برنامج مع رسول الله | الحلقة الثانية | حسن الخلق | أ.د علي جمعة
- •يبين حديث النواس بن سمعان الأنصاري أن البر هو حسن الخلق، والإثم ما حاك في النفس وكره الإنسان أن يطلع عليه الناس.
- •جعل النبي صلى الله عليه وسلم حسن الخلق علامة من علامات الإيمان وأساساً في التعامل مع المجتمع.
- •أكد النبي أن المسلم قد يبلغ بحسن الخلق ما لا يبلغه بالصيام والقيام.
- •وصف الله تعالى نبيه بالخلق العظيم، وكانت عائشة رضي الله عنها تقول عنه: "كان خلقه القرآن".
- •حسن الخلق مبني على الرحمة، وهي صفة افتتح الله بها كتابه الكريم.
- •من كان عنيفاً قاسياً في تعامله مع الناس فهو بعيد عن أخلاق المسلمين.
- •الإثم يتمثل في حالة من التردد والاضطراب الداخلي والخوف من اطلاع الناس عليه.
- •أكد النبي لعائشة أن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
- •تحتاج تربية النفس على حسن الخلق إلى مجاهدة ودعاء وتدريب مستمر.
مقدمة الحلقة وحديث النواس بن سمعان عن البر والإثم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن النواس بن سمعان الأنصاري رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن البر والإثم، فقال:
قال رسول الله ﷺ: «البرُّ حُسنُ الخُلُق، والإثمُ ما حاكَ في نفسك وكرهتَ أن يطَّلع عليه الناس»
صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. هذا الحديث رواه مسلم والترمذي.
الحديث يدعو إلى الشفافية وحسن الخلق علامة من علامات الإيمان
وهذا الحديث يدعو إلى ما نسميه بالشفافية؛ حيث إنه يتحدث عن البر ويتحدث عن الإثم. فالبرُّ حسن الخلق، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل حسن الخلق علامة من علامات الإيمان، وجعل حسن الخلق هو الأساس في التعامل بين العبد وبين من حوله من مجتمع وبيئة.
وكون حسن الخلق هو الذي أمر به معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما ذهب إلى اليمن، وقال له [النبي ﷺ]: «وعليك بحسن الخلق».
الحديث المسلسل بالحسن في فضل حسن الخلق وبلوغ درجة الصائم القائم
حسن الخلق هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أسماه أهل الحديث المسلسل بالحسن، عن الحسن بن علي عن أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين، عن جدِّ الحسن صلى الله عليه وآله وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «أحسنُ الحسنِ الخُلُقُ الحسن»
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «إن أحدكم ليبلغ بحسن الخلق ما لا يبلغه الصائم القائم»
قال رسول الله ﷺ: «إذا ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه»
وهذا الشيء الذي وقر في قلبه [أي قلب أبي بكر رضي الله عنه] هو حسن الخلق.
أبو بكر الصديق نموذج في حسن الخلق ووصوله إلى الصديقية العظمى
كان أبو بكر رضي الله عنه قد وصل إلى الصديقية العظمى بحسن الخلق. كان هادئ النفس، وكان من عباد الرحمٰن:
﴿ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا سَلَـٰمًا﴾ [الفرقان: 63]
وكان من الذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا. كان حسن الأخلاق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»
وربنا سبحانه وتعالى وصف هذا النبي العظيم فقال في شأنه:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
السيدة عائشة تصف خلق النبي بالقرآن وأمانته مع المشركين
وكانت السيدة عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها وأرضاها تقول: «كان خُلُقه القرآن». كان النبي صلى الله عليه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض صلى الله عليه وسلم، أبهر العالم وأبهر من حوله بحسن خلقه.
ولذلك رأيناه وهو يهاجر من مكة يجعل عليًّا [بن أبي طالب رضي الله عنه] خلفه حتى يردَّ إلى المشركين أماناتهم التي كانت عنده. كانوا لا يؤمنون [بدينه] إلا [أنهم كانوا يثقون] برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسموه بالصادق الأمين.
حسن الخلق يحتاج إلى تربية وتدريب ومقاومة للنفس وأساسه الرحمة
كل هذا [من حسن الخلق] يحتاج إلى تربية، ويحتاج إلى مقاومة النفس، ويحتاج إلى تدريب على حسن الخلق. فاللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا.
حسن الخلق مبني على الرحمة، ولذلك بدأ الله سبحانه وتعالى كتابه فقال:
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]
فإذا رأينا أحدهم ليس رحيمًا وليس في قلبه حب، وليس في أخلاقه حسن تعامل مع الناس، ورأينا العنف والشدة والقسوة، فاعلم أنه ليس من أخلاق المسلمين ولا يعرف عن الإسلام شيئًا. اللهم احفظنا.
محبة الناس للشخص بسبب حسن خلقه لا بسبب عبادته فقط
أما إذا أحب الناس هذا الشخص، ليس لأنه يصلي، وليس لأنه يصوم، وليس لأنه يحج كل عام، وليس لأنه أبدًا [يتظاهر بالعبادة]؛ لأنه يحب الناس، لأنه يُحسن خلقه مع الناس، إذن فهو في نطاق البر.
نعم، البرُّ هو حسن الخلق.
الإثم هو ما حاك في النفس وتردد أصحاب العنف والقسوة في داخلهم
أما الإثم الذي هو ضد ذلك [أي ضد البر] ولا يعرف عن الإسلام ولا من الإسلام شيئًا، الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطَّلع عليه الناس؛ هو متردد.
ولذلك كل هذه الصور التي ترونها أمامنا ممن أظهروا تدينهم وكانوا على عنف وشدة وقسوة وغباء وجهالة وعبوس، هؤلاء وهم في أنفسهم من الداخل يستشعرون هذا الإثم ويخافون أن يدرك الناس أنهم في حالة اضطراب.
هم دائمًا مترددون، هم دائمًا في حالة من التوجس، يترددون دائمًا: هل نحن على حق؟ ويراجعون أنفسهم دائمًا، مرة يُظهرون هذا [العنف] ومرة يرجعون عنه، ولا تجد لهم قرارًا إلا هذا العنف الذي يُخفون وراءه هذه الحيرة وهذا الهم الذي يحملونه في قلوبهم.
حديث الرفق وأنه يزين كل شيء وأن العنف يشين كل شيء
نعم، الإثم ما حاك في القلب أو ما حاك في صدرك وكرهت أن يطَّلع عليه الناس. طبعًا لأنه يختفي وراء هذا العنف.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العُنف»
هكذا وردت بفتح العين، وهي أيضًا في اللغة: العُنف. السيدة عائشة ربَّاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وربَّ الأمة وربَّ أصحابه على هذه الأخلاق الحميدة العالية.
حسن الخلق يحتاج إلى دعاء وعدم التمسك بالدنيا والإيمان بالبر
ولكن هذا [حسن الخلق] ليس سهلًا كما يظن بعض الناس، بل يحتاج إلى أن ندعو الله سبحانه وتعالى كما دعونا أن يجعل الدنيا في أيدينا وليس في قلوبنا، فلا نتمسك بها كتمسك الكلب -والعياذ بالله تعالى- بالعظم، بل إننا نتركها ونفرُّ منها فتجري وراءنا.
نعم، يجب علينا أن نؤمن بأن البرَّ هو حسن الخلق، وأن الإثم ما حاك في صدرك وقلبك وكرهت أن يطَّلع عليه الناس.
الدعاء بالصلاة على النبي وطلب الجنة من غير حساب ولا عقاب
فاللهم صلِّ وسلِّم على الحبيب المصطفى والنبي المجتبى، وألحقنا به يوم القيامة تحت لوائه، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
