برنامج كلمة حق | أ.د علي جمعة | مستقبل مصر جـ 2 | بتاريخ 2011 - 09 - 23
- •هوية مصر تتمثل في العروبة والإسلام، وهي هوية تشكلت عبر أربعة عشر قرناً دون إكراه أو قهر.
- •دخلت اللغة العربية مصر تدريجياً وأصبحت جزءاً من هوية المصريين، وكذلك انتشر الإسلام ببطء عبر الزمن والتفاعل الاجتماعي.
- •يمثل النسيج المصري وحدة متماسكة عبر التاريخ، ويشترك المسلمون والأقباط في الانتماء للهوية الإسلامية العربية.
- •مصر لها دور ريادي وقيادي في المنطقة عبر التاريخ، فهي التي هزمت الصليبيين والتتار ودعمت حركات التحرر.
- •الدولة الإسلامية هي دولة مدنية وليست دينية، وذلك منذ عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
- •نهضة مصر تتطلب العمل المستمر والإتقان والإدارة الجيدة، مع ضرورة الاستفادة من إمكانيات مصر وعلاقاتها مع الدول المجاورة.
- •المرحلة الانتقالية تحتاج إلى إسراع في بناء المؤسسات الدستورية والسياسية للخروج من حالة الفوضى وبدء مرحلة التنمية.
- •الإنسان المصري هو أعظم رأس مال في مصر، ويحتاج إلى تفعيل طاقاته وإمكانياته.
مقدمة البرنامج والترحيب بالضيوف للحديث عن مستقبل مصر
[المذيع]: أوصى رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم بمصر وأهلها خيرًا، ووصفهم بأنهم في رباط إلى يوم الدين. والآن مصر يُعاد تشكيلها، وبالتالي تتشكل خريطة المنطقة ووجه الإقليم بالكامل. نهضت هذه الأمة، ومستقبلها يتوقف على حجم ما يقدمه أبناؤها من عطاء؛ شريطة أن تكون هناك دائمًا وحدة دون خلاف، نعم للاختلاف لكن دون خلاف يؤدي إلى قطيعة وهدم الوطن.
مستقبل مصر حديثنا في كلمة حق هذه. تحية لكم مشاهدينا الكرام، وأجدد التحية والترحيب أيضًا بضيوفي الكرام في رحاب الجامع الأزهر الشريف. فضيلة العالم الإسلامي الأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء، نرحب بفضيلتكم دكتور محمد، أهلًا بكم. وضيفنا الكريم الدائم فضيلة العلامة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا وسهلًا دكتور.
سؤال المذيع عن هوية مصر وتعريف الدكتور عمارة لمفهوم الهوية
[المذيع]: نبدأ بفضيلتكم أم بالدكتور عمارة في هذه المرة؟ بفضيلة دكتور عمارة. دكتور عمارة، في عجالة ونحن نتحدث عن مستقبل مصر، في الحلقة الماضية أشرت فضيلتكم إلى هوية مصر. أريد أن أتوقف بشيء من التفصيل عند هوية مصر في ظل هذا الجدل والنزاع الدائر بين تيارات المجتمع؟
[الشيخ محمد عمارة]: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلاة وسلامًا على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. هو مصطلح الهوية ويُطلق هكذا؛ أي أحيانًا يخطئ الناس ويقولون "هَوِيَّة"، لا، "هُوِيَّة"، ولكنها هُوِيَّة مشتقة من "هُوَ".
"هُوَ" أي جوهر الشيء الثابت الشامل الدائم. وهذا يعني حتى عندما نقرأ التعريفات للجرجاني أن الهوية من "هو هو"؛ أي ما نسميه نواة التمرة. فهذا هو الجوهر، هذه هي النواة، هذه هي الحاجة الصلبة التي موجودة فيها.
هوية مصر العروبة والإسلام وإجماع المصريين عليها في الدساتير
[الشيخ محمد عمارة]: نحن نلخص هوية مصر في العروبة والإسلام. مصر والشعب المصري جزء من الأمة العربية والحضارة الإسلامية. على مر القرون الأربعة عشر منذ دخل الإسلام إلى مصر، ارتضى الشعب المصري بدياناته المختلفة الإسلام دينًا، والشريعة الإسلامية ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع.
نتكلم العربية؛ أي أن أجدادنا عندما كنا جميعًا أقباطًا، فلما دخلت أغلبية مصر في الإسلام، حتى غير المسلمين تعرّبوا، وأصبحت اللغة العربية هي هوية مصر من الناحية اللغوية ومن الناحية الثقافية.
نحن في العصر الحديث أمور كانت محسومة؛ ما جاء في دستور سنة ثلاث وعشرين عقب ثورة تسعة عشر، ولجنة وضع الدستور كان فيه ممثلون للكنيسة الوطنية، وكان فيه ممثلون للحاخامية الخاصة باليهود المصريين، وفيه المسلمون: الشيخ بخيت المطيعي وغيره من العلماء وأهل الدستور والقانون. اتفقوا على أن مصر لغتها العربية ودينها الإسلام.
فيبقى إذن العقد الاجتماعي — هذا الدستور عبارة عن عقد اجتماعي بين الأمة — اتفقت على هوية مصر التي هي العروبة والإسلام.
شهادات أقباط مصر على أن هوية مصر عربية إسلامية
[الشيخ محمد عمارة]: يأتي مثلًا واحد مثل مكرم عبيد باشا — وهو من زعماء ثورة ألف وتسعمائة وتسعة عشر، وهو قائد كبير وزعيم قبطي — كتب في سنة ألف وتسعمائة وتسعة وثلاثين، أي قبل الجامعة العربية بخمس سنوات أو ست سنوات، في مجلة الهلال في عدد أبريل سنة تسعة وثلاثين: المصريون أثبت عروبة المصريين حتى قبل الفتح الإسلامي، العلاقة بينهم وبين شبه الجزيرة العربية. وهذه التسمية قصة طويلة، وحتى المقريزي له كتاب اسمه [الإعراب عمن نزل بأرض مصر من الأعراب] يتحدث عن خريطة القبائل العربية حتى قبل الفتح الإسلامي.
انظر إلى مكرم عبيد يتحدث عن هوية مصر، يقول: نحن مسيحيون ديننا، وطننا، حضارة الإسلام هي هوية المصريين. اللهم اجعلنا لك مسلمين وللوطن أنصارًا.
مثلًا هذا مكرم عبيد. أنا جمعت الحقيقة شهادات لعدد كبير جدًا من أقباط مصر. انظر أنور عبد الملك يقول: الدائرة التي نحن فيها ليس اسمها الدائرة العربية، اسمها الدائرة الإسلامية بناءً على التوحيد.
شهادات رجال الكنيسة على إسلامية هوية مصر وعروبتها
[الشيخ محمد عمارة]: الأنبا موسى أسقف الشباب وعضو المقدس يقول: إن مصر دولة إسلامية بدون تطرف، هويتنا عربية، ثقافتنا إسلامية، كلنا مسيحيون ومسلمون يجري فينا الدم والجينات التي تخص الفراعنة.
يوحنا الذي هو نائب البطريرك الكاثوليكي يقول: إنني أفتخر بأنني مسيحي عربي مسلم الثقافة مائة في المائة، وابن هذه الحضارة العظيمة التي هي الحضارة الإسلامية.
أنا أقول إنه هوية مصر محل إجماع، إنما الشذوذ الفكري الذي يأتينا من المهاجر ومن اللوبيات الصهيونية ومن اليمين الديني والمسيحية الصهيونية الأمريكية، يريدون تفتيت مصر بالفوضى الخلاقة أو الخناقة الذي يريد الأمريكيون إحداثه. أنا أقول إن هذه مخططات.
المخططات الغربية والصهيونية لتفتيت مصر والعالم الإسلامي
[الشيخ محمد عمارة]: أنا كتبت عن المخططات الغربية حتى أصدرت كتابًا أخيرًا اسمه [الغرب والإسلام: تاريخ من الغزو والتزييف وإغواء الأقليات]، جمعت وثائق في هذا الشأن.
انظر في الأربعينيات، برنارد لويس المستشرق الصهيوني يقول: نريد أن نفتت العالم الإسلامي المفتت إلى ستة وخمسين دولة أو سبعة وخمسين دولة، يريد أن ينشئ اثنين وثلاثين كيانًا سياسيًا على أسس مذهبية وعرقية ولغوية.
بن جوريون وشارون في الخمسينيات يقولان: نريد تحريك الأقليات لزعزعة استقرار المجتمعات العربية المستقرة. في الثمانينيات، مجلة المنظمة الصهيونية العالمية [الاتجاهات الاستراتيجية لإسرائيل في الثمانينات] يتحدثون عن مصر ونتحدث عن هوية مصر العربية الإسلامية، يقول لك: يريدون دولة لا أعرف قبطية في الجنوب ودولة هنا والنوبة وما إلى ذلك. وإذا تفتتت مصر تفتت الباقي.
مؤتمرات إسرائيلية لاستغلال الأقليات ضد الإسلام والقومية العربية
[الشيخ محمد عمارة]: في عام اثنين وتسعين مؤتمرًا يُعقد في إسرائيل حول موقف إسرائيل من الأقليات في البلاد، يتحدثون عن الأكراد ويتحدثون عن الموارنة ويتحدثون عن الأمازيغ ويتحدثون عن الأقباط ويتحدثون عن كل هؤلاء، ويقولون إن هذه الأقليات نريدها حليفة لإسرائيل ضد الإسلام والقومية العربية.
إذن أنا أرى ما يريده العدو وأعرف ما يجب أن أفعله. أنا أقول إن الإسلام عقيدة وحضارة؛ للمسلم المصري وهو حضارة للمسيحي المصري. يعني هذا نحن منظومة القيم والأخلاق الجامعة للمصريين مسلمين ومسيحيين.
هذه لا خلاف عليها: الحلال حلال والحرام حرام، والصدق والكذب والقتل والزنا، كل هذه الأمور. يعني نحن عشنا على مر أربعة عشر قرنًا نسيجًا واحدًا.
وحدة النسيج المصري وعدم وجود فرق عرقي بين المسلمين والأقباط
[الشيخ محمد عمارة]: يعني عندما يقول الأنبا موسى: كلنا تجري في عروقنا دماء الفراعنة، إذن وما ثمة مشكلة عرقية ولا فرق عرقي، لدرجة أنه يقول: نحن لا نشعر بشعور الأقلية الذي هو شعور بغيض.
حتى في ظل الدولة العثمانية عندما كانت مصر ولاية عثمانية، الخط الهمايوني الذي كان خطًا تقدميًا واسمه المرسوم الشريف — الناس يخافون من كلمة الخط الهمايوني وهو يعني المرسوم الشريف — هذا الخط لم يُطبق في مصر؛ لأن مصر لها استقلال تشريعي في الحقوق والتشريع والقضاء منذ محمد علي.
حتى الدولة العثمانية عندما قننت القانون الإسلامي الخاص بالمذهب الحنفي في [مجلة الأحكام العدلية] سنة ألف وثمانمائة وتسعة وعشرين، لم يُطبق في مصر. أي لا القانون الخاص بالمسلمين في الدولة العثمانية طُبق لدينا، ولا الخط الهمايوني الخاص بالأقليات طُبق لدينا.
لماذا؟ لأن مصر كانت لها شخصية واحدة، ولذلك الأقباط في مصر لم يُعاملوا معاملة نظام الملل الذي كان موجودًا في الدولة العثمانية. يجب أن نعرف وحدة النسيج المصري حول عروبة مصر وحول إسلاميتها.
رفض العلمانية لمصر ورسالتها العربية الإسلامية وضرورة الحفاظ على الهوية
[الشيخ محمد عمارة]: مصر أريد أن أقول شيئًا: مصر الناس الذين يريدونها أن تكون علمانية، مصر لها رسالة في الوطن العربي والعالم الإسلامي. فلو كانت مصر هذه رسالتها علمانية، فليأخذوها من بلاد المنبع، من بلاد المصنع، من فرنسا ومن هذه البلاد. ولكن ماذا يأخذون مني؟ يأخذون مني العروبة، يأخذون مني الإسلام، يأخذون مني لغة القرآن. إنما يعني هذه هوية مصر.
وكما أقول في الدستور، سواء دستور ثلاثة وعشرين أو واحد وسبعين أو تعديل سنة ثمانين أو في الدساتير التي ستُصنع، لا بد أن يكون هناك اتفاق على هوية مصر: العروبة والإسلام.
أنا لست أريد أن أقول إنه في مصر فهذا شعب مسلم وشعب قبطي، لا، بل شعب مصري. ليس فيه شعب مسجد وأزهر وشعب كنيسة. هذه التعبيرات وهذه الأدبيات يجب أن تنتهي، وأن تُنتزع من الأدبيات ومن الثقافة ومن الإعلام؛ لنجتمع حول هوية مصر.
وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلّمنا المواطنة أنها في الإسلام:
«لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم وفيما عليهم»
هذا قانون وميثاق العيش المشترك حول هوية مصر التي هي العروبة والإسلام.
سؤال المذيع عن الحفاظ على الهوية وعلاقتها بالدولة المدنية وإجابة الشيخ علي جمعة
[المذيع]: يعني إذا كان الأمر كذلك فضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، يعني كيف ترى فضيلتك الحفاظ على هذه الهوية؟ وهل يمكن أن تصطدم بالدولة المدنية التي تجتمع عليها التيارات السياسية؟ والأمر الحقيقي في الشارع أن الناس في حالة لبس وجدال، ويبدو أن هناك غياب وعي وغياب فهم لحقيقة الدولة في الإسلام.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قضية الهوية لا تُفرض فرضًا، نعم، ولا تُتخيل تخيلًا. قضية الهوية عملية صهر تمت بلا إكراه ولا قهر، تمت في أزمان متتالية بعض حلقاتها يأخذ ببعض.
ولذلك لن يستطيع أحد ممن يسميه الدكتور عمارة "الشذاذ" أن يختطف هذه الهوية، وسوف يصطدم إذا فرض وقهر وأكره الشعب على غير هذه الهوية.
تغلغل هوية العروبة والإسلام في نفوس المصريين وظاهرة سمادير السكارى
[الشيخ]: هذه النقطة هي النقطة التي نريد أن نبلغها عقول وأسماع وقلوب جميع الناس. أنتم تعرفون هذه الهوية التي هي العروبة والإسلام، كيف تغلغلت في قلوب المصريين؟ كيف تغلغلت في عقولهم، في نفوسهم، في شخصياتهم، في قلوبهم، في أرواحهم، في نمط حياتهم، فيما يحبون ويكرهون.
فلأنهم لم يعرفوا كيف أتت، ولذلك هناك ما يسمى بسمادير السكارى. المدمن عندما يغيب عن الوعي يرى خيالات، ومن ضمنها ما يسمى بالفيل الوردي. الفيل الوردي يخرج للمدمن من الحائط وهو في الغرفة، وليس هناك فيل لكن هو يتصور هذا.
فالعرب أسموه سمادير السكارى؛ لأن هذا مبني على السمادير: أن هذا شيء — عروبة وإسلام — قد جاءت قهرًا وإكراهًا لهذا الشعب، فنحن سنحرر هذا الشعب منه. لا، القضية ليست كذلك.
دخول اللغة العربية إلى مصر دون قهر وتعريب الدواوين في عهد عبد الملك بن مروان
[الشيخ]: هيا بنا ندرس كيف دخلت العربية إلى مصر. دخلت العربية إلى مصر من غير قهر ومن غير إكراه. وبداية من عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، فقد جعل تعريب الدواوين مدخلًا لحث الناس على تعلم العربية. نعم، لم يفرض عليهم.
مرة القاضي أبو السعود في تركيا سأله الخليفة سليم عن أنه يريد أن يفرض العربية فرضًا على الأتراك حتى يتعلموا القرآن وحتى يقرؤوا الفقه وحتى كذا وكذا، فأفتى له بأن هذا ليس من دين الله. فبقيت تركيا على تركيتها إلى الآن.
حتى أن بعض المفكرين يقولون: ليته تم وجعل الأتراك عربًا فكانت تنضم إلى القوى العربية أو البلاد العربية. لكن على فكرة، ما كان سينفع إذا أكرهوا الناس وقهروهم على التعلم؛ فهذه الأمور لا تأتي هكذا.
انتشار العربية في مصر طوعًا عبر القرون وبقاء لغات محلية دون إكراه
[الشيخ]: فلما جعل [عبد الملك بن مروان] الديوان بالعربية وأراد الناس وتشوفوا أن يكونوا في هذا الديوان وكذلك إلى آخره، بدأوا في تعلم العربية ثقافة، بدأوا فيها حبًا من غير إكراه.
يذكر المقريزي في الخطط أنه وجد قرية في الصعيد ما زالت تتكلم الديموطيقية أو القبطية القديمة. نحن لدينا هذا — المقريزي في القرن التاسع، تخطى القرن التاسع، أي أنه معاصر ابن خلدون ثمانمائة وثمانية — أي هذا متأخر جدًا، تسعة قرون وما زال هناك أناس على طبيعتهم على هواهم.
تريد أن تفعل ذلك؟ نحن هكذا كان الأمر. في سوريا إلى يوم الناس هذا، السوريان يتحدثون السريانية في سوريا إلى يوم الناس هذا. ست لغات مختلفة تمامًا لا يفهم بعضهم بعضًا.
في النوبة يا للعجب! شمال السودان كله يتحدث العربية، والجنوب والنوبة المحصورة ما بين مصر والسودان — وهم مواطنون مصريون — ما زالوا حتى الآن. طبعًا معظم الرجال، جميع الرجال يتحدثون العربية، لكن النساء ليس من الضروري أن يتحدثن العربية لأنها تقيم في البيت وهكذا إلى آخره، فيتحدثون حتى الآن باللغة [النوبية]. وفي عام ألف وتسعمائة وستين كُتبت اللغة النوبية وبعض [لهجاتها].
لماذا؟ لأننا لم نُكره أحدًا على العروبة، بل هو اختارها اختيارًا جزءًا لا يتجزأ من هذا. حال اللغة.
عشق المصريين للغة العربية وأول مجمع للغة العربية في مصر
[الشيخ]: ولو تحدثنا فيه وفتحنا ملف اللغة وكيف دخلت اللغة أيها الجماعة، تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. انظروا إلى هذا الشعب كيف تعلم اللغة العربية ولماذا تعلمها ولماذا عشق اللغة العربية.
إن أول مجمع للغة العربية في الوطن العربي هو في مصر. أصفى الكلام عن العربية هو أنه في مصر. صحيح كان الشيخ الدسوقي ألّف كتابًا فيما تشتمل عليه العامية من العربية في مجلدين، هذا الكلام في العشرينيات.
فإذا نحن أمام هوية صحيحة لأنها لم تكن بالقهر ولا بالإكراه. هذه واحدة.
دخول الإسلام إلى مصر بالمعاشرة لا بالسيف وإحصاءات انتشاره عبر القرون
[الشيخ]: لنأخذ الإسلام. تفضل، الناس تكذب على أنفسها وتقول إن هذا انتشر بالسيف إلى آخره. لما دخل الإسلام مصر وحقيقة مسلم بها، لم يكن كل الشعب في دين المسيحية؛ كان كثير منه ما زال على الوثنية. نعم، الوثنية حُطمت في سنة أربعمائة وشيء وبالأمر وبالإكراه وكذلك، لكن ما زال أناس يخفون وثنيتهم. هؤلاء دخلوا في دين الله أفواجًا، ولكن لم يدخلوا بالقهر أيضًا، بل دخلوه بمعاشرة المسلمين.
ثم يأتي ريتشارد بليو في كتابه عن الحضارة الإيرانية ويذكر إحصاءات، وغيره من الباحثين، أنه في المائة سنة الأولى أصبح عدد المسلمين في مصر خمسة في المائة وغير المسلمين خمسة وتسعين في المائة. وبعد مائتين وخمسين سنة من دخول الإسلام أصبح خمسة وعشرين في المائة. وبعد [خمسمائة] وخمسين سنة أصبحنا خمسة وسبعين في المائة. بعد سبعمائة وخمسين سنة أصبحنا أربعة وتسعين في المائة.
ما هذا؟ ما الذي حدث؟ انصهار حدث، حدثت فترة طويلة جدًا وصلت إلى نحو ثمانمائة سنة. هذا هو الذي يكوّن الهوية. ليست سلق بيض! الهوية هذه شيء راسخ.
رسوخ الهوية الإسلامية في الشعب المصري وعجز الحكام عن تغييرها
[الشيخ]: ولذلك عُرف إن الحكام في كل مكان، سواء كانوا متوجهين إلى الدين أو كانوا ضد الدين، يعلمون أن هذا الشعب هويته الإسلام. نعم، ولذلك كلما قرروا أو اجتمعوا أو غير ذلك عبر التاريخ، فإنه لا بد من إظهار الإسلام والعروبة؛ لأن هذه هي الهوية.
فلماذا لا يذهب ليبحث له عن شعب آخر؟ أراد أن يجلب شعبًا؟ هذا الشعب وهذا البلد يعني هو هكذا. الشعب الخاص بك هكذا، هو يريد هذا، الشعب يريد هذا لأنه هو هكذا.
ولذلك البحث في إنشاء الهوية وكيف نشأت مهم جدًا للإجابة على كل الأسئلة التي تأتي بعد ذلك، ولبيان لماذا هذه هوية. يعني نعم هذه هوية.
دور العائلة في نشر الإسلام في مصر طوعًا عبر الزواج والمعاشرة
[الشيخ]: الشعب المصري عندما كانت [الهوية] وكيف كانت في الزمن الطويل، كانت خالية من القهر والإكراه، كانت بالقبول الطوعي. وكان أحسن وسيلة لهذا النشر هو العائلة. كانت العائلة هي السبب.
ولذلك ما زلنا في الصعيد نقول على المسيحي "خال". كيف حدث؟ كيف حدث أن العرب دخلوا مسلمين في أمانة، فتزوجوا من المسيحيات وأنجبوا عشرة أو أحد عشر ولدًا مسلمين أيضًا يتبعون أباهم، والمرأة على مسيحيتها. فمن يكون الخال؟ أخو الأم المسيحي.
سبحان الله! فهؤلاء الأولاد تزوجوا من أولاد خالهم فبقوا على مسيحيتهم أيضًا. ليس هناك إكراه ولا قهر ولا ما شابه ذلك إلى آخره. فتزوجها، تزوجها يعني ماذا؟ يعني أنه يحبها، يعني تطبخ له، أي تشاركه. هو الأم ليس عليها شيء، يقبلها وتقبله، أي حميمية. أي هو يعيش الآن مع هذا، والدين لا يمنع. فظل الأمر هكذا، ظل الانتشار عن طريق العائلة.
تكوّن الهوية الإسلامية عبر الأسرة والزمن الطويل لا بالسيف والقهر
[الشيخ]: وأصبحت القضايا التي تُعاب على الإسلام الآن — أنه أجاز التعدد، وأنه قال:
«تكاثروا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم [القيامة]»
وأنه أجاز الطلاق، وأنه أجاز الزواج من أهل الكتاب — هي مفتاح نشر الدعوة بالهدوء وبالأسرة وبالزمن الطويل. لا سيف ولا قهر ولا إكراه ولا شيء من هذا.
فتكونت الهوية. تريد أن تلقي بهذا الشعب في البحار وتأتي بشعب جديد؟ حتى هذه لن تقدر عليها. فلنكن عقلاء، تعالوا إلى كلمة سواء. هكذا هي الهوية.
رغبتك أنت في ألا تبقى عربيًا أو ألا تبقى مسلمًا أو أن تبقى ملحدًا أو أن تبقى كذا إلى آخره، فأنت وشأنك:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
ولكن اتركنا في حالنا يا أخي.
لا تعارض بين الهوية الإسلامية والدولة المدنية وختم النبوة أنهى الدولة الدينية
[المذيع]: ما يوجد تعارض بين الهوية الإسلامية وبين مدنية الدولة فضيلة العلامة الجليل؟ أين التعارض؟
[الشيخ]: طوال الوقت النبي صلى الله عليه وسلم جاء ليخرج الناس من الدولة الدينية إلى الدولة المدنية. يا للعجب! النبي عليه الصلاة والسلام لسبب بسيط جدًا لا ينتبه إليه كثير من الناس، وهو أنه خاتم النبيين.
الدولة الدينية هذه تحتاج إلى نبي مقيم. نعم، تحتاج إلى واحد نرجع إليه فيكون حجة ومرجعًا خاصًا بنا؛ لأن هذا الرجل نرجع إليه وليقولوا يقولون انتهى الأمر وانتهى. نعم.
ولذلك كانت هناك مشكلة موجودة في الكنيسة في أوروبا وهي: هل البابا معصوم أم غير معصوم؟ وظلت هذه المشكلة أنه معصوم منذ نشأة الكنيسة إلى أواسط القرن التاسع عشر أنه معصوم. وهذا شيء طبيعي؛ ما دامت دولة دينية فيجب أن يكون هناك شخص معصوم يكون المرجع، يكون هو صاحب الكلمة الأخيرة. هذا كلام منطقي.
انتهاء الدولة الدينية بختم النبوة وقيام الدولة المدنية على الشورى والاجتهاد
[الشيخ]: فبعد ذلك قالوا: إن البابا هو لا يخطئ؟ أي لا يوجد قرار يكون خطأ أو نحو ذلك. وبدؤوا يصنعون الدائرتين: دائرة العصمة التي فيها الأحكام الدينية، ولا الدنيا التي قد يخطئ فيها، ولكن عادة لا يخطئ أيضًا، حتى يخرج من هذه الورطة التي هو معصوم. يعني نبي في مفهومنا نحن.
فإذا جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال:
«هذا أنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي»
فقد انتهت الدولة الدينية. صحيح، انتهت إلى يوم القيامة؛ لأنه ليس هناك نبي مقيم.
فإذن فيمن؟ في العلماء. يفعلون ماذا؟ يفكرون بقواعد، بلغة، بمقاصد، يجلسون يتشاورون، يختلفون. خمسة وثمانون مجتهدًا سُجلت مذاهبهم عندنا في الفقه الإسلامي.
وعندما يختلفون يفعلون ماذا؟ هل يكفّر بعضهم بعضًا؟ أبدًا، بل يحترمون بعضهم البعض. مثل الإمام الشافعي عندما صلى عند [قبر أبي] حنيفة فترك القنوت. طيب ما القنوت سنة، فلماذا تتركونها؟ لأبي حنيفة. قالوا: حنيفة مات. لا يا سبحان الله! هذه القضية ليست كذلك. القضية يقول لك إن هذه من مسائل الخلاف الظنية وليس القطعية، التي فيها احتمال وفيها اجتهاد وفيها اجتهاد.
فإذا كنت أمام أمر معين، فهذه الحكاية المدنية: عندما سيدنا الرسول بختم النبوة أنهى الدينية. نعم، وأنهى الدينية، ومصر هويتها إسلامية. نعم.
سؤال المذيع عن علاقات مصر الدولية وتعليق الدكتور عمارة على مدنية دولة النبوة
[المذيع]: الحديث عن مستقبل مصر ومحاور مختلفة في كلمة حق، نتواصل مع ضيوفنا الكرام بعد هذا الفاصل مشاهدينا. علاقة مصر الدولية بمختلف دول العالم ومكانتها في العالم، وأيضًا آفاق المستقبل. هذا المحور الذي سأطرح سؤالي الخاص به الأستاذ الدكتور محمد عمار. كيف ترى علاقات مصر الدولية في هذه المرحلة من المستقبل دكتور محمد؟ وعلى ما يجب أن ترتكز؟
[الشيخ محمد عمارة]: إنني فقط كنت أريد أن تعلق على ما قلت عن فضيلة المفتي. هل يمكن أن تتحدث عن موضوع أن دولة النبوة — دولة رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة — دولة مدنية ولم تكن دولة دينية؟
في أمر طريف أنني مرة جلست أمام التلفاز فوجدت أحد المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية يقول إن العلامة الدكتور محمد عمارة قال إن دولة الرسول كانت دولة دينية، مع أن كل ما كتبته يعارض هذا الكلام. لماذا؟ وضع أحدهم ذلك على الفيسبوك وأنا لا أرغب [في ذلك].
حديث النبي عن سياسة بني إسرائيل بالأنبياء ومدنية دولة المدينة
[الشيخ محمد عمارة]: مع العلم أنني إذا قلت هذا الكلام — يعني إضافة لما قاله فضيلة المفتي — فإن الرسول صلى الله عليه وسلم له حديث يقول:
«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وإنما ستكون خلفاء»
يعني أن دولة النبوة في المدينة التي تأسست في السنة الأولى والتي تأسست في بيعة العقبة كانت دولة مدنية؛ لأن الرسول كان معصومًا فيما يبلغ عن الله سبحانه وتعالى، لكن في رئاسته للدولة وإدارته لشؤونها كان مجتهدًا، وكان بالشورى، وكان يخضع لرأي المسلمين.
استطلاع رأي الأقباط حول تطبيق الشريعة وموقف البابا شنودة المؤيد
[الشيخ محمد عمارة]: النقطة الثانية في هوية مصر الإسلامية كما أشار فضيلة المفتي: نحن في سنة ألف وتسعمائة وخمسة وثمانين، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أجرى استطلاع رأي حول تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر بما فيها الحدود. اثنان وستون في المائة من الأقباط مع تطبيق الشريعة الإسلامية بما فيها الحدود.
البابا شنودة في الأهرام يوم السادس من مارس ألف وتسعمائة وخمسة وثمانين صرح بالحرف الواحد قال: إن الحكومة تجلب القوانين تطبقها علينا، ونحن ليس لدينا قوانين مفصلة مثل ما في الإسلام. كيف نخضع للقوانين المستوردة ولا نخضع لشريعة؟ لهم ما لنا وعليهم ما علينا، نحن نتوق إلى شريعة لهم ما لنا وعليهم ما علينا.
هذا كلام العقلاء. نعم.
الشذوذ الفكري والاختراقات الأجنبية التي تستهدف وحدة النسيج المصري
[الشيخ محمد عمارة]: لكن عندما تظهر منظمة في أمريكا تسمي نفسها جبهة تحرير مصر من الإسلام، هل لهذا علاقة بالعقل وبالعقلاء؟
عندما يأتي أحد ويصرح: إذا قلت للقبطي إنك عربي فهذه إهانة، هل هذا كلام معقول؟ عندما يأتي أحد ويقول إن اللغة القبطية هي لغتنا في الماضي والحاضر والمستقبل وهي السياج الذي يحمينا من المستعمر الدخيل.
هذا هو الشذوذ الفكري والاختراقات الأجنبية التي تريد لهذا الشعب ألا يكون نسيجًا موحدًا حول العروبة والإسلام.
دور مصر التاريخي في هزيمة الصليبيين والتتار وتحرير الأمة
[الشيخ محمد عمارة]: أما موضوع دور مصر فقد تفضلت بالسؤال عنه. أنا أقول إن مصر على مر تاريخها الإسلامي لم تقف في التأثير عند الحدود الجغرافية. يعني أن مصر كانت حتى أيام الفراعنة كانوا يخرجون في المجال الحيوي لمصر.
عندما جاء الإسلام وأحيا مصر بعد القهر الروماني والإغريقي والبيزنطي الذي دام عشرة قرون، بدأت مصر تأخذ وضعها في الدولة الطولونية والدولة الإخشيدية، وبعد ذلك أصبحت مركز خلافة ومركز سلطنة.
أريد أن أقول دور مصر: عندما جاء الصليبيون مائتي سنة وأقاموا مستوطنات ودولًا استيطانية — مثل موضوع إسرائيل هكذا، بروفة لإسرائيل — من الذي هزم الصليبيين؟ الذين خرجوا من [مصر]. الرسول صلى الله عليه وسلم قال:
«هم خير أجناد الأرض وهم في رباط إلى يوم القيامة»
أريد أن أقول إن التاريخ صدّق على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. دور مصر عندما قال:
«اتخذوا فيها جندًا كثيفًا»
سأله أبو بكر: لماذا مصر يا رسول الله؟ قال:
«رجالها ونساءها في رباط إلى يوم القيامة، هم خير أجناد الأرض»
إذ هم الذين هزموا الصليبيين الذين مكثوا مائتي سنة. والحروب الصليبية هذه كانت أول حرب عالمية ضد الإسلام والمسلمين؛ لأنه اشتركت فيها كل الدول الأوروبية ومولتها الدول التجارية أو المدن التجارية: بيزا وجنوة ونابولي في إيطاليا كي يسيطروا [على] الشرق والغرب.
هزيمة مصر للتتار وخروج جيشها لمحاربة البرتغاليين على شواطئ الهند
[الشيخ محمد عمارة]: فلما جاء التتار الذين دمروا المشرق وفعلوا ببغداد المشهور في التاريخ، وحدث تحالف بين الصليبيين وبين التتار وابن العلقمي ومن وراءه، فمن الذي هزم التتار الذين لم يُهزموا من قبل؟ الجند الذين خرجوا من مصر الذين قادهم قطز وبيبرس.
هذا ما قرأته في التاريخ: أن بعد سقوط غرناطة سنة ألف وأربعمائة اثنين وتسعين — طبعًا غرناطة سقطت في يناير ألف وأربعمائة اثنين وتسعين — في أغسطس خرج كريستوف كولومبوس يريد أن يدور حول العالم الإسلامي لكي يأخذ القدس ويأخذ فلسطين مرة أخرى في حملة صليبية، ضل طريقه وذهب إلى أمريكا.
بعد خمس سنين خرج فاسكو دا جاما ألف وأربعمائة وسبعة وتسعين، دار حول أفريقيا وشعاره التوابل والمسيح؛ أي التجارة والتنصير. عندما ذهب [إلى] الهند ليحارب المسلمين على شواطئ الهند، خرج الجيش المصري من ميناء السويس سنة ألف وخمسمائة وأربعة وذهب إلى الهند ليحارب الصليبيين الذين يقودهم البرتغاليون على شواطئ الهند.
دور مصر التحريري والتنويري في العصر الحديث وضرورة استعادة الريادة
[الشيخ محمد عمارة]: في العصر الحديث، من الذي ساعد حركات التحرر الوطني في آسيا وفي أفريقيا؟ من الذي حرر الجزائر وأعادها إلى العروبة والإسلام؟ أفريقيا وأفريقيا وغيرها.
مصر يعني أريد أن أقول دور مصر التحريري التنويري يا سيدي. فنحن رشيد رضا عليه رحمة الله أصدر مجلة المنار، كانت المجلة أيقظت العالم الإسلامي وحملت فكر محمد عبده وجمال الدين الأفغاني إلى العالم الإسلامي على امتداد أربعين عامًا. يعني أريد أن أقول دور مصر التنويري والتحريري، دور مصر الريادي والقيادي.
مصر اليوم ليس نحن نريد أن نحرر الوطن المصري، ليس نحن نريد أن نحرر وطن العروبة وعالم الإسلام. نحن اليوم لدينا البحار مملوءة بالأساطيل الأجنبية، البلاد مملوءة بالقواعد الأجنبية. نحن التي حررها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدمائهم الزكية تكون لأهل هذه البلاد. وهذا دور مصر.
من الذي في الخمسينيات والستينيات أعاد البترول ليصبح ملكًا للبلاد العربية وأعاد العزة العربية والعزة الإسلامية؟ أنا أقول هذا هو دور مصر. ولذلك الذين فككوا أوصال مصر في العقود الثلاثة الماضية وهزموا مصر وباعوها خردة، أنا أقول إن هؤلاء كانوا في خدمة الإمبريالية والصليبية والصهيونية.
نريد لمصر أن تعود إلى مكانة الريادة والقيادة والإمامة؛ لأن هذا هو دورها الذي يعيد الأمة — كل الأمة وليس فقط الشعب المصري — إلى هذا الدور الريادي والقيادي إن شاء الله.
سؤال المذيع عن عودة مصر لمكانتها وإجابة الشيخ علي جمعة عن ضرورة العمل والإتقان
[المذيع]: هل يمكن أن يتحقق ذلك فضيلة العلامة علي جمعة؟ ما طرحه الدكتور عمارة وعودة مصر لمكانتها في ظل تشكيل العلاقات الجديدة بعد ثورة يناير وهذه المرحلة، عن طريق المؤسسات المختلفة وفي المقدمة منها الأزهر الشريف؟
[الشيخ]: نحتاج إلى عمل مستمر. نحن نعمل الآن عشرين ساعة في اليوم وهذا لا يكفي. نحن نحتاج إلى عمل مستمر والجميع [يعمل]. ليس هناك بعض الناس اعتادوا على عدم العمل وهذا مصيبة.
نحن بحاجة إلى عمل. لدينا النموذج الماليزي، ولدينا النموذج الهندي، ولدينا النموذج التركي. ولعل تركيا من الناحية الجغرافية ومن الناحية الثقافية والتكوين النفسي أقرب إلينا. ونجحت كل هذه النماذج نجاحًا باهرًا واقتحمت العقبة وتجاوزتها.
عندما تأتي لتجد العناصر التي بها النجاح، يتطلب أولًا العمل. لا بد من العمل، لا بد أن نجهد أنفسنا؛ لأنه حدث خمول لمدة طويلة.
ثانيًا، لا بد من الإتقان. النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
«أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ»
ويقول:
«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»
فالإتقان والاستمرارية يكون لدينا ملكة قائمة تعمل دائمًا.
منظومة الجدية والنجاح الفردي وأهمية الإدارة في بناء الدولة
[الشيخ]: وبالمناسبة إذا كان هناك شخص طبق هذه الأمور — وهي العمل والإتقان والاستمرارية إلى آخر المنظومة التي أسميها أنا الجدية — فإنه ينجح في حياته حتى لو فشل بلده، أو حتى لو فشلت جماعته. أي أن الفرد يستطيع بالنظام وبالاجتهاد، إذا نجح هذا مباشرة فسيكون محترمًا وينجح.
فنحن نريد على مستوى مصر أن نعمل تمامًا في الإدارة. يكتبون نظرية العشرين والثمانين ويقولون فيها أن الانطلاق لا بد أن يكون ثمانين في المائة من البلد.
القضية الثانية قضية الإدارة. نحن نريد إدارة حسنة. عندما يفتقد الشعب الإدارة يحدث له تيه وضياع، لكن عندما يتمسك بالإدارة العلمية الصحيحة أو يبدع إدارة مناسبة لبيئته وثقافته وهويته، فإنه ينجح نجاحًا عاليًا جدًا.
وطبعًا هذا قد بقي في آلاف المقولات التي تقول لك: خذوا منا كل شيء واتركوا لنا الإدارة، نعود كما كنا بعد عشر سنوات. خذوا منا الأموال، خذوا منا الموارد، خذوا منا الكفاءات، اتركوا لنا الإدارة فقط. فالإدارة هي التي تبعث فينا الأمل.
قصة الوالي العثماني في حسن الإدارة ونظافة الشوارع والقضاء على التسول
[الشيخ]: فبالعمل وبالإدارة الصحيحة والعمل الصحيح — طبعًا وهذا يشمل أشياء كثيرة منها الديمومة ومنها الجدية ومنها الإتقان ومنها أشياء أخرى — وبالإدارة، فالإدارة هذه مهمة جدًا.
كان مشايخنا يحدثوننا: كان هناك توجه بانتقاد الدولة العثمانية، والدولة العثمانية أدت ما أدته ولها ما لها وعليها ما عليها، والناس كثيرًا ما لا تستطيع أن تفرق بين هذا وذاك. قال أبدًا، هذه الدولة — أحد مشايخنا كان يقول لنا هكذا — هذا لما جاء الوالي بعد فترة المماليك وجد الشوارع قذرة ووجد الناس لا تستحم ووجد الشحاذة كثيرة.
فكر من ناحية إدارية بسيطة: فجلب مكنسة ومجرفة وأعطاها للمتسولين، جميع المتسولين، وعيّن كل متسول على ثلاث أو أربع حارات. هذه ملكك، والقمامة التي ستجلبها منها ملكك.
فأصبح ينظف ويجمع القمامة ويبيعها لصاحب الحمام، وصاحب الحمام يجعلها وقودًا لكي يسخن المياه. فانخفضت أسعار الحمام، فاستحم الناس بدلًا من مرة في الأسبوع مرتين، ونظفت الشوارع وتوقف التسول.
وصاحب الفول وضع القدر بجوار أوذان الحمام، دمّس الفول مجانًا فانخفضت أسعاره. وحدث نوع من أنواع الإدارة الحسنة التي أظهرت البلد بمظهر نظيف خالٍ من التسول والاستجداء، الأسعار انخفضت، الناس أكثر نظافة.
إذن هذا مثال يجب علينا أن نقف عنده ونقول إن حسن الإدارة يحقق الأمل. هذا هو ما نريد أن يصل إلى القلوب: الناس والعمل والأمل.
رؤية الدكتور عمارة لخريطة الطريق وتقصير المرحلة الانتقالية وبناء المؤسسات
[المذيع]: متفائلون. أنت فضيلة الدكتور عمارة متفائل بمستقبل مصر؟ ولو طلبت من فضيلتك أن تضع رؤية ليس على المدى البعيد ولكن حتى على المدى القصير لنخرج من عنق الزجاجة الآن ويعود الوئام بين أبناء المجتمع لنستعيد مكانة مصر؟ أعني الرؤية أو خريطة الطريق كما يسمونها للمرحلة القريبة.
[الشيخ محمد عمارة]: نحن طبعًا الآن نعيش في مرحلة انتقالية. نعم، أي في غياب للمؤسسات الدستورية والسياسية المفترض أن تقود المجتمع. ولهذا هناك حالة فوضى؛ أي أناس يخرجون في ميدان التحرير وآخر يخرج على وزارة الداخلية وآخر يخرج على السفارة، لا أدري ما هي، أشياء من هذا القبيل.
nحن مطالبون بتقصير الفترة الانتقالية، الخروج من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة استقرار: انتخابات مجلس شعب وشورى، لجنة لوضع الدستور، حكومة تُمثل فيها التيارات الرئيسية التي نجحت في الانتخابات. نبدأ مرحلة التنمية.
نموذج دولة النبوة في البناء وإمكانيات مصر مع السودان وليبيا والثروات المتاحة
[الشيخ محمد عمارة]: أي انظر أنت إلى نموذج رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما هاجر من مكة إلى المدينة: بنى المسجد وآخى بين المهاجرين والأنصار، عقد وإحياء الأرض. بهذه المواد هو بدايات قامت عليها مشروع الدولة النبوية.
نحن لدينا إمكانيات: العلاقة مع السودان، العلاقة مع ليبيا. نحن كان في ليبيا نظام كان دوره الاستراتيجي الاستعماري حاجزًا بين مصر وبلاد المغرب العربي. اليوم هذا زال وفُتح الباب. اليوم العلاقة بين مصر وبين السودان وبين ليبيا.
نحن نعيش منذ أيام الخديوي إسماعيل على خمسة أو ستة ملايين فدان وتآكلوا طبعًا الآن؛ أي أن الخصب نبني عليه والرمل نبيعه. أما السودان ففيه أكثر من مائتي مليون فدان صالحة للزراعة بأرخص التكاليف، وفيه ثروة حيوانية هائلة في الغابات لا نجد لها أسطول نقل لينقلها.
ونحن لدينا شواطئ بحار تجعل السمك بالملاليم في بلدنا. مصر فيها ثروات غير عادية، لكن كانت منهوبة. قديمًا كان السيد درويش يغني يقول: يا مصر خيرك في يد غيرك، اخرج خارج مصر، خيرك في يد اللصوص، اخرجوا خارجًا.
خريطة طريق مصر نحو الريادة وبناء الجهاز السياسي والإداري
[الشيخ محمد عمارة]: أنا أريد أن أقول إن العلاقة مع العالم العربي، دورنا في النهوض، في تحرير فلسطين وإزالة الخطر الذي يوجد على حدودنا. أريد أن أقول إن أمامنا خريطة طريق:
أولًا: الدولة تتبنى — نعم — بالشورى وبالمؤسسات وبالانتخابات، ويُوضع الدستور الجديد، ويكون لدينا سلطة ويكون لدينا أحزاب ويكون لدينا نقابات.
نحن لا نريد المطالب الفئوية؛ كل واحد يخرج ويخلع القميص ويقوم بمظاهرة. ننحي المصالح الخاصة جانبًا. نقابات تتفاوض، نقابات تقدم مطالب، لدينا أحزاب تمثل التيارات الفكرية المختلفة. أي بناء الجهاز السياسي والإداري للبلد.
وكما أشار فضيلة المفتي فإن الإدارة هي عصب عمل كل شيء. لماذا؟ لأنه أولًا يجب أن تكون هناك إرادة وإدارة. فالإدارة هي التي ترتب ما لديك من إمكانيات. فبدون إدارة وقبلها إرادة، يمكن أن تملك كل إمكانيات الدنيا ولكن تبقى صفرًا. صحيح، ألا تعمل بها شيئًا.
أريد أن أقول إن الإنسان المصري هو أعظم رأس مال لدينا في مصر. أعظم رأس مال لدينا هو الإنسان المصري. ولكن كيف نفعّل طاقات وملكات وإمكانيات هذا الإنسان لكي يبني هذه الدولة الجديدة، هذه الجمهورية الجديدة؟
العلماء والمفكرون والإعلاميون والناس الذين لديهم إخلاص والذين يحبون هذا الوطن ويعيش في قلوبهم، هم الذين يجب أن ينهضوا بهذه المهمة إن شاء الله.
تفاؤل الشيخ علي جمعة بمستقبل مصر مع الحاجة إلى الهدوء وبناء الإنسان
[المذيع]: الحديث مع فضيلة مفتي الديار المصرية عما يأمله من أبناء مصر وما يأمله لمصر في المستقبل إن شاء الله.
[الشيخ]: أنا متفائل إن شاء الله، مع شيء من القلق؛ لأن الحقيقة في محاولات لركوب قطار أسوان ونحن نريد أن نذهب إلى الإسكندرية. ولكن التفاؤل أن الهدف واضح ومحدد، والوسيلة ممكنة، والمستقبل إن شاء الله زاهر.
وكل العالم يمد إلينا يده، ولكن عندما يرى مثل هذا الاضطراب قد يخاف ويفكر مرة بعد الأخرى. ولذلك نريد أن نحافظ على هذا النقاء، وأن ننظر إلى المستقبل بواقعية، وأن نهدأ قليلًا حتى يتم البناء، ونبدأ بعد ذلك أساسًا في بناء الإنسان.
ختام الحلقة والتأكيد على أن مستقبل مصر واعد بالعمل والتعاون
[المذيع]: شكرًا لفضيلتكم، شكرًا جزيلًا يا فضيلة الشيخ. شكرًا لكم السيد صاحب الفضيلة العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، وكوننا نتحدث عن مستقبل مصر.
شكرًا جزيلًا، شكرًا لضيفي الكريم أيضًا العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية. شكرًا جزيلًا دكتور عمارة، شكرًا.
مستقبل مصر مستقبل واعد وزاهر بإذن الله، كما أوضح ضيوفنا وساقوا حيثيات عدة في هذا اللقاء مشاهدينا الكرام؛ بشرط أن نلجأ إلى العمل وإلى التعاون بعيدًا عن التشاؤم والتخوين والإقصاء دائمًا.
نراكم على خير في كلمة حق. دمتم في أمان الله ورعايته، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
