برنامج مع رسول الله | الحلقة الخامسة عشر | الإيثار على النفس | أ. د علي جمعة
- •يتناول الحديث الشريف تنبؤ الرسول صلى الله عليه وسلم بظهور الأثرة (الأنانية) وأمور منكرة بعد وفاته.
- •وجه النبي المسلمين عند مواجهة هذه الأمور أن يؤدوا الحق الذي عليهم ويسألوا الله الحق الذي لهم.
- •نجح الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية صحابته على الإيثار، كما في قصة الصحابة التسعة الجرحى الذين آثر كل منهم غيره بشربة ماء حتى ماتوا جميعاً.
- •ضرب مثال بقصة المرأة التي جاءت عائشة رضي الله عنها ومعها ابنتان، فأعطتها تمرة واحدة قسمتها بين الابنتين.
- •كان بيت النبي صلى الله عليه وسلم يمر عليه الشهر والشهران وليس فيه إلا الماء والتمر، رغم أنه قائد أمة منتصرة.
- •تحقيق هذا المنهج النبوي يجلب خير الدنيا والآخرة، وهو ليس ضعفاً بل عين القوة.
- •تختلف هذه القيم عن فكر الجاهلية الذي يرى أن من لم يظلم الناس يُظلم.
مقدمة الحلقة وحديث النبي عن الأثرة والأنانية بعد وفاته
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
قال رسول الله ﷺ: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم» رواه البخاري ومسلم
شرح معنى الأثرة والأنانية وحديث الهوى المتبع والشح المطاع
ستكون بعدي أثرة يعني الأنانية، ولذلك في حديث آخر يقول [النبي ﷺ]:
قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم هوىً مُتَّبَعًا وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيِه وشُحًّا مُطاعًا ودنيا مُؤثَرَة، فعليك بخاصَّةِ نفسِك ودَعْ عنك أمرَ العامَّة»
هذا هو معنى الأثر [أي الأنانية والاستئثار بالدنيا]، سترون من بعدي أثرًا بعد أثر، يعني أنانية [تتكرر وتنتشر بين الناس].
نجاح النبي في إزالة الأنانية من قلوب الصحابة وإيثارهم على أنفسهم
هذه الأنانية استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزيلها من قلوب الصحابة، وكان هذا من حُسنِ تربيته لأصحابه. فمما تميزت به الصحابة أنهم:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]
كانت هناك قصة تسمى قصة الصادي، والصادي يعني العطشان، وذلك أنهم كانوا في الجهاد في معركة من المعارك، وكانوا تسعة [من الصحابة الجرحى].
تفاصيل قصة الصادي وإيثار الصحابة التسعة بالماء حتى الموت
فطلب أحدهم وهو جريح - التسعة كانوا جرحى هكذا بجانب بعضهم - ماءً، وكانت المياه قليلة شحيحة، فجُلب له شيئًا مثل القربة الصغيرة. فعندما أخذها بيده هذا الصحابي الكريم، وجد من بجواره يقول إنه يريد ماء، فحرم نفسه منها وأعطاها له.
فهذا الصحابي قال [لنفسه: أخي أحق بها مني] وهو ممسك بالماء، من بجواره قال: أريد ماء، فأعطاها له وآثر صاحبه على نفسه.
وظل الماء يدور حتى وصل إلى الأول مرة ثانية، تسعة كلهم يُؤثِرون أصحابهم على أنفسهم، فمات الصادي هذا، ومات [جميعهم رضي الله عنهم].
عائلة الصادي وانتشارها في مصر ومنهم الشيخ أحمد منير الصاضي
وعائلة الصادي هذه موجودة كبيرة، تجدها متشعبة، ومنها من هو في مصر. عندما تسمع كلمة الصادي تعرف أنهم أولاد هذا الصحابي الذي لف الماء عليهم هكذا [يؤثر كل واحد منهم صاحبه على نفسه]. وكان منهم أحد شيوخنا وهو الشيخ أحمد منير الصاضي، كان من أبناء هذه العائلة.
الدروس المستفادة من قصة الصادي وأثر الإيثار في بناء الأمة والحضارة
ما يُستفادُ من هذه القصة أنه [الصحابي] ضحّى بنفسه لأجل شربة ماء لغيره. هكذا كانت صحابة رسول الله، هكذا كانوا متّحدين ومجتمعين، ولذلك فازوا ونجحوا وبنوا أمة وحضارة.
حتى قال أحد المستشرقين: حُفاةٌ عُراةٌ خرجوا ليغزوا العالم، لم يكن معهم أموالٌ ولم يكونوا أغنياء، لكنهم كانوا أصحاب همّة. وهذا يُحدِث فرقًا كبيرًا جدًا في إقرار الحق ومقاومة الباطل.
إنسان فعلًا نجح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعون الله في بنائه نفسيًا [أي بناء الصحابة نفسيًا وروحيًا].
تحقق نبوءة الأثرة في عهد النبي وقصة المرأة التي جاءت لعائشة بابنتيها
«إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها»، أليس هذا ما رأيناه في عهد رسول الله؟ أليس هذا ما حدث عندما جاءت امرأة إلى [السيدة] عائشة [رضي الله عنها] تسألها ومعها ابنتان، فلم تجد عائشة عندها إلا تمرة.
وكانت [السيدة عائشة] تجلس ترى الهلال والهلال والهلال والهلال، يعني شهر، ترى الهلال ثم ترى الهلال، يعني الشهر يأتي شهرين ثلاثة وهم ليس عندهم إلا الماء والتمر.
بيت النبي الذي كان يعيش بالماء والتمر وهو قائد الأمة المنتصر
تخيل إذن بيتًا يعيش بالماء والتمر، بيت من هذا؟ إنه بيت سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، بيت زعيم الأمة، بيت قائد المسلمين، قائد فعلى [حقيقي]، قائد عنده جيش منتصر، قائد ديانته انتشرت في الأرض فيما زُوي له - صلى الله عليه وسلم - من الأرض من طنجة إلى جاكرتا، من غانا إلى فرغانة.
قال [أنس رضي الله عنه]: ما يوجد في بيتهم إلا قليل من الماء وقليل من التمر، وأيضًا التمر قد انتهى.
قصة تقسيم التمرة بين البنتين وصبر السيدة عائشة على الحرمان
فأعطت [السيدة عائشة التمرة] للبنت، كما ذكرنا في حلقة سابقة للسيدة [عائشة رضي الله عنها]، فالسيدة قسّمت التمرة - تمر المدينة - فأحيانًا يكون صغيرًا هكذا وأحيانًا يكون كبيرًا ويسمونه العنبري، فقسّمتها قطعتين هكذا، فأعطت هذه واحدة وهذه واحدة، وهي صبرت على هذا [الحرمان].
إن هذه نفوس تُبنى، وهو بناء صعب ولكنه بناء مؤثر. بعد ذلك قال [أنس رضي الله عنه]: عندما وضعنا رسول الله [في قبره] انكسرت قلوبنا.
وجود النبي بين الصحابة كان نوراً مختلفاً والنموذج البشري الممكن للاقتداء
أليس هذا هو ما كان يحدث في عصر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ طبعًا وجود سيدنا رسول الله يُعد أمرًا مختلفًا تمامًا، فهو أنوار وأسرار ووحي وسماء متصلة:
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنَا فِيكُمْ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 101]
لكن هناك نموذج بشري ممكن، وهذا دائمًا ما سنقترب منه ونبتعد عنه، نقترب منه ونبتعد عنه، ولكن بقدر ما نقترب، سننال خير الحياة الدنيا قبل الآخرة، وبقدر ما نبتعد فلا نتعب [إلا أنفسنا].
شرح وصية النبي بأداء الحق الذي عليك وسؤال الله الحق الذي لك
ولذلك ما أمرنا [النبي ﷺ]، انظر إلى ما لا نفعله، قال: تؤدون الحق الذي عليكم. إذا كان لأحد دين في ذمتك فأعطه إياه. وماذا عن الدين الذي في ذمته هو لك؟ قال: وتسألون الله الذي لكم.
يعني عندما يكون لك دين عند أحد، تقول: يا رب اجعله يسدده، يا رب وفقه حسنًا، أكله [أي توكله] عليه، الأمر لله. وماذا سأفعل؟ علي الصبر إذن.
الفرق بين منهج الجاهلية في أخذ الحقوق بالقوة ومنهج النبي في التوكل على الله
يعني إذا لم أذهب بالسلاح، ولن أقتله، ولن أنهبه، ولن أسرقه، ولن [أفعل شيئًا من ذلك]، كل هذا الكلام خطأ، وإنما سأتوجه إلى الله سبحانه وتعالى.
فبعض الناس يقول لك: لماذا هكذا؟ يعني [يستنكرون التوكل على] الله، ومن لم يكن [قويًا]، ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يُهدم، ومن لم يظلم الناس يُظلم. أتعرف من الذي قال هذا؟ إنه زهير بن أبي سلمى الجاهلي، هذا كلام الجاهليين.
لكن كلام النبي عليه الصلاة والسلام، الذي أخرج هؤلاء الجاهليين من جهالتهم إلى نور الإسلام، يقول:
قال رسول الله ﷺ: «أدوا الحق الذي عليكم واسألوا الله الذي لكم»
أداء الحقوق والتوكل على الله ليس ضعفاً بل هو عين القوة الحقيقية
بعد [ذلك] يرى الناس أن هذا نوعٌ من أنواع الضعف، ولكنه ليس نوعًا من أنواع الضعف، بل هذا هو عين القوة.
اللهم اجعلنا أقوياء، فـ:
قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خيرٌ وأحب عند الله من المؤمن الضعيف»
إلى لقاءٍ آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
