برنامج كلمة حق | أ.د علي جمعة | الإمام البخاري في ميزان التاريخ | بتاريخ 2011 - 07 - 15 - كلمة حق

برنامج كلمة حق | أ.د علي جمعة | الإمام البخاري في ميزان التاريخ | بتاريخ 2011 - 07 - 15

50 دقيقة
  • صحيح البخاري أصح الكتب بعد القرآن الكريم، يشكل الجناح الثاني للشريعة الإسلامية.
  • ولد الإمام محمد بن إسماعيل البخاري سنة 194هـ في بيت علم، وقد فقد بصره في طفولته ثم استجاب الله دعاء أمه فعاد إليه.
  • حفظ القرآن والحديث قبل سن الخامسة عشرة، وكان يحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف غير صحيح.
  • ألّف البخاري صحيحه بعد رؤيا رآها للنبي ﷺ، واستغرق تأليفه 16 عاماً، انتقى فيه من 600 ألف حديث.
  • اشترط البخاري لقبول الحديث المعنعن ثبوت اللقاء بين الراوي ومن روى عنه، وهو شرط أشد من شرط مسلم.
  • قابل البخاري 1080 شيخاً، وجمع 7563 حديثاً بالمكرر، وبدون المكرر 2513 حديثاً.
  • اهتمت الأمة بصحيح البخاري، فشرحوه في 130 شرحاً، وخرجت النسخة اليونينية المضبوطة ثم السلطانية.
  • يستهدف منتقدو صحيح البخاري في العصر الحديث هدم مصدر مهم من مصادر الشريعة الإسلامية.
محتويات الفيديو(50 أقسام)

مقدمة برنامج كلمة حق والترحيب بالعلماء للحديث عن صحيح البخاري

[المذيع]: صحيح البخاري وصفه علماء الأمة الإسلامية بأنه أصح الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم، وهو دوَّن الحقيقة ونقل لنا الآلاف من الأحاديث النبوية التي نطق بها المصطفى صلى الله عليه وسلم.

والسنة النبوية تُعَدُّ هي الجناح الثاني للشريعة الإسلامية، وهي الشارحة والمفسرة أيضًا للقرآن. عن الإمام البخاري وعن صحيح البخاري نتحدث في كلمة حق.

أرحب بضيوفي الكرام وعلمائنا الأجلاء في هذه الليلة من رحاب الأزهر الشريف، ونحن نتحدث عن الإمام البخاري وعن صحيح البخاري. فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أرحب بفضيلتك. شكرًا جزيلًا.

أستاذ الأساتذة في علم الحديث، الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم، رئيس جامعة الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، أرحب بفضيلتك. الدكتور أشرف المكاوي من علماء الأزهر وهو شديد التخصص أيضًا في علم الحديث، نشكركم شكرًا جزيلًا على حضوركم.

سؤال عن الإمام البخاري ونشأته في بيت العلم والتقوى

[المذيع]: فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم، إن البخاري اسم يتردد عشرات المرات بل آلاف المرات في كل يوم، فهو ناقل للحديث وصاحب كتاب ذُكر بأنه أصح الكتب بعد القرآن الكريم. دعنا نأخذ من فضيلتكم في البداية إطلالة على الإمام البخاري، من هو؟

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الإمام محمد بن إسماعيل البخاري وُلد سنة أربع وتسعين ومائة من الهجرة، واستقبله بيت العلم والفضل والتقوى؛ لأن أباه كان من كبار علماء الحديث وكان معروفًا بشدة التقوى والورع.

هذا الإمام الجليل، في الواقع أنا أنظر إليه على أن رب العزة جعل إرادة إلهية في شخصيات من الأئمة يكون على أيديهم النهوض بأشرف تراث في الوجود.

قصة فقدان البخاري لبصره في طفولته واستجابة الله لدعاء أمه

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: وُلِدَ [الإمام البخاري] في بيت العلم والفضل، وبعد أن لحق والده بالرفيق الأعلى كانت الأم تعقد أكبر الآمال على أن يكون ابنها خلفًا لوالده، بيد أنها فوجئت بصدمة أن فقد بصره وهو لم يزل في طفولته الباكرة.

[المذيع]: البخاري كان كفيفًا يا مولانا؟

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: فقد بصره وهو صغير، فظلت الأم في بكاء مرير وفي تضرع إلى الله ليل نهار تدعو ربها أن يرد إليه نور عينيه، وللأم عاطفة لا تعادلها عاطفة في الوجود.

ظلت تدعو ربها حتى رأت في رؤيا فيما يراه النائم سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام وهو يقول لها: أفيقي يا أمة الله، استجاب الله دعاءك ورد لولدك نور عينيه. فهرعت إلى ابنها توقظه من النوم فرأته وقد عاد إليه نور بصره.

حفظ البخاري للقرآن والحديث في سن مبكرة وقوة ذاكرته الخارقة

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: وأخذت [أم البخاري] تعقد الأمل الذي نوته بالنسبة له وتحضره للذهاب لحفظ القرآن ولتلقي العلم. فحفظ القرآن الكريم، بل وحفظ الحديث وهو دون الخامسة عشرة، حتى قال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في سن مبكرة.

حتى بلغ إلى جانب حفظه للقرآن حفظ سبعين ألف حديث في هذه السن الصغيرة. ولذلك يقول كثير من المحققين أن أجهزة الكمبيوتر الآن تتضاءل أمام ذاكرة الإمام البخاري الذي كان يحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح لتمييز الصحيح من غيره.

اختبار علماء بغداد للإمام البخاري بمائة حديث مقلوبة الأسانيد

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: ولدرجة أنه [الإمام البخاري] عندما قدم إلى بغداد وعلموا بقدومه ونثروا له الدنانير والدراهم والهدايا، كان البعض ممن حسدوه قالوا: سنعقد له مجلسًا. وجاءوا بعشرة أشخاص مع كل واحد منهم عشرة أحاديث، وقلبوا أسانيد كل الأحاديث ومتونها، فجعلوا إسناد هذا الحديث لمتن ذاك، ومتن هذا لإسناد ذاك.

وقالوا: عندما ينعقد المجلس نلقي عليه هذه الأحاديث، وأعطوا كل واحد من العشرة عشرة أحاديث، أي مائة حديث. فجاء الأول وألقى عليه الحديث الأول، فقال البخاري: لا أعرفه. وجاء الثاني وهكذا إلى أن انتهت الأحاديث وهو يقول: لا أعرفه.

البعض يقول فشل في الاختبار، والبعض يقول لا. فهم، فجاء وقال: تعال، للأول قلت كذا وكذا وهذا خطأ وصحته كذا وكذا، وتعال للثاني والثالث إلى أن جاء على المائة أحاديث، وأعاد إسناد كل حديث إلى متنه الأصلي ومتن كل حديث إلى إسناده الأصلي.

شهادة ابن حجر في حفظ البخاري وإرادة الله لهذه الشخصية الفريدة

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: حتى قال الحافظ ابن حجر [العسقلاني]: ليس غريبًا أن ردَّ الصحيح إلى أصله فقد كان حافظًا، وإنما الأغرب أنه حفظ الخطأ كما هو بترتيبه من أول مرة. هنا يخضع للإمام البخاري.

فشاء الله تعالى لهذه الشخصية الفريدة المتميزة لحفظ أشرف تراث في الوجود أن تنهض بهذا الكتاب الضافي المرجع الذي أجمعت الأمة على تلقيه بالقبول.

اقتراح شيخه إسحاق بن راهويه ورؤيا البخاري للنبي ﷺ قبل تأليف الصحيح

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: وما كتبه [البخاري] من تلقاء نفسه، ولكن سمع من شيخه إسحاق بن راهويه وهم جلوس، قال: لو أن أحدكم قام بجمع ما صح من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني أخاف على ما يدسه المنافقون واليهود من موضوعات ومكذوبات وأخبار. قال البخاري: فوقع هذا الاقتراح في قلبي كل موقع.

لكن الذي زكاه في صدر البخاري أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤيا منامية وهو واقف بين يديه وبيده مروحة يذب بها عنه، يدفع بها عنه. فقدمها لأحد المعبرين فقال له: أنت تذب الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقوَّت هذه الرؤية اقتراح شيخه، فشمَّر عن ساعد الجد ليجمع هذا الجامع الصحيح المسند المختصر من سنن الرسول وأيامه، وهذا هو الاسم العلمي الذي سمَّى كتابه به.

منهج البخاري في تأليف الصحيح وكتابة عناوين الأبواب في الروضة الشريفة

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: ووضع [البخاري] عناوين الأبواب وهو ما يُسمى بالتراجم في الروضة الشريفة بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وجمع الأحاديث الصحيحة هذه من ستمائة ألف حديث مسموعة صحيحة، أي انتقى من الستمائة ألف حديث الصحيحة هذه الأحاديث الصحيحة.

وما وضع فيه ترجمة ولا حديثًا إلا بعد أن توضأ وصلى لله ركعتين واستخار الله. يقول: بعد أن استخرت الله وتيقنت صحته وجعلته حجة بيني وبين الله.

فلذلك لُقِّب الإمام البخاري بأمير المؤمنين في الحديث، وكان دقيقًا وعميقًا في انتقاء هذه الأحاديث.

معنى اسم الجامع الصحيح المسند المختصر وشروط البخاري في الإسناد

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: ليست الأحاديث الصحيحة فقط، هو طبعًا كما سمى الكتاب الجامع، معناه أنه ليس في الأحكام الفقهية فقط، فيه أخلاق وفيه معاملة وفيه سير، وهذا معنى كلمة الجامع. الصحيح: لا يوجد فيه حديث حتى حسن، الحسن مقبول وعُدَّ في سمات الأحكام.

الجامع الصحيح المسند أي الذي يأتي بالحديث فيه بسنده من لدن البخاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو معنى المسند. المختصر من أحاديث سنن الرسول وأيامه.

وهذا الإسناد الذي تحراه البخاري كان دقيقًا فيه لدرجة أنه لم يكتفِ كالإمام مسلم بأن يعاصر الراوي من روى عنه، بل لا بد أن يثبت خاصة في الحديث المعنعن الذي يقول فيه عن فلان عن فلان أن يكون قد عاصره وقد التقى به بالفعل، مما يؤكد أن كل ما في صحيح البخاري أحاديث صحيحة، ليس فيه حديث واحد غير صحيح.

سؤال عن أهمية جمع الأحاديث في صحيح البخاري وما أضافه للشريعة الإسلامية

[المذيع]: في فضيلتك سؤال في هذا الموضوع لكن سأعود إليه مرة أخرى؛ لأن الفترة الأخيرة شهدت بعض الهجوم، وأنا أعلم أن فضيلتك انبريت للدفاع عن صحة هذا الكتاب. سنستأذن فضيلة المفتي وأطرح على الدكتور أشرف السؤال الثاني: أهمية جمع كل هذه الأحاديث والسنة النبوية في كتاب يمثل إرثًا للمسلمين، ماذا أضاف للشريعة وللأمة الإسلامية ما قدمه الإمام البخاري؟

[الشيخ أشرف المكاوي]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

الإمام البخاري رحمه الله كان يستعين أيضًا مع الحفظ بالكتابة، مع أنه كان إذا قرأ الكتاب من مرة واحدة يحفظه، يقرأ الكتاب مرة واحدة فيحفظه. لكن مع هذا استعان بالكتابة فكان يكتب. يقول: كتبتُ كلَّ حديثٍ سمعتُه بالبصرة، فكان يكتب أيضًا.

تدوين السنة النبوية منذ عهد الرسول ﷺ وإذنه بالكتابة

[الشيخ أشرف المكاوي]: والكتابة هذه هامة للغاية؛ لأن البعض دائمًا يتساءل: هل كُتِبَت السنة النبوية في القرون الأولى أم لا؟ هل كُتِبَت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده صلى الله عليه وسلم؟ هل كُتِبَت؟

نعم، دوَّنها الصحابة ودوَّنها التابعون حتى وصلت إلى الإمام مالك فكتب الموطأ، والإمام أحمد فكتب المسند، ثم جاء الإمام البخاري فكتب الصحيح. فالسنة كانت تُكتب منذ فترة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب، حتى إنهم قالوا أنه [النبي ﷺ] يغضب ويرضى صلى الله عليه وسلم، فذهب فسأله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:

«اكتب كل شيء يخرج من فمي هذا، فوالذي بعثني بالحق ما خرج من فمي هذا إلا حق»

أي نعم، كان هناك نهي عن الكتابة في أول الأمر حتى لا يختلط بالقرآن، لكن بعد ذلك أذِنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتابة فكُتِبَت في عهده وكتبها التابعون وكتبها من بعدهم حتى جاء الإمام مالك فكتب الموطأ.

ما أضافه البخاري بتجريد كتابه للصحيح فقط دون غيره من المرويات

[الشيخ أشرف المكاوي]: لذلك الإمام الشافعي لم يعاصر أو لم يرَ حديث البخاري وصحيح البخاري، فأثنى على الموطأ قائلًا: أصح كتاب بعد كتاب الله الموطأ. نعم، لأنه هذا الذي كان موجودًا في تلك الفترة.

لكن ماذا أضاف البخاري؟ أنه جرَّد كتابه للصحيح فقط. ففي الموطأ ليس هذا، فهناك أحاديث منقطعة، هناك مراسيل كثيرة، هناك بلاغات. أما كتاب الإمام البخاري فهو للصحيح فقط.

وإن جاءت فيه معلقات فقد جاءت عَرَضًا لا قصدًا، وليست من أصول الكتاب، وإنما تأتي في المتابعات وتأتي في عناوين وتراجم الأبواب فقط ليست في أصول الكتاب.

جهد البخاري ستة عشر عاماً في تأليف الصحيح وعرضه على أئمة الحديث

[الشيخ أشرف المكاوي]: فالإمام البخاري بذل جهدًا ستة عشر عامًا يكتب في هذا الجامع الصحيح، ستة عشر عامًا يكتب ويدقق ويراجع ويعرضه على الأئمة. فعرضه على الإمام أحمد، وعرضه على يحيى بن معين، وعرضه على علي بن المديني الذين هم أئمة الحديث في عهده.

والذي كان منهم الإمام سيدنا علي بن المديني، كان البخاري يقول: ما استصغرت نفسي قط أمام أحد إلا أمام علي بن المديني. ويقول: وددت أن لو بعثه الله عز وجل حتى أجالسه جلسة في الحديث، لكي يسأله عن بعض الأحاديث.

أريد أن أقول: عرضه على علي بن المديني، عرضه على سيدنا يحيى بن معين، عرضه على سيدنا الإمام أحمد بن حنبل.

[المذيع]: كل هذا للتحقق والتأكد من كل حديث ضمه هذا الكتاب؟

[الشيخ أشرف المكاوي]: فالحديث مجرد للصحيح، هو الذي يتميز به صحيح الإمام البخاري عن غيره، وهو الذي جعل الأمة تتلقاه بالقبول وتثني عليه وتحفظه وتشرحه.

شروح صحيح البخاري بلغت مائة وثلاثين شرحاً وعدد شيوخه وأحاديثه

[الشيخ أشرف المكاوي]: لدرجة أن وصلت شروح البخاري إلى مائة وثلاثين شرحًا، أي كتاب الذي شُرِح بهذه الشروح؟ مائة وثلاثين شرحًا لصحيح البخاري من عناية الأمة به.

فالصحيح وهذا سر هجوم الناس على صحيح البخاري. تخيل كم عدد شيوخ البخاري، إنهم ألف وثمانون رجلًا، ألف وثمانون شيخًا قابلهم في حياته ونقل عنهم.

فلا غرابة في أن يغربل كل المرويات التي نقلها عن شيوخه فتصل في النهاية إلى سبعة آلاف وخمسمائة وثلاثة وستين حديثًا، وبعد ذلك نحذف المكرر والمعلق والآخر فتصفو إلى ألفين وخمسمائة وثلاثة عشر حديثًا.

وبعد ذلك نأتي ونقول: كيف نقل الألفين وخمسمائة وثلاثة عشر حديثًا ونطعن في هذه الكثرة في الرواية؟ هذا كلام لا يصح على الإطلاق.

سؤال المذيع للشيخ علي جمعة عن أهمية صحيح البخاري وتدوين السنة النبوية

[المذيع]: نفس السؤال الذي طرحته على الدكتور أشرف: ماذا أضاف صحيح البخاري للأمة الإسلامية؟ وما أهمية تدوين السنة النبوية وصولًا إلى هذا العصر وهذا التواتر؟ وهو مرجع مهم، وهو كتاب مرجع مهم بالنسبة لنا فضيلة الدكتور.

[الشيخ]: هناك كتب كثيرة أُلِّفت لحفظ الحديث النبوي الشريف، هذه الكتب جمعها أحد العلماء في كتاب أسماه الرسالة المستطرفة في بيان كتب السنة المشرفة، وهو للإمام محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله تعالى. في الرسالة المشرفة ذكر لنا أسماء الكتب وأسماء مؤلفيها عبر العصور.

السؤال الذي يغيب عن أولئك الذين ينتقدون البخاري ولا يعرفون منزلته ولا يعرفون ما الذي أضافه، وكذا ليس هناك بين البخاري وبين علماء الأمة [محاباة].

لماذا تقدم البخاري على غيره وخصائص كتابه التي أبهرت العلماء

[الشيخ]: نحن الآن نتحدث في علماء الأمة، البخاري هذا واحد منهم، لكن لماذا تقدم؟ ليس هناك نسب ولا قبلية ولا خواطر بين علماء الأمة وبين الإمام البخاري حتى يقدموه.

بل لأن هناك خصيصة في هذا الكتاب، وهناك فضل في هذا الكتاب، وهناك إضافة لمصادر الإسلام في هذا الكتاب، ولأن هناك قوة في هذا الكتاب جعلت العلماء يفعلون هذا وينبهرون بما فعله البخاري.

فقه البخاري في عناوين الأبواب وكونه مجتهداً مطلقاً

[الشيخ]: فقه البخاري يظهر في عناوين الأبواب التي بوَّبها، فهو لم ينتقِ فقط أحاديثه من ستة آلاف أو ستمائة ألف أو كذا سندًا من الأسانيد الصحيحة فحسب، بل إنه مع شدة ذكائه وقوة حافظته وطهارة قلبه وتقواه كتب الصحيح بطريقة غاية في الفقه.

حتى نص كثير من العلماء على أنه كان مجتهدًا مطلقًا. بعضهم قال هذا كان شافعيًا، وبعضهم قال إنه كان مالكيًا، وبعضهم قال لا إنه حنبلي لأن الإمام أحمد [كان شيخه]. لكنه في الحقيقة مجتهد، قد يوافق الشافعي وقد يوافق مالك وقد يوافق أحمد وقد يوافق غير ذلك.

حديث إنما الأعمال بالنيات أول حديث في صحيح البخاري وأهمية النية في الشريعة

[الشيخ]: الإمام البخاري ما الذي فعله؟ انظر إلى شيء بسيط يدلك على عمق الفكرة. لو فتحنا صحيح البخاري نجد أن أول حديث ذكره حديث عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، يقول فيه:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

جعله أول شيء. عندما فكر العلماء وتتبعوا واستقرؤوا وجدوا أن النية موجودة في سبعين بابًا من أبواب الفقه الإسلامي. حسنًا، كم عدد أبواب الفقه الإسلامي؟ لا يزيد عن ثمانين. نعم، موجودة في سبعين منها.

وهذا يؤكد أهمية النية. نعم، النية هي مفتاح الشريعة، النية هي كل شيء.

الأحاديث التي بُني عليها الإسلام والأربعون النووية وحكمة البخاري في ترتيبها

[الشيخ]: ما الذي جعل البخاري يفهم هذه المسألة؟ فهو أمامه أحاديث كثيرة وأحاديث مهمة وأحاديث يُبنى على مثلها الإسلام. لماذا يأتي بالنية فيجعلها أولًا؟

فكّر العلماء وأحبوا أن يلخصوا السنة في بعض الأحاديث، فإذا بهم لم يجدوا إلا:

«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

«ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»

«الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات»

يقول لك هذه الثلاثة التي بُني عليها الإسلام.

«من أحدث في أمرنا هذا شيئًا فهو رد»

فجعلوه أربعة. ذهب الإمام النووي لجمع الأحاديث التي قيل فيها إنها أحاديث الإسلام فوجد أربعين حديثًا فسميت الأربعين النووية، وهي ثلاثة وأربعون حديثًا. وجعل الحديث رقم واحد هو «إنما الأعمال بالنيات»؛ لأنه هو الذي عليه الأكثر وهو الذي مشترك بين الناس عند البيهقي.

حكمة البخاري في جعل النية أول حديث والذكر آخر حديث في الصحيح

[الشيخ]: كيف هذا الرجل وكيف حدث له هذا النور أن يجعل النية التي هي سارية في كل الأبواب أول حديث، مفتاح الشريعة.

انظر إلى الإبداع التالي، يجعل آخر حديث الذي هو في الختام سنقرأه ونغلق الكتاب:

قال رسول الله ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»

الذكر. انظر كيف أن سيدنا رسول الله حينما يأتي إليه أحدهم ويستنصحه: ماذا أفعل؟ أنا أريد شيئًا يجمع لي الدين.

قال له ﷺ: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»

هذا هو المفتاح. عندما نرى هكذا:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

طريق الله بين الذكر والفكر ونور قلب البخاري في ترتيب الصحيح

[الشيخ]: عندما نجد أن طريق الله كما يقول أهل الله والسالكون إلى الله بين الذكر والفكر لأجل الآية التي في سورة آل عمران.

كيف أن هذا الرجل نوَّر الله قلبه فجعل الذكر هو الكلمة الباقية، الباقيات الصالحات كلمة باقية يُلقيها هكذا.

انبهرت الأمة الحقيقة بالصحيح، ثم تتبعته حديثًا حديثًا. عندما ندخل سنجد أن هناك سبعة آلاف وخمسمائة وثلاثة وستين حديثًا، ولكن سنجد أن الحديث الواحد قد يتكرر مرتين ثلاثة أربعة تسعة، لا وهو نفسه بذاته؛ لأن الحديث يُستفاد منه شيء في الصلاة وشيء في البيوع وشيء في الزواج وشيء. هو حديث واحد فإذا يذكره هنا مرة ويذكره هنا مرة ويذكر جزءًا منه هنا. الله، ما هذا الرجل!

الرد على المشككين بوجود حفاظ عظام في كل العصور كالشيخ محمد إسماعيل الهمداني

[الشيخ]: بعض الناس يسمعوننا هكذا ويقولون لك: هؤلاء مشايخ الأزهر يقولون أي كلام، ومعقول يعني؟ نعم، لم يكن هناك هاتف محمول، ولم يكن هناك إنترنت، ولم يكن هناك [ما يشغل الناس]، وكانت الحياة أكثر صفاءً.

وكان هناك مثلما تتحدث الآن عن الزمن الجميل، يقول لك: أيام السمن البلدي. نعم، كان هناك شيء جميل، كانوا في صفاء، ثم حدث توفيق إلهي ثم هكذا إلى عصرنا هذا.

رأينا وأرانا الله سبحانه وتعالى أمثال هؤلاء: الشيخ محمد إسماعيل الهمداني، وكل الناس تشهد كيف كان هذا الرجل يحفظ القرآن سطرًا واحدًا هكذا من بسم الله الرحمن الرحيم حتى كلمة الناس كالسطر الواحد.

قدرات الشيخ الهمداني الخارقة في حفظ القرآن ومتابعة أربعة طلاب في آن واحد

[الشيخ]: كان [الشيخ محمد إسماعيل الهمداني] يقول لي: اختبرني وقل لي كم مرة وردت صيغة «عزيز حكيم» في القرآن، وكم مرة وردت صيغة «عزيز رحيم»، وأي شيء تريده على هذا النحو. كان ينظر في السطر هكذا وأخبرك بالإجابة، وأقول لك مكان ورود الآيات. كان آية من آيات الله يثبت أن كل ما سمعناه في أيام الخير والصفاء، هذا قد كنت أدركته.

توفي الشيخ سنة ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين، فكيف وصل إلى هذا؟ وكان يأتيه الطلاب من كل مكان. لدينا في جامعة الأزهر مائة وثلاث دول، لدينا ثلاثين ألف وافد.

فكانوا يأتون ليتلوا القرآن بالقراءات المختلفة، فهذا الشاب يقرأ في سورة الكهف، وهذا الشاب يقرأ في البقرة، وهذا الشاب يقرأ في آل عمران، وهذا الشاب يقرأ في جزء عَمَّ. أربعة طلاب حوله ويتابعهم، يقول: يا واد غلط، أو يقول: أنت تخطيت آية. ما هذا؟ كان الشيخ محمد إسماعيل الهمداني رحمه الله، هذا الذي أقول لك عنه.

[المذيع]: وأنت عاصرته حضرتك؟ نعم فضيلتكم.

حفظ الشيخ الهمداني للشاطبية والطيبة وشهادة المعاصرين على ذلك

[الشيخ]: حافظٌ الطيبة ألف بيت، والشاطبية ألف بيت. الغريب، بل العجيب الذي قد لا يصدقه الناس - وهم أحرار - لكن هذا حدث أمامنا، ونحن نخبر أبناءنا ونخبر مَن بعدنا به بثقة لأنه صدق.

كان [الشيخ الهمداني] يمشي - وكان يسكن هنا خلف الأزهر رحمه الله تعالى - فيمشي من هنا حتى بيتهم، بيتهم في الباطنية خلفنا هنا، ليس هناك سوى ربع ساعة سيرًا. فيسمع الشاطبية وهو ذاهب في الصباح، ويسمع الطيبة وهو عائد.

الشاطبية ألف بيت يسمعها. ما معنى ذلك؟ معناه أنها أمامه كالسطر الواحد كما قال.

البخاري كان موفقاً من الله في الحفظ وسر وصوله إلى هذه الدرجة البديعة

[الشيخ]: فإذن سمعنا هذا منه [من الشيخ الهمداني]، وبعد ذلك سمعنا أن ابن تيمية كان كذلك وأن القرآن كان أمامه كالسطر الواحد، وأحد من تلامذته ذكر أن القرآن كان أمامه كالسطر الواحد. الله، هكذا الأمر منذ قديم الزمن.

إذن نحن نعيش [هذا الواقع]. البخاري كان هكذا، كان ربنا وفقه بأنه لا توجد معاناة في الحفظ. وبالرغم من ذلك يقولون له: كيف وصلت يا إمام إلى هذه الدرجة البديعة العجيبة الغريبة من الحفظ الذي أبهر الناس ثم أبهر الأمة من بعده؟

قال: بكثرة النظر إلى الكتب.

مؤلفات البخاري المعاونة في علم الرجال ووفاته في سن مبكرة

[الشيخ]: الإمام البخاري لكي يؤلف الصحيح الخاص به لقد ألّف مجموعة من الكتب المعاونة، فألّف التاريخ الكبير والتاريخ الأوسط والتاريخ الصغير في علم الرجال.

[المذيع]: كان يُجهّز نفسه ويعد العدة.

[الشيخ]: يعد العدة. الإمام البخاري مات صغيرًا يعني، مات نيف وستين سنة، اثنين وستين سنة. فلم يعمر إلى مائة سنة ولا نحو ذلك إلى آخره، لا. والمعمرون موجودون وكثيرون وما إلى ذلك.

صحيح البخاري كتاب خدمته أمة بأكملها وليس مجرد عمل فردي

[الشيخ]: نحن أمام كتاب ماتع لا يتعلق بفرد؛ لأن الذي يتعلق بفرد عندنا مائتان وخمسون عنوانًا آخر. هذا يتعلق بأمة خدمت وبأمة درست وبأمة تأكدت من صحة هذا.

فالذي يأتي لينتقد البخاري هو لا ينتقد محمد بن إسماعيل، بل إنه ينتقد الأمة.

[المذيع]: ينتقد الإرث الصحيح.

[الشيخ]: ينتقد تسعة آلاف عالم في كل حديث، تسعة آلاف، مائة ألف عالم؛ لأن هناك مائة ألف عالم فعلوا ذلك حضرتك.

جهود العلماء في خدمة صحيح البخاري كابن حجر والإسماعيلي وحجية السنة

[الشيخ]: المعلقات الموجودة التي هي تكون حديثٌ بدون سند، ابن حجر ذهب وألف [كتاب] تغليق التعليق [لوصل] أسانيد البخاري كلها. الإسماعيلي كتب المستخرجات وغير ذلك إلى آخره.

أي فخرٌ لنا! نحن أمام مصدر. إذن يأتي من يشكك فيه الآن، هو يشكك في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. هذا إجمالًا يريدنا أن نرد عليه تفصيلًا، ونحن مستعدون لذلك. هم ردوا بأن أزالوا الشبه.

ولذلك تجد الناس التي تنتقد، لقد رأيت برامج كثيرة جدًا، وهي أمور مضحكة في الحقيقة؛ لأنه يتعامل مع ما في ذهنه هو ويعترض على ما في ذهنه هو، والأمر ليس كذلك، والله أعلم بما هنالك. ولذلك نحن نقول للناس:

صحيح البخاري مخدوم ومشروح ومبحوث من أمة بأكملها وليس من فرد

[المذيع]: تفضل يا دكتور.

[الشيخ]: ابدأ. الإمام صحيح الإمام البخاري مخدوم مشروح مبحوث من أمة، وليس من فرد، ولا من شخص، ولا ما شابه ذلك.

وسنتحدث فيما بعد عن نسخ الإمام البخاري التي وصلتنا وطبعناها هنا في مصر، وكان مفخرة للأزهر أن طبع نسخة اليونيني أو النسخة السلطانية.

[المذيع]: والنقد والتشكيك وما أسبابه، فلأنه من الواضح أنه هو المقصود به هو الأمة وهز إيمان الأمة فضيلة الدكتور.

[الشيخ]: وحجية السنة. إذا الحديث عن صحيح البخاري يتواصل كواحد من أهم الكتب التي تواترت إلينا وأرَّخت السنة النبوية والأحاديث التي نطق بها المصطفى صلى الله عليه وسلم. بعد هذا الفاصل مشاهدينا الكرام نتواصل.

الصلاة والسلام على النبي ﷺ والنشيد الديني

[الشيخ]: مولاي صلِّ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم، مولاي صلِّ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم.

دعا إلى الله فالمستمسكون به مستمسكون بحبل غير منفصم.

مولاي صلِّ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم، مولاي صلِّ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم.

أسباب التشكيك في صحيح البخاري بين الجهل وتعمد أعداء السنة

[المذيع]: إذن، عن التشكيك وانتقاد صحيح الإمام البخاري نطرح على فضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم هذا السؤال: ما هي الأسباب التي دفعت البعض في الفترة الأخيرة إلى التشكيك في صحيح البخاري؟ دكتور أحمد.

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: هناك أسباب كثيرة من أهمها الجهل بقيمة هذا الكتاب وعدم المعرفة بأهميته. ومنها التعمد الذي أثاره كثير من أعداء الإسلام وأعداء السنة النبوية.

ويرون أنهم حين يصوبون سهامهم لأصح كتاب بعد كتاب الله في كتب السنة، فكأنهم قضوا على السنة كلها إذ يقضون على هذا الكتاب.

لكني أقرر وأنا على يقين بأنه كما قلت في بداية حديثنا إرادة إلهية، شاء الله تعالى لهذا الإمام الجليل ولكتابه القيم أن يكون مرجعًا لهذا الدين؛ لأن السنة شارحة للقرآن الكريم ومفسرة ومفصلة له.

[المذيع]: هي الجناح الثاني للشريعة.

رؤيا أحد الفقهاء للنبي ﷺ يوصي بكتاب البخاري وشهادة الإمام مسلم

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: ولذلك عندما رأى أحد الفقهاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرؤيا، قال له: إلى متى تشرح كتاب الشافعي وتترك كتابي؟ فقال له: وما كتابك يا رسول الله؟ قال: كتاب محمد بن إسماعيل البخاري.

طبعًا هذا الكتاب العظيم وهذا الإمام الجليل عرف قدره أئمة عصره أكثر من العصور التي مرَّت وخاصة هذا العصر الذي ظهرت فيه هذه السهام المسمومة.

الإمام البخاري عندما عاد وقابله الإمام مسلم بن الحجاج، فقبَّل يده وقبَّل بين عينيه وقال له: دعني أقبِّل رجلك يا أستاذ الأستاذين ويا سيد المحدثين ويا طبيب الحديث في عِلَلِه.

عرفوا قدر هذا الإمام وعرفوا قدر هذا الكتاب العظيم.

الطاعنون في البخاري بين الجهل بقدره وإرادة ضرب السنة في مقتل

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: لكن أولئك الذين صوبوا سهامهم إليه ما عرفوا قدره، جهلوه أو عرفوا ولكنهم أرادوا ضرب السنة في مقتل عندما يضربون ويطعنون في أصح كتاب من كتب السنة بعد كتاب الله.

[المذيع]: في مرضٍ وهوى.

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: لقد سعى كبار الشخصيات والأمراء أن يتلقفوا صحيح البخاري، وعرض الأمير على الإمام البخاري أن يأتي إلى قصره وأن يقرأ عليه وعلى أبنائه صحيح البخاري، وأي إنسان يُقدَّم له مثل هذا العرض ففيه إغراء.

ولكن انظر إلى البخاري وعظمة العلم وعزة العلم، يرد على الأمير ويقول له: أنا لا أُذِلُّ العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، أنا لا أُذِلُّ العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين. لا أريد أن أذهب إلى قصرك، إن كانت لك رغبة في العلم ولأبنائك رغبة فليأتوا فليجلسوا في المسجد مع سائر الناس.

عناية الأمراء والعلماء بصحيح البخاري وشهادة الدكتور أحمد عمر هاشم بصحته

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: أدرك كبار الشخصيات والأمراء والعلماء والأئمة أهمية هذا الكتاب، فأولوه عناية فائقة بشروح كثيرة.

لا أقول إلا تحدثًا بنعمة الله عليّ أنه لما عُرض عليّ منذ خمسة عشر عامًا أن أقوم بشرح هذا الكتاب حتى أتم الله عليّ هذه النعمة هذا العام، وقدمه أحد الناشرين.

أشهد الله وأقولها بملء فمي: ما وجدت في أحاديث البخاري المنتقدة حديثًا واحدًا يقبل النقد، وما وُجِّه النقد إلى بعض الأحاديث إلا من عدم فهم الناقدين لمضمون الحديث ولمعناه.

ولو رجع هؤلاء المجرحون والناقدون إلى كتب شروح الحديث لوجدوا أنها صحيحة مائة في المائة؛ لأنه كما قلنا من قبل، استقاها وانتقاها من ستمائة ألف حديث كلها صحيحة، لكنه كان يأخذ أصح الصحيح.

شروط البخاري في الرواية وكونه محدثاً وفقيهاً معاً

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: وكانت شروطه أقوى الشروط. يشترط في الراوي أن يكون ضابطًا عادلًا مسلمًا بالغًا عاقلًا خاليًا من العيوب، معاصرًا لمن روى عنه، ثبت لقاؤه بمن روى عنه. فكان دقيقًا وعميقًا في شروطه وفي تبويبه وفي فقهه وهو يضع.

ولذلك بعض المؤلفين كتبوا كتبًا أثبتوا فيها أن البخاري ليس محدثًا فقط، بل هو محدث وفقيه. كتاب أستاذنا الدكتور الحسيني هاشم رحمه الله [بعنوان] الإمام البخاري محدثًا وفقيهًا، وأثبت أن فقه البخاري في تراجمه التي ألمح إليها فضيلة المفتي.

التراجم التي هي عناوين الأبواب التي كان يضعها قبل أن يذكر الحديث، يضع فيها الأحكام الفقهية التي يريد أن يشير إليها. فكان رحمه الله رحمة واسعة له الإمامة بحق، وحقّ أن يُلقب بأمير المؤمنين في الحديث.

الأحاديث المنتقدة في البخاري مائة وعشرة فقط والإشكالية في غير المتخصصين

[المذيع]: دكتور أشرف، إذن إضافة لما طرحه فضيلة الدكتور أحمد وفضيلة المفتي، الوسائل التي اتبعها الإمام البخاري في ضبط الحديث من حيث المتن والسند ألا ترد على كل المشككين والمنتقدين عبر كل العصور، خاصة الذين يتحدثون في هذه الأيام عن كتاب البخاري ويحاولون التشكيك فيه؟

[الشيخ أشرف المكاوي]: إن جملة الأحاديث المنتقدة في البخاري مائة وعشرة أحاديث، وهذا انتقاد من حيث السند، اختلاف في بعض الرجال. فربما كان للإمام الدارقطني وجهة نظر أخرى في هذا الرجل.

الإمام الدارقطني أستاذ في علل الحديث، فعندما يتكلم يتحدث على مستوى التخصص. لكن الإشكالية في أيامنا أننا ابتلينا بفئة من الناس هم في الحقيقة ليسوا متخصصين في الحديث ولا متخصصين في العلوم الشرعية ولا حتى عندهم دراية باللغة العربية ولا يفهم مفاتيح العلوم الشرعية. تجده مهندسًا وتجده طبيبًا وتجده صيدليًا وإلى آخره، ليس لديه تخصص في هذا.

ترجيح اجتهاد البخاري على الدارقطني ورد ابن حجر في مقدمة فتح الباري

[الشيخ أشرف المكاوي]: فالدارقطني من حقه أن يتكلم، وإن كان عندما تكلم الدارقطني وجدوا أن ترجيح البخاري أو أن اجتهاد البخاري كان أرجح. لذلك رَدَّوا على الإمام الدارقطني نفسه.

الإمام ابن حجر العسقلاني في مقدمة [كتاب] فتح الباري التي هي «هدي الساري»، يرد على كل ذلك.

لكن الإشكالية في غير المتخصص. أنت تأتي لتتكلم في غير تخصصك، لماذا؟ وما الذي تنتقده؟ وهل هي المعركة بالفعل مع الإمام البخاري؟ لا، كما قال فضيلة المفتي، لا ليست قضية البخاري، إنها قضية أمة في الحقيقة، قضية منهج، قضية أحاديث.

مواقف العلمانيين وأرباب الحداثة من أحاديث السنة النبوية وتفريغها من مضمونها

[الشيخ أشرف المكاوي]: الأمر أن جملة من هؤلاء العلمانيين وأرباب الحداثة والفكر المعاصر وإلى آخره، القضية عندهم أن هناك أحاديث كثيرة غير مقبولة لديهم، الأحاديث نفسها، مضامين الأحاديث غير مقبولة.

فبعضهم رد الأحاديث جملة وتفصيلًا، وبعضهم قبل العمل منها وترك النظر، وبعضهم أخذ المتواتر وترك الآحاد.

وبعضهم قسمها إلى أحاديث متعلقة بالشعائر التعبدية سنقبلها لكي نعرف كيف نصلي ونحج، يقول هكذا. والأحاديث المتعلقة بالغيبيات لن نقبلها. والأحاديث الخاصة بالأحكام والعبادات والجنايات والحدود والشرائع وكل هذا، قال لا، هذه تُخضع لظرف الزمن الذي قيلت فيه أيضًا لن نأخذها.

والأحاديث المتعلقة برسول الله وسننه وهديه، قال إن أكثرها أحاديث تتعلق بالعادات فهي سنن عادات، أي ليست سنة تشريعية. وقال أكثر الأحاديث ليست تشريعية.

خطورة المنهج العلماني في تفريغ السنة وجعل العقل النسبي حاكماً على المطلق

[الشيخ أشرف المكاوي]: إذن فرَّغتَ لي السنة، في النهاية جعلت المقبول منها ما هو متعلق بالعبادات فقط. أي أنت علماني، فأنت أخرجت جملة الدين أو أكثر الدين وجعلت القضية المقبولة عندك هي أحاديث العبادات فقط.

هذه هي مشكلة العلمانية، هذه هي مشكلة الحداثة. مشكلة الحداثة أنه فصل الأحاديث عن مصدرها، لا ينظر إليها على أنها وحي، بل ينظر إليها على أنها نص قابل للجدل، قابل للنقاش، قابل للطعن.

ومن الذي سيطعن؟ قال: العقل. إن العقل نسبي، فجعل النسبي حاكمًا على المطلق. القضية قضية جهل تام؛ لأن الأحاديث لا يفهمها إلا من هو من أهل العلم.

الفرق بين التدين العام والتخصص العلمي والرد على دعوى حرية الفكر

[الشيخ أشرف المكاوي]: هناك فرق كبير بين [التدين والتخصص]. هم دائمًا يحتجوا هكذا، فيقول لك: أليس الدين ملكنا جميعًا؟ ومرة يحتجوا قائلين: أليست هذه حرية فكر؟ وكلا هذا وذاك على الحقيقة ضلال مبين.

لا، التدين يسري في نفوسنا جميعًا، الدين يسري في نفوسنا جميعًا، لكن له تخصص علمي أهله هم المتخصصون فيه.

يقول لك: حرية الفكر. حرية فكر ماذا؟ حرية الفكر لها ضوابط، وهناك فرق بين الفكر والعلم حتى.

[المذيع]: أنا أريد أن أقول: أنا لا أدلو ولا أقول رأيي في قضية، بل أنا أطعن في تاريخ أمة بالكفاءة.

[الشيخ أشرف المكاوي]: هذه هي المشكلة، هذه هي المشكلة.

مثال على جهل المنتقدين بالفرق بين باء السببية وباء المعاوضة في الحديث والآية

[المذيع]: وأنا لست أهلًا للتخصص يعني ولست أهلًا للتخصص، بل لا يفهم أن يفرق بين دقائق العلم ومسائل العلم.

[الشيخ أشرف المكاوي]: فأنت لو سألت بعضهم: لماذا ترد حديثًا؟ يقول لك مثلًا:

قال ﷺ: «لا يدخل الجنة أحدكم بعمله»

قال: لا، هذا يتعارض مع قوله تعالى:

﴿ٱدْخُلُوا ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 32]

انظر، إنه لا يعرف التفريق بين أن هذه باء السببية وهذه باء المقابلة أم باء العوض. فباء السببية معناها ادخل الجنة بسبب عملك، فهو سبب.

لكن المنفي في الحديث أن يكون على سبيل المعاوضة. عندما يقول: اشتريت ثوبًا بعشرة جنيهات، الباء هنا تسمى باء المعاوضة. أما الباء الموجودة معنا في الآية فهي باء السببية. فباء السببية تختلف عن باء المعاوضة.

هو لا يعرف كيف يفرق بينهما، فقال لك: انظر إلى الأحاديث في البخاري إنها معارضة للقرآن.

منهج الجمع بين المتعارضات وخطأ من يشكك في البخاري دون علم بالقواعد

[الشيخ أشرف المكاوي]: انظر كيف تتنافى [الأحاديث في زعمهم] مع القرآن، والبخاري محتاج تنقية ومحتاج أن نتخلص من هذه الأحاديث؟ أنت لست فاهمًا أصلًا، أنت لا تعرف كيف كان يفعل العلماء في الجمع بين المتعارضات التي ظاهرها التعارض.

هناك منهج للجمع بين المتعارضات، وبما أنه لم يدرس هذا المنهج، وبما أنه لا يعرف قواعد اللغة العربية، فلا بد أنه يصل في النهاية إلى صدام بين الآية والحديث فإننا نرفض الحديث ونشكك فيه.

وبما أن العملية تكررت أمامه أكثر من حديث في البخاري، فإن البخاري كله ينبغي أن يُهمل إلى آخره. فهذا منهج مخطئ لا شك، ومنهج يتنافى تمامًا مع القواعد العلمية.

سؤال المذيع للشيخ علي جمعة عن خطورة التشكيك ونسخ صحيح البخاري المطبوعة

[المذيع]: نستطلع أيضًا رأي فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية في هذا الأمر، خطورة التشكيك. فضيلتك كلمتنا عنه، لكن إذا تحب أن تضيف شيئًا فيما يتعلق بصحيح البخاري، وأيضًا فضيلتك كنت تود الحديث عن النسخة التي تم طباعتها هنا في مصر أو النسخ التي تواترت أو نُقلت إلينا من صحيح البخاري.

[الشيخ]: استمرارًا في بيان أن الأمة قد حفظت هذا الكتاب وخدمته، فالخادم ليس هو الإمام البخاري فقط، بل هي أمة.

جاء هذا البخاري عندما جمع حديثه جلس يعلمه للناس، فأصبح هناك رواة عن البخاري. أصبح هناك شخص اسمه حماد بن شاكر يروي عنه، المحاملي، المستملي، الفربري. هؤلاء الناس رووا عن البخاري، سمعوه في مجالس متتالية وأصبح هناك روايات للبخاري نفسه.

رواية الفربري وجمع الروايات حتى ظهور النسخة اليونينية في القرن السابع

[الشيخ]: فنجد حديثًا عند حماد ليس عند الفربري، ونجد حديثًا عند الفربري. ثم اهتمت الأمة بأن أجمع وأضبط هذه الروايات، وهي رواية الفربري، فخدموها أكثر.

وظلت هذه الرواية تشيع، والروايات الأخرى لا تُذكر إلا في الشراح. إلى أن أتى القرن السابع الهجري، فجلس رجل من كبار المحدثين يُسمى باليونيني على الإمام ابن مالك صاحب ألفية ابن مالك.

فجمال الدين بن مالك جلس مع اليونيني، واليونيني محدّث وابن مالك نحوي، ينطق أمامه البخاري يقرأه وهذا يضبطه.

[المذيع]: كل حرف في البخاري مضبوطًا، كل حرف.

[الشيخ]: كل حرف. وخرجوا بنسخة البخاري في مجلدين، هذان المجلدان هما الإمام البخاري المضبوط، وأي شيء غير الذي في المتن يكتبونه في الهامش.

النسخة اليونينية وضبط ألفاظ البخاري لغوياً مع أمثلة على دقة الضبط

[الشيخ]: وسُميت هذه النسخة لأن الذي قرأها وضبطها من فم ابن مالك، علامة اللغة والنحو، وكذا إلى آخره، هو الإمام اليونيني، فسُميت النسخة اليونينية.

والنسخة اليونينية هذه أتى شخص بعد ذلك اسمه الشيخ القسطلاني، فقام بشرح هذه النسخة في عشر مجلدات. أتى بعد ذلك في القرن التاسع شيخٌ آخر اسمه الشيخ العيني، وشرح البخاري أيضًا في عشر مجلدات أخرى.

لكن القسطلاني شرح النسخة اليونينية هذه بالأخص. لماذا هذه مفتوحة؟ لماذا هذه؟ كان في مَهنة أهله، هي مهنة أم مِهَنة؟ فيقول لك: مهنة بالفتح رواية هكذا، وخارجًا يكتبها لك مِهنة، يكون فيها وجهان لكي تعرف أن هذه كذا.

هذه خَدعة أم خُدعة؟ يقول لك: لا، هي خدعة فقط. هنا هي: غطِّي فخِذيك أم فَخذيك؟ فيقول لك: لا، هذه فيها وجهان ويروي لك الحكاية هكذا.

القسطلاني والعيني مدفونان خلف الأزهر وإتمام اليونيني نسخته في سبعين مجلساً

[الشيخ]: المهم أن الإمام القسطلاني مدفون خلف الأزهر هنا في مسجد اسمه الشارحين، الشارحين الذي هو الإمام القسطلاني ومعه الإمام العيني.

ومن طرائف هذا أنهما مدفونان فوق بعضهما لا بجانب بعضهما، مدفونان فوق بعضهما.

فالإمام القسطلاني شرح اليونينية وهو مدفون عندنا هنا، فتكون مصر قد شاركت في هذا الأمر.

أنهى اليونيني هذه النسخة اليونينية على ابن مالك في سبعين مجلسًا وحضره أكثر من مائة عالم من علماء الفقه والحديث. فهذا الكتاب، يا إخواننا، خُدم من كل جانب.

خدمة الكتاب لغوياً وجهود ابن هشام المصري في شرح حروف المعاني

[الشيخ]: لأجل هذه الباء التي تعني هنا للمعاوضة، وتعني هنا أنها للإلصاق، وتعني هنا للسببية، وتعني [معاني أخرى]. وقد خدموا هذه الأمور.

لدينا ابن هشام المصري الذي هو سيبويه عصره، صاحب كتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب يشرح هذه الحروف.

فإذن هو [المنتقد] يتصدر قبل أن يتعلم.

طباعة النسخة السلطانية بأمر السلطان عبد الحميد وجهود الأزهر في إخراجها

[الشيخ]: ثم جاء السلطان عبد الحميد وهو آخر الخلفاء العثمانيين، ووجد النسخة اليونينية في خزينته. تلك النسخة اليونينية التي أعدوها في الشام في دمشق انتقلت إلى اسطنبول، كانوا يجمعون النوادر والأشياء المهمة وما شابه ذلك.

اتصل بشيخ الأزهر هنا الشيخ حسونة النواوي في أواخر القرن التاسع عشر وقال له: يا مولانا، أنتم علماء العربية وعلماء الأزهر. الشيخ حسونة النواوي الذي هو شيخ الأزهر، قام بتشكيل لجنة.

وهذه اللجنة تمثلت فيها كل علماء الحديث والبارزين، وكان منهم شخص آخر يذكرونه في القائمة هكذا متخصصًا بالبخاري، أي أن تخصصه هو صحيح البخاري.

وقد جلس هؤلاء العلماء مع علماء المطبعة الأميرية وطبعوا ما يُسمى بالنسخة اليونينية أو السلطانية نسبة إلى السلطان عبد الحميد سنة ألف وثلاثمائة وإحدى عشرة هجرية، وأتموها سنة ألف وثلاثمائة وثلاث عشرة في تسعة أجزاء تجتمع في ثلاث مجلدات. هذا هو البخاري.

النسخة السلطانية والفكهانية وتوزيعها على العلماء والحفاظ على الرواية والدراية

[المذيع]: وهي الموجودة الآن في مصر.

[الشيخ]: وهي الموجودة التي صور منها الناس كثيرًا بعد ذلك باسم السلطانية. عمل منها ألف نسخة ووزعها على العلماء كهدية أو هبة.

وبعد ذلك في سنة ألف وثلاثمائة وخمسة عشر، كان هناك رجل تاجر فاكهة في روض الفرج طبعها على حسابه. لماذا؟ السلطان هناك يطبعها فنحن نطبعها على حسابنا. فطبع ألف نسخة ثانية، فسميت بالفكهانية.

فهذه هي السلطانية وتلك هي الفكهانية. منذ ألف وثلاثمائة وخمسة عشر حافظنا على الرواية، وحافظنا على الدراية، وحافظنا على العلوم المساعدة.

ولذلك عندما يأتي شخص لا يفقه كل هذا، لا أعرف كيف أتحدث إليه.

خاتمة البرنامج والشكر للعلماء الضيوف على حديثهم عن صحيح البخاري

[المذيع]: نسأل الله الهداية فضيلة المفتي لأولئك الذين يشككون في موروث الأمة. وكنا نتحدث عن صحيح البخاري، مشاهدينا الكرام، وقيمة هذا الكتاب الذي يُعد أصح الكتب بعد كتاب الله.

أشكر ضيوفي الكرام: فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، شكرًا جزيلًا. عالمنا الجليل أستاذنا الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية، شكرًا جزيلًا دكتور أحمد.

وأيضًا أستاذ الحديث الدكتور أشرف المكاوي من علماء الأزهر الشريف. نشكركم دائمًا على حسن المتابعة مشاهدينا الكرام، وحتى لقاء آخر يجمعنا في رحاب الأزهر وفي كلمة حق، نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.