برنامج كلمة حق | أ.د علي جمعة | مكانة مصر في العالم الإسلامي | بتاريخ 2011 - 07 - 01 - كلمة حق

برنامج كلمة حق | أ.د علي جمعة | مكانة مصر في العالم الإسلامي | بتاريخ 2011 - 07 - 01

47 دقيقة
  • مصر تعرضت لاهتزاز في السنوات الأخيرة مما أثر على العالم الإسلامي، لكن المصري يستطيع صنع المستحيل بالإرادة.
  • التعليم يمثل أولوية قصوى للنهوض بمصر، حيث يعاني من تدهور استمر لأربعين عاماً، ويجب إعادة هيكلته بمنظومة متكاملة تشمل المعرفة والمهارات والقيم.
  • تجارب دول مثل كوريا نجحت في النهضة بتخصيص موارد كبيرة للتعليم وتحقيق نتائج مذهلة خلال فترة قصيرة.
  • مصر تحتل مكانة تاريخية مميزة في العالم الإسلامي، حيث ذكرت في القرآن 25 مرة، وأوصى بها الرسول صلى الله عليه وسلم.
  • نهضة مصر تتطلب استعادة الهمة العالية والبرنامج اليومي المنضبط والعمل الجاد، وإحياء روح المسؤولية لدى المواطن.
  • على المصري استعادة ثقته بنفسه وبدوره الحضاري وعدم انتظار منحة من السماء، بل المبادرة بالعمل والبناء.
  • ثورة 25 يناير فتحت آفاقاً لإحياء طاقات مصر وإعادتها لمكانتها القيادية في العالم الإسلامي.
محتويات الفيديو(36 أقسام)

تقديم البرنامج والتعريف بضيوف حلقة حاضر مصر والعالم الإسلامي

[المذيع]: الإنسان المصري إنسان مكافح ومقاتل، ويستطيع صنع المستحيل إذا توفرت له الإرادة. في السنوات الأخيرة تعرض لاهتزازه أو انتكاسه، وبالتالي تعرض المجتمع، أو تعرضت مصر أيضًا لهذا الاهتزاز.

مدى تأثير اهتزاز مصر على العالم الإسلامي والعكس، وكيف يكون حاضر مصر وحاضر العالم الإسلامي، وكيف تستعيد الشخصية المصرية مكانتها، وبالتالي تستعيد مصر مكانتها؟ هذا حديثنا في كلمة حق: حاضر مصر وحاضر العالم الإسلامي.

حضوري الكرام، أرحب بفضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا وسهلًا بكم. وأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو مجمع البحوث الإسلامية أو هيئة كبار العلماء، أرحب بفضيلتكم، أهلًا وسهلًا بكم. والداعية الإسلامي فضيلة الدكتور أسامة الأزهري عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر، كلية أصول الدين تحديدًا، أهلًا وسهلًا.

فضيلة الدكتور علي، فكيف ترى حاضر مصر؟ الحديث دائمًا عن الثورة وآثارها وما بعد الخامس والعشرين من يناير، ما رؤية فضيلتكم لهذه الأيام التي نعيشها وهذا الحاضر وخصائص مصر وانعكاس ذلك على العالم الإسلامي؟

رؤية الشيخ علي جمعة لحاضر مصر وأولوية معالجة السلبيات

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مصر حاضرها فيه إيجابيات وفيه سلبيات. لست أفضل أن نتحدث عن الإيجابيات؛ أنا أفضل أن نتحدث عن السلبيات حتى نعالجها ونقف عليها ونضع البرامج من أجل التقدم والتطوير، وأن تعود مصر إلى مكانتها وتشارك في بناء الحضارة العالمية.

لدي مشكلات كبيرة جدًا، ولكنني أبدأ بالتعليم. نعم، أنا أدّعي - وأنا تخرجت من الثانويات هذه في الستينات - أنا كأنني آخر من تعلّم في مصر؛ يعني بعد ذلك اتخذ التعليم تشعبًا شديدًا إلى أن أصبح كأنه تاه أو عُدم أو لم يعد موجودًا.

أزمة التعليم في مصر على مدى أربعين سنة وضرورة الوقفة الجادة

[المذيع]: فضيلتكم تتحدثون عن أربعين سنة من مسار التعليم ليس بالقدر المطلوب؟

[الشيخ]: نعم، أربعون سنة نحن تعليمنا يحتاج إلى وقفة. والأمم التي لاحظت في أنفسها هذا بدأت في التغيير وغيّرت ونجحت.

أتذكر تقرير الولايات المتحدة «أمة في خطر»، صحيح، وهذا كان في أيام كارتر، ولكنهم وضعوا الخطط واستطاعوا أن يتجاوزوا هذه الحالة. «أمة في خطر» تُرجم إلى العربية، ترجمة الدكتور جابر رحمه الله، ولكن لم نتخذ شيئًا، وقد ونحن ما زلنا أمة في خطر.

كوريا، تجربة كوريا موجودة؛ وكوريا وضعت خطة للتعليم بعد ثورتها. وقضية التعليم في الحقيقة، أو هذا اللفظ، كلمة تعليم تشمل ثلاثة أشياء:

  1. أولًا: المعرفة
  2. وثانيًا: التدريب على المهارات
  3. وثالثًا: التربية على القيم

وهذه المنظومة هي التي نطلق عليها التعليم؛ فالتعليم ليس هو حشو الدماغ بمجموعة من المعلومات، ولكن التعليم هو عملية تربية وعملية تدريب وعملية معرفة.

الخطة الكورية في التعليم وتخصيص ثمانين بالمائة من الميزانية له

[الشيخ]: هذه الخطة الكورية عندما بدأت جعلت أكثر من ثمانين في المائة من الميزانية موجهة إلى التعليم؛ يعني كأنها أوقفت نشاط البلاد والعباد، يعني قالت: والله نحن جالسون الآن، وما نحن لن نحل هذه المشكلة، نحن ليس لدينا شيء آخر غير ذلك.

أنا قديمًا أتذكر كلام الرئيس عبد الناصر، وكان يقول: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، نحن نريد أن نقول: لا صوت يعلو فوق صوت التعليم.

التعليم وضعوا له خطة، ووضعوا أنهم يستطيعون أن يغيروا وجه البلاد بسبع سنين. في كوريا لما طبّقوها فاستغرقت إحدى عشر سنة، ولم يعرفوا أن يطبقوا الخطة في سبع سنين، ولكن طبّقوها في إحدى عشر سنة. غير أنهم طبّقوها بما يرضي الله، وهذا بسيط أيضًا في عمر الأمم والشعوب؛ أي أن هذا شيء يسير، ولكنهم طبّقوها بما يرضي الله.

نتائج التجربة الكورية وبناء جيش من المتعلمين المدربين على أخلاق المهنة

[الشيخ]: فأصبح لديهم جيش من المتعلمين بمعنى المتعلم العصري المدرب الذي يعرف أخلاق المهنة؛ عرف أخلاق المهنة، واستطاع هذا الجيش أن ينشئ النهر العظيم الخاص بليبيا، أخذوا له أكثر من خمسة وثلاثين مليار دولار، بنوا بها كوريا.

وخرجت كوريا بذلك من الدول الأكثر تخلفًا إلى دولة تنافس الدول الكبرى. صحيح، الذين ودخلوا في السعودية وأبرموا عقودًا كبيرة جدًا وبنوا الطرق والبنية التحتية وما إلى ذلك.

للتعليم خمسة أركان:

  • الطالب
  • والأستاذ
  • والكتاب
  • والمنهج
  • والجو العلمي

أُصبنا في الخمسة جميعًا؛ الأستاذ لم يعد أستاذًا، والمنهج لم يعد منهجًا، ونحن متأخرون جدًا في الكتاب المدرسي، والجو العلمي...

ذكريات الشيخ عن الجو العلمي في المدارس القديمة وتراجع التعليم الخاص

[الشيخ]: أنا متذكر في المدرسة كان هناك فناء، وكانت هناك حجرة اسمها حجرة الرياضة فيها الألعاب الرياضية، وحجرة الزراعة والمكتبة. صحيح، وأنا كنت قد أخذت خمسين قرشًا لأنني حصلت على المركز الأول في القراءة في المكتبة، والخمسون قرشًا هذه ظللت محتفظًا بها طبعًا، هذا شيء عظيم جدًا.

الخمسون هذه احتفظت بها ربما خمسة عشر عامًا حتى اضطررت فأنفقتها. ولكن انظر، أليس هذا يعني أننا اضطررنا إلى فتح شيء يسمى التعليم الخاص ويدفع فيه الآلاف، ومع ذلك لم يصل إلى ما كنا عليه في المدارس الحكومية أو في التعليم؟

يعني فضيلتكم ترون أن النهضة تبدأ بالاهتمام بالتعليم، وبهؤلاء الخمسة. في شيلي مثلًا أرادوا الاهتمام بالتعليم، والمدرس وضعه سيء، فذهبوا وأصدروا قانونًا للمدرس عزلوه عن بقية الدولة؛ أي أن لدينا شيئًا يسمى قانون العمل، وقانون العمل هذا يشمل من رئيس الجمهورية حتى من ينظف الشارع، ولكن للمدرس قانون منفرد.

مكانة المعلم وقدسيته في المجتمع وأثر ذلك على جودة التعليم

[الشيخ]: أي أصبح المدرس يعني له طبيعة أو قدسية، فريدًا ووحيدًا هكذا وحده. وبعد ذلك قل إن السياق كله هذا لا يخضع له، والعسكر والجيش الذين هم الناس الذين يحمون البلد جيدًا والذين بهم قوام الدنيا، هؤلاء في وضع، والمدرس هذا في وضع آخر تمامًا.

المدرس عندما يشعر بأن المجتمع ينظر إليه هكذا، وأنه وُضع له شيء لم يعد كادرًا خاصًا وليس كادرًا، بل إنه وُضع له قانونًا منفردًا - الحصانة القضائية والضبطية القضائية - الحصانة التي يحصل عليها مثلًا شخص في مجلس الشعب أو في الشورى، لا! هذا كله هؤلاء بشر عاديون، ولكن الذي ليس بشرًا عاديًا من هو؟ المعلم!

ذكّرني ذلك بكلام أحمد شوقي:

«قُمْ للمعلم وفِّه التبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولًا»

يا سبحان الله! تصور، لو أنه رسول، هذا يعني له القداسة والاحترام والتقدير والتبجيل. سيعود إذا المعلم القادر؛ حينئذٍ أظن أنه لن يقوم بالدروس الخصوصية ولا سيقوم بأشياء أخرى وهكذا إلى آخره.

ضرورة العودة للتعليم بكل أركانه وإمكانية الإصلاح مع الإرادة الجادة

[الشيخ]: نحن كان فصلنا فيه خمسة وعشرون، اليوم الفصل فيه ثمانون، لا يصلح هذا الكلام. يجب أن نعود للتعليم بكل وسائله بكل أركانه.

وعلى فكرة هذا ممكن وممكن جدًا، ولكن لا بد أن تكون هناك وقفات جادة. لا آتي أنا وأقول للناس نريد ثمانين في المائة من الميزانية تكون للتعليم فيقولون لا، ثمانين في المائة نحن وراءنا عمل كثير. كل العمل يتوقف؟ لأن كل العمل سننطلق به بالتعليم، مثل تجارب الأمم.

أهم شيء في مصر الحاضرة هو قضية التعليم، بعد ذلك نتكلم في التنمية، بعد ذلك نتكلم في الكثافة السكانية في كذا، لا. حاضر مصر أنا لدي أمل واسع.

الإمام الماوردي يقول: إن الدولة تقوم بالدين الرجيح وبالسلطان الغالب وبالخصب الذي هو الرفاهة ولا بد منها والعدل السابغ، ثم يتكلم عن الأمل الفسيح الذي نطلق عليه في أدبياتنا الحلم.

أمل مصر في المستقبل وشرط التغيير بالابتعاد عن الفتن والطائفيات

[الشيخ]: لا شك أن مصر إن شاء الله في الأيام القادمة ستحقق ذلك، ولكن ينبغي علينا أن نبتعد عن الفتن ونبتعد عن الطائفيات ونعود إلى همة العمل من أجل التغيير.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]

مدخلي في كل هذا هو التعليم، ولكن عندما أجد ستة وخمسين في المائة حقيقة أمي وأمية أبجدية، وقد مضت علينا ستون سنة ونحن نحاول إزالة هذه الأمية، هذا كلام لا يرضي الله.

إننا أمة علم، صحيح:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

إذن لا بد لي أن أزيل هذه الأمية خلال الفترة التي أتحدث عنها هذه، لأنني الآن عندما أريد أن أتصل أنا يصعب علي.

ظاهرة البلطجة كنتيجة للأمية وضرورة التعامل مع المذنب بروح الإصلاح

[الشيخ]: يصعب عليّ كثيرًا من يمكن أن يأخذها الناس عليّ ويغضبوا مني، ولكنني لي رأي آخر. يصعب عليّ كثيرًا البلطجي هذا، الولد البلطجي هذا، الولد البلطجي هذا معناه أنه لا يعرف، ضاع، ضائع هذا. أنا لا أعرف كيف أكلمه، في ماذا؟ هذا جاهل، هذا لا يعرف، هذا لا يوجد تواصل بيني وبينه.

صحيح، ولكن يؤسفني كثيرًا هكذا: يا بني، أنت أضعت نفسك في الدنيا وأضعت نفسك في الآخرة، والله حكم عليك بهذا الحكم. هذا حكم صعب جدًا أن تصبح بلطجيًا مفسدًا في الأرض.

يعني طيب، وكل هذا من أين؟ غير متعلم، لا نعرف حتى كيف نقول له شيئًا نعظه. فيؤسفني كثيرًا هذا البلطجي، أريد أن يخرج من بلطجته. ولدينا أيضًا هذا من التعليم، فلدينا أساليب وبرامج لكيفية التعامل مع هؤلاء الناس، لأنه إنسان في النهاية، هو إنسان.

حقيقة نحن نكره الذنب لكن لا نكره المذنب، فلا بد علينا أن ندخل العصر الجديد بهذه الروح.

«إني نظرت إلى الشعوب فلم أجد كالجهل داءًا للشعوب مبيدًا»

سؤال الدكتور عمارة عن تأثر العالم الإسلامي بمصر وعلاقة الحضارة المصرية به

[المذيع]: نعم، دكتور عمارة، يعني دعني أنحو مع حضرتك منحىً مختلفًا عن الذي بدأت مع فضيلة مفتي الديار المصرية، فيما يتعلق بتأثر العالم الإسلامي بمصر أو العكس، أي انعكاس الحضارة المصرية على زهو مصر والعالم الإسلامي، وأيضًا انعكاس تقدم العالم الإسلامي على مصر وخصائص مصر وموقعها في هذا الأمر، أي في حاضرها؟

[الشيخ محمد عمارة]: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلاةً وسلامًا على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين.

إنني أتذكر عندما حان - منذ سنوات - حين مرور أربعة عشر قرنًا على الفتح الإسلامي لمصر، عن لي أن أكتب دراسة صغيرة وألقيت عدة محاضرات لهذه المناسبة، وكان لدي أمل أن نقيم احتفالًا يستمر سنوات بالنسبة لهذه المناسبة. لماذا؟ لأن مكانة مصر ليس فقط في الداخل وإنما في العالم الإسلامي.

مصر تحت القهر الروماني والإغريقي عشرة قرون وكيف أحياها الإسلام

[الشيخ محمد عمارة]: لاحظ أن مصر عاشت عشرة قرون تحت القهر الروماني والإغريقي؛ كان المصري يدفع أربعة عشر ضريبة للرومان. النصرانية فيها مُسخت ونُسخت واتُّهضت، اللغة كُتبت بحروف يونانية، الثقافة نُحيت وأصبحت الثقافة الهيلينية هي الثقافة السائدة في الشرق. هذه عشرة قرون كان فيها موات لمصر وللشرق.

لكن جاء الإسلام فأحيا مصر، ومصر بدورها عملت إحياءً للفكر الإسلامي. أنا لاحظت أن مصر ذُكرت في القرآن خمسًا وعشرين مرة، يا سلام!

لاحظت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بمصر وصيةً يقف الإنسان أمامها متأملًا:

«سَتُفتح عليكم مصر، فاتخذوا من أهلها جندًا كثيفًا فإنهم خير أجناد الأرض»

سيدنا أبو بكر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث معناه: لماذا يا رسول الله مصر؟ إن رجالهم ونساءهم في رباط إلى يوم القيامة.

صدق النبوءة النبوية في مصر ودور جندها في هزيمة الصليبيين والتتار

[الشيخ محمد عمارة]: أنا لاحظت أن هذه النبوءة النبوية صدّق عليها التاريخ؛ الصليبيون جاؤوا مائتي سنة، من الذي هزم الصليبيين؟ الجند الذين خرجوا من مصر. صحيح.

التتار أقلقوا الدنيا ودمّروا بغداد ودمّروا المشرق بين كل الحضارات، آه، من الذي هزمهم أول هزيمة لهم ثم طاردهم ثم دخلوا في الإسلام بعد ذلك؟ الجند الذين خرجوا من مصر.

لمحة قد لا يعرفها الكثيرون: بعد إسقاط غرناطة عام ألف وأربعمائة واثنين وتسعين، واقتلاع الإسلام من غرب أوروبا، بدأت الحملات الصليبية تخرج من إسبانيا ومن البرتغال لتلتف حول العالم الإسلامي تمهيدًا لضرب قلب العالم الإسلامي.

بعد خمس سنوات من إسقاط غرناطة خرج فاسكو ديجاما ودار حول رأس الرجاء الصالح وأفريقيا وذهب يحارب المسلمين على شواطئ الهند. الجيش المصري خرج سنة ألف وخمسمائة وأربع من السويس يحارب البرتغاليين على شواطئ الهند، يا للعجب!

دور مصر في مواجهة نابليون والاستعمار الحديث ودعم حركات التحرر الوطني

[الشيخ محمد عمارة]: في العصر الحديث، نابليون أرهق أوروبا، هرب من مصر ليلًا رغم أنه أقام سنتين، ذبح سبع الشعب المصري، صحيح، ثلاثمائة ألف من شعب كان عدده أقل من ثلاثة ملايين، لكن عمر مكرم والأمة والشعب والثورات والأزهر جعلوا نابليون يهرب من مصر ليلًا.

الاستعمار الحديث الذي غزا العالم الإسلامي باستثناء شمال اليمن والحجاز، حركة التحرر الوطني: من الذي ساعد حركات التحرر الوطني في أفريقيا وفي آسيا وأعاد الاستقلال لهذه البلدان؟ مصر وإمكانيات مصر.

انظر إلى الجزائر التي احتُلت وجُعلت جزءًا من فرنسا مائة واثنين وثلاثين سنة، الذي جعل الجزائر تستقل: هؤلاء الفرنسيون لما انسحبوا من الجزائر سنة ألف وتسعمائة واثنين وستين لم يتركوا آلة كاتبة. مصر من البشاورة إلى التبشير إلى المدرس إلى السبورة إلى الكراريس إلى الكتب، كل هذا بإعادة الجزائر إلى العروبة والإسلام.

إسهامات مصر في العلوم الإسلامية وأقدم بلد عاش فيها التوحيد

[الشيخ محمد عمارة]: مصر أعطت للعلوم الإسلامية، هذا نرى علوم القرآن، وانظر الشافعي هنا أبدع، انظر الليث بن سعد، انظر... يعني أنا أريد أن أقول مصر أعطت لهذا ليس فقط هكذا.

أنا لاحظت أن أقدم بلد في الدنيا عاش فيها التوحيد هي مصر؛ إدريس، سيدنا إدريس، سيدنا إدريس أدرك آدم وهو ثالث الأنبياء: آدم وشيث وإدريس.

بل أنا لاحظت أن الأنبياء الذين ذُكروا ووُصفوا بالصديق هم الذين عاشوا في مصر: إدريس، يوسف، إبراهيم الذين وُصفوا بالصديق، حتى مريم جاءت إلى مصر وهي صديقة.

يعني أنا أقول إن دور مصر ومكانة مصر في الحضارة الإسلامية عندما أحياها الإسلام وأخرجها من الاستضعاف الروماني والإغريقي والبيزنطي أخذت مصر تعطي.

دخول مصر في الإسلام منذ اللحظات الأولى للفتح وتحولها إلى محور العالم الإسلامي

[الشيخ محمد عمارة]: هذا ليس فقط كذلك، بل إن مصر دخلت أغلبيتها في الإسلام منذ اللحظات الأولى للفتح الإسلامي؛ لأن مصر لم تكن كلها أرثوذكسية، كان فيها أرثوذكس وكان فيها وثنيون وكان الأريوسيون الذين هم النصارى الموحدون.

الوثنيون والنصارى الموحدون الأريوسيون دخلوا، وتقرأ هذا في أرنولد كتاب الدعوة إلى الإسلام، دخلوا في الإسلام؛ أي أن أغلبية الشعب المصري الأرثوذكسي كان أقل من النصف، دخلوا في الإسلام فورًا. وقبل فتح الإسكندرية دخلت في الإسلام بكل كيانها، دخلت في العربية بكل كيانها. لماذا؟ لأن كانت قد قُهرت في العصر الروماني والبيزنطي لدرجة لم يعد لديها ما تدافع عنه، فعندما جاءها الإسلام وجدت ذاتها في الإسلام فدخلت في هذا الإسلام.

مصر بعد فترة قليلة تحولت من ولاية إلى خلافة، مركز الخلافة، مركز السلطنة في مصر؛ أي انظر منذ حتى الدولة الإخشيدية والدولة الطولونية امتدت الدولة القائمة في مصر إلى ما حولها. طبعًا في الدولة الفاطمية حدث نفس الشيء، في الأيوبية والمملوكية. يعني أنا أريد أن أقول تحولت مصر إلى محور في العالم الإسلامي.

دور الأزهر في مكانة مصر وأهمية عودة مصر لقيادة العالم الإسلامي بعد يناير

[الشيخ محمد عمارة]: ويمكن نحن عملنا حلقة عن الأزهر وضح فيها دور الأزهر في هذه المكانة التي عاشتها مصر. ولذلك نحن اليوم عندما تصبح مصر علينا، هي غالية على العالم الإسلامي؛ أي وذلك مكانة مصر وريادة مصر أنها تعود.

وهذا أصبح دور ما بعد الخامس والعشرين من يناير؛ أنني أقول الخامس والعشرون من يناير هي لحظة إحياء لملكات وطاقات مصر لتعود مرة أخرى تتصدر المكانة والقيادة والريادة في العالم الإسلامي، ويعود تأثير مصر والحضارة المصرية والإمكانات المصرية إلى العالم الإسلامي.

أنا أقول إن الخامس والعشرين من يناير فتحت أمامنا آفاقًا نرجو الله سبحانه وتعالى أن نعالج المرض الذي ألمّ بمصر فيما قبل الخامس والعشرين من يناير والذي حوّلها إلى دولة الرجل المريض، أن تعود مرة أخرى إلى موضع القيادة والإمامة إن شاء الله.

سؤال عن المؤسسات المؤثرة في عودة مصر لمكانتها وخدمة العالم الإسلامي

[المذيع]: طيب، على من تقع المسؤولية دكتور أسامة في هذا الأمر؟ يعني أن هذا الملمح الذي تحدث عنه الدكتور محمد عن مصر، وفضيلة الدكتور علي أعطانا تصوره حول أهمية الاهتمام بالتعليم، هل هناك مؤسسات أخرى ترى أن لها دورًا مؤثرًا في عملية عودة مصر إلى مكانتها بما يخدم وضع مصر وينعكس أيضًا على العالم الإسلامي المستهدف؟

[الشيخ أسامة الأزهري]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد.

فإن الكلام عن مصر كلام ذو شجون ويؤثر في القلب كثيرًا، والله لأن هذا البلد بلد كريم وعريق وله تاريخ وله دور شارك في صناعة ثقافة العالم وحرّك الأحداث في العالم كله.

مصر بلد تميّز بعبقرية المكان كما يعبّر جمال حمدان في شخصية مصر، صبّت فيه حضارات العالم وامتزجت وصنعت شخصية متميزة للإنسان المصري.

المؤسسات الصانعة للشخصية المصرية من تعليم وأسرة ومسجد وإعلام

[الشيخ أسامة الأزهري]: في تاريخ الإسلام، تاريخ الحج الذي يعبر أفريقيا بأكملها ويصبّ في مصر، فيأتي كل الوافدين من الأفريقيين ويصبّون في مصر فتمتزج الحضارة وتتلون وتنصهر فيها كل الأعراق والأجناس والشعوب.

الحقيقة أن هذه المعطيات التاريخية بأكملها صنعت شخصية متميزة للإنسان المصري، الشخصية المتميزة للإنسان المصري التي مكّنته من أن يجلس على كرسي الأستاذية لكل البلدان والأمم المحيطة من أهل لا إله إلا الله من الأمة المحمدية.

يمكن أن تُردّ هذه المكانة وهذه الشخصية إلى عدد من المؤسسات التي تصنع هذه الشخصية، وعلى رأسها التعليم كما أشار مولانا أستاذنا فضيلة المفتي، والأسرة، والمسجد أو المؤسسة الدينية، والشارع، والإعلام؛ عدد من المؤسسات والروافد التي تشكّل أجزاءً في شخصية الإنسان وتنعكس تدريجيًا على الطابع المجتمعي وعلى النظام العام فتصنع شخصية هذا الإنسان المصري.

الإمام السبكي وكتاب معيد النعم ومبيد النقم نموذج للعبقرية المصرية

[الشيخ أسامة الأزهري]: من العلماء الكبار الذين خرجوا من مصر بهذه العبقرية وبهذا الأفق، فالتفت إلى قضية دستور المهن - سيكولوجية المهن كما هو التعبير الحديث - الإمام الكبير تاج الدين السبكي من كبار العقول العبقرية التي خرجت من مصر في القرن الثامن الهجري، من ثمانية قرون الآن سبعة قرون.

رُفع إليه سؤال: ما الذي يحدث للإنسان فيؤدي إلى اختلال المهن والحرف، يؤدي إلى تراجع الإنتاج، يؤدي إلى ضيق الرزق؟ ما الذي يحدث للإنسان؟ فبدأ يؤلف كتابًا من أغرب الكتب التي أنتجها عقل مصري منذ سبعة قرون اسمه «معيد النعم ومبيد النقم».

بدأ يقول: لدي في المجتمع تقريبًا مائة وثلاثون حرفة أو مهنة تبدأ من السلطان الوزير...

الصلاة على النبي ﷺ والدعاء في البرنامج

[الشيخ أسامة الأزهري]: مولانا، صلى وسلم الله عليه دائمًا، أبدأ بالصلاة على حبيبك خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.

لا إله إلا الله.

سؤال عن مناهج أخرى لاستعادة مكانة مصر والعالم الإسلامي عبر التعليم

[المذيع]: إذا نهضة مصر والعالم الإسلامي تبدأ بتنشئة الشخص أو المواطن، فضيلة الدكتور علي وحضرتكم رأيتم أن الركن الأساسي في هذا الأمر هو التعليم، فهل من مناهج أخرى أو من رؤى أخرى حول هذا الإطار نستعيد بها مكانة مصر وبالتالي مكانة العالم الإسلامي، يعني وتبوّؤه للحضارة الإسلامية التي أنارت العالم عدة قرون ثلاثة عشر قرنًا إن صح التعبير؟

[الشيخ]: أنا أتمنى أن نحن نعمل شيئًا مبدعًا، والإبداع لا يكون في فراغ وإنما يمكن أن يستلهم الماضي ويعيش الحاضر ويأمل في المستقبل.

المصري طوال عمره كان له برنامج يومي، هذا البرنامج اليومي عندما اختل معه الكثير حتى التعليم. البرنامج اليومي كان يبدأ مع الفجر؛ يقوم المصريون لصلاة الفجر، صحيح، وكانوا يبدؤون نشاطهم في كل البلاد في الفجر.

البرنامج اليومي للطالب في الأزهر وعشرة أشهر عمل في السنة

[الشيخ]: وبعد أن يبدأ مع الفجر، ونحن هنا في رحاب الأزهر، ويبدأ وكانوا يبدؤون في الأزهر بدرس السيرة النبوية؛ السيرة النبوية أول ما يصلون الفجر يجلسون يدرسون السيرة.

كانوا يعملون عشرة أشهر في السنة ويغيبون من الخامس عشر من شعبان إلى الخامس عشر من شوال، إجازتهم مهما كانت هذه الإجازة في الشتاء في الصيف وهكذا. لكن لأن رمضان كان يذهب المجاور إلى البلد فيؤدي التراويح ويعيش بين أهله في هذه الإجازة من خمسة عشر شعبان إلى خمسة عشر من شوال.

كون الطالب يعمل عشرة أشهر وليس ثمانية ولا ستة ولا سبعة ولا ما إلى ذلك، ويعمل من الصباح إلى العشاء، طالب العلم يا دكتور، طالب العلم. لقد كنت أتحدث عن العلم، ولكنني أريد أن أقول إن البرنامج اليومي للإنسان المصري اختل، اختل حتى تأتي الدراسات وتقول إنه في ثماني ساعات إن العامل يعمل ثمانية وعشرين دقيقة في اليوم.

نموذج العمل الأوروبي والمطالبة بثماني ساعات عمل صافية يوميًا

[الشيخ]: لا، أنا لا أريد العامل أن يعمل ثمانية وعشرين دقيقة، أنا أريد العامل أن يعمل صافيًا ثماني ساعات.

أنا رأيت في الدول الأوروبية كلها على الفور، أو قبل أول نور الجميع يجري صحيحًا في الساعة السادسة، الجميع في الشوارع، الجميع في الشوارع في الساعة الخامسة أيضًا لكي يذهبوا إلى مواعيدهم ويعملوا، وجميعهم يعملون الأيام الخمسة، وفي نهاية الأسبوع يعيشون كما يعيشون.

فأنا مما أخذناه من اللطائف والمشاهدين يمكن أن يكون كلامنا لكي يبقى فيه مرونة قليلة: الشيخ محمد بخيت المطيعي كان طالب علم مجتهدًا جدًا، وقد جعل الله سبحانه وتعالى في جسمه خاصية عجيبة، وهي أنه لا يستطيع النوم ولا يقدر عليه، وذهنه يعمل ومتقد.

قصة الشيخ محمد بخيت المطيعي وهمته في طلب العلم والتقشف في الدنيا

[الشيخ]: وقد جعل الله سبحانه وتعالى في جسمه خاصية عجيبة، وهي أنه لا يستطيع النوم ولا يقدر عليه، وذهنه يعمل ومتقد. فكان يذاكر ويواصل المذاكرة طوال الأسبوع عاملًا حتى عصر يوم الخميس.

فعندما يأتي عصر يوم الخميس يقوم فيخلع جلبابه ويغسله، إذ ليس لديه غيره. وهذه نقطة ينبغي علينا أن نقف عندها وهي التقشف أي الزهد في الدنيا. وهذا بالمناسبة كان أعلم شخص على وجه الأرض هو الشيخ محمد بخيت المطيعي.

وكان مالكيًا، درس مالكًا وحفظ كتب المالكية، حتى إذا ما قال إنني كنت أقول له: ماذا تريد أن تعمل؟ فقال: قاضيًا. فقالوا له: لا، إن القاضي يجب أن يكون حنفيًا. فحفظ كتب الحنفية أي بالمرة هكذا، شيء عبقري فذّة هذا الرجل.

يغسل ثيابه وينام، فإذا به يستغرق في النوم من عصر يوم الخميس إلى فجر يوم السبت؛ أي كأنه مغمى عليه، سبحان الله! واحد يقول لي: طالما أنه لم يصل الجمعة، فأين الصلوات؟ كان يقوم يقضيها، لأن هذا أمر ليس في ملكه، يعني أنه لا يفعل ذلك بإرادته، بل وجد نفسه صاحيًا وعقله يعمل.

الهمة شرط الخروج من المأزق وعودة مصر لقيادة العالم الإسلامي

[الشيخ]: هذه المسألة متعلقة بالهمة، وأنا أؤكد أننا لن نخرج من المأزق الذي نحن فيه إلى قيادة العالم كما كنا إلا بالهمة.

نعم، التعليم سنضع له برامجه وكذلك إلى آخره، ولكن هذا يحتاج همة ويحتاج نوعًا من أنواع الفهم الصحيح للحياة الدنيا.

هذا الشيخ بعد ذلك لما أصبح قاضي الإسكندرية ولما أصبح لا أدري ماذا وماذا هكذا، كان عنده ثلاثون جبة، كل يوم يلبس جبة، وهذه الجبة التي تخصه كما هو موجود في الصور مطرزة وشيء بديع. هذا الذي كان لديه جلباب واحد يغسله.

نعم، فمن جدّ وجد، ومن زرع حصد. ويا إخواننا الأمور تحتاج إلى فهم حقيقي للدنيا؛ هذا الرجل ليس زاهدًا في الدنيا أي ليس رافضًا لها نهائيًا، لا. ولكن في وقت العمل كان يعمل، وقت الطلب كان يطلب، ووقت الجد كان يجد.

الدعوة لاستعادة الهمة والعمل الجاد من الفجر لبناء الحضارة الإسلامية

[الشيخ]: وعقله الذي يعمل هذا على الدوام لا يستطيع أن ينام، تخيل أن شخصًا لا يستطيع أن ينام، لا يستطيع أن ينام، سبحان الله! وبعد ذلك يُغمى عليه في آخر الأسبوع ويبقى ستًا وثلاثين ساعة وهو نائم أو أكثر، أربعين ساعة.

عجيب، أنني لا أقول للناس كلها لا بد أن تكون كذلك. إنني أستنبط من هذا بناء عملنا: إن هذا الجو الذي كان يعيش فيه، لأن لدينا أملًا كبيرًا في أن تعود هذه الهمة مرة أخرى، وأن أعمل الساعات الثمانية الخاصة بي كل يوم، وأن أبدأ عملي من بداية النهار وأبكر فيه كما أرشدنا رسول الله، وخير العمل الذي نعمله يكون في البكور.

أن أهتم بالعلم اهتمامًا عظيمًا وعميقًا ودائمًا، أن تكون لدي همة. هذه الأشياء هي التي ستكون الشخص الجاد في حياته، وهي التي ستكون حضارتنا، وهي التي ستعيد إلينا حاضرنا وحاضر العالم الإسلامي وحاضر العالم كله.

سؤال هل تغيرت الشخصية المصرية وفقدت همتها في ظل النظم الماضية

[الشيخ]: أنا بهذا الجهد في معملي وفي كل أنواع العلوم والفنون وفي كل أعمال الصناعات والأنشطة، أنا سأعود مرة أخرى على فكرة المصري من جيناته قادر على أن يفعل هذا.

المصري كان أحسن مدرس في العالم حقًا، وكان هو الذي علّم الجزائر، هو الذي علّم الخليج، هو الذي علّم كل العالم. وبعد ذلك أيضًا هنا يوجد مائة وثلاث دول لدي هنا أعلّمهم ويعودون مرة أخرى إلى أماكنهم.

الهمة والعمل والعلم والروح، هذه روح أن تكون الدنيا في أيدينا ولا تكون في قلوبنا. اللهم لا تجعل الدنيا في قلوبنا واجعلها في أيدينا. أظن أن هذا هو الأمل الخاص بنا نراهن عليه أننا نصبح شيئًا نتمناه.

[المذيع]: يا دكتور، يعني دكتور، هل المصري تغيّر؟ أي هل النظم السائدة خلال العقود الماضية هل أثّرت في الشخصية المصرية وجعلتها شخصية مستكينة لا تحب العمل، فقدت الهمة كما تفضل مولانا فضيلة الدكتور علي، ورؤية حضرتكم لكيفية النهوض؟

الشيخ بخيت المطيعي ومواجهة العلمانية وقصة الجلباب الواحد والصوفية

[الشيخ محمد عمارة]: يعني أنا كلام فضيلة المفتي عن الشيخ بخيت المطيعي ذكّرني ببعض الأمور التي يعني يحسن بالسادة المشاهدين أن يجدوا فيها قدرًا من الطرافة.

فهو قال إن الرجل كان عنده جلباب واحد وهو يغسله، صحيح، طيب يمكث في البيت يعني. هذا بعض الصوفية صاغوه شعرًا:

«قوم إذا غسلوا الثياب رأيتهم لبسوا البيوت وأغلقوا الأبواب»

يعني هو بخيت المطيعي، نحن عملنا حلقة عن العلمانية، صحيح، له إسهام في هذا الموضوع لأن هو ردّ على كتاب الإسلام وأصول الحكم بكتاب حقيقة الإسلام وأصول الحكم؛ يعني كان مناضلًا ومجاهدًا ضد العلمنة وضد علمنة الإسلام.

الشيخ بخيت المطيعي لقي العالم المجاهد التركي الذي حفظ الإسلام في تركيا في مواجهة الأتاتوركية والعلمانية المتوحشة، بديع الزمان سعيد النورسي.

فراسة النورسي في مستقبل تركيا وأوروبا وبشارة انتشار الإسلام في أوروبا

[الشيخ محمد عمارة]: فسأل النورسي عن مستقبل تركيا وأوروبا، انظر إلى إجابة النورسي كأنه ينظر بنور الله، فراسة المؤمن:

«اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله»

قال له: «تركيا حبلى بأوروبا، وأوروبا حبلى بالإسلام».

تركيا كانت حبلى بالأتاتوركية ولكن الآن تزول، وأوروبا حبلى بالإسلام. نحن وجدنا في الحلقة الماضية أن بابا الفاتيكان قال إنه يخشى أن تصبح أوروبا جزءًا من دار الإسلام في القرن الواحد والعشرين.

وموضوع الشخصية المصرية والتأثيرات السلبية التي حدثت لها في الفترة الماضية قبل خمسة وعشرين يناير: انظر عندما يصرح الإسرائيليون أن النظام في مصر كنز استراتيجي للأمن الإسرائيلي، حقًا هذه كارثة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. هذا النظام السابق طبعًا ما شاء الله.

المجال الحيوي لمصر في عالم العروبة والإسلام وتجربة محمد علي

[الشيخ محمد عمارة]: مصر كان لها مجال حيوي في وطن العروبة وعالم الإسلام. انظر إلى مصر أيام محمد علي: اليمن جزء من مصر، الحجاز جزء من مصر، الصومال جزء من مصر، السودان جزء من مصر، الشام جزء من مصر. محمد علي كان يُدعى له على منابر الموصل.

تجديد المنطقة: مترنيخ بعثوا بعثة تدرس تجربة محمد علي، كتبوا تقريرًا قالوا إنه يعيد دولة الخلفاء الراشدين.

انظر إلى مصر المجال الحيوي لتجديد الدولة العثمانية؛ كانت الدولة العثمانية ضعفت فكان هناك محاولة لتجديد الشرق وشباب الشرق. لكن عندما تُحبس مصر في إطارها الجغرافي هو ذلك ما فعله الاستعمار في معاهدة لندن عام ألف وثمانمائة وأربعين وألف وثمانمائة وواحد وأربعين.

انظر كيف أن أوروبا كلها تجتمع رغم تناقضاتها لحبس مصر في الإطار الجغرافي، تذبل عندما تُحبس في إطارها الجغرافي، تذبل.

عزلة مصر قبل يناير وهيمنة القوى الاستعمارية على العالم الإسلامي

[الشيخ محمد عمارة]: أنت تركت العالم العربي قبل خمسة وعشرين يناير ليصبح نهبًا للقوى الاستعمارية. قل لي الأرض التي حررها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدمائهم الزكية تصبح الآن قواعد عسكرية للأجانب!

مياه البحر الأبيض المتوسط هذا كان بحيرة إسلامية فأصبحت الأساطيل وحاملات الطائرات والغواصات الأجنبية موجودة فيه، ونحن ليس لنا عبور عسكري في الغرب وليس لنا سفينة صيد في الغرب.

مصر حُبست فتمّت الهيمنة الصهيونية والإمبريالية والصليبية على العالم العربي والعالم الإسلامي. لا بد أن تخرج مصر من هذه العزلة.

أنت حبست الشارع الإسلامي في مصر وفتحت الروتاري واللايونز والمدارس الأجنبية. حضرتك تحدثنا عن التعليم، أنت اليوم سر في الشارع لا تجد الحرف العربي، لا تجد الحرف العربي موجودًا في أسماء الشركات، في الإعلانات، في اللافتات.

يعني كما يخاطب المتنبي الفتى العربي: غريب اللسان.

ضرورة عودة الهوية لمصر لتجديد طاقاتها وإحياء محيطها العربي والإسلامي

[الشيخ محمد عمارة]: يعني إذا أنا أقول لا بد أن تعود الهوية إلى مصر لتجدد ملكات وطاقات هذا الوطن، ليعود هذا الوطن ليعطي ويحيي في محيطه العربي والإسلامي.

كما قلت هذا البلد عزيز علينا وعزيز على العالم الإسلامي، والشيء العزيز يحتاج إلى مهر غالٍ نبذله في سبيله.

يا سلام دكتور عمارة.

سؤال عن مسؤولية المواطن المصري في النهوض وهل ينتظر قائدًا ملهمًا

[المذيع]: يعني الختام معك دكتور أسامة، هل الناس على دين ملوكهم، يعني والقدوة كما تحدث عنها الدكتور عمارة، الإنسان عليه مسؤولية المواطن المصري عليه مسؤولية، أم إننا ننتظر منحة من السماء بقائد يلهمنا يعني نسير على هداه إن صح التعبير؟

[الشيخ أسامة الأزهري]: يعني الرسالة التي أريد أن أوصلها إلى الإنسان المصري:

أيها الإنسان المصري الحر النبيل الكريم، يا من صنعت الحضارة، يجب أن تستعيد ثقتك في نفسك وثقتك في دورك.

رقم اثنين: العمل ثم العمل ثم العمل. وكان مرة واحد من الملوك مرّ على إنسان عجوز عمره مائة سنة يغرس شجرة لا تثمر إلا بعد مائة سنة، فقال له: أنت تغرس هذه الشجرة لمن وأنت في نهايات العمر؟ فقال له: غرس من قبلنا فأكلنا، ونغرس فيأكل من بعدنا.

الإنسان هو صانع النجاح والقائد وختام البرنامج بالتأكيد على قدرة المصري

[الشيخ أسامة الأزهري]: فالحقيقة أن الفكرة ليست انتظارًا لأمل، بل الإنسان هو الذي يستطيع أن يصنع النجاح والذي يستطيع أن يُبرز القائد والذي يستطيع أن يصنع دورًا تاريخيًا إذا استعاد ثقته بنفسه. أعتقد أن المصري قادر وجدير بإذن الله على هذا الأمر.

[المذيع]: مشاهدونا الكرام، كما تابعنا مع ضيوفي الكرام الذين أشكرهم شكرًا جزيلًا، فالمصري فعلًا يستطيع صنع المعجزات، والتاريخ والحاضر يؤكدان ذلك.

فضيلة المفتي، هل تودون أن توجهوا كلمة ختام أم نشكركم؟

[الشيخ]: فضيلتكم في كلمة حق يعني هي كلمة حق أن المصري حاضر قادر، وإن شاء الله سبحانه وتعالى هذا ليس غريبًا على المصري. المصري طوال عمره هكذا، ولذلك وبعد أن استعاد شيئًا من الهواء النقي فإنه سينتقل، سينطلق وهو حاضر وقادر.

يعني لا فضّ فوك، ونشكر لكم كل هذه الأطروحات وكل ما أفاض الله به عليكم ونسعد بكم دائمًا.

كلمة ختام المذيع وتلخيص محاور الحلقة حول حاضر مصر والعالم الإسلامي

[المذيع]: أستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، شكرًا جزيلًا لفضيلتكم. شكرًا لكم، شكرًا جزيلًا مفكر الإسلام الكبير الأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء، شكرًا جزيلًا لفضيلتكم دكتور. شكرًا للداعية الإسلامي الجليل الدكتور أسامة الأزهري عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، شكرًا لفضيلتكم دكتور أسامة.

ونلقاكم دائمًا على خير. مشاهدينا الكرام، كما تابعتم كنا نتحدث عن خصائص مصر وحاضرها وحاضر العالم الإسلامي وأيهما يؤثر في الآخر وكيف يستعيد المصري مكانته ومكانة مصر في العالم الإسلامي بالعمل والهمة كما أوضح فضيلة المفتي.

نشكركم دائمًا على حسن المتابعة، ونراكم على خير، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.