت رجلًا، هل يختلف الحكم؟ يعني الرجال يعذبون الحيوانات كما يشاءون؟ لا. ينبغي إلغاء المرأة وأكتب عن إنسان.

طيب، إذن أنا إنسان أمام حيوان، هل يمكن أن تلغي الحيوان؟ قال: نعم، يمكن أن أجعله أكوانًا سواء كان حيوانًا أو نباتًا أو جمادًا بالآيات السابقة هذه. إذن هذا الحديث يتحدث عن العلاقة بين الإنسان والأكوان بعد التجريد.

العلاقة بين الإنسان والبيئة مبنية على الرحمة وحديث الأولوية في الإسلام

[الشيخ]: المبنية على الرحمة وليس على العدوان، على الرحمة وليس على العنف والقسوة. فالعلاقة بيني وبين البيئة مبنية على الرحمة. قِس على هذا إذن كل شيء، عشرات الآيات وعشرات الأحاديث.

عندما تأتي ويقول:

قال النبي ﷺ: «دخلت امرأة بغي من بني إسرائيل الجنة في كلب وجدته عطشانًا فسقته، فغفر الله لها وأدخلها الجنة»

يا سبحان الله! ما هذا الإبداع! هذا البخاري يقول:

«ورجل وجد كلبًا عطشانًا فسقاه، فأدخله الله الجنة»

إذن نريد في النهاية أن تكون هناك علاقة بين الإنسان والأكوان، وهذه العلاقة هي الرحمة.

قال النبي ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء»

حديث يسمونه حديث الأولوية، أول شيء نعلمه للطلاب هو حديث الأولوية هذا، فسُمي كذلك أولية يعني أول شيء.

تأصيل البيئة في الإسلام على مستوى العقيدة والجزئيات والأحكام الفقهية

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم. إذن أنا في البيئة في الإسلام لها تأصيل على مستوى العقيدة، لها تأصيل على مستوى الجزئيات، لها أحكام فقهية عديدة.

وفي النهاية فنحن الذين حافظنا على البيئة. حتى في منتجاتنا، أنا كنت دائمًا في الماضي أقول إنه لو كان المسلم هو الذي اخترع السيارة لما جعلها تلوث البيئة، ولكن القدر هكذا أن الذي اخترعها لم يلتفت إلى البيئة، وإنما التفت إلى مصالح سريعة وهي أنها توصله بسرعة، أنها توصله براحة، أنها كذا أنها كذا إلى آخره، لكن لا علاقة له بالبيئة. أحيِني اليوم وأمِتني غدًا.

المستشار رجائي عطية يتحدث عن أمثلة حماية البيئة في المدونة الإسلامية

[المذيع]: حسنًا، البيئة من منظور آخر يحدثنا عنه أيضًا فضيلة سعادة المستشار رجائي عطية.

[المستشار رجائي عطية]: يعني من يراجع المدونة الإسلامية إن جاز التعبير يعني، سنجد أمثلة عديدة جدًا على حماية البيئة من التلوث. سيجدها في إماطة الأذى عن الطريق، ويجدها في قضاء الحاجة، ويجدها في ما يجب أن يُحاط به مكان قضاء الحاجة، ويجدها في وجوب اختيار أن يكون فوق الريح وليس تحت الريح.

سيجدها في أمثلة عديدة، ولكن الذي أحب أن أوصله للناس، أن هذه صور لأشكال. العبرة في المعنى والمقصد، أي عندما يُقال النظافة فالعبرة في النظافة، هذا هو المعنى وهذا هو المقصد.

المقصد من السواك والنظافة وتطور صور المحافظة على البيئة بتقدم الحضارة

[المستشار رجائي عطية]: إذا كان في عصر النبوة لم يكن موجودًا إلا السواك لنظافة الأسنان، فالمقصد أن السواك فيه محافظة على البيئة؛ لأنه يحافظ على الصحة، ويحافظ على ألا يتحول الفم إلى مكان بؤرة مستودع للآفة للجراثيم المكروهة.

ويبقى ما يتحقق نتيجة تقدم الحضارة، أنت في إطار المغزى وفي إطار المعنى، وبالتالي كل الأمثلة التي يتمنطق العلماء بها الآن في حماية البيئة من التلوث.

فهناك تلوث سمعي - الضوضاء - هي تلوث سمعي، صورة من صور تلوث البيئة في زماننا. التلوث البصري، شيوع القبح، واعتياد القبح، ثم امتصاص القبح، والعودة إلى إفرازه، هذا نوع من أنواع التلوث البصري للبيئة.

الإساءة إلى نهر النيل والترع وثقافة التلوث المتجذرة في المجتمع

[المستشار رجائي عطية]: إننا اعتدنا أن نتعامل مع نهر النيل الذي منه الحياة في مصر تعاملًا بشعًا. اعتدنا ليس فقط أن نصرف فيه عوادم المصانع الموجودة على ضفتي النهر، نلقي فيه كل المخلفات. اعتدنا أن نلقي فيه الجيف.

نعم، اعتدنا أن نصطاد الأسماك بالسموم، اعتدنا أن نقضي الحاجة على نهر النيل دون أن ندرك أننا نعود فنشرب من هذا الماء. هذا الكلام ينصرف أيضًا إلى الترع والمصارف، حيث وصل الأمر أنهم قديمًا كانوا يأتون هكذا فيردمون فيها ويلقون فيها الجيف.

كما كان زمان يقولوا: طول ما تعطي ظهرك للترعة عمر البلهارسيا في جتتنا ما ترعى. حتى هذه الأشياء توقفت؛ لأنه كما تقول هكذا، الناس يئست.

ضرورة حماية البيئة من التلوث السمعي والبصري وثقافة الهدير والصراخ

[المستشار رجائي عطية]: من أنه يجب الالتفات إلى أن هذه البيئة، هذه البيئة، لكي أتنفس هواءً نقيًا، لكي أرى مناظر مقبولة، لكي أحمي سمعي من الضوضاء ومما أسميه ثقافة الهدير.

ثقافة الهدير، ثقافة الصياح، ثقافة الصراخ، ثقافة الضوضاء هذه، أصبحت آفات اجتماعية موجودة. وبالتالي نحن هكذا المناخ الذي نحن نعيش فيه، نحن أصبحنا غير معنيين عناية الإسلام بحمايته كبيئة فيها نتنفس، وفيها نبصر، وفيها نسمع، وفيها نعيش، وفيها نحيا.

لا، أصبحنا أنفسنا معنيين بالوعي واللاوعي بتلويث هذه البيئة بكل أنواع التلويث.

سؤال المستشار عن النهي الإسلامي عن تلويث المياه والشوارع وفشل التعامل مع القمامة

[المستشار رجائي عطية]: وأنا أحب أن أسمع من فضيلة المفتي، ومن فضيلة الشيخ، النهي الإسلامي عن هذا التلويث الذي نأتيه في مياه النيل، وفي الرجل يخرج القذارة فيلقيها أمام بابه.

أنا رأيت في أوروبا لا يوجد شيء اسمه القمامة تتراكم هكذا، أرى أن كل بيت يضع القمامة في كيس ويربطه جيدًا حتى لا تخرج منه أي رائحة، وفي مكان في أسفل كل عمارة.

ولكن دعونا نأخذ هذا الكلام، لقد فشلنا في التعامل مع القمامة أو مع النفايات، دعونا نقولها هكذا بوضوح. لقد فشلنا وأحضرنا شركات أجنبية لكي تقوم بذلك، تتولى جمع القمامة في الشوارع، وأصبحت أكوامها تلالًا، وبُحَّت الأصوات دون أن نُعنى بمقاومة هذا الكلام.

يعني نحن أصبحنا الآن مختصر الكلام أننا نسمم المحيط الذي فيه نحيا.

سؤال عن كنوز الإسلام في حماية البيئة وتوجيه السؤال للشيخ أحمد نبوي

[المستشار رجائي عطية]: أجل، هل هذا من الإسلام الذي علمنا كيف نحمي بيئتنا؟ نحن لدينا في الإسلام كنوز لو التفتنا إليها لقوَّمنا ما أعوج من حياتنا. نقول إذن هكذا المختصر: نريد أن نسمع من الشيوخ.

[المذيع]: حضرتكم طرحتم سؤالًا على فضيلة الشيخ أحمد نبوي: كيف نهى الإسلام عن تلويث البيئة؟ وهو يحدثنا عن هذا الأمر، أي أن سؤالكم سؤال السيد رجائي نطرحه عليكم فضيلة الشيخ أحمد.

[الشيخ أحمد نبوي]: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد، ففي البداية حقيقة، أحب أن أقول إن هناك اختلالًا في فهم الناس للتعامل مع البيئة.

هل ينظر الناس إلى التعامل مع البيئة كجزء من الدين أم مجرد عادات

[الشيخ أحمد نبوي]: بمعنى: هل ينظر الناس في مجتمعاتنا المصرية والإسلامية والعربية إلى التعامل مع البيئة على أنه شيء حياتي؟ شيء من قبيل العادات؟

مما وعيناه وحفظناه من شيخنا سماحة الإمام مفتي الديار، أن الله تبارك وتعالى أوجد الإنسان في هذه الحياة لمقاصد ثلاثة مهمة:

  1. المقصد الأول هو عبادة الله.
  2. والثاني عمارة الأرض.
  3. والثالث تزكية النفس.

يغفل كثير من الناس عن هذه المقاصد الثلاثة مجتمعة، فبعضهم مثلًا يهتم بجانب العبادة ويظن أن الدين هو عبادة الله تبارك وتعالى فقط، والبعض الآخر يقصر حياته كلها على جانب العمارة فيظن أن الحياة ما هي إلا عبارة عن عمل وسعي في الأرض.

مقاصد الإسلام الثلاثة ومفهوم البيئة كمرادف للحياة والكون

[الشيخ أحمد نبوي]: وصنف ثالث من الناس يظن أن دين الله تبارك وتعالى هو تزكية النفس وتحليتها بأحسن الفضائل وتخليتها عن الرذائل وما إلى ذلك. والحقيقة أن ديننا هذه الثلاثة مجموعة.

فإذا ما أخذنا مفهوم البيئة وجدناه مرادفًا للحياة وللكون. فإذا ما قلنا: كيف يتعامل الإنسان مع البيئة، نستطيع أن نعبر عنه بتعبير آخر: وهو كيف يعيش الإنسان في هذا الكون، كيف يحيا الإنسان في هذه الحياة، كيف يتعامل الإنسان مع النبات ومع الجماد ومع الحيوان، وقبل كل ذلك مع أخيه الإنسان.

هذه الأمور جميعها نستطيع أن نضعها في قالب التعامل مع البيئة والمحافظة عليها.

المحافظة على البيئة جزء من مقصد عمارة الأرض في الإسلام

[الشيخ أحمد نبوي]: وكيف أوصانا الله تبارك وتعالى وأمرنا بذلك، وكيف أن رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم أوصانا بذلك وأمرنا به.

هذا أول أمر أود أن أنبه إليه، وهو أن التعامل مع البيئة والمحافظة على البيئة هي جزء من مقصد رئيس ومقصد أساسي جعله الله تبارك وتعالى لنا في هذه الحياة، وهو مقصد عمارة الأرض.

الله تبارك وتعالى أمرنا بعمارة الأرض بتعميرها وتحسينها، وهذا لن يتأتى إلا بأن نتعامل معها تعاملًا حسنًا على هذه المحاور التي ذكرتها الآن.

الحث على الزراعة والرفق بالحيوان من تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم

[الشيخ أحمد نبوي]: فمحور النبات والزروع والأشجار وهذا الجمال الطبيعي الرباني الذي جعله الله تبارك وتعالى، أشار شيخنا آنفًا في كلامه إلى أن الغرب بعد أن رأى مشكلة التصحر فكر في علاج هذه المشكلة، مع أنه من قديم وبداية الإسلام أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن نزرع.

بل إنه صلى الله عليه وسلم من حضه على الزرع أخبرنا أنه ما من شيء يزرعه الإنسان فيأكل منه إنسان أو حيوان أو يستظل به أي أحد، سواء كان هذا المستظل إنسانًا أم حيوانًا، إلا جعل الله له تبارك وتعالى مقابل ذلك حسنات يجدها في ميزانه يوم القيامة.

وإذا نظرنا إلى الحيوان، وجدنا أن الشرع الشريف أمرنا بأن نرفق به وألا نحمله ما لا يطيق.

النهي عن اتخاذ ظهور الدواب كراسي وقصة الجمل الذي شكا إلى النبي

[الشيخ أحمد نبوي]: رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نجعل الحيوان كالكرسي فقال:

قال النبي ﷺ: «لا تتخذوا ظهور الدواب كراسي»

أي أنه لا يليق ولا يصح في الشرع أن يذهب مثلًا الفلاح إلى زراعته ثم يقف على حماره أو يجلس على حماره وهو يكلم آخر بجواره، ويجعل ظهر هذه الدابة كالمتكأ أو كالكرسي. فانظر إلى هذا الرفق.

ونحن نعرف قصة الجمل الذي شكا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، شكا له أن صاحبه أي صاحب هذا الجمل يحمله ما لا يطيق. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم بستانًا من بساتين الأنصار، وقالوا: يا رسول الله إن هناك جملًا لا يستطيع أحد منا أن يروضه ولا أن يتعامل معه.

فقال: أنا أدخل عليه. فقالوا له: إننا نخافه عليك يا رسول الله. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم، فما إن رأى الجمل النبي صلى الله عليه وسلم حتى خرَّ ساجدًا بين قدميه صلى الله عليه وآله وسلم.

سجود الجمل للنبي وتعليمه أن السجود لله وحده وشكوى الجمل من صاحبه

[الشيخ أحمد نبوي]: ثم قال الصحابة لما رأوا هذا الموقف العجيب: إذا كان هذا حيوانًا لا يعقل سجد لك يا رسول الله، فنحن أحق بالسجود لك منه. قال:

قال النبي ﷺ: «ما كان لأحد أن يسجد لأحد، ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها»

ثم أخبرهم بعد ذلك أن هذا الجمل قد شكا إليه أن صاحبه يحمله ما لا يطيق.

وقصة الهرة والكلب، وهذه القصص كلها ذاخرة بها الحضارة الإسلامية. فالحضارة الإسلامية هي التي علمت الدنيا كلها كيف يكون التعامل مع هذه الأمور.

طرق الصحابة الباب بالأظافير أدبًا مع النبي ورفقًا بالجماد المسبح

[الشيخ أحمد نبوي]: بل إن حتى الجماد كما أشار شيخنا مفتي الديار، كان الصحابة يطرقون باب النبي صلى الله عليه وسلم بالأظافير. يعني ماذا يعني؟ كانوا يطرقون على الباب بالأظافر هكذا.

لأمرين: الأمر الأول أدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، لأجل عدم الإزعاج. فلا يصح أن أذهب إلى إنسان وأدق عليه الجرس وأستمر في وضع يدي أو إصبعي على الجرس مثلًا حتى يحترق الجرس. لا يصلح هذا، ليس من الأدب وليس من الدين.

وذلك الملمح الدقيق الرباني الذي أشار إليه شيخنا، وأن هذا جماد يسبح بحمد الله تبارك وتعالى، فلا بد أن نرفق به، ولا بد أن نجمله ونتعامل معه معاملة حسنة.

إماطة الأذى عن الطريق صدقة وتعليم النبي آداب البصاق والنظافة

[الشيخ أحمد نبوي]: فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا وأوصانا بأن نميط الأذى عن الطريق فقال:

قال النبي ﷺ: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة»

الأذى الذي هو ماذا؟ الذي هو كيس القمامة، الذي هو الفضلات، الحجر الذي هو حجر في الشارع نزيله، أي شيء يعوق حركة الناس، أي شيء يؤذي الناس، أي شيء يسيء إلى جمال الشارع.

انظر إلى حلاوة النبي صلى الله عليه وسلم وجماله الشريف، صلى الله عليه وآله وسلم. علَّم الصحابة الكرام كيف يتفلون ويخرجون البصاق، فأوصاهم وعلمهم بأنه إذا بصق أحد في الأرض فإنه يغطي بصاقه. هذا جمال، هذا من أسباب منع نقل العدوى.

النهي عن التبول في المياه الراكدة وأزمة المياه وإساءة التعامل معها

[الشيخ أحمد نبوي]: وننتقل إلى الجانب الآخر. نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نبول في المياه الراكدة، وهذا هو الملف الحيوي الآن، ملف المياه.

نحن الآن نعيش في أزمة مياه النيل والمياه وما أشبه ذلك من هذا الكلام الذي يُقال في الساحة الآن، ونحن نسيء إلى المياه التي لدينا، ونسيء استخدامها، ونسيء التعامل معها.

نتغافل ونجهل ونتعامى عن أن هذا هو شريان الحياة الذي به نعيش. وأنا أتعجب جدًا: كيف يلقي إنسان قاذورات في ماء يشربه، في ماء يُطعم من خلاله، وفي ماء يروي به زرعه!

نعم، فهذا من الأشياء العجيبة، وهذا من الأشياء التي ربما يكون فيها نوع من أنواع التناقض في تعامل الإنسان عمومًا مع بيئته. الأمثلة كثيرة.

سؤال عن اقتصار اهتمام الإسلام بالبيئة على فرع معين وأهمية المغزى والمعنى

[المذيع]: سأعود إليك بالتأكيد مرة أخرى يا فضيلة شيخ أحمد، والضيوف الكرام بعد هذا التوقف. والحديث يتواصل عن البيئة في الإسلام مشاهدينا الكرام، والملوثات السمعية والبصرية والازدحام وكل ما تحدثنا عنه. سعادة المستشار الأستاذ رجائي عطية، الاهتمام بالبيئة في الإسلام هل اقتصر على فرع معين من فروعها؟

[المستشار رجائي عطية]: أنا قلت أولًا في وقت حين كانت الحياة والدنيا كانت أساسًا البيئة كانت نقية، أي لم تكن البيئة مليئة بهذه الملوثات التي انتشرت في الجو والسماء والأرض وكل شيء، وتحت الأرض وكل شيء. كانت الحياة بسيطة.

ولذلك أردت أن ألفت العناية إلى أنه يجب أن نتوقف عند المغزى والمعنى؛ لأن الصور تتغير بتغير الزمان.

قصة سلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان وأمثلة الزهد وبساطة الحياة

[المستشار رجائي عطية]: أي عندما تعال مثلًا تقول مثلًا سلمان الفارسي، وهو والٍ على المدائن من قِبَل عمر بن الخطاب، وحكى قصة يعني ما هو جالس يكتب الرسائل وقال: أنا أعمل أشتري الدرهم بكذا وأعمل كذا، وأنا بعد ما أبيع في درهم أنفقه على عيالي ودرهم أتصدق به ودرهم كذا، ولو نهاني عمر ابن الخطاب عن هذا ما انتهيت.

حذيفة بن اليمان داخل أيضًا العراق راكبًا أتانًا وكسرة عيش، وسعيد بن عامر في الشام. هذه أمثلة إنما هي الأساس فيها فكرة الزهد.

وبالتالي أنا أريد أن أقول إنه قد لا نجد أمثلة كثيرة، ولكن هذا بقدر ما كانت الحياة في ذلك الوقت بسيطة.

تحريم الصيد وقطع الأشجار في الحج كصورة راقية للمحافظة على البيئة

[المستشار رجائي عطية]: والموضوع الذي أريد أن أطرحه على فضيلة المفتي أنني توقفت وسيادتك تطرح اليوم مواضيع كثيرة، وأصبح لدي أيضًا أنه مثلًا في الأشهر الحرم وفي الحج محرَّم الصيد ومحرَّم قطع الأشجار.

هذه صورة قد لا يلتفت إليها الناس، وقد يعتبرونها مجرد أنها مناسك الحج أو بعض محظورات الحج، وهذا وارد أيضًا، والفدية والهدي إلى آخره.

إنما المغزى: لماذا اهتم الإسلام بأن يقول للحجيج وأنتم في هذه الرحلة الروحية: لا تقطعوا شجرة ولا تقتلوا روحًا؟ هذا كلام أعتبره صورة راقية جدًا من صور المحافظة على البيئة.

وأنا أحب أن أسمع فضيلة المفتي في هذا الموضوع.

العطاء الحضاري للإسلام وتحويل المعاني الشرعية إلى برامج عمل واقعية

[المذيع]: العطاء الحضاري للإسلام، يعني فضيلة المفتي، كيف تحول من قول إلى فعل؟

[الشيخ]: ذهبوا إلى الشرع الشريف في الكتاب والسنة واستخلصوا منها المعاني كما أشار فضيلة المستشار، وحولوها إلى برامج، ثم حولوها إلى عمل نعيشه.

حضرتك نحن نتكلم في رحاب الأزهر الشريف، ونحن هنا يبدو أنني وأنا جالس على الكرسي هنا أرى، ها هو أرى طرفًا من مسجد محمد بك أبو الذهب.

قصة محمد بك أبو الذهب وصوامع القمح لإطعام طير السماء

[الشيخ]: محمد بك أبو الذهب هذا هو الرجل الذي تخاصم مع علي بك الكبير، وعندما وجد علي بك يريد الانفصال عن العثمانية فقال له: لا، أو قام بثورة هنا وهكذا إلى آخره.

وبنى هذا المسجد الذي أراه الآن عبارة عن صومعة غلال وحولها أربع صوامع. هذه الصوامع كان يضع فيها محمد بك أبو الذهب القمح حتى يأكل طير السماء. يا سلام!

القمح كانوا يصعدون ويضعونه في هذه الغلال، حمدًا لله. طيب ولماذا يفعل ذلك؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

قال النبي ﷺ: «من زرع زرعًا فله صدقة بكل إنسان أو حيوان أو طير يأكل منه»

يا سبحان الله! هذه هي البيئة وهذا هو الحفاظ عليها، وهذا هو الاستمرار في الحفاظ، ثم هذا هو الشكر لله المنعم أن وفقنا أن نعمر الأرض فنحافظ على طير السماء.

نظافة طلاب الأزهر المبهرة عبر القرون وعدم إنبات شيء في أرضه

[الشيخ]: الغريب العجيب، وهذا يعني أنه شيء غريب جدًا. الأزهر هذا كان يعج بالطلبة، فكان الطلبة كل خمسة أو ستة جالسين هنا في الفناء الذي نحن جالسون فيه الآن، ويقرؤون ويذاكرون وما إلى ذلك ويدرسون ويأكلون ويشربون.

والغريب العجيب أنه عبر القرون لم ينبت شيء هنا في هذه الأرض، لم تنبت. وهو يأكل البليلة وهذه البليلة القمح هذا إذا سقط وتسرب إليه الماء فإنه ينبت هكذا شيئًا بين الرخام أو شيئًا. نعم، ويحدث هذا في كل العالم ورأيناه فينبت، ولكن في الأزهر لم ينبت شيء. فلماذا إذن؟

تخيل مدى النظافة التي كانوا عليها بحيث أنهم لا يسقطون حبة شعير ولا حبة قمح، لدرجة أنه مكتوب في الكتب: إن أرض الأزهر هذه أرض مباركة حماها الله من إنبات الشيء فيها. يعني كأنها أرض غير قابلة. طبعًا هذا غير صحيح. نعم، هذا من نظافة طلاب العلم وعلماء الأزهر.

نظافة المصري القديم وأنفته من اليوناني والخلل في العلاقة بين الإنسان والبيئة

[الشيخ]: عندما نأتي لنقرأ في تاريخ الفراعنة وما شابه، يقول لك: كان المصري يأنف اليوناني بعد الاحتلال اليوناني لمصر، لا يجلس في مجلسه إلا بعد أن ينظفه. أي عندما يقوم اليوناني فيأنف المصري من أن يجلس مكانه؛ لأن هذا لا يغتسل ويأكل ويشرب بطريقة همجية، والمصري نظيف يغتسل وكل شيء.

ما الذي حدث؟ الذي حدث خلل في العلاقة بين الإنسان والبيئة. صحيح، انحراف عن المثال الذي تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عدم المعيشة فيما تركه لنا الدين الإسلامي.

المتحف الإسلامي ونماذج رائعة في المحافظة على الماء وإعادة استخدامه

[الشيخ]: أريدك أنت والإخوة المشاهدين أن تذهبوا إلى المتحف الإسلامي الذي في باب الخلق. المتحف الإسلامي، عندما تدخلون ستجدون شيئًا غريبًا مثل الجرة، والجرة تحتها شيء ينزل فيه الماء، وهذا الشيء يؤدي إلى إناء آخر، وكله مصنوع مع بعضه البعض.

ما هذه الحكاية؟ الخزان لكي تملأه فيبرد المياه في أمانة الله. نعم، وبعد ذلك قال: عندما تترشح هذه المياه فإن هذه المياه تصبح نقية فتشرب منها. تريد أن تتوضأ فتوضأ، لكن مياه الوضوء بدلًا من أن تُهدر على الأرض تذهب إلى هذا المكان، فالكتاكيت يشربوا منها.

يا أخي، لقد كنا نماذج رائعة في المحافظة على الماء. هذا شيء مدهش، وحالنا في هذه الأيام شيء غريب عجيب.

الاستفادة الكاملة من كل شيء في البيئة كالبطيخ والبرتقال دون إهدار

[الشيخ]: حضرتك كان البطيخ نبقي اللب الخاص به لا نرميه، وبعد ذلك نحمصه. والمقلاة هذه أنا أقول لأولادي: أنتم رأيتم المقلاة هذه جاءت هكذا في التلفزيون؟ قالوا لي: لا. فقلت لهم: ألا تعرفون ما هذه؟ فقالوا لي: لا. كنا نحمص فيها اللب ونحمص فيها البن وأشياء مثل ذلك.

ليس المقصود هكذا، المقصود أنه يستفيد من البطيخة بكل شيء فيها دون إهانة لها، وليس أن يأكل نصفها أو الجزء الذي بداخلها ويرمي الباقي. لا، ويتسلى باللب الخاص بها ويرمي القشر للبط؛ لأن إضاعتها خسارة.

قشر البرتقال كنا نجمعه ثم نجففه في الشمس لكي نحرقه داخل الصفائح التي فيها السمن حتى لا يتزنخ السمن. هذا الانتفاع البيئي هو كل ما فيه، بل أكثر مما يدعون إليه في البيئة التي هم أصحاب البيئة يدعون لها.

ترشيد الاستهلاك في الفنادق والنهي عن الإسراف والترف في الإسلام

[الشيخ]: يقول لك: والله كان في الماضي يغيرون في الفنادق كل يوم أغطية الأسرة، فوجدوا أن هذا ضد البيئة؛ لأن فيه استهلاكًا زائدًا عن الحاجة. المنشفة بعد أن ينشف بها يقول له: إذا أردت أن أسحبها فارمها هنا في المكان الفلاني، وإن لم ترد علقها مرة أخرى. ثم يأتي أبحاث طبية غريبة في فوائد الاستعمال الثاني. هذا حفاظًا على الاستهلاك والبيئة.

﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

انظر إلى المبدأ العام: إنه لا يحب المسرفين.

﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا﴾ [الأعراف: 56]

هذا فساد في الأرض، شدة الاستهلاك.

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 45-46]

الترف هو السرف زيادة عن الحاجة والطغيان في السرف، وهذا يولد نفسية هشة ويولد نفسية ضعيفة، وفي الوقت نفسه هو نوع من أنواع الخروج عن الدين.

احترام الإسلام للبيئة والنهي عن الإسراف حتى على نهر جارٍ

[الشيخ]: الدين احترم البيئة جدًا، والمسلمون أدركوا هذا جدًا، والمسلمون أنشأوا منتجات كثيرة من أجل المحافظة على البيئة، ومن أجل ألا يكون هناك إسراف.

في الحديث أنه:

قال النبي ﷺ: «لا تسرف ولو كنت على نهر جارٍ»

يا سبحان الله! يعني نهر يجري هكذا، إياك أن تسرف.

بالإضافة إلى ما تفضل به فضيلة الشيخ أحمد بعد سعادة المستشار، أنه أمور كثيرة جدًا في جزئيات كثيرة جدًا نرى فيها المحافظة على كل همسة في البيئة.

ثم القواعد العامة للشريعة:

قال النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»

يعني احذر أن تضر غيرك، واحذر أن تضر نفسك.

التلوث السمعي وأنكر الأصوات وتأثير الضجيج على النفس والبيئة

[الشيخ]: ولذلك من هنا يأتي التلوث السمعي:

﴿إِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]

آه، هذا الضجيج وثقافة هذا الضجيج، أنكر الأصوات. وهذا لا يرضي الله سبحانه وتعالى.

وإذا استمع الإنسان إلى الشيء المنتظم المرتب غير ما يسمع هذا الضجيج الذي لا معنى له، ولذلك هذا يؤثر في النفس ويؤثر في البيئة ويؤثر في الموارد ويؤثر في جميع الجوانب.

سؤال عن حكمة تحريم قطع الأشجار والذبح في الحج والتلوث الضوضائي

[المذيع]: شكرًا جزيلًا فضيلة المفتي. الحقيقة أعني الحكمة من تحريم قطع الأشجار والذبح في الأشهر الحرم وأثناء الحج، فضيلة الشيخ أحمد، والتلوث الضوضائي الذي تحدث عنه الأستاذ الرجائي وفضيلة المفتي، وأبواق السيارات والإصرار على هذا الضجيج والزحام. ماذا نقول لهؤلاء الأناس الذين يصرون على الإزعاج ليلًا ونهارًا من غير سبب؟

[الشيخ أحمد نبوي]: هؤلاء في الحقيقة غفلوا عن الملمح الدقيق هذا الذي ذكرته في بداية كلامي، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علَّم أصحابه كيف يطرقون الأبواب، أي كيف الواحد منا يطرق على الباب بالأظافير أي بأظافره. لماذا؟ خوفًا من الإزعاج.

فانظر إلى هذا الأدب الرفيع النبوي الذي علمه رسولنا صلى الله عليه وسلم لصحابته الكرام، والذي حريٌّ بنا وجدير بنا أن نتعلمه.

ثقافة الضجيج الفكري والمعرفي أخطر من ضجيج أبواق السيارات

[الشيخ أحمد نبوي]: الأخطر من ضجيج أبواق السيارات وهذه الأصوات، أن ثقافة الضجيج التي أشار إليها شيخنا صارت الآن في أبواق السيارات. والأسوأ من ذلك أنها صارت في الفكر، صارت في الحوار، صارت في التعامل مع ما يُطرح على الساحة من أفكار أو من علوم أو من مثل هذه الأمور كلها.

صار لدينا تلوث سمعي وبصري كما أشار سعادة المستشار، والأخطر هو التلوث الفكري والمعرفي، التلوث الثقافي. شيوع ثقافة الضجيج وأفول نجم ثقافة التأمل كما تفضل شيخنا الإمام.

ثقافة التأمل التي ربى عليها الإسلام أتباعه مقابل ثقافة الصوت العالي

[الشيخ أحمد نبوي]: ثقافة التأمل هذه الثقافة هي التي ربى عليها الإسلام أتباعه. ثقافة التأمل هي التي علمها شيوخ الإسلام هنا في الأزهر الشريف وفي غيره تلامذتهم في كل عصر وفي كل مصر.

ثقافة التأمل تعني التوثيق، ثقافة التأمل تعني عدم المجازفة والإسراع إلى تبديع الناس أو تكفيرهم أو تفسيقهم أو إلى اتهامهم بالبهتان والكذب والزور.

على العكس من ذلك تمامًا نجد هناك ثقافة الضجيج وثقافة الصوت العالي. ثقافة الصوت العالي هي التي لا يملك المتحدث فيها وبها إلا صوته العالي فقط، دون أي أدلة ولا براهين ولا مستندات ولا وقائع ولا أحداث ولا أي شيء من هذه الأمور.

التلوث المعرفي والثقافي أخطر من أبواق السيارات والدعوة للنظر في حضارة الإسلام

[الشيخ أحمد نبوي]: فإذا ما وضعنا هذا في جانب وجئنا إلى الجانب الآخر وهو ضجيج أبواق السيارات وما أشبه ذلك، هانت علينا هذه الأبواق بالنسبة لما نراه في العقول من تلوث معرفي وثقافي.

ونقول لهؤلاء أجمعين: انظروا إلى حضارة الإسلام وحضارة المسلمين، انظروا إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه كيف أدَّب أصحابه ظاهرًا وباطنًا، كيف أدَّبهم صلى الله عليه وسلم حسيًا ومعنويًا.

كيف رباهم صلى الله عليه وسلم على أن يكونوا هادئين مطمئنين متأملين، ولا يكونوا منزعجين ضوضائيين غوغائيين.

تربية النبي أمته على الرفق والتأني وحديث ما دخل الرفق في شيء إلا زانه

[الشيخ أحمد نبوي]: كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم ربى صحابته وربى أمته كلها على التأني والتؤدة وعلى الرفق، حتى قالت السيدة عائشة:

قالت السيدة عائشة: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الرفق في أموره كلها»

قال النبي ﷺ: «ما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»

هذا ما نقوله للجميع: عليكم بالرفق، عليكم بالرفق، عليكم بالرفق.

سؤال عن أسباب التلوث الضوضائي وكيفية استعادة حالة الهدوء للوطن

[المذيع]: سعادة المستشار في الختام، إن جاز لي أن أطرح عليكم سؤالًا يتعلق، أو المصريون عندما يريدون شيئًا في حقيقة الأمر هناك العديد من التجارب يستطيعون فعلها، لديهم عزيمة.

يعني ثمانية عشر يومًا عمر الثورة المصرية، ميدان التحرير وغيره من الميادين، لا أعتقد أنه كان هناك إصابة بعدوى، ورقة ملقاة، عقب سيجارة، أي مشكلة. كان هناك حرص من الشباب على النظافة، وحتى بعد أن انتهت الثورة أعادوا الأمور إلى أصلها.

أي ما هي الأسباب في هذا التلوث الضوضائي والصراخ والأصوات العالية، وكيف نستعيد حالة الهدوء لهذا الوطن الذي يئن، وتأثير هذه الحالة على المصريين؟

[المستشار رجائي عطية]: حضرتكم حالة الثورة في أيامها الأولى كانت مشبعة بالروح التي أطلقت هذه الثورة، وهي روح يعلو فيها الإنسان عما اعتاده، وهو يتوجه توجهًا عامًا تتلاشى فيه ذاته أمام ما يتغياه للوطن وما يتغياه للمجموع.

وصية المستشار رجائي عطية بأن تلويث ما حولنا عائد إلينا

[المستشار رجائي عطية]: وإذا كنت أريد أن أختتم كلامي بوصية إلى أبناء وطني، فسأقول لهم: إن تلويث ما حولنا عائد إلينا.

حكمة تحريم الصيد وقطع الأشجار في الحج والحج مجمع لكل العبادات

[الشيخ]: الحكمة باختصار للسؤال الذي طرحه الأستاذ رجائي عن تحريم الصيد وقطع الأشجار: إذا أردتم أن نذكر الناس حتى لا يكون شيء قد سقط منا في هذه الحلقة، يعني الحج هذا هو مجمع العبادة.

ففيه الصلاة، والصيام، والنفقة المالية، والأذكار والأدعية، والكفارات والنذور، والأيمانات، وفيه بالإضافة إلى ذلك مناسك الحج. فهو مجمع لكل عبادات الإسلام، ولذلك يسمونه الحج الأكبر؛ لأنه يشمل كل الإسلام من أوله إلى آخره.

الإشارة للإحرام هي أن الإنسان ترك مألوفه وخرج من ملابسه، وهذا الخروج أصبح فرضًا عليه. فعندما يُحرَّم قتل الصيد فإنه يشير إلينا بأن هذه أمة ينبغي علينا أن نبقيها، حتى يحدث ما يسمى الآن في أدبياتنا المعاصرة بـالتوازن البيئي.

قصة جبريل والكلب وأصل التوازن البيئي في الإسلام وأن كل مخلوق أمة من الأمم

[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم مرة جاءه جبريل فلم يدخل، فهو سأله بعد ذلك فقال: عندك الكلب. سيدنا رسول الله عنده كلب في البيت، فجبريل لم يدخل.

فالنبي عليه الصلاة والسلام يعني حتى هو يحب جبريل ويحب الملائكة وكذا إلى آخره، ففكر في ذهنه أن يقتل الكلاب، فأوحى الله إليه:

قال النبي ﷺ: «هممت أن أقتل الكلاب، فأوحى الله إليَّ أنها أمة من الأمم»

يا سلام! إذن هذا الحديث يدل علينا وهو أصل في التوازن البيئي.

الإشارة هنا لعدم قتل الصيد هو إشارة إلى التوازن البيئي، أننا كما نترك إلفنا ونترك أيضًا مصالحنا التي أنا أصطاد من أجل أن آكل، لكن لا تصطاد. يبقى إذن في لا بد من فترة في حياتي لا أصطاد. فلماذا؟ لكي أبقى على هذه الأصناف.

المحميات الطبيعية في الإسلام والسبعية البيئية ووثيقة الأمم المتحدة

[الشيخ]: ولذلك عندما اعتدوا كثيرًا على الفيلة وكادت الفيلة أن تموت، وأنشأوا محميات أيدها الإسلام. أيد المحميات الإسلام.

اجتمعنا في تركيا واجتمعنا في لندن من أجل السبعية البيئية. السبعية البيئية هذه أصدرت وثيقة من الأمم المتحدة من الأديان، فاجتمع أكثر من عشرة أديان، كل دين وضع وثيقة، ونحن وضعنا وثيقتنا الإسلامية في إسطنبول.

فأُقرت قضية المحميات. أُقرت من أين جاءت وما أصلها؟ ما أشار إليه سعادة المستشار، وهو أن الله سبحانه وتعالى جعلنا ونحن في أسمى الحالات وفي أكمل الحالات وهي الحج والإحرام نمتنع عن إهلاك هذا الصيد، حتى لو أنه جاز بعد ذلك من أجل المنفعة المحدودة.

ولكن لا بد أن نتذكر أنها أمة من الأمم ويجب علينا الإبقاء عليها، حتى الكلاب التي امتنعت الملائكة من الدخول بسببها أيضًا هي أمة من الأمم، يجب علينا أن نحافظ عليها.

التوازن البيئي وتأصيله في الإسلام ومسؤولية الأفراد والجماعات تجاه البيئة

[الشيخ]: إذن هذا التوازن البيئي وفكرة التوازن البيئي، وهذه فكرة لقد أخذت كثيرًا في مجال علم البيئة، وهي تأسيسها وتأصيلها في هذا الجانب.

[المذيع]: ولا فضَّ فوك فضيلة المفتي وضيوفي الكرام. الأمثلة والنماذج عديدة حول كيفية محافظة الإسلام على البيئة، وهي مسؤولية الأفراد والجماعات لا شك، بحيث أن هذا التلوث الذي نعيشه وهذا الضجيج يؤثر على أداء الإنسان وعلى أعصابه أيضًا وعلى إنتاجه، كل فروع حياته بشكل عام.

ختام الحلقة والشكر للضيوف ودعوة المشاهدين للمحافظة على البيئة

[المذيع]: اسمحوا لي أن أشكر ضيوفي الكرام الذين تحدثوا الليلة عن الإسلام والبيئة. فضيلة مفتي الديار المصرية العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة، شكرًا جزيلًا يا فضيلة المفتي.

[الشيخ]: شكرًا لك أيضًا.

[المذيع]: شكر موصول لسعادة المستشار الأستاذ رجائي عطية المثقف المصري والقانوني القدير وعضو مجمع البحوث الإسلامية، شكرًا جزيلًا. فضيلة الشيخ أحمد النبوي وأنا مسرور بك فضيلة الشيخ أحمد، شكرًا جزيلًا على حضورك اليوم.

ونشكركم أيضًا مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، وكانت هذه دعوة من كلمات حق لكل من يحرص على متابعتنا بالمحافظة على البيئة. حتى نلقاكم في لقاء قادم بإذن الله، نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.