برنامج مع رسول الله | الحلقة الخامسة | خلق الصبر | أ.د علي جمعة
- •يشرح الحديث القدسي: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة" أهمية الصبر والتوكل على الله.
- •الحديث القدسي هو ما يرويه النبي عن ربه وليس من القرآن، فلا يجوز تلاوته في الصلاة وإلا بطلت.
- •إذا أخذ الله من العبد حبيبه أو قريبه، فينبغي الصبر وعدم قول ما يغضب الله مع التوكل عليه، ويكون جزاء هذا الاحتساب الجنة.
- •روت عائشة أن النبي أخبرها عن الطاعون أنه كان عذاباً ثم جعله الله رحمة للمؤمنين.
- •من صبر في بلده عند وقوع الطاعون موقناً بقدر الله، كان له مثل أجر الشهيد.
- •هناك فرق بين الشهيد ومن له أجر الشهيد، فالشهيد لا يُغسل ولا يُصلى عليه، أما من له أجر الشهيد كالغريق والحريق والمطعون والمرأة التي تموت في النفاس فيُعامل معاملة الأموات العادية.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين والتماس أنوار النبي ﷺ
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في لقاء جديد مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نلتمس من أنواره وننهل من بركاته؛ عسى أن يرضى الله عنا في الدنيا وأن يدخلنا جنته يوم القيامة.
حديث قدسي عن جزاء الصبر على فقد الأحبة وأنه الجنة
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضتُ صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» رواه البخاري
في هذا الحديث العظيم نوعٌ من أنواع الصبر، ونوعٌ من أنواع التوكل على الله سبحانه وتعالى؛ يقول الله تعالى هكذا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرنا بما أسماه علماء المسلمين بالأحاديث القدسية، وهي ما يرويها عن ربه عليه الصلاة والسلام.
الفرق بين الحديث القدسي والقرآن وحكم تلاوته في الصلاة
وهي [الأحاديث القدسية] ليست من القرآن؛ لا يجوز أن نتلو هذه الأحاديث المنسوبة إلى الله سبحانه وتعالى، وإن كانت هي قدسية أُوحيَ بها بلفظها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أننا لا ندخلها في القرآن، ولذلك لا يجوز أن نصلي بها.
ولو أننا ذكرناها هكذا في الصلاة لبطلت الصلاة؛ تبطل باطلة، وأنا أصلي ما جاء بحديث قدسي وتكلمت به عمدًا؛ لأن الكلام العمد يبطل الصلاة؛ لقوله تعالى:
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]
يعني ساكتين عن كلام الدنيا، متكلمين بالقرآن وبالأذكار وبالدعاء.
حكم كلام الدنيا في الصلاة عمدًا ونسيانًا وعدد الكلمات المبطلة
فكلام الدنيا العمد يبطل الصلاة، أما النسيان فست كلمات [لا تبطل الصلاة]، وإن تناسى [أي تعمّد النسيان] تبطل الصلاة. سبعٌ تبطل الصلاة، والست لا تبطل الصلاة؛ يعني أكثرها ستة.
وأخذوا ذلك من حديث ذي اليدين؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس، وبعد ذلك كانت صلاة الظهر فصلى بهم ركعتين، وذهب إلى طرف من أطراف المسجد وشبّك بين أصابعه ووضع ذقنه عليها على هيئة المهموم، كأنه كان مهمومًا من شيء.
تفاصيل حديث ذي اليدين وسؤاله النبي ﷺ عن قصر الصلاة
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان مهمومًا هكذا ذهب إليه ذو اليدين؛ لأن الصحابة هابته، فقال له: صليتَ ركعتين فقط. فقال: يا رسول الله أقُصِرت الصلاة أم نسيت؟ قال: «كل ذلك لم يكن». قال: بل بعض ذلك كان. قال: «أصدق ذو اليدين؟» قالوا: نعم، فرجع فصلى بهم ركعتين.
كل هذا ورسول الله في حالة نسيان [للصلاة]، ولذلك عندما تحسب الكلمات هنا وهنا ستجدها أنها ست كلمات. ومن هنا أخذ العلماء أن ست كلمات في النسيان وأنت ناسٍ أنك في الصلاة لا تبطل الصلاة.
الفرق بين كلام العمد وكلام الشرود في الصلاة وأثره على صحتها
أما العمد فكلمة واحدة تبطل الصلاة؛ لو قلت لابنك وأنت تصلي: هنا، فقد بطلت صلاتك وأنت واعٍ.
أما أنت شارد الذهن وكأنك إذا لم تكن في الصلاة وذهبت وقلت: هنا، ما عليه شيء، أكمل صلاتك. أما لو كنت تظن أنك في الصلاة فإن هذا يبطل الصلاة.
فالحاصل أن الحديث القدسي لا نتلوه في الصلاة، لكنه عن رب العالمين. ماذا يقول لنا رب العالمين؟ يأمرنا بالتوكل عليه، وبأنه لو أخذ منا الحبيب: الابن، البنت، حبيبة الزوجة، والزوج، والجار، والصديق، والزميل في العمل، فإنه أخذ صفيَّه من أهل الدنيا.
معنى الصفي والاحتساب عند الله وجزاؤه الجنة
صفوة يعني خِيرة، يعني الذي يرتاح إليه، أخذ منا [الله سبحانه وتعالى هذا الحبيب]؛ فيجب أن نصبر ولا نقول ما يغضب الله، ونتوكل على الله سبحانه وتعالى حق توكله.
فيكون لنا هذا الاحتساب؛ احتسبناه عند الله، فهذا الاحتساب يكون جزاؤه الجنة.
حديث السيدة عائشة عن الطاعون وتحوله من عذاب إلى رحمة للمؤمنين
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، نحن نريد الصبر والتوكل، فأخبرها أنه كان عذابًا يبعثه الله على من شاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين.
هذا يرد على كثير من الناس الذين يجعلون أي مصيبة أو شيء نزل بالمؤمنين أنه عذاب من الله. لا، بل كان عذابًا ثم أصبح رحمة للمؤمنين.
فالله سبحانه وتعالى حوّل ببركة النبي [صلى الله عليه وسلم] وأنه أُرسل رحمة للعالمين، حوّل هذا العذاب من كونه عذابًا إلى كونه ابتلاءً وامتحانًا يمتحن فيه أحدنا.
أجر من صبر على الطاعون والفرق بين الشهيد ومن له أجر الشهيد
فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا، يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله، لا إله إلا الله، كان له مثل أجر الشهيد. ولذلك يقولون في تراجم العلماء: مات شهيدًا في الطاعون.
وهنا يوجد فرق بين الشهيد وبين من له أجر شهيد: الغريق، والحريق، والمطعون، والمرأة تموت في حالة الولادة أو تموت بسبب الولادة في النفاس أو تموت وجنينها في بطنها بسبب الحمل، كل هؤلاء يأخذون يوم القيامة أجر الشهيد.
ولكن لا يأخذون أحكام الشهيد [الذي] لا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه؛ فقد ذهب إلى ربه لا يحتاج منا إلى شفاعة، نحن الذين نحتاج إلى أن يشفع لنا الشهيد. فهناك إذن شهيد وهناك من له أجر شهيد.
الدعاء بالشهادة والختام بالصلاة والسلام على النبي ﷺ
اللهم توفّنا من الشهداء واكتب لنا أجر الشهداء يا أرحم الراحمين.
إلى لقاء آخر نستودعكم الله، ونصلي ونسلم على سيدنا رسول الله الذي جاء لنا بكل هذا الخير وبكل هذا النور وبكل هذا الضياء وبكل هذا الإرشاد.
فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيًّا عن أمته، وتوفّنا إليك غير مفتونين يا أرحم الراحمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
