برنامج مع رسول الله | الحلقة الثانية عشر | الرفق بالخادم | أ. د علي جمعة
- •الوصية بالرفق بالضعيف من أهم وصايا النبي صلى الله عليه وسلم، ويشمل ذلك الرفق بالخدم والعبيد والأطفال والنساء وكل ضعيف.
- •حديث أبي مسعود يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم منعه من ضرب غلامه قائلاً: "اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك عليه"، فأعتق الغلام لوجه الله.
- •حذر النبي من قذف المملوك بما هو بريء منه، وسيقام على القاذف الحد يوم القيامة.
- •أوصى النبي بالعفو عن الخادم سبعين مرة في اليوم، وهذا كناية عن كثرة العفو والتسامح.
- •ذكر ثلاث خصال من كن فيه ستره الله بكنفه وأدخله جنته: الرفق بالضعيف، والشفقة على الوالدين، والإحسان إلى المملوك.
- •امتد الرفق بالضعيف ليشمل الحيوان، فدخل رجل الجنة لسقايته كلباً عطشاناً، وكذلك امرأة بغي غفر لها بسبب سقايتها كلباً.
مقدمة الحلقة وتسليط الضوء على وصية النبي بالرفق بالضعيف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
اليوم نريد أن نسلط الضوء على وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفق بالضعيف. والرفق بالضعيف يشمل الرفق بالخدم، وفي النظام السابق الذي والحمد لله تخلصنا منه وهو نظام الرق والعبودية، كان الرقيق مأسورًا وضعيفًا.
ولذلك كان الخدم وهم أحرار وليسوا عبيدًا، وكان الرقيق وهم ضعفاء، وكانت أيضًا الطفولة البريئة الصغيرة وضعيف [أي ضعيفة]، والأنثى ضعيفة بالنسبة للرجل الذي يمكن أن يتعدى عليها بأنواع من الضرب أو الإهانة أو القسوة أو ما إلى ذلك. فأوصى النبي صلى الله عليه وسلم وكان منحازًا إلى الضعيف؛ هذا خلق عالٍ وراقٍ يجب أن نتمثل به. مجموعة من الأحاديث معنا اليوم نعيش مع سيدنا رسول الله وبسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى.
حديث أبي مسعود في ضرب الغلام وتحذير النبي له من عقوبة الله
عن أبي مسعود رضي الله عنه قال:
«كنتُ أضرب غلامًا لي»
والغلام هنا معناه عبد، ولد صغير هكذا عنده عشر أو إحدى عشر سنة، مأخوذ في الأسر ومأخوذ في كذا، وأضربه لأنه فعل شيئًا قصّر فيه.
«فسمعتُ صوتًا من خلفي يقول: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، لَلَّهُ أقدرُ عليك منك عليه»
فالتفتُ فإذا هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقلت [أي فقال أبو مسعود] — انظر التربية، انظر الاستعداد، انظر أبا مسعود هذا هو سيدنا أبو مسعود رضي الله تعالى عنه، انظر كيف يتلقى من سيدنا رسول الله؛ يقول له: ربنا أقدر عليك من قدرتك أنت عليه.
التفت فوجد رسول الله، ما رد فعله؟ لم يقل له: ماذا فعل وعصى وأساء وأنا لست مخطئًا. فقال له ماذا؟ قال: يا رسول الله، هو حرٌّ لوجه الله.
تحذير النبي لأبي مسعود من النار لولا عتقه للغلام
طبعًا هذه القصة تعني أن فيها مالًا، يعني أنه [أبو مسعود] دفع الآن من عنده قيمة هذا العبد [بتحريره لوجه الله].
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يا أبا مسعود، لو لم تفعل لَلَفَحَتْكَ النار»
يعني أنت الآن بهذه المبادرة أنقذت نفسك يا أبا مسعود من النار. لَلَفَحَتْكَ النار، لَمَسَتْكَ النار. صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا الحديث رواه الإمام مسلم والإمام أبو داود في سننه.
حديث أبي هريرة في عقوبة من قذف مملوكه وهو بريء يوم القيامة
نروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
«من قذف مملوكه — أو عبده — وهو بريء مما قيل، جُلِدَ له يوم القيامة حدًّا»
وكل شيء هو ضعيف يعني [يدخل في هذا الحكم]؛ وأنا قذفته وهو بريء، فإذا أنا جمعت الآن بين القوة وبين الظلم هكذا، يعني وهو بريء مما قيل، سيُقام على هذا القاذف الحد يوم القيامة. وهذا الحديث رواه أبو داود.
ما معنى قذف؟ أي رماه بتهمة الزنا، قال له: أنت ولد لعوب وما إلى ذلك، لا أدري ماذا وما يتعلق بالنساء، وأنت زنيت يا بني، والولد لم يزنِ ولا شيء. فإذا أضاع نفسه وسيُقام عليه الحد يوم القيامة حد القذف. ربما لن نقيم عليه الحد في الدنيا؛ لأنه سيقول لم أقل، وسيخاف منه الولد إلى آخره.
حديث ابن عمر في سؤال الرجل عن عدد مرات العفو عن الخادم وصمت النبي
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كم نعفو عن الخادم؟ يخطئ مرة أو اثنتين ونعفو عنه ثلاث مرات، حسن. فالنبي عليه الصلاة والسلام سكت، صمت.
فأعاد الكلام: يا رسول الله، كم نعفو عن الخادم؟ عشر مرات مثلًا، أي قل لي فقط أي شيء. فصمت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسيدنا رسول الله عندما يصمت هكذا يكون هناك شيء، أي أن السؤال كأنه ليس جيدًا أو ليس [مناسبًا]؛ كم مرة أعفو عن الخادم؟
فسأله للمرة الثالثة: يا رسول الله، أعفو كم مرة؟ عفا عن الخادم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم — إن هذا الصمت يعني كأنه سيأتي بشيء قد يستغربها، فيصمت حتى يتقبلها ويعرف أن هذا هو الكلام الصحيح — قال:
«في كل يوم سبعين مرة»
معنى سبعين مرة في لغة العرب بين الظاهر والتكثير والانحياز للضعفاء
دخلنا هكذا، نحن دخلنا هكذا في مشكلة! سبعين مرة، يعني يخطئ الخادم مرة واثنتين وثلاثًا حتى يأتي بتسعة وستين فسبعين، بحيث أنني سآخذه في الواحد والسبعين احتمالًا. أم ما معنى الكلمة؟
سبعين هذه في لغة العرب للتكثير:
﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]
على المنافقين، فسبعين هذه للتكثير. يعني لو جلست فهنا اعفوا عنه سبعين ولا اعفوا عنه مائة مرة فقد ولا اعفوا عنه على الفور.
فهنا الإشكال: الذي سيأخذ بظاهر الحديث سيقول أنا أعدد له سبعين مرة فقط، هذا كل يوم سبعين خطأ، كل يوم! هذا ما هذه البلوى؟ سبعين خطأ كل يوم، هذه بلوى حقًّا! الذي يقول إنها للتكثير سيقول: لا، ولا تؤاخذه تمامًا؛ إذن لأنه ضعيف يا هذا. انحياز شديد إلى الضعفاء.
هذا الحديث رواه الترمذي ورواه أبو داود أيضًا. حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني يدلنا على خيرَي الدنيا والآخرة، انحاز إلى الضعيف.
حديث جابر في ثلاث خصال تدخل صاحبها الجنة وتستره بكنف الله
عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ثلاثٌ من كُنَّ فيه سَتَرَ اللهُ عليه بكَنَفِه وأدخله جنته»
فما هي هذه الثلاث؟
- الرفق بالضعيف وهذه الأولى.
- والشفقة على الوالدين وهذه الثانية.
- والإحسان إلى المملوك وهذه الثالثة.
الرفق بالضعيف، ولذلك إذا وجدت شخصًا يحتاج إلى معونة فلا بد عليك أن تعينه حتمًا؛ أخرق لا يعرف أن يعمل ولا أن يلضم إبرة تعينه، وهذا كله يدخل في [الرفق بـ] الضعيف.
الرفق بالضعيف يشمل الخلق أجمعين حتى الحيوان وقصة دخول الجنة بسقي كلب
والضعيف يشمل أيضًا الخلق أجمعين، حتى أنه كان النبي يوصي بالحيوان، ويدلنا على أن رجلًا قد دخل الجنة بسبب كلب وجده عطشان يأكل الثرى [أي التراب].
قال النبي ﷺ: «فنزل فملأ خُفَّه بالماء ثم خرج فسقى الكلب، فأدخله الله الجنة»
في حين أن امرأة بغيًّا — والبغي تعني الزانية، ونعوذ بالله تعالى، مرتكبة الفاحشة الكبيرة — ولكن كيف دخلت الجنة؟ قال: إنها وجدت كلبًا عطشان فسقته. أخرجه البخاري، أخرجه البخاري.
فأين [موضعه في صحيح البخاري]؟ بعد حديث الثلاثة الذين دخلوا الكهف ووقعت عليهم صخرة إلى آخر الحديث، بعد هذا الحديث وهو عندما أورد هذا الحديث عن المرأة من بني إسرائيل فإنه أورده كمثال بلا باب محدد.
دعاء ختامي بالشفقة على الضعفاء والخلق أجمعين
يا رب اجعلنا ممن يشفق على الضعيف وعلى الخلق أجمعين. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
