برنامج كلمة حق | عاشوراء فضائل وأحكام | بتاريخ 9-12-2011 | أ.د. علي جمعة
- •يوم عاشوراء هو العاشر من محرم الذي صامه النبي صلى الله عليه وسلم احتفاءً بنجاة موسى عليه السلام من فرعون.
- •شهر المحرم هو ثالث الأشهر الحرم المتتالية، واختاره عمر بن الخطاب ليكون بداية السنة الهجرية.
- •كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في شهر المحرم، وصام عاشوراء وأمر بصيامه.
- •يستحب صيام التاسع والعاشر معاً، ويجوز صيام العاشر وحده أو الثلاثة أيام التاسع والعاشر والحادي عشر.
- •فضل صيام عاشوراء أنه يكفر ذنوب السنة الماضية، ويستحب التوسعة على العيال في هذا اليوم.
- •من وظائف يوم عاشوراء: الصيام، الذكر، الدعاء، قراءة القرآن، فعل الخير، والصدقات.
- •الأيام لها روح خاصة، والعبادة في أوقات مخصوصة تربط بين غيب الإنسان وغيب الأكوان.
- •المناسبات الدينية تحافظ على الهوية الإسلامية وتجعل الناس تعيش في ظلال الإسلام.
- •ينبغي عدم الانشغال بالخلافات الفرعية التي تصرف الأمة عن أولوياتها ومخاطرها الحقيقية.
مقدمة عن يوم عاشوراء وفضل شهر المحرم وصيام النبي له
ورد عن رسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم أنه قال ما معناه:
«لئن عشتُ إلى العام القادم لأصومنّ التاسع والعاشر»
وعاشوراء هنا عنى به محمد صلى الله عليه وسلم يوم العاشر من شهر المحرم، وهو يوم صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم احتفاءً واحتفالًا بنبي الله موسى. وأمرنا بفضل يوم عاشوراء وشهر المحرم، نتحدث في كلمة حق.
ترحيب المذيع بالضيوف وسؤاله عن معنى يوم عاشوراء وفضل شهر المحرم
[المذيع]: لقاؤنا في كلمة حق يتجدد من رحاب الجامع الأزهر الشريف، أرحب بكم مجددًا وأرحب أيضًا بضيوفي الكرام: فضيلة العلامة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم فضيلة الشيخ. ومعنا العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد مهنا الأستاذ بجامعة الأزهر وأمين عام الدعوة بالعشيرة المحمدية، أرحب بفضيلتكم دكتور محمد، بارك الله فيكم يا سيدنا.
لنتحدث عن عاشوراء فضيلة مفتي الديار المصرية، وكثيرون ربما يعيشون طقوس هذا اليوم ويحرصون على صيامه، ولكن ليست لديهم المعلومات الكافية حول يوم عاشوراء وفضله، فلنتعرف على معنى هذا اليوم وفضل شهر المحرم الذي فيه عاشوراء؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. شهر المحرم هو ثالث الأشهر الحرم المتتالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ثم بعد ذلك الشهر الرابع هو رجب، ولذلك سمّوه رجب الفرد أو الأصم أو الأصبّ؛ لأنه منفرد.
اعتزاز النبي بشهر المحرم واختيار عمر بن الخطاب له بداية للسنة الهجرية
[الشيخ]: في شهر المحرم كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتز به كثيرًا، حتى أنه قد ورد في بعض الروايات أنه كان يكثر الصيام فيه.
وفي شهر المحرم هو الشهر الذي اختاره عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ليكون بداية السنة بعد العودة من رحلة الحج المقدسة، فاعتبره أنه بداية عام جديد وتقويم جديد، ووافقه الصحابة على ذلك حتى صار إجماعًا للمسلمين أن السنة تبدأ بالمحرم.
تفسير النبي لأيام الله والربط بين الفرحة والعبادة في الإسلام
[الشيخ]: في هذا المقام كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يعلمنا ويقوم بتفسير القرآن لنا وكيفية تطبيق هذا القرآن المبدع الذي هو من عند الله، الذي هو كلام الله سبحانه وتعالى عبر الزمان والمكان.
والله سبحانه وتعالى في القرآن يقول:
﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]
فقط لا غير، هذا أمره: ذكّرهم بأيام الله. فنريد إذن أن نعرف ما معنى أيام الله وكيف نذكّرهم بها.
ودائمًا رسول الله يربط بين الفرحة وبين العبادة؛ في العيد فرحة فيأمرنا بالتكبير في عيد الأضحى مثلًا أو في عيد الفطر، أو كذلك العيد فرحة فيجعله في أثر عبادة رمضان من صيام ومن قيام ومن ذكر ومن دعاء ومن قرآن. العيد فرحة فنبدأ بصلاة العيد، يعني عبادة. دائمًا كان يربط بين الفرح وبين العبادة.
قصة دخول النبي المدينة ووجوده اليهود يحتفلون بنجاة موسى يوم عاشوراء
[الشيخ]: فرسول الله صلى الله عليه وسلم مرة كان قد دخل المدينة، وهناك تقويم لليهود، وتقويم اليهود عندهم شهر اسمه شهر تشري، وكان في اليوم العاشر من شهر تشري. فإن في اليوم العاشر من شهر تشري هذا نصر الله موسى فأنجاه من فرعون ومن آل فرعون.
في هذا اليوم كان اليهود يحتفلون بهذا اليوم، باليوم الذي نصر الله فيه موسى. لما دخل النبي المدينة — ليست هذه الهجرة؛ لأن بعض الناس يظنون هذه الهجرة، والهجرة لم تحدث في هذا الوقت — بل دخل من سفرية ما، وكان في العاشر من تشري هذا، وكان موافقًا للعاشر من محرم.
فوجد اليهود في فرح وفي احتفال، فقال: لنحتفل معهم ونفرح معهم. فسأل عن هذا، فقالوا: هذا يوم نجّى الله فيه موسى. فقال: نحن أولى بموسى منهم؛ لأن هذا نبينا نحن.
تعليم النبي أن الأمة واحدة وأمره بصيام عاشوراء وصيام العرب قديمًا
[الشيخ]: انظروا، يعلمنا أن نحن أمة واحدة، يعلمنا أن الأنبياء هؤلاء، الأنبياء لنا. فهذا انفتاح المسلم على العالمين: نحن أولى بموسى منهم.
طبعًا نفرح ونبتهج ونفعل هكذا، فأمر بصيامه وصامه. والعرب قديمًا — اليهود أو غيرهم أو من كانوا — يصومون هذا اليوم أيضًا، لكن ليس بالطريقة [نفسها]؛ هذا يعني أنهم لا يربطونه بموسى ولا يربطونه بمحرم، لا بتشري ولا كذلك.
بعد ذلك اختلف تشري عن محرم، فبقي لنا عاشوراء في العاشر من محرم الذي هو العاشر من محرم الذي بمثله نصر الله موسى، ثم بعد ذلك افترقت التقاويم، لا شيء في ذلك.
فرض صيام عاشوراء ثم نسخه بفرض رمضان وتحوله إلى سنة مستحبة
[الشيخ]: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه وأمر بصيامه وألزم المسلمين بصيامه، ألزم المسلمين، ألزم المسلمين بصيامه. حتى إذا ما نزل فرض رمضان قال: هذا من أيام الله — انظر الكلام يعني يفسر قوله تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]
هذا من أيام الله، فمن شاء فليصم. يا للعجب! يعني كان فرضًا في بداية الأمر، حتى إذا ما نزل فرض رمضان فأصبحت كل هذه السنن — إن صح التعبير — ولكن كانت آنذاك فرضًا، ثم نُسخ هذا الفرض وأصبح عاشوراء من شاء صام.
حرص النبي على صيام الاثنين والخميس وعاشوراء والعشر من ذي الحجة
[الشيخ]: كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصًا على بعض الصيامات هكذا؛ كان يصوم الاثنين والخميس ويقول:
«تُعرض الأعمال في هذين اليومين وأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم»
وكان يصوم عاشوراء دائمًا، وكان يصوم العشر — هو النسائي هكذا يقول — هكذا هم التسعة في الحقيقة، لكن النص "العشر". لماذا؟ لأن العشرة من ذي الحجة على بعضها بما فيها يوم العيد، هذا يعني اسمها العشرة، انتهى هذا. والعرب تفعل هكذا تسمي التسعة عشرة. لماذا؟ لأن يوم العيد نفسه يوم بركة وعبادة وقبول ورضا ومغفرة.
فكان يصوم العشرة أي التسعة؛ لأنه كان يصوم من الأول من ذي الحجة إلى التاسع من ذي الحجة، ولكن العيد يحرم صيامه.
الأيام المنهي عن صيامها وصيام النبي ثلاثة أيام من كل شهر وتمسك المسلمين بعاشوراء
[الشيخ]: نُهي عن صيام خمسة أيام: يوم الفطر ويوم الأضحى وثلاثة أيام التشريق، خمسة أيام منهيّ عنها، حرام أن نصوم فيها.
وقال [النبي ﷺ]: «فإن هذه أيام أكل وشرب»
فالنبي عليه الصلاة والسلام صام العشر، وصام العشر التي هي تسعة أي وصام ويفطر في يوم العيد وجوبًا. وصام ثلاثة أيام من كل شهر وكانوا يسمونها الأيام البيض؛ لأن القمر منير فيها: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر، نبدأ بوتر وننتهي بوتر.
فكان سيدنا صلى الله عليه وسلم يصوم هذه الأيام ويزاول عليها، ولذلك ترى المسلمين أيضًا أنهم متمسكون بعاشوراء وأنهم يصومونها.
فضل صيام عاشوراء في مغفرة ذنوب السنة الماضية وتجديد الإيمان
[الشيخ]: وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«أحسب — يعني أرجو — أن من صام يوم عاشوراء غفر الله له سنته»
يا سبحان الله! فيُغفر له ما تقدم من هذه السنة التي مضت. صوموا عاشوراء لعل الله يغفر لكم السنة، ولنبدأ مع الله صفحة جديدة إن شاء الله.
كان يحب التجديد، قال:
«جددوا إيمانكم»
قالوا: كيف نجدد إيماننا يا رسول الله؟ قال:
«قولوا لا إله إلا الله»
يعني أن بيدكم فرصة للبداية الجديدة، للصفحة الجديدة. وهذه مهمة جدًا للإنسان ألا ييأس ولا تتكاثر عليه الذنوب فيُحبط مع الله أبدًا.
﴿وَلَا تَايْـَٔسُوا مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ﴾ [يوسف: 87]
فكان دائمًا يعطينا الأمل ويعطينا الصفحة الجديدة.
حديث التوسعة على الأهل يوم عاشوراء وتجربة عبد الله بن المبارك ستين سنة
[الشيخ]: سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المقام أيضًا أعطى لنا جائزة دنيوية قليلًا وفرحة، فقال:
«من وسّع على أهله — وفي رواية: على عياله — يوم عاشوراء وسّع الله عليه سائر سنته»
عبد الله بن المبارك — وهو واحد من العلماء والأتقياء والأولياء — قال: جربنا هذا الحديث ستين سنة فوجدناه صحيحًا. أي ما معنى جربنا؟ يعني في سنة من السنين أحضر بطة وأعدوا طعامًا جيدًا واحتفلوا بهذا اليوم، فالله وسّع عليهم في السنة.
في السنة التي بعدها لم يأتِ بالبطة فمضيت هكذا بغيرها أي بغير توسعة. السنة التي بعدها أتى بها فوُسِّع، السنة التي بعدها أتى بها فتوسّع، السنة التي بعدها أتى بها فتوسّع، السنة التي بعدها لم يأتِ فضاقت.
معنى تجربة الحديث وتصحيح العلماء لحديث التوسعة على العيال يوم عاشوراء
[الشيخ]: هذه التجربة معناها هكذا: التجربة معناها أن أفعل أو لا أفعل، وإذا بالفعل يترتب عليه الوعد، وعدم الفعل يترتب عليه لا شيء أي ما من شيء.
فسيدي عبد الله بن المبارك قال هذا، وأنا أقول للمشاهدين: ولقد جربتها أنا أربعين سنة ما شاء الله، نعم جربتها أربعين سنة فوجدتها صحيحة.
وأحدهم يريد أن يقول لي: والله هذا أخرجه الطبراني في الكبير وفي سنده ضعف وفيه لا أدري ما [يقول]. عبد الله بن المبارك يرد على هؤلاء فيقول: يا أخي لكن نحن جربناه فوجدناه صحيحًا.
ولكن بالرغم من ذلك إلا أن هذا الحديث قد صححه الإمام حافظ الدنيا العراقي — شيخ الشيخ الحافظ ابن حجر — وصححه في عصرنا الحاضر الشيخ أحمد بن الصديق في "الهداية الصغرى في تصحيح حديث التوسعة على العيال ليلة عاشوراء"، وهكذا.
ابتكار المصريين حلوى عاشوراء والمكون الثقافي المتولد من سنة النبي
[الشيخ]: والمصريون بحسهم اللطيف وبتجاربهم الروحية مع الله سبحانه وتعالى ابتكروا حلوى وهذه الحلوى أطلقوا عليها اسم عاشوراء، ويصنعونها في ليلة عاشوراء، والجيران يهدونها لبعضهم البعض، تشبه المهلبية، تشبه الأرز باللبن وما إلى ذلك، اسمها عاشوراء وموجودة في المحال التجارية وما إلى ذلك. لماذا فعلوا ذلك؟ لإدخال الفرحة، امتثالًا [لسنة النبي ﷺ].
هذا المكون يعني أن سيدنا من كلامه صلى الله عليه وسلم أنشأ لنا مكونًا عقليًا، أي تولدت منه ثقافة، وهذه الثقافة هي التي نعيش فيها.
الرد على من يدعي بدعية الاحتفال بعاشوراء والدعوة للتمسك بفهم العلماء
[الشيخ]: أما النابتة التي نبتت — أعاذنا الله من شرها — فيخرج أحدهم قائلًا: هذا بدعة! أي أنني أريد أن أفهم: واليهود يحتفلون به أم لا؟ خالفوا اليهود! فأصبحنا إذن في الحقيقة هكذا نشعر في أنفسنا من الداخل أن هذا لا يفهم الدين الذي نزل على سيدنا محمد.
وأن هذا الناشئ هو ناشئ يشبه النبات، فالنبات هكذا يعني. فلنترك هذا الفهم ولنبقَ في الفهم العميق لأئمة الدين وحفاظه وعلمائه، وهم ينظرون إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف يفهمونها.
سؤال المذيع عن مواقف النبي الإضافية في عاشوراء وتعليق الدكتور محمد مهنا على الحديث الضعيف
[المذيع]: أي شهر المحرم فضيلة الدكتور محمد، إضافة إلى ما يراه فضيلة مفتي الديار، أي هل كانت هناك مواقف معينة للرسول صلى الله عليه وسلم إضافة إلى الاحتفاء والاحتفال بيوم عاشوراء سواء بالصيام أو التوسعة على الأطفال وأهل البيت؟
[الشيخ محمد مهنا]: صحيح، هو فقط قبل ذلك أي أريد — وطبعًا لا إضافة بعد كلام فضيلة المفتي فقد وفّى الأمر حقه — لكن ثمة نقطة تحدث عنها في غاية الأهمية؛ لأن البعض أوقع في قلوب وعقول العامة من الناس في كثير من الأحاديث قوله: حديث ضعيف.
حتى وقع في أذهان الناس أو استقر في عقولهم أن الحديث الضعيف يعني أن هذا لا يُؤخذ به. رغم أن نصف العلماء كالإمام النووي — ومن هو الإمام النووي — يقول: أجمع علماء الأمة سلفها وخلفها على الأخذ بالضعيف في فضائل الأعمال، وهذا من فضائل الأعمال، إجماع بين علماء الأمة.
تفضيل بعض الفقهاء الأخذ بالحديث الضعيف على القياس في الأحكام الشرعية
[الشيخ محمد مهنا]: بل أيضًا بعض المذاهب والفقهاء يفضل الأخذ بالضعيف في الأحكام — ليس في فضائل الأعمال فقط — ويفضله على الرأي أو القياس، أي الرأي.
فهذه صارت من الأمور التي عمّت وانتشرت في زماننا. ولأن هذا طبعًا علم يسمى علم مصطلح الحديث، فصارت هذه من الأمور التي يجب أن ننتبه إليها فعلًا: أن ليس معنى أنه ضعيف أنه لا يُؤخذ به.
فالضعيف في فضائل الأعمال يُؤخذ بها، وهذا موجود وكثير عند العلماء المحققين، ولا نعرف أحدًا من علماء الأمة منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا قال هذا الكلام، نعم من العلماء أبدًا، نعم إلا النابتة في هذا، إلا النابتة.
الرد على من ينسب إنكار الحديث الضعيف إلى البخاري ومسلم وغيرهم من الأئمة
[الشيخ محمد مهنا]: يعني الحقيقة شيء مرعب، نحن الآن كيف يقولون هذا؟ عندما نناقشهم: يا جماعة أنتم يأتون بهذا الكلام من أين؟ قالوا: والله هذا رأي الإمام البخاري ورأي الإمام مسلم بن الحجاج ورأي أبي شامة ورأي ابن حزم ورأي ابن العربي المالكي.
طيب، هذا كذب! وهذه هي صفات النابتة أنهم غير متعلمين، لم يقرأوا الكتب على المشايخ. البخاري ألّف الأدب المفرد وفيه الضعيف، نعم. وألّف التاريخ الكبير والتاريخ الأوسط والصغير وفيه الضعيف، وفي الأدب المفرد يستدل به. وألّف كتاب رفع اليدين وفيه الضعيف، نعم.
طيب، تاريخ البخاري وغيره. أبو شامة نصّ على ذلك، ابن العربي فعل هذا ونصّ على ذلك، ابن حزم فعل هذا في المحلى ونصّ على ذلك. أنتم من أين تأتون بهم؟
الرد على نسبة إنكار الحديث الضعيف إلى الإمام مسلم وبيان خطأ فهمهم لمقدمة الصحيح
[الشيخ محمد مهنا]: قالوا: من مسلم. نحن قلنا خمسة، هؤلاء خمسة منهم أربعة تبيّن أنهم لا يصلحون [دليلًا لهم]. ذهبنا إلى مسلم، فذهبنا إلى مسلم فيقول لك: الله! هذا مسلم قال هكذا. طيب، قال هكذا في ماذا؟ في مقدمة الصحيح.
طيب، مقدمة الصحيح يعني تقرأون ولا تفهمون! طيب ماذا نفعل إذن؟ ماذا نفعل؟ في [الحقيقة] لم يقل مسلم هذا ثانيًا، تمامًا ما لها علاقة بهذا.
فانظر سيادتكم، عندما تجتمع الأمة كلها [على شيء]، ولذلك لدينا واحد من كبار المشتغلين بالحديث اسمه الشيخ خليل ملا خاطر — وهو يعيش الآن في المدينة من علماء الشام الكبار — يقول: كنت أستمع إلى إذاعة من الإذاعات ففزعت أن أحدهم ينكر العمل بالحديث الضعيف مطلقًا ويرى أنه سبب تأخر الأمة! لا حول ولا قوة إلا بالله.
مؤلفات العلماء في الدفاع عن العمل بالحديث الضعيف وخطورة التسوية بينه وبين الموضوع
[الشيخ محمد مهنا]: فألّف كتابًا عن خطورة التسوية بين الضعيف والموضوع، نعم. واستعجب واستغرب الرجل كأنه لم يسمع بهذا الكتاب.
مولانا الشيخ محمد زكي إبراهيم [ألّف كتاب] "وظيفة الحديث الضعيف"، وظيفة الحديث الضعيف، كان محدّثًا من الثقات. عندما شاع هذا الكلام عن الجماعة العلمية — أي أن الجماعة العلمية ليس لها علاقة بهذا الكلام — نعم.
والمهم يا أخي، سبحان الله، يتكاثر الناس حول هذا؛ لأن هذا خطوة لإنكار السنة! لا حول ولا قوة إلا بالله. هذه خطوة.
وهناك الشيخ الأردبيلي ألّف كتابًا اسمه "المعيار" في مجلدين مطبوع موجود في السوق: ألف وخمسمائة حديث ضعيف استدل به الفقهاء الأربعة في الأحكام، نعم في الأحكام.
وجود الحديث الضعيف في مسند أحمد والكتب الستة ومعاناة الأمة من الفهم المبتسر للدين
[الشيخ محمد مهنا]: هذا مسند الإمام أحمد فيه الضعيف، هذه الكتب الستة التي هي دواوين الإسلام فيها الضعيف، فكيف هذا؟
[المذيع]: في الحقيقة هنا أصبحنا هنا نحتاج إلى مسألة أخرى. ما هو هذا الذي استوقف فضيلة الدكتور محمد مهنا وله حق في هذه الوقفة؟ لأن نحن في معاناة وهي أنه يفعل ماذا؟ يأتي لي بشيء جديد، والشيء الجديد نقص مبتسر، هذا ليس الدين الذي نزل على سيدنا محمد.
[الشيخ]: ويشغل به الأمة عن أمور أهم وعن الأولويات، أو يأتي إذن هذا أهم، هيا نتخاصم! صحيح، هيا نتخاصم! فيشغلني في بالي وفي الجدل لا العمل، لا العمل. هذه هي الحكاية.
نحن نريد العمل لا الجدل، ونريد الموروث النقي الذي لا يصطدم مع الحياة ولا يصطدم مع الدنيا ولا يصطدم مع الدين، ولا نريد عنفًا ولا دمًا في نهاية الأمر يسيل على الطرقات. هذا هو غرضنا.
الإسلام دين كيف لا دين كم والتفاوت بين الأيام والشهور والبشر في الفضل
[المذيع]: لا فضّ فوك فضيلة المفتي. نعود إلى العشرة، إلى العشرة في معنى ملمح طيب وعميق في عاشوراء وهو خاص أيضًا بكافة المناسبات الدينية.
[الشيخ محمد مهنا]: لأن الإسلام أو هذا الدين دين كيف وليس دين كم، دين جوهر وليس دين شكل. الله سبحانه وتعالى لم يخلق الأيام بعضها كبعض ولا الشهور بعضها كبعض. شهر رمضان ليس كبقية الشهور، ولا السنين، ولا البشر؛ سيد الرسل ليس مثل بقية الناس.
فكرة الزي الموحد غير موجودة في الإسلام، فهناك كيف، هناك نوع:
﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا﴾ [الفرقان: 61]
هذه يترتب عليها اختلاف الليل والنهار.
ربط العبادة بتعاقب الليل والنهار والتواؤم بين غيب الأكوان وغيب الإنسان
[الشيخ محمد مهنا]: اختلاف الليل والنهار:
﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا * وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: 61-62]
كيف إذن يربط العبادة بتعاقب الليل والنهار، بالأيام والسنين؟ لأن الأيام لها روح كما للإنسان روح. فيه غيب الأكوان وغيب الإنسان، والعبادة هي التي تربط بين غيب الأكوان وغيب الإنسان.
لماذا عاشوراء؟ ولماذا نصومه؟ ولماذا الصيام في شهر رمضان في هذا الوقت تحديدًا؟ لماذا؟ الحج في هذا الوقت لماذا؟ الصبح في هذا الوقت لماذا؟ الظهر في هذا الوقت؟ إن في هذا الوقت للكون غيب وللإنسان غيب.
اختلاف حال المصلي باختلاف الأوقات وأسرار التوقيت في العبادة
[الشيخ محمد مهنا]: العبادة في هذا الوقت تربط بين غيب الأكوان وغيب الإنسان. حالك وأنت تصلي الفجر ليس كحالك وأنت تصلي الظهر، حالك وأنت تصلي قيام الليل وحدك ليس كحالك وأنت تصلي وقت العصر مثلًا في جماعة أو كيف حالك في جماعة. لماذا؟ لأن هناك غيبًا، نعم.
فيعني حتى لا تتوسع كثيرًا يعني ابتعد عن الموضوع الأصلي، لذلك ما هو المعنى في العبادة؟ معنى دقيق، معنى العبادة معنى دقيق للغاية.
صحيح، عندما نأتي لنقول مثلًا:
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]
كتاب فرض، موقوت في وقت معين. قد يفوتني الفرض فأقضيه في وقت آخر، لكن موقوتًا إذا فات يعني لكل وقت بركته الخاصة، لكل وقت أسراره الخاصة وأنواره الخاصة ونفحاته الخاصة.
حكمة ابن عطاء الله عن النفحات الإلهية وفضل عاشوراء ونجاة موسى ونوح
[الشيخ محمد مهنا]: إذن مضت وانقضت مني هذه الكثير من الفضائل، أي كثير من الفضائل أو فضل هذا التوقيت بالذات. لذلك ابن عطاء الله رضي الله عنه يقول: ما من نَفَسٍ تبديه إلا ولله فيك قدر يمضيه، فإن كنت مع الله بأنفاسك كان معك بلطفه في أقداره.
فعاشوراء لها فضل ذكر لنا الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هذا الفضل — كما تفضل فضيلة المفتي — سيدنا موسى في اليوم الذي نجّى الله فيه موسى. وأيضًا ذكر البعض الآخر أن في هذا اليوم استوت سفينة نوح على الجودي.
وبالتالي هذه فقط المعاني الظاهرة لما في هذا اليوم من أسرار ونفحات وأنوار وبركات. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهلها إن شاء الله ويفيدنا بها بإذن الله تعالى.
موقف الشيعة من يوم عاشوراء وربطهم إياه باستشهاد الحسين رضي الله عنه
[المذيع]: نلاحظ فضيلة مفتي الديار احتفالًا عنيفًا من قبل الشيعة أو الذين يتبعون المذهب الشيعي بيوم عاشوراء، أي أنه يوم حزن عندهم لأنهم ربطوه بذلك اليوم الذي استشهد فيه سيد شباب أهل الجنة سيدنا الحسين، نعم.
[الشيخ]: ولكن ليس له علاقة بالاحتفال بيوم نجّى الله فيه موسى أو سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. أي أن هذه بهتت عندهم عندما حدث حادث استشهاد سيد الثائرين — كما يقولون — عليه السلام.
عندما قُتل سيدنا الحسين ظلمًا على يد ذي الجوشن وغيرهم من المجرمين الذين قتلوه استشهادًا، كان في يوم عاشوراء. فهم عندما تأتي هذه الذكرى يغطي حزن هذه الذكرى على اليوم الأساسي.
موقف أهل السنة من استشهاد الحسين وعدم تغطية الحزن على سنة النبي في عاشوراء
[الشيخ]: اليوم الأساسي الذي فيه ذكرى نجاة الله لموسى واحتفال المسلمين بهذا، الذي يعني الكثير مما هو بين المسلمين وبين أهل الكتاب عامة وبين اليهود أيضًا، إلى آخر هذه المعاني التي أرادها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نحن لسنا معهم في هذا، في هذه التغطية. بعض الناس قد يعذرونهم بأنهم في حزن وما إلى ذلك، ولكن رسول الله أمرنا بأن نتجاوز الحزن وأن ندخل في العمل وليس هناك شيء يمنعنا.
ولذلك جعل الحداد ثلاثة أيام فقط على الأب وعلى الأم وعلى إلى آخره، وجعل عدة المرأة على زوجها — وهو لصيقها وهو أبو أولادها — أربعة أشهر وعشرة أيام، لكن لم يجعلها القرون المتمادية هكذا.
حب أهل السنة للحسين وعدم قبول المزايدة وعدم ترك سنة النبي في عاشوراء
[الشيخ]: بلا شك إننا نحب سيدنا الحسين وإننا نعظمه غاية التعظيم وإننا نجلّه غاية الإجلال وإننا نحبه غاية الحب. وهذا لا يزايد علينا فيه أحد.
وتعني علاقة المصريين بسيدنا الحسين وبالمشهد الحسيني وبرأسه الشريف علاقة واضحة، وما من أحد يزايد علينا في هذا ولا نقبل تلك المزايدة.
ولكننا أيضًا لا نقبل أن نترك سنة من سنن سيدنا رسول الله: لا بالصيام ولا بالاحتفال ولا حتى بالتوسعة.
وبعض الشيعة رأيناهم في الحقيقة يعني يحتفلون بذات اليوم ويوسعون على الناس وكذلك إلى آخره، لكن هذا رأيناه في مصر يعني ليس في مناطق الشيعة.
واقع الشيعة في مصر ودعوة بعضهم للاحتفال بعاشوراء كعرس للشهادة لا حزنًا
[الشيخ]: مصر ليس فيها شيعة إن لم يكن أفرادًا لا يُعتد بهم، لكن ليس فيها هذا التجمع الموجود في العراق أو في الكويت أو البحرين أو إيران وكذلك إلى آخره. ليس هناك يعني الشعب أن يكون شيعيًا أو كذلك إلى آخره.
لكن رأينا بعض الشيعة يحتفلون بعاشوراء ويدعون الناس إلى احتفالات وكذلك إلى آخره، وكأنه لاحظ ملحظًا آخر من خلال الحزن ومن خلال الحزن أيضًا، وهو أنه: يا الله! لماذا نحتفل نحن حزنًا باستشهاد الحسين إذا كان هذا قد أصبح شهيدًا عند الله فدخل الجنة؟
فأصبحوا يقولون: هيا نحتفل باستشهاد الحسين! أي أن هذا لا يضر إن كان الحسين شهيدًا وسيد شباب أهل الجنة بنص سيدنا رسول الله. فالأمر ليس محتاجًا إلى ذلك. فلماذا لا نحتفل بهذا العرس أنه قد استشهد في سبيل المبادئ وفي سبيل الحق وفي سبيل كذا وقُتل ظلمًا وأنه شهيد؟
سؤال المذيع عن كيفية تعظيم الاحتفال بعاشوراء ومراتب صيامه الثلاث
[المذيع]: ابقوا معنا. مشروعية الاحتفال بيوم عاشوراء ولماذا هذا الاحتفال، نتحدث بكلمة حق. وسؤالي لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد مهنا: أي كيف نعظم — بعد أن استوضحنا فضل هذا اليوم وكيف كانت سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم — أوضحنا للمشاهدين فضل هذا اليوم، فكيف نعظم الاحتفال به لنستفيد منه الاستفادة القصوى؟ وهل فضيلتكم مع الرأي القائل بأنه يجب أن نفرق بين احتفالنا وبين احتفال اليهود بصيام يوم قبله أو حسب ما يدعو إليه البعض؟
[الشيخ محمد مهنا]: يعني طبعًا تعظيم أيام الله تكون بما شرع الله سبحانه وتعالى وسنّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. طبعًا من المعروف أن الاحتفال بهذا اليوم يكون بصيامه؛ فقد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وجعله سنة لنا.
ولما — حسب بعض الروايات — قالت الصحابة: إن اليهود يصومون فيه، بعض العلماء فسّر على أننا نحب مخالفة [اليهود]، كان يحب مخالفة اليهود. وربما البعض الآخر قال: نحب أن نوافق الآخرين. فقالوا بأن قال: إذا جاء العام القادم فسنصوم تاسوعاء.
ولذلك قال العلماء أن هناك ثلاث مراتب لصيام عاشوراء:
- المرتبة الأولى: أن نصوم التاسع والعاشر والحادي عشر.
- المرتبة الثانية: نصوم التاسع والعاشر.
- المرتبة الثالثة: وهي أن نفرد يوم عاشوراء بالصيام فقط.
التوسعة في الدين ومعنى تذكر عاشوراء والربط بين غيب الإنسان وغيب الأكوان
[الشيخ محمد مهنا]: فيعني أن الدين فيه توسعة وكل ميسر لما خُلق له، ما فيه تضييق. من استطاع أن يصوم العاشر فليصم، من استطاع أن يصوم التاسع والعاشر فليكن، الثلاثة أيام فليكن. فكل هذه توسعة.
المهم في المعنى وهو أن نتذكر المعنى في عاشوراء ونربط — كما قلنا منذ قليل — أن يكون هذا اليوم رابطًا بين غيب الإنسان وغيب الأكوان، لكي أي أن تنزل علينا نفحات الله.
«لله في أيام دهركم لنفحات، ألا فتعرضوا لنفحات الله»
هذا هو السبيل إلى إحياء هذا اليوم، لا شك طبعًا.
الفرق بين نفحة صيام عاشوراء ونفحة صيام يوم عرفة وحكم التوسعة دون صيام
[المذيع]:
﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]
فضيلة المفتي، هذا يوم من أيام الله، كل هذه من أيام الله تختلف.
[الشيخ]: يغفر السنة الماضية، وصيامه يكفّر السنة الماضية، هذه نفحة. وفي صيام يوم عرفة يغفر السنة الماضية وسنة قادمة، نعم، هذه نفحة طيبة.
[المذيع]: التي يوسّع على الأطفال يعني يوسّع عليه دون أن يصوم يا فضيلة المفتي؟
[الشيخ]: لا بأس، هذان الأمران متغايران. الصيام لمن يقدر، افترض أنني غير قادر على الصيام أصلًا ووسّعت على الأطفال، فإنني عملت سنة التوسعة وعلى ذلك تُوسَّع عليّ السنة كلها. أما الصيام وفيه — كما يقولون — وظائف أخرى في يوم عاشوراء.
وظائف يوم عاشوراء من ذكر ودعاء وقرآن وصدقة واجتماع عائلي
[الشيخ]: من هذه الوظائف الذكر، من هذه الوظائف الدعاء؛ لأن الصائم له دعوة مستجابة. من هذه الوظائف حصة القرآن؛ إن لم تستطع أن تقرأ لأي سبب كان فاستمع إلى القرآن واستمع وتدبّر.
من هذه الوظائف فعل الخير والصدقات في هذا اليوم. من أهم هذه الوظائف الاجتماع، نعم. إن الأسرة كلها تجتمع، نحن مشغولون والحياة مشاغل، يقول لك الدنيا تلاهي.
لكن في هذا اليوم أجمع الأسرة، أجمع الأعمام والأخوال وكذلك إلى آخره، فلتكن فرصة للقاء عائلي.
ملخص وظائف يوم عاشوراء بين العبادة والاجتماع وصلة الرحم
[الشيخ]: كان هذا يقودنا إلى التي هي وظائف اليوم: ماذا نفعل في هذا اليوم؟
- أولًا العبادة.
- ثانيًا الاجتماع.
العبادة تبدأ من الذكر والقرآن وكذلك والصيام، لكن التوسعة تأتي من الاجتماع أيضًا. هذا الاجتماع مهم وافتقدناه، هذا الاجتماع فيه صلة رحم ونجمع العائلة الكبيرة كذلك، ونجعل كل سنة عند أحدهم، نقوم بأشياء كهذه.
كان الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى وشيخنا رحمه الله تعالى، كان عندما يُسأل عن أن نفعل كذلك ونحتفل بعاشوراء ونحتفل بالمولد النبوي ونحتفل ببداية السنة الهجرية ونحتفل، فكان يقول: يا جماعة انتبهوا إلى أننا في عصر انشغل الناس فيه.
أهمية المناسبات الدينية كومضات تربط المسلم بهويته وثقافته الإسلامية
[الشيخ]: فمثل هذه الومضات — يا للروعة — تجعل، تضيء فتجعل بينك وبين الإسلام علاقة في الثقافة. لماذا تقول الكحك اتركوه وبدعة وبدع؟ ما الكحك؟ حلو! لأنه طيب. ما كل الأمم تفرح، فلماذا لا تفرحون بالكعك؟ انتهى الأمر، نحن فرحنا بالكعك هكذا.
ربط المناسبة الدينية بشيء طيب حتى بالنسبة للعامة. هذه المناسبات تجعل الناس تعيش في ظلال الإسلام. عندما تلغي هذا وتلغي هذا وتلغي هذا وتلغي هذا، وبعد ذلك ألست ستلغي يوم الشجرة أو عيد الأم أو لا أدري ما هو؟
وما هو عيد الحب؟ وعيد الحب أصبح هذا كلامًا يعني. نحن نستعير أعيادًا من الخارج ومناسبات وذكريات، أصبح هذا الذي نحن نقول فيه: الفرح مع العبادة ومتوافق مع نفسيتي ومع تربيتي ومع ذكرياتي ومع هويتي إلى آخره، أصبح هذا نتركه ونتركه. لماذا؟
دفاع الشيخ عطية صقر عن الاحتفال بالمناسبات الدينية كهوية إسلامية
[الشيخ]: وكتب هذا في إحدى رسائله أو الأسئلة: هل يا ترى نحتفل بليلة الإسراء والمعراج؟ هل نحتفل بنصف شعبان؟ أنا أرى أن نصف شعبان الحديث فيها لا أعرف ماذا يا أخانا، أليس كذلك؟
هذه هوية الإسلام تدعوك إلى أن [تحتفل بها].
تعليق الشيخ على أن اليهود لم يعودوا يحتفلون بعاشوراء وسقوط حجة المخالفة
[الشيخ]: القضية الثالثة يعني التي كنت أريد أن أنبه إليها تعليقًا وتعقيبًا على الدكتور محمد في إجابته الماتعة التي أتفق معه تمامًا فيما هو [قاله].
في الحقيقة أن اليهود كانوا يصومون هذا اليوم، لكن الآن لا يصومون ولا يحتفلون به إطلاقًا. وهذه نقطة من الفقه دقيقة أيضًا، النابتة من أولادنا الصغار هؤلاء لم ينتبهوا إليها.
لكن أشار إليها الشيخ ابن تيمية إلى هذا المنهج: إلى أن الدنيا تتغير. فلو أن مثلًا البياض هذا كان سنة رسول الله يلبسون البياض، لو أن في بلد ما أصبح البياض هذا شعار الفجرة، لا تلبس البياض! يجب أن أخالفه، أخلعه على الفور.
لماذا؟ أليست سنة؟ ستمشي في الشارع تقول أنا ألبس البياض هذا سنة وليس فجورًا؟ لا! ما انتهى الأمر، صار هؤلاء اتفقوا على أن البياض فجر. قم أنا أنسحب منهم لأنني لست فاجرًا ولا أحب أن أكون كذلك.
تغير الزمان وسقوط علة مخالفة اليهود في صيام عاشوراء وصحة صيام العاشر وحده
[الشيخ]: حسنًا والسنة؟ السنة لما تغيرت الدنيا، السنة لم تعد كذلك. فسيدنا صلى الله عليه وسلم في البدايات — كما قال العلماء ونصوا على ذلك — وافق اليهود لكي يبين لهم أننا أمة واحدة، ووالله معنا هو، نحن أمة واحدة ونحن لسنا مشركين ولا وثنيين مثل هؤلاء.
قلبوا عليه الدنيا فغضب منهم في الآخر، فأصبح يخالفهم فقال:
«لأصومنّ التاسع والعاشر»
ولكنه لم يفعل [لأنه تُوفي قبل ذلك]. حسنًا، اليوم أصلًا اليهود لا يحتفلون أصلًا بهذا اليوم ولا يعرفونه. اليوم أنت تخالف من؟
فإذا من صام العاشر فهو على صحة، ومن صام التاسع والعاشر فسنة رسول الله أولى بالاتباع في كل حال، ومن صام الحادي عشر تبقى الزيادة في الخير مطلوبة.
أي هذا هو المعنى الذي وراء أن كل ذلك صحيح، حتى العاشر وحده صحيح، نعم. ليس كذلك ما لم ننفذ رغبة رسول الله، لا! بل لأن وأصبح عاشوراء نحن نعمله احتفاءً بموسى عليه السلام، وليس هناك من أخالفه ولا من أغضب منه ولا كذلك إلى آخره، ما هو غير موجود أصلًا هذا الصنف.
أهمية الاهتمام بالمناسبات الدينية للحفاظ على الهوية الإسلامية ومراعاة تغير الزمان
[الشيخ]: إذا هذا فهم مشايخنا رحمهم الله تعالى: أن علينا أن نهتم بالمناسبات التي تجعلنا مرتبطين بالهوية، أن نفعلها كما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن نراعي تغير الزمان والمكان، وأن نستحضر ونحيي الوظائف في هذه الأيام فنخرج بفوائدها.
وهي التي عبّر عنها الدكتور محمد بالتواؤم بين غيب الإنسان وغيب الأكوان: أن هناك أسرارًا كثيرة لا نعرفها، ولكن إذا اتبعنا الشريعة وصلنا في مواقيتنا، وصلناها كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لنا.
وهكذا سنتعرض لنفحات كثيرة من أمتعها: الهدوء النفسي والطمأنينة والسعادة والرضا والتسليم، الأمل والهمة. هذه الأشياء كلها ترجع إلى الإنسان إذا تعامل مع غيب الأكوان بغيب الإنسان.
سؤال المذيع عن خطورة الاشتباك حول عاشوراء على وحدة الأمة ورد الدكتور محمد مهنا
[المذيع]: وهنا نأخذ الملمح من كلام فضيلتكم ونسأل الأستاذ الدكتور محمد مهنا: هل هذا الخلاف يفسد هذه الفرحة بين البعض الذين يتحدثون ويكثرون من الحديث عن مشكلة يوم عاشوراء وأنه احتفال فيما سبق اليهود وغير ذلك؟ فضيلة الدكتور محمد، وخطورة الاشتباك حول هذه الأمور والارتكان إليها على وحدة الأمة ونسيج المجتمع؟
[الشيخ محمد مهنا]: يعني أنه ليس فقط يفسد الفرحة، بل يفسد الفرحة ويشوّش على الناس أمور دينهم ويصرف الأمة عن الأولويات وعن المخاطر التي تحدق بها.
عندما يأتي وقت مثل هذه الأوقات مثلًا، والمفروض أن تجتمع الأمة على الأمور المهمة التي تنتشلها من هذه المخاطر، وأن تُصرف الأمة في أمور جانبية لن تقدم ولن تؤخر.
الاختلاف في الفروع سنة قرآنية ونبوية وعقلية وقاعدة لا إنكار في المختلف فيه
[الشيخ محمد مهنا]: ليست من أصول الدين. الدين فيه أصول الأمة متفق عليها لا يستطيع أحد أن يخالفها، وهناك فروع، والاختلاف في الفروع أمر مقرر قرآنًا وسنة وعقلًا وطبعًا.
بالطبيعة أي أن الاختلاف في الفروع سنة قرآنية، الاختلاف في الفروع سنة نبوية، الاختلاف في الفروع سنة صحابية، الاختلاف في الفروع سنة عقلية. طبيعة الأشياء فيها الاختلاف، الإنسان في ذاته بداخله اختلاف.
قال العلماء: من لم يفقه علم الاختلاف لم يشمّ رائحة الفقه بأنفه. يا سبحان الله! من لم يكن يفقه علم الاختلاف فماذا؟
والقاعدة عند الأصوليين: لا إنكار في المختلف فيه. هذه المسألة من البديهيات التي يتعلمها أولاد الأزهر، أي الأطفال الصغار يعرفون أنه لا إنكار في المختلف فيه.
أساس الدين الأدب وأدب العلماء مع بعضهم كالإمام أبي يوسف والشافعي مع مالك
[الشيخ محمد مهنا]: فالقضية إذن — فضلًا عن إساءة الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إساءة أدب مع علماء الأمة، إساءة أدب مع وحدة الأمة مع كيانها — وأساس هذا الدين هو الأدب، أساس العلم في الدين الأدب.
يقول محمد بن القاسم صاحب الإمام مالك: صاحبت مالكًا عشرين سنة، ثمانية عشرة سنة منها كانت في الأدب وسنتان في العلم، فيا ليتها كلها كانت في الأدب.
أساس الدين هذا أدب. إن أنا آتي وسط العلماء في وجه العلماء هكذا في مواجهة علماء ووجه أي شيء، خروج عما استقر عليه العلماء، تطاول على قامات كبيرة باسم العلم.
ها سيدنا الإمام أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة يقول: والله ما مددت رجلي تتجه في اتجاه مسكن أبي حنيفة وبيني وبين مسكنه سبع طرق، سبع طرق!
أدب الشافعي مع مالك وأدب موسى مع الخضر نموذجًا لأدب طالب العلم
[الشيخ محمد مهنا]: هؤلاء العلماء، هؤلاء هم من ورثوا الأزهر. يقول سيدنا الإمام الشافعي: والله أكون عطشانًا فلا أجرؤ أن أمد يدي لأشرب الماء هيبةً لمالك وهو جالس أمامي. يا سبحان الله!
أدب العلماء هذا الذي ورثوه عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة في العلم، في تلقي العلم.
فالقضية إذن قضية أدب. ولذلك العلماء لما تكلموا معه، لما سيدنا موسى طلب من سيدنا الخضر العلم، دلّوا على الأدب:
﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66]
بعد الحوار وقال له:
﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: 67]
قال له ما:
﴿فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْـَٔلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىٰٓ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: 70]
مجرد السؤال! لا تسأل حتى أفسر لك وأقول لك. رغم أن الاختبارات والابتلاءات التي كان سيمر بها في هذه الرحلة العلمية — في طريق العلم من مقام الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان — هذه الرحلة والابتلاءات التي سيمرون بها لم يكن يتحملها أحد رغم علمه بذلك، لكن شرط الأدب.
فهذا خروج عما استقرت عليه الأمة، نعم صحيح.
ختام الحلقة بالدعوة لصيام عاشوراء والتوسعة والذكر والاجتماع العائلي
[المذيع]: نعم فضيلة الدكتور محمد مهنا، والختام مع مفتي الديار عن كلمة حق في يوم عاشوراء.
[الشيخ]: صوموا يوم عاشوراء، ومن لم يستطع أن يصوم فعليه بالذكر والدعاء والقرآن قراءةً أو استماعًا، ووسّعوا على أولادكم واجتمعوا حول مائدة واحدة حتى نصل الأرحام وحتى نطبق بركة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[المذيع]: كل عام وأنتم بخير، كل عام وفضيلتكم بخير. وشكرًا جزيلًا لفضيلة مفتي الديار المصرية العلامة الجليل الدكتور علي جمعة، شكرًا جزيلًا. شكرًا لكم وشكرًا أيضًا، شكر موصول لضيفي الكريم الأستاذ الدكتور محمد مهنا أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر وأمين عام الدعوة بالعشيرة المحمدية، شكرًا جزيلًا.
كان الحديث عن نفحة من نفحات الله ويوم طيب مبارك ويوم عاشوراء، وكان رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم يحرص على صيام هذا اليوم، ونحن أيضًا نتأسى برسولنا فنسير على الدرب ونصوم هذا اليوم لعله أن تصيبنا نفحة من نفحات هذا اليوم.
نشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة ونترككم في أمان الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
