برنامج كلمة حق | الدولة المدنية " حقائق وأباطيل " | أ.د علي جمعة
- •الدولة الدينية تتناقض مع العقيدة الإسلامية لأنها تعني أن الحاكم موحى إليه وأنه يتلقى من الإله، وهذا انتهى برحيل خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.
- •الإسلام يميز بين الدين والدولة، فالدين ثابت ومقدس والسياسة متغيرة ومتطورة، وقد كان الصحابة يسألون الرسول: "أهذا وحي أم رأي ومشورة؟".
- •الدولة المدنية في الإسلام لها مرجعية إسلامية وتقوم على مؤسسات، وتعتمد على المواطنة والمشاركة بين فئات المجتمع.
- •الشريعة الإسلامية تعترف بالشرائع الأخرى وتحمي حقوق غير المسلمين، ولا تفرض على غير المسلمين العقائد والعبادات.
- •الدولة المدنية بمرجعية إسلامية تحقق مقاصد الشريعة: حفظ النفس والعقل والدين والكرامة والملك.
- •الدولة الإسلامية فيها شريعة وأمة مصدر للسلطات ودولة تمثل السلطة التنفيذية، والأمة هي التي تنتخب وتفوض وتراقب وتحاسب الحاكم.
مقدمة برنامج كلمة حق حول الدولة المدنية حقائق وأباطيل
[المذيع]: الدولة المدنية، حقائق وأباطيل. هذا العنوان الذي سنبدأ به حلقات برنامجنا كلمة حق. الدولة المدنية كثير من اللغط والجدل أُثير حولها في الأيام الأخيرة في مصر، خاصة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير.
هل بالأساس توجد دولة دينية في الإسلام؟ الحقيقة رغم تأكيد كثير من العلماء والفقهاء أنه ليس هناك دولة دينية في الإسلام، إلا أننا كنا بحاجة لطرح هذا الموضوع مع كوكبة من علمائنا وضيوفنا في أولى حلقات برنامج كلمة حق؛ لكي نتعرف على مفهوم الدولة المدنية والفرق بينها وبين الدولة الدينية التي انتهى عصرها برحيل خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم.
عمومًا سنقدم كل الحقائق وسنوضح الحقيقة، أن كثيرًا من المفاهيم المغلوطة في الشارع المصري في حلقة اليوم من كلمة حق.
الترحيب بضيوف الحلقة من كبار علماء الأمة الإسلامية
[المذيع]: إذن أرحب بضيوفي الكرام كوكبة علماء الأمة. فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أرحب بفضيلتكم دكتور علي، أهلًا وسهلًا بكم.
المفكر الإسلامي الأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو مجمع البحوث الإسلامية أو هيئة كبار العلماء، أرحب بفضيلتكم دكتور محمد.
ومعنا أيضًا وما زال الدكتور أسامة السيد عضو هيئة تدريس كلية أصول الدين جامعة الأزهر وعضو الرابطة العالمية لخريجي الأزهر، أهلًا بفضيلتكم، أهلًا وسهلًا بكم.
تناقض مفهوم الدولة الدينية مع العقيدة الإسلامية وانتهاء الوحي
[المذيع]: كثر الكلام عن الدولة المدنية والدولة الدينية، دكتور علي في لبس وفي جدال. أي بالتأكيد نحن في حاجة إلى أن نوضح الحقائق. فضيلتكم مفتي الديار وواحد من كبار علماء الأمة الإسلامية، لنتعلم ونعرف حقيقة ومفهوم الدولة المدنية، وهل هناك دولة دينية في الإسلام؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. كلمة دولة دينية هي في الحقيقة — وكثير من الناس لا يأخذ هذا الجانب ولا يلتفت إليه — تناقض كلية العقيدة الإسلامية.
كلمة دولة دينية تتناقض، نعم في تناقض، أي مع العقيدة الإسلامية؛ لأن الدولة الدينية تعني أن الحاكم موحى إليه وأنه يتلقى من الإله، ولذلك فإن أحكامه وكلامه فرض عين ولا اجتهاد فيها وليس هناك وجهات نظر.
وليس هذا هو ما يستطيع أن يبذله في تقديم الحكم، بل إن الإله هو الذي يتكلم على لسانه؛ لأن هناك شعاعًا إلهيًا دخل فيه أو كذا إلى آخره.
نماذج الدولة الدينية عند الفراعنة والرومان واليونان
[الشيخ]: وهذه الدولة الدينية قد يكون قد عرفها الفراعنة، ولذلك يتحدثون عن قدس الأقداس، يتحدثون عن كبير الكهنة، يتحدثون عن أن فرعون هو ابن الإله.
قد تكون قد عرفتها في مراحل معينة الدولة الفرعونية أو الدولة كذلك الرومانية، نعم واليونانية، نعم. وكان هناك كهنة المعابد الذين يخبروننا بالغيبيات وما إلى ذلك.
العقيدة الإسلامية جاءت وقالت إن النبي صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء والمرسلين. صحيح، رسول الله خاتم النبيين وانتهى الوحي ولا وحي بعد محمد. فلا تكون دولة دينية بعد محمد، لا يصح أن تكون دولة دينية بعد خاتم الأنبياء وإلا الأمر يحتاج إلى نبي مقيم.
تجربة الكنيسة الكاثوليكية مع عصمة البابا والدولة الدينية
[الشيخ]: الأمر إذن يحتاج إلى أن يكون فينا نبي، وهذا هو الذي فعلته الكنيسة الكاثوليكية عندما تحدثت عن الدولة الدينية. هذا بالضبط هو الذي جعلهم يقولون بعصمة البابا، وظل البابا معصومًا حتى عام ألف وثمانمائة وسبعين تقريبًا.
فما يصدر عنه إنما يصدر من الروح القدس ويصدر باعتباره — في المفهوم الإسلامي — أنه نبي، نعم؛ لأنه يوحى إليه. وظل هذا الاعتقاد إلى ألف وثمانمائة وسبعين.
ثم بعد ذلك اجتمعوا من أجل أن يحلوا الإشكاليات التي حدثت من تناقض بعض ما قيل على لسان البابوات والواقع، وذهبوا حينئذ إلى أن هناك دائرتين: دائرة هو معصوم فيها وهي المتعلقة بالعبادات والديانة وكذلك، ودائرة غير معصوم فيها ويجوز مخالفته وهي المتعلقة بالسياسة ورعاية شؤون العباد.
الإسلام حسم مسألة الدولة الدينية بختم النبوة والاعتماد على الكتاب والسنة
[الشيخ]: وهذا الكلام استغرق وقتًا طويلًا من أجل أن ينفصل هكذا. الإسلام من أولها قال أنه فلا نبي بعدي ولا رسول، نعم انتهى الأمر. يبقى إذن احتياجنا إلى نبي مقيم ليس واردًا.
الذي وارد أن معي كتاب وسنة وصلت بنا الإثباتات. نحن لدينا قراءات متواترة وقراءات شاذة غير معمول بها، وأحاديث متواترة وأحاديث صحيحة وأحاديث ضعيفة.
ولذلك بدأنا نختلف مع بعضنا البعض في تصحيح الحديث وتضعيفه، ثم بعد ذلك في قواعد فهمه، ثم بعد هذا الفهم تأتي مجموعة كبيرة جدًا من أدوات الاجتهاد. في النهاية أقول هذه وجهة نظري أنا، وأنا أعتقد أنني محق وإلا ما قلتها، ولكن رأي غيري خطأ يحتمل الصواب وأنا محق أحتمل الخطأ.
القطعي والظني في الشريعة الإسلامية ومساحة الاجتهاد الواسعة
[الشيخ]: ومن هنا جاء ما يسمى بالقطعية والظنية. كل المسلمين تراهم أنهم يحرمون الخمر، يحرمون الخنزير، يقولون إن الصلوات خمس وإن الظهر أربع ركعات وأنه يجب الوضوء قبل الصلاة. دائرة لا خلاف فيها يسمونه قطعيًا.
ولكن الظني — لا — هذا بقية الشريعة، تسعة وتسعون في المائة من الشريعة ظني. ولذلك كان لدينا عالم كبير اسمه الإمام الشعراني — الذي يسمى حوله باب الشعرية نسبة إلى الإمام الشعراني الذي توفي سنة تسعمائة خمسة وسبعين هجرية.
قال الشيخ الشعراني — عبد الوهاب الشعراني — هذا قال شيئًا لطيفًا جدًا، قال: بالمناسبة اختلاف الأمة هذه كلها في الذي هو الظني ما بين الرخصة والعزيمة. بمعنى أن واحدًا يقول لك عندما تصافح امرأتك توضأ، والآخر يقول لا تتوضأ. قال نعم هذه رخصة وهذه عزيمة، أي أن كل شيء صحيح.
الدولة المدنية في الإسلام قائمة على الاجتهاد والمصلحة مع سقف شرعي
[الشيخ]: فهمت فضيلتك، كل شيء صحيح ولكن في إطار التعدد والتنوع المقبول؛ لأنه مأخوذ من الكتاب والسنة. إذن هذه دولة مدنية. أنا ضربت المثال في العبادات، لكن لا، هذا أيضًا حتى قيادة الحياة لا بد أن تكون بالاجتهاد.
أساسها يقولون هكذا: تصرفات الإمام مبناها المصلحة، بمعنى أن إمام المسلمين — هذا هو ورئيس الدولة — يريد المصلحة، حيثما كانت المصلحة فيكون هو هذا شرع الله سبحانه وتعالى في هذا الجانب.
حسنًا، ما دمنا سنختلف أنا وأنت في هذه المصلحة، نعم، تكون مدنية. هيا بنا نفكر، هيا بنا نتوصل، وإذا أخطأنا فلنا أجر وإذا أصبنا فلنا أجر.
السقف الشرعي للدولة المدنية وحدود الاجتهاد في الشؤون العامة
[الشيخ]: ولكن لها سقف، لها إطار مرجعي. والدول المدنية لها إطار مرجعي. هذا السقف هو ذلك المتفق عليه.
ولذلك لا يصح أن نتفق على جواز القتل الرحيم، لا يصح؛ لأن هذا القتل حرام. لا يصح أن نتفق على جواز المخدرات مثلًا؛ لأن هذه المخدرات خطأ وتذهب العقل. لا يصح أن نتفق — والعياذ بالله — على زواج الشذوذ الجنسي؛ لأن هذا أمر حرمه الله. فهذا هو السقف.
وبعد ذلك فإن شؤون البلاد والعباد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية والمجتمعية، كل هذا من اجتهادات الأشخاص المنوطة بالمصلحة، نعم.
تعريف الدولة الدينية في المصطلح الغربي والفرق بين الثيوقراطية والإسلام
[المذيع]: حسنًا، يعني دكتور عمارة، هل هناك تعريف للدولة الدينية في اللغة أو في الشرع؟ يعني إضافة لما ذكره يعني أمامنا فضيلة الدكتور علي.
[الشيخ محمد عمارة]: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. أنا أرى أن اللغط الكثير الذي يدور في المجتمع الآن ومنذ فترة طويلة حول هذا الموضوع — دولة مدنية ودولة دينية — الدين مقدس وثابت.
فالدولة الدينية بالمعنى الثيوقراطي ثبّتت الدولة وقدّست الدولة، ومن هنا دخلت أوروبا عصورها المظلمة بسبب هذا الحكم الديني؛ لأن الدولة أو المجتمع والسياسة التي هي متغيرة ومتطورة ثُبّتت ثبات الدين وقُدّست قداسة الدين، وأصبح الإنجيل هو الذي فيه كل شيء، وأي أحد يقوم حتى بتجربة في الطبيعة ولا آخره مثل جاليليو يبقى يُحرق. هذا معنى الدولة الدينية.
المدني في المصطلح الغربي يعني اللاديني بينما في الإسلام يعني الاجتماعي
[الشيخ محمد عمارة]: المقابل لها أيضًا في المصطلح الغربي المدني، يبقى المدني في المصطلح الغربي مقابل للديني، يعني المدني لا ديني؛ لأنه مقابل ونقيض. يبقى الدولة المدنية في المعنى الغربي هي دولة لا دينية، التي هي الدولة العلمانية. والدولة الدينية هي الدولة الكهنوتية التي ليس للأمة وجود في شأنها.
هذا هو المعنى الديني والمعنى المدني. نحن لدينا الديني أي الإسلامي، والإسلامي لا يعرف الكهانة، ولا يعرف الواسطة بين الإنسان وخالقه.
التمييز بين الدين والدولة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وليس الفصل أو الدمج
[الشيخ محمد عمارة]: انظر حتى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في دولة المدينة، كان الصحابة يميزون. وهذه نقطة كثير من الناس — يعني أنا أستخدم مصطلح التمييز بين الدين والدولة وليس الفصل بين الدين والدولة وليس الدمج بين الدين والدولة.
هذا أيضًا قضية، أنا كنت لما عملت رسائل كثيرة في هذا الموضوع كنت أتصور أنني أول من استخدم مصطلح التمييز بين الدين والدولة، وبعد ذلك سعدت جدًا لما وجدت السنهوري باشا — الذي هو فقيه الشريعة وأبو القانون المدني — في سنة تسعة وعشرين قد أعد دراسة "الدين والدولة في الإسلام" واستخدم فيها مصطلح التمييز بين الدين والدولة.
الصحابة كانوا يسألون النبي أهذا وحي أم رأي ومشورة
[الشيخ محمد عمارة]: انظر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان هناك تمييز بين الدين وبين السياسة. عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم في أي موقف يتخذ فيه قرارًا أو يقول كلامًا، كان الصحابة يسألون: يا رسول الله، أهذا وحي أم رأي ومشورة؟
انظر، قبل أن يتكلموا. فإذا كان وحيًا فالأمر سمع وطاعة وإسلام الوجه لله سبحانه وتعالى. وإذا كان رأيًا فنحن لدينا تراث في هذا الموضوع، تراث كبير.
انظر كيف تدار الدولة بالشورى، يدار الدين بالوحي أما الشورى — الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لأبي بكر وعمر:
«لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما»
aثنان لواحد وأغلبية وأقلية.
النبي لا يعين أميرًا إلا بالشورى والتمييز بين الوحي والسياسة
[الشيخ محمد عمارة]: هو [النبي صلى الله عليه وسلم] رئيس الدولة وهو المعصوم، لا يستطيع أن يعين أميرًا للجيش إلا بالشورى، فيقول:
«لو كنت مؤمّرًا أحدًا دون مشورة المؤمنين لأمّرت ابن أم عبد» — الذي هو عبد الله بن مسعود.
إذا كان في تمييز بين ما هو وحي إلهي فيه السمع والطاعة وفيه القداسة والحكم الخاصة به — قد تغيب عنا في حكمة معلومة وفي حكمة تعبدية — وبين السياسي.
أيضًا في نقطة مهمة جدًا: كل أهل السنة والجماعة يعتبرون السياسة والدولة والخلافة والإمامة من الفروع وليس فيها تكفير. ومن هنا يكون هناك اختلاف خطأ وصواب، نفع وضرر، وليس كفر وإيمان. وهذا الذي اختلف فيه أهل السنة عن الشيعة في هذا الموضوع.
المدني عند المسلمين اجتماعي وليس لادينيًا والمشكلة في حوار الطرشان
[الشيخ محمد عمارة]: فإذا كان لدينا مصطلح المدني فليس هو المضمون الغربي الذي هو اللاديني. المدني عندنا اجتماعي، ولذلك عندما تقرأ ابن خلدون: "الإنسان مدني بطبعه" يعني اجتماعي وليس لادينيًا.
ولذلك أنا أقول إن المشكلة أننا نتحاور حوار الطرشان، نستخدم كل المصطلحات فالديني يصبح كهنوتيًا ثيوقراطيًا، ومدني فيصبح لا دينيًا. مع أن عندنا الديني هو المرجعية الإسلامية كما قال الدكتور علي، والأمة فيها مصدر السلطات.
في الدولة الدينية الحاكم نائب عن السماء، نعم، معصوم، لا يُسأل، لا يُسأل أمام الأمة، الأمة غير موجودة.
مكونات الدولة الإسلامية الثلاثة مقارنة بالدولة العلمانية والدينية
[الشيخ محمد عمارة]: نقيضها هناك في الغرب أصبح ما حدث هو الدولة العلمانية التي هي الأمة مصدر السلطات والدولة السلطة نائبة عن الأمة ولا وجود للشريعة.
فتبقى الدولة الدينية بالثيوقراطية فيها دين ودولة وليس فيها أمة. والدولة العلمانية فيها أمة ودولة وليس فيها شريعة. أما الدولة الإسلامية ففيها المكونات الثلاثة: الشريعة والمستخلف في إقامتها الأمة وليس الحاكم.
فالشريعة تلتزم بها الأمة، والأمة هي التي تنتخب وتفوض الدولة — أي الحاكم أي السلطة — وهي توليه وتبايعه وتراقبه وتحاسبه وتعزله عند الاقتضاء.
الفارق بين الدولة العلمانية والإسلامية في سلطة الأمة وحاكمية الشريعة
[الشيخ محمد عمارة]: فإذا كان في الدولة الإسلامية شريعة وأمة مصدر السلطات ودولة أي سلطة، فالفارق بين الدولة العلمانية والدولة الإسلامية في قضية سلطة الأمة — والأمة مصدر السلطات في الدولة العلمانية وفي الدولة الإسلامية.
لكن في الدولة الإسلامية الأمة مصدر السلطات شريطة ألا تحل حرامًا أو تحرم حلالًا، والشريعة إطار حاكم لسلطة الأمة.
أما في الدولة العلمانية التي هي الدولة اللادينية التي هي قائمة على الفلسفة الوضعية، فهذه الدولة تحل الحرام وتحرم الحلال كما يريدون. ترون في النظام الأوروبي.
الجدل العبثي حول الدولة المدنية ومطالبة بتسميتها باسمها الحقيقي
[الشيخ محمد عمارة]: إذا أنا أقول إنه بالفعل هذا الجدل العبثي الذي يدار الآن حول هذا الموضوع — هم يريدون دولة مدنية يعني دولة لا علاقة لها بالإسلام — نقول لهم: لا، سموها باسمها الحقيقي دولة علمانية، مرجعها الواقع والعقل المجرد عن الشرع، بينما العقل عندنا والشرع شيء واحد.
أسباب الجدل حول الدولة المدنية وغياب دراسة الحكومة النبوية
[المذيع]: طيب دكتور أسامة، يعني فيما طرحه دكتور عمارة وفضيلة المفتي، ما أسباب هذا الجدل إذا كان لا توجد ما يسمى أو ما يعرف بالدولة الدينية في الإسلام وانتهت الدولة الدينية برحيل خاتم الأنبياء والمرسلين؟ إذ لم يعد هناك وحي، فكيف تقيّم هذا الجدل وأسبابه ورؤيتك أيضًا للدولة المدنية في الإسلام؟
[الشيخ أسامة السيد]: الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه، ثم أما بعد. السبب في هذه المشكلة أو الظاهرة أو الغموض والضبابية التي تكتنف هذه المصطلحات وهذه الأسماء أن هناك غيابًا حقيقيًا، غيابًا عميقًا للتوصيف الواضح للحكومة النبوية.
الحكومة النبوية، المنهج النبوي في الحكم، طبيعة إدارة الدولة في العهد النبوي — هذا بعد غائب لا يُدرس ولا يُقرأ عند أكثر الدارسين لهذه المسائل.
مقاصد الدين الثلاثة الكبرى وعمارة الأرض تعني إقامة المؤسسات
[الشيخ أسامة السيد]: سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء للمقاصد الثلاثة الكبرى والعظمى لدين الله: عبادة الله تعالى، تزكية النفس، عمارة الأرض.
عمارة الأرض معناها إقامة مؤسسات، معناها التصدي للشأن العام، معناها تسيير شؤون الخلائق، معناها علاقات دولية، معناها مؤسسات تسير حياة الناس.
هذا البعد في السيرة النبوية ظل غائبًا مهجورًا لا يُدرس بصورة واضحة، حتى جاء واحد من الأئمة في القرن السابع — الإمام الخزاعي التلمساني — فألف كتابًا اسمه [تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والمهن والصنائع والعمالات الشرعية] والولايات التي تعني بالمصطلح المعاصر الوزراء والمحافظين.
المؤسسات في العهد النبوي القضائية والدبلوماسية وكتاب التراتيب الإدارية
[الشيخ أسامة السيد]: والذي يتأمل هذا النمط النبوي في الحكم يجد أن هناك مؤسسات. هناك مؤسسة قضائية كان على رأسها سيدنا علي بن أبي طالب، وسيدنا عبد الله بن مسعود كان يقول: كنا نتحدث أن أقضانا علي.
هناك مؤسسة دبلوماسية وهناك سفراء خرجوا من عند سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وإلى زعماء العالم في ذلك الوقت. هناك مكاتبات ورسائل دبلوماسية.
مضت عدة سنوات وقرون وهذا المنهج من الدراسة أيضًا غائب، إلى أن جاء واحد من الأئمة المعاصرين — الشيخ عبد الحكيم الكتاني — وأخذ كتاب الخزاعي التلمساني ووسّع المادة العلمية وكتب كتابًا اسمه [التراتيب الإدارية ونظام الحكومة النبوية]، يصف حوالي ستين أو سبعين وظيفة أو مؤسسة كانت موجودة في العهد النبوي.
النموذج النبوي في إدارة الدولة يبتعد عن المنهج الديني الكهنوتي
[الشيخ أسامة السيد]: عندما نبدأ في استكشاف طبيعة إدارة المؤسسة والدولة في العهد النبوي الشريف — الذي هو النموذج الواضح الذي نريد الوصول إليه — نجد أنه يبتعد بها تمامًا عن المنهج الديني الذي يتحدث باسم الله.
ووضع الأطر والأسس ووضع المفاتيح ووضع المبادئ التي تسير شأن الحياة وتستلهم في تسيير الشؤون العامة والخاصة، لكنه أمرنا بأن تُبنى المؤسسات التي تجتهد في تسيير شؤون العباد.
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنشأ مؤسسات في غاية العجب، نستطيع نقول بوضوح إنها دولة تعتمد على مؤسسات، تعتمد على مواطنة، تعتمد على مشاركة ما بين فئات المجتمع، ليس فيها تمييز بين أبناء البلد على أساس عرقي أو على أساس ديني.
الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية وضرورة تحرير المصطلح
[الشيخ أسامة السيد]: الذي يمكن التعبير عنه بالعبارة المعاصرة كما عبّر فضيلة المفتي إنها دولة مدنية لها مرجعية إسلامية شرعية.
لو أن كلمة الدولة المدنية لها ظلال من ثقافة أخرى تؤدي إلى تنحية قضية الدين تمامًا كما شرح الدكتور عمارة، يبقى إذن لا بد من تحرير المصطلح، لا بد من تعديل العبارة، لا بد من أن نعبر بعبارة واضحة تبين للناس النسق الإسلامي في إقامة نظام الدولة ونظام الحكم.
الذي يتضح فيه الفارق الواضح ما بين الوحي الشريف وما بين العلوم الشرعية القائمة على شرح الوحي التي تستلهم أنوار الوحي في نمط الحياة الفردية والاجتماعية والإدارية والقضائية وما أشبه ذلك، وما بين التسلط على شؤون الناس بما يظن صاحبه أنه مفوض من الله للتحكم في الناس وفي عقائد الناس وهكذا.
خلاصة أسباب اللبس حول مفهوم الدولة وغياب الدراسات الموسعة
[الشيخ أسامة السيد]: خلاصة هذا الكلام: من أسباب وجود هذا الضباب وهذا اللبس أنه ليست هناك دراسات موسعة تصل إلى أيدي الناس حول مفهوم الدولة كما كانت في عهد النبوة.
والذي يتأمل في التراث يجد أن هذا موجود ومدروس وقد أُلفت فيه المؤلفات، لكن ينطلق الناس لبحث المسألة بعيدًا عن العودة إلى هذه الجذور والمنابع.
وخلاصة الكلام أنها دولة مدنية بمعنى أنها ليست دولة علمانية وليست دولة دينية يظن صاحبها أنه يتكلم بتفويض إلهي، وإنما هي دولة مؤسسات لها مرجعية إسلامية.
كيفية فض الاشتباك حول مفهوم الدولة المدنية وغياب المفهوم النبوي
[المذيع]: فضيلة المفتي، كيف نفض هذا الاشتباك خاصة أن عددًا غير قليل من المثقفين هذا الجدل هو الذي يدور بينهم؟ أي هل هناك فعلًا غياب لمفهوم الدولة المدنية في الإسلام وتحديدًا في العصر النبوي؟ وكيف أن الأمر كان شورى وهناك أركان للدولة بكل معناها نحن نفتقدها هذه الأيام؟
[الشيخ]: فضيلتكم، يجب علينا ألا نتعامل وكأننا نعمل في فراغ. نحن في مصر، هذه أكبر دولة إسلامية. مصر هي المرجع للأمة العربية والإسلامية والأفريقية وما إلى ذلك.
مصر بدأت في التنظيمات الإدارية منذ عهد بعيد قد يعود إلى مائتي عام من عهد محمد علي.
التجربة المصرية في التقنين الشرعي من عهد الخديوي إسماعيل
[الشيخ]: وفي عصر الخديوي إسماعيل كان شغله الشاغل أن يجعل مصر مستقلة عن الخلافة العثمانية، ولكن كان يريد أيضًا ألا يخرج عن الهوية الإسلامية.
الأتراك قنّنوا الشريعة على المذهب الحنفي، وهذا التقنين على المذهب الحنفي صدر فيما يسمى بالمجلة العدلية. والمجلة العدلية لا يريد إسماعيل أن يطبقها، ولكن لا يريد أيضًا أن يخرج عن الإسلام.
فجمع العلماء وتفاوض معهم في هذا الأمر: كيف نصنع وكيف نفعل؟ في هذا قدري باشا — وكان هو وزير الحقانية [وزير العدل] — كان فقيهًا حنفيًا واسع الاطلاع، وقال له: حسنًا، ممكن أن نختار الرأي الثاني للحنفية.
آخرون نصحوه بأن الفقه المالكي أوسع من الفقه الحنفي في هذا المجال، وبدأت من حينئذ فكرة ظهور الاختيار الفقهي وعدم الاقتصار على مذهب دون مذهب.
السنهوري باشا والقانون المدني المصري ومسألة الفوائد والربا
[الشيخ]: وأخذ هذا في التطور إلى أن رأينا يتشبع السنهوري باشا — كما أشار الدكتور عمارة الآن — وفي سنة تسع وعشرين يميز بين الدولة المدنية بصورتها الحديثة والدولة الدينية.
ثم يضع القانون المدني المصري سنة ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين من أجل أن يكون له قدم صدق في العالم، إلا أنه لا يخرج عن الشريعة الإسلامية.
ولما جاء في بند واحد وهو بند الفوائد وكان يرى أن هذا لا يخالف الشريعة الإسلامية وأنه يخالف الربا، ألف ستة مجلدات وسماها [مصادر الحق]. ومصادر الحق أثبت فيها رأيه الذي قد نختلف معه، نعم، ونتناقش حوله.
ولكن القضية قضية اجتهاد: إن هذا ليس ربا — أعني الفوائد — وهذا رأي قديم لتوماس أكوينوس ألف ومائتين وخمسين ميلادية، وهو أحياه ودافع عنه وألف الستة مجلدات في مصادر الحق.
التجربة المصرية الدستورية واستلهام الدستور البلجيكي ذي المرجعية الدينية
[الشيخ]: وكنا في كلية الشريعة ندرس هذا الكلام بعد ذلك وعلى أيدي أساتذة الشريعة — الدكتور علي مرعي وإخوانه عميد الكلية — وكذلك.
إذا نحن الآن في تجربة مصرية: في سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وعشرين وضعنا دستورًا نريد أن يكون هذا الدستور له سقف ومرجعية. كان أمامنا دساتير العالم في مائة وثلاثين دستورًا في العالم في مائة وتسع وتسعين دولة — منها مائة وثلاثون دستورًا في دول، طبعًا لا توجد لها دساتير مثل إنجلترا مثل السعودية ليس لها دستور مكتوب.
فترجمنا واستلهمنا الدستور البلجيكي وليس الدستور الفرنسي مثلًا ولا الدستور الألماني أو غير ذلك. فلماذا الدستور البلجيكي بالتحديد؟
حسنًا، الدستور البلجيكي لأنه يعتبر الكاثوليكية مرجعًا للبلاد والعباد. فنحن ذهبنا إلى مرجعية دينية، نعم، دولة مدنية لكن هناك مرجعية دينية.
دساتير أوروبية ذات مرجعية دينية والفرق بين النموذج البلجيكي والفرنسي
[الشيخ]: وفي حوالي ستة دساتير في أوروبا تعود إلى هذه المرجعية الدينية، نعم. بخلاف فرنسا في عام ألف وتسعمائة وخمسة عندما وضعت الدستور جعلته علمانيًا محضًا ونصت على أنها دولة علمانية لا تريد الدين، لكن الشعب كاثوليكي.
ولكن بلجيكا لم تفعل ذلك وقالت: لا، هذا مرجعي الكاثوليكية، ولكنها دولة مدنية بحالها.
دور الشيخ محمد بخيت المطيعي في وضع دستور 1923 والمادة الخاصة بالإسلام
[الشيخ]: الذي كان موجودًا في لجنة وضع دستور عام ألف وتسعمائة وثلاثة وعشرين أحد الأعضاء فضيلة الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت، وأعلم أهل الأرض.
لا بل كان قد أنهى فترة ولايته في الإفتاء عام ألف وتسعمائة وعشرين وشارك في اللجنة؛ لأنه وكان تقيًا نقيًا حنفيًا. كانوا يقولون عنه: إذا غابت مذاهب الحنفية واحترقت كتبها لأملاها من ذهنه، يا للعجب!
وكان آية من آيات الله، كانت تأتيه الفتاوى من الآفاق فلا تمكث عنده أكثر من أربع وعشرين ساعة ويجيب عليها إجابة محررة عجيبة غريبة. وفي بعض الأحيان كان يجيب بكتب — يؤلف كتابًا للسؤال، لفتوى أو لسؤال.
تطور المادة الدستورية الخاصة بالإسلام من دستور 1923 إلى دستور 1971
[الشيخ]: فضيلة الشيخ محمد بخيت المطيعي شارك في وضع كذا، وفي رقم مائة وتسعة وأربعين — بند مائة وتسعة وأربعين من الدستور المصري أول دستور ألف وتسعمائة وثلاثة وعشرين — أن الدين الرسمي للبلاد هو الإسلام.
طبعًا تطور هذا في ألف وتسعمائة وثلاثين والدستور أصبح هذه المادة — المادة مائة وستة وثلاثين — في سنة ثلاثين. تقدمت بعد ذلك في دستور سنة ستة وخمسين إلى المادة الخامسة. تقدمت بعد ذلك في دستور واحد وسبعين إلى المادة الثانية.
فكل هذا معناه أنه يوجد شيء يسمى هوية البلاد والعباد.
هوية البلاد ومقاصد الشريعة كنظام عام وآداب في الفكر القانوني
[الشيخ]: هذه الهوية هي من ضمن هوية البلاد ما يسمى في الفكر القانوني الحديث النظام العام والآداب. والنظام العام والآداب عند القانونيين أثار جدلًا واسعًا كبيرًا وأصبح معناه حتى غامضًا، أي ما معنى النظام العام والآداب.
لكن في النهاية لدينا شيء يسمى مقاصد الشريعة: حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ الدين، حفظ كرامة الإنسان — كنا نسميها في الكتب القديمة العرض — حفظ كرامة الإنسان وعرضه لا يُعتدى عليها، حفظ الملك — كنا نسميها المال أو الملك — خمسة.
ما رأيك إذن في أن هؤلاء هم بالاتفاق هم النظام العام والآداب عند الجميع؟ إذا الإسلام هذا لا يرفضه أحد.
حضارة الإسلام لا يخالفها أحد والدولة المدنية بالمرجعية الإسلامية
[الشيخ]: من ناحية المنهج، من ناحية الفكر، من ناحية الحضارة. نحن لا نقول للناس كونوا مسلمين، يجب أن تؤمنوا بالنبي — هذا دين الإسلام — ولكن حضارة الإسلام لا يخالفها أحد.
أي الدولة المدنية بالمرجعية الدينية التي هي الإسلام.
المادة الثانية من الدستور تحمي الجميع ولا تزعج أحدًا من أي دين
[المذيع]: فضيلة الدكتور علي، ألا تزعج البعض؟ الآن هناك لغط أيضًا في الشارع، أي لنا شركاء في الوطن من إخواننا المسيحيين وهم عدد ليسوا بالقليل. البعض أحيانًا يستخدم هذه المادة كفزاعة إن صح التعبير، أي رؤيتك أفضل وأقدر على توصيل الرسالة؟
[الشيخ]: أنا أقول لهم رسالة واضحة: أنتم يجب أن تراجعوا أنفسكم. هذا خطأ؛ لأن هذه المادة مادة تحميكم وتحمي الجميع.
لأن هذه المادة تقول لي: احفظ النفس ولا تعتدِ عليها، احفظ العقل ولا تعتدِ عليه، احفظ الدين ولا تعتدِ عليه، احفظ العرض ولا تعتدِ على كرامة الإنسان، احفظ ملك الإنسان ولا تصادره ولا تقهر الإنسان.
يا للعجب! هل الذي أقوله الآن يعترض عليه أي دين؟ لا، هذا هو القدر المشترك بين جميع الأديان في الأرض. صحيح.
مؤتمر السكان واعتراض ثلاثين دينًا على الوثيقة المخالفة للأديان
[الشيخ]: أنا أتذكر عندما حدث أن الأمم المتحدة أعدت مسودة وأسمتها مؤتمر السكان وجاءت فعقدته هنا في مصر. اعترض مجمع البحوث الإسلامية على هذا المؤتمر على إحدى عشرة نقطة في الاقتراحات أو مسودة البيان أو هذه الوثيقة؛ لأنها مخالفة للأديان.
ذهبنا إلى بلجيكا واجتمعنا هناك بأمر غريب جدًا مع ممثلين لثلاثين دينًا. فالمرء يتعجب، نحن نظن أنها ثلاثة أديان ربما، ولكن لا، إنها ثلاثون دينًا. وكلهم اتفقوا على رفض هذه الوثيقة.
ثلاثون دينًا في العالم ترفض هذا الكلام: ترفض الشذوذ الجنسي، ترفض إهانة الإنسان، ترفض أن نعامل الإنسان مثل الحيوان أو مثل الخيل — خيل الحكومة ونضربه بالنار كي نوفر طعامه — ترفض هذه الفكرة ترفضها.
الرد على لجنة الحريات الأمريكية وحقوق الإنسان المتفق عليها عالميًا
[الشيخ]: فحضرتك عندما جاء أعضاء لجنة الحريات الأمريكية ويتحدثون عن بعض مثل هذه الأشياء — أن أنتم تنتهكون حقوق الإنسان بمنع الإجهاض، بمنع الإباحة الجنسية، بمنع زواج المثليين، بمنع...
قلنا لهم: لا، انتبهوا. حقوق الإنسان هي المتفق عليها، نعم، هي مصانة. وليس الذي أنتم تريدونه يصبح حقوق إنسان في أذهانكم. بعضكم أباحوا المخدرات، وبعضكم أباحوا الدعارة، وبعض منكم أباحوا الشذوذ، وبعض منكم أباحوا القتل الرحيم، وبعض منكم وولاية أباحت كذا.
أم أنني لا شأن لي بهذا الكلام؟ أنا لي شأن بالستة مليارات. هؤلاء هم خمسة مليارات ونصف وأكثر يأنف من هذه القاذورات.
جميع الأديان متفقة على المشترك الإنساني ولا ينبغي أن يزعج أحدًا
[الشيخ]: فنحن القضية هي أن جميع الأديان متفقة على هذا المشترك. أريد أن أقول أن هذا لا يزعج أحدًا ولا ينبغي أن يزعج، وإلا فإنه لم يقرأ ولم يتعمق.
صحيح أننا نحن الذين نقول له اقرأ، ولذلك ستطمئن. اقرأ ولا تتعجل في هدم هوية استمرت. إننا نحن لسنا تجربة جديدة، نحن لسنا ما زلنا ننشئ دولة.
نعم، هذا نحن دولة مدنية حديثة معاصرة، لنا قدم صدق في العالم، مشاركون في البناء منذ مائتي سنة. ما نريده أن نفعل هذا وأن تكون لنا الريادة.
تطبيق الفصل بين السلطات والمؤسسية بواقع عملي وليس نظريًا فقط
[الشيخ]: نريد أن نثبت هذا ونطبق، ولا يكون تطبيق الفصل بين السلطات والمؤسسية وكذلك إلى آخره نظريًا فقط. هذا نحن نريد هذا بواقع عملي يتغلغل في الإعلام ويتغلغل في التعليم ويتغلغل ويؤدي إلى المسؤولية والمشاركة وتداول السلطة وما إلى ذلك.
وهي الأشياء التي ربما سببت ثورة الخامس والعشرين من يناير حقًا. فإذا نحن هنا ندعو إلى المزيد وندعو إلى تطبيق هذا وليس إلى إنشائه من جديد.
أربعة عشر قرنًا من التعايش بين المسلمين والمسيحيين تثبت نجاح التجربة
[الشيخ]: وعلى ذلك فنحن أصحاب تجربة، نحن قضينا معًا أربعة عشر قرنًا — نحن والمسيحيون واليهود وما إلى ذلك. فالأربعة عشر قرنًا هذه تثبت أننا عشنا معًا؛ لأنه لا يزال يوجد مسيحيون ها هنا.
لم يحدث كما حدث في الأندلس أنهم قتلوا المسلمين وطردوهم — الكاثوليك الذين هناك — وطردوهم. الآن لا يوجد في الأندلس مسلمون حقًا.
ولكن لدينا هنا ما لم يحدث. أننا عندما دخلنا البلدان دخلنا الهند وكنا أغلبية فيها وحكمنا فيها حتى سنة ألف وتسعمائة وستة وثلاثين — السلطان محمود كان في سلطنة حيدر آباد، الملكة بهبال وزوجها صديق حسن خان — كلهم كانوا موجودين أي قريبًا، أي ألف وتسعمائة وستة وثلاثون.
الحضارة الإسلامية لم تُهلك الأقليات والتجربة التاريخية تشهد بذلك
[الشيخ]: هذا عمر بسيط، هذا عمر بسيط، عقود يعني. طيب، لم نُهلك الهندوس، بل الهندوس أصبحوا هم الأغلبية، وأصبح مائة وخمسون مليون مسلم في مقابل مليار هندوسي.
فإذن الحضارة الإسلامية حضارة لها تاريخ، نعم، كما أن لها واقعًا. ويجب علينا أن ننتبه إلى هذا المعنى قبل أن نقول نريد أن نهدم.
صحيح، طيب ما دمت تهدم فبعد ذلك شكل الهدم هذا سيكون ماذا؟ هذا هو المخوف، هذا هو مربط الفرس إن صح التعبير، نعم.
أثر النموذج الإيراني وولاية الفقيه في تشويه مفهوم الدولة المدنية في الإسلام
[المذيع]: فبالفعل الأستاذ الدكتور محمد عمارة في معرض رده على سؤالي السابق أثار موضوعًا مهمًا يتعلق برأي أهل السنة والجماعة واتفاقهم على أنه لا دولة دينية في الإسلام وأنها دولة مدنية، وهذا كان نقطة خلاف مع الشيعة. هل تتصور فضيلتك أن بعض النماذج في العالم خاصة النموذج الإيراني أو ما يعرف بولاية الفقيه قد أعطى تصورًا خاطئًا عن مفهوم الدولة الدينية والمدنية في الإسلام؟
[الشيخ محمد عمارة]: لا توجد دولة دينية في العالم الآن إلا اثنتان: الفاتيكان وولاية الفقيه في إيران، نعم.
نحن قلنا إن أهل السنة والجماعة الذين هم تسعون في المائة من المسلمين، نعم، السياسة عندهم من الفروع، وذلك فيها معاييرها خطأ وصواب، نفع وضرر، وليس كفر وإيمان.
الشيعة نقلوا الإمامة من الفروع إلى أم العقائد ونظرية ولاية الفقيه
[الشيخ محمد عمارة]: الشيعة نقلوا الإمامة من الفروع وخالفوا أهل السنة وجعلوها أم العقائد، وبالتالي الخلاف فيها كفر وإيمان.
نظرية ولاية الفقيه التي هي قررها الخميني في كتابه [الحكومة الإسلامية] يقول بالنص هكذا: أن السلطان عامل عند الفقيه.
وكما أنك اليوم في إيران يوجد لديك دولتان وليس دولة واحدة: هناك دولة ولي الفقيه وهي التي لديها الحرس الثوري ولديها الجيش ولديها القضاء ولديها الإعلام ولديها إعلان الحرب وإعلان السلم — كل شيء لديها — هذه هي الدولة الحاكمة حقيقة.
وفيها دولة تُنتخب فيها مجلس شورى وفيها رئيس جمهورية لا سلطان له. وذلك خاتمي جلس ولايتين لم ينفذ أي بند واحد من برنامجه. اليوم أحمدي نجاد يعزلوه يقعدونه يغضبونه، أشياء من هذا القبيل.
ولي الفقيه له جميع سلطات الإمام والرسول والراد عليه في حكم الكفر
[الشيخ محمد عمارة]: هنا دولة التي هي ولاية الفقيه تعتبر أن هذا الولي الفقيه — يسمونه الفقيه العادل — له جميع سلطات الإمام التي هي جميع سلطات الرسول التي هي سلطات الله سبحانه وتعالى.
والراد عليه في حكم الكفر، ونقد ولي الفقيه له محكمة دينية. هنا أنت أمام دولة دينية حقيقية.
إن الأمة ليست مثل ذلك. فالشيعة لا يحتكمون إلى الشورى، يعتبرون أن الشورى هذه سلطة الأمة — لا — هذه ملغاة، وإنما هنا سلطة الإمام؛ لأن له ولاية على القرآن وله ولاية على الشريعة. فهذه قضية أخرى تمامًا.
المسيحية تدعو لفصل الدين عن الدولة والشريعة الإسلامية بديل لقانون نابليون
[الشيخ محمد عمارة]: لقد أشرت في السؤال وتحدث الدكتور علي عن موضوع أن لدينا أقلية مسيحية. أولًا المسيحية تدعو إلى: ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وليس فيها تشريع أو فقه أو قانون يناظر الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية.
الشريعة الإسلامية، الفقه الإسلامي، قانون المعاملات الإسلامي ليس بديلًا للفقه المسيحي؛ لأن المسيحية تدعو: ما لقيصر لقيصر. هو بديل لفقه نابليون — لكون نابليون الذي جاء كي يقهر المسلمين والمسيحيين جميعًا.
استطلاع رأي الأقباط عام 1985 وموقف البابا شنودة من الشريعة الإسلامية
[الشيخ محمد عمارة]: في سنة ألف وتسعمائة وخمسة وثمانين المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أجرى استطلاع رأي لموقف من الشريعة الإسلامية بما فيها الحدود. ثلاثة وستون في المائة من الأقباط مع الشريعة الإسلامية بما فيها الحدود.
هذا رقم واحد. في الخامس من مارس ألف وتسعمائة وخمسة وثمانين، البابا شنودة في الأهرام — الخامس من مارس سنة خمسة وثمانين، تاريخ وعدد لمن يريد أن يرجع إليه وهذا موجود في الكتب، أنا نشرتها — قال:
إن الدولة تجلب القوانين من الخارج فتطبقها علينا، ونحن ليس لدينا قوانين مفصلة مثل ما في الإسلام. كيف نرضى بالقوانين المجلوبة من الخارج ولا نرضى بشريعة لهم ما لنا وعليهم ما علينا؟ نحن نتوق إلى شريعة لهم ما لنا وعليهم ما علينا.
هذا كلام البابا شنودة، وثلاثة وستون في المائة من استطلاع الرأي هذا الأقباط في هذا الموضوع.
الشريعة الإسلامية دين وحضارة للمسلم وحضارة للمسيحي والقبطي أولى بها
[الشيخ محمد عمارة]: أريد أن أقول: كما أنه لا يوجد في المسيحية [ما يناظر] الشريعة الإسلامية — فقه المعاملات في الشريعة الإسلامية بالنسبة لي أنا هو دين وحضارة، بالنسبة للمسيحي هو حضارة.
يعني ليس غريبًا، أنا أحيانًا كنت أقول: حسنًا أنا لو قبطي في مصر، أيهما أولى بأن أُحكم بفقه الشافعي الذي مصري مثله، بفقه الليث بن سعد الذي أفتى بأن بناء الكنائس من عمارة البلاد، أم بفقه نابليون — من منطلق وطني؟
القبطي أولى بالشريعة الإسلامية، أولى بفقه المعاملة الإسلامية؛ لأنه ليس لديه بديل عنها. هذا هو المسيح قال:
«مملكتي ليست من هذا العالم»
وقال:
«دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله»
قيصر الوثني كان يُعطى له سلطان أن يضع القانون، فما بالك أنت بالأغلبية التي عاشت معه.
الشريعة الإسلامية أعلى الشرائع لأنها الوحيدة التي تعترف بالآخر
[الشيخ محمد عمارة]: وبعد ذلك أريد أن أقول إن الشريعة الإسلامية لها ميزة على الشرائع الأخرى حتى في القانون. كان معروفًا بعض الأمور — نحن اليوم نخجل أن نقولها — أعلى الشرائع وأفضل الشرائع.
لماذا؟ ليست عنصرية؛ لأنها هي الوحيدة التي تعترف بالشرائع الأخرى. يا للعجب! هي الوحيدة التي تحتوي الشرائع الأخرى، تقول: يُتركون وما يدينون فيما يختص بهم.
أي إذا هي أفضل الشرائع وأعلى الشرائع؛ لأن هي التي تعترف بالآخر. قبل هذه الشريعة لم يكن في الدنيا من يعترف بالآخر.
عهد النبي لنصارى نجران وحماية الكنائس والصلبان في الإسلام
[الشيخ محمد عمارة]: هذا يعني عندما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في عهده لنصارى نجران:
«وأن أدافع عنهم وأحميهم بما أحمي به نفسي وأهل الإسلام من ملتي»
يا للعجب! وتحدث عن حماية الصلبان وحماية الكنائس، وإن احتاجوا في إصلاح بيعهم وكنائسهم إلى عون ومساعدة يُعانون ويُساعدون، ليس دينًا عليهم وإنما منة من الله ورسوله.
قل لي: أين شريعة في الدنيا حافظت على وجود كل أنواع الأقليات في المجتمع الإسلامي بما في ذلك الديانات الوضعية — الديانات الوضعية التي هي مثل الزرادشتية والهندوسية والكونفوشية؟
معاملة الإسلام للديانات الوضعية وقصة عمر مع المجوس ومجلس الشورى
[الشيخ محمد عمارة]: الفقهاء قالوا هؤلاء أهل الكتاب وكان لهم كتب لكن ضاعت. وعمر لما فتح فارس قال: حسنًا نحن نعرف اليهود ونعرف النصارى، ولكن هؤلاء يعبدون النار.
فعرض الأمر على مجلس الشورى — تحدثنا عن مؤسسات — كان هناك مؤسسة المهاجرين الأولين، مؤسسة النقباء الإثني عشر، مؤسسة الشورى التي هي السبعون — مجلس سبعين.
عرض الأمر على مجلس السبعين — وكان يجتمع في مسجد النبوة في مكان محدد في أوقات محددة — فوثب عبد الرحمن بن عوف وقال:
أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سُنّوا فيهم سنة أهل الكتاب»
فعوملت حتى الديانات الوضعية [معاملة أهل الكتاب]. المسلمون كانوا يبنون معابد للهندوس ويحافظون على معابد النار.
الشريعة الإسلامية أعلى الشرائع لأنها الحامية لغير المسلمين
[الشيخ محمد عمارة]: يعني أريد أن أقول هنا ولهذا تكون الشريعة الإسلامية هي أعلى الشرائع، هي أفضل الشرائع؛ لأنها الحامية لغير المسلمين، هي التي تدافع.
انظر عندما يقول [النبي صلى الله عليه وسلم]: يحمي كنائسهم وبيعهم ومواطن السياح والرهبان بما أحمي به نفسي وأهل الإسلام من ملتي.
الذي أريد أن أقول: نحن مطلوب منا أن ندرس هذا التراث ونعلمه ونقول للناس: حسنًا نحن الآن هل نحن ما زلنا نقول خائف من الشريعة؟ هل هي جديدة حتى تخاف منها؟
المسلمون عاشوا بالشريعة ثلاثة عشر قرنًا وكانوا العالم الأول
[الشيخ محمد عمارة]: هذا نحن عشنا بها ثلاثة عشر قرنًا قبل الاستعمار، كنا فيها العالم الأول على ظهر هذا الكوكب، بينما أوروبا والغرب عالم أول قرنين بالاستعمار وبالغزو.
إذا أنا أريد أن أقول: يجب أن نفصل ما معنى الديني والمدني.
دور العلماء والأزهر في إبطال حجة من يدعون أن الدولة المدنية تضر بالأقليات
[المذيع]: ويمكن هذا سؤالي الذي أريد أن أطرحه على الدكتور أسامة، أي ما هو دور العلماء والمفكرين وتحديدًا رجال الأزهر في إبطال حجة من يدعون أن الدولة المدنية في الإسلام قد تضر بالأقليات أو أنها لا تتناسب مع هذا العصر؟ كيف نرد وكيف نوضح هذا في عجالة إن سمحتم؟
[الشيخ أسامة السيد]: وكما أشار فضيلة المفتي أن هناك تجربة تاريخية عريقة وطويلة امتدت لقرون. منذ زمن وعلماء هذه الأمة يضبطون هذه المسائل ويقدمون فيها عصارة الأعمار.
وبدأت تخرج كتابات كالمقارنات التشريعية لمخلوف المنياوي والمقارنات التشريعية لعبد الله حسين التيدي وكتابات المرحوم السنهوري، ومؤخرًا بكتاب التجربة المصرية لمولانا فضيلة المفتي، وكتابات أستاذنا الدكتور عمارة.
الإسلام دين وحضارة تتسع للخلق أجمعين ومقولة مكرم عبيد باشا
[الشيخ أسامة السيد]: ومجلس كهذا الذي نجلس فيه لتوضيح هذه المفاهيم. لكنها قضية حقيقة محورية وشديدة الأهمية.
الإسلام دين وحضارة. الإسلام دين عقائد وعبادات ونمط في التربية والأخلاق يخاطب أبناءه وأتباعه. تولدت من هذه العقائد والعبادات حضارة — فنون وآداب وعلوم ومعارف — تجربة بشرية عريقة وسعت أبناء الأديان الأخرى أجمعين.
فصار الإسلام نظامًا إلهيًا دينًا يخاطب أتباعه، وصار حضارة تتسع للخلق أجمعين.
كان مكرم عبيد باشا يقول: أنا مسيحي ديانة، مسلم حضارة — في سطر واحد.
الدولة المدنية دولة لكل مواطنيها والمواطنة في الإسلام سبقت أوروبا
[المذيع]: دكتور عمارة، ونحن نتحدث في كلمة حق نريد كلمة حق عن الدولة المدنية.
[الشيخ محمد عمارة]: الدولة المدنية هي دولة لكل مواطنيها، التي هي المواطنة. هذه المواطنة عرفتها أوروبا على نقيض الدين وعلى أنقاض الدين.
نحن علّمناها إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال لهم [لغير المسلمين]:
«إن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وعلى المسلمين ما عليهم، حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم وفيما عليهم»
نحن نمط متميز، يجب أن نتحدث عن المصطلحات وعن شؤوننا بعيدًا عن النموذج الغربي الذي سيطر على عقلية العلمانيين. وإذا ذكرت أي كلمة فلا بد تفسيراتها لديهم تفسيرات غريبة.
خاتمة الحلقة: مصر دولة مدنية وستظل ولا مكان للتخوف
[المذيع]: والختام والخلاصة وكلمة حق أيضًا مع فضيلة مفتي الديار.
[الشيخ]: نحن دولة مدنية وسنظل دولة مدنية، نعم. ولذلك ليس هناك ما يدعو إلى أي تخوف. نحن لا نستطيع أن نكون دولة علمانية، نعم. وليس هناك في الإسلام دولة دينية.
ولذلك بطبيعة الأحوال ومصر تعيش هذه الدولة المعاصرة الحديثة التي نسميها في لغة العرب دولة مدنية، نعم.
[المذيع]: أشكر فضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، شكرًا جزيلًا لفضيلتكم. شكرًا أيضًا للأستاذ الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي وعضو مجمع البحوث الإسلامية بهيئة كبار العلماء، والدكتور أسامة السيد عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، شكرًا.
نشكركم جزيل الشكر مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، وقضايانا وموضوعاتنا مطروحة دائمًا في كلمة حق، إلى اللقاء.
