برنامج مع رسول الله | الحلقة الرابعة عشر | حق الأرملة | أ. د علي جمعة - سيدنا محمد, مع رسول الله

برنامج مع رسول الله | الحلقة الرابعة عشر | حق الأرملة | أ. د علي جمعة

9 دقائق
  • الحديث النبوي "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل" يبين فضل رعاية الضعفاء في المجتمع.
  • الأرملة امرأة ضعيفة فقدت زوجها ولا عائل لها، مما يستوجب على المجتمع رعايتها وتخصيص راتب شهري لها.
  • السعي على الأرملة يتطلب حسن الخلق والنية الصالحة وضبط النفس، وليس الغرض منه الزواج أو المعاكسة.
  • بعض المخلصين يجعلون واسطة بينهم وبين الأرملة لإيصال المساعدات وحل مشاكلها حفاظاً على سمعتها.
  • أجر الساعي على الأرملة يعادل أجر المجاهد الذي يبذل نفسه في سبيل الله، أو الذي يصوم النهار ويقوم الليل.
  • يشمل الحديث أيضاً رعاية المسكين، الذي قد يكون مع المرأة في صورة اليتيم.
  • هذا العمل يقع في قمة هرم الأخلاق، ويتطلب الإخلاص والتوجه لعبادة الله ورجاء الثواب وتصديق الوعد.
  • رعاية الضعفاء من أعلى أنواع التكافل الاجتماعي وأسمى مراتب الخلق الكريم.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالحديث عن التكافل الاجتماعي في السنة النبوية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

اليوم نتحدث عمّا علّمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعلى أنواع التكافل الاجتماعي. تحدثنا [في الحلقات السابقة] عن رعاية الأنثى وعن رعاية الضعيف، وتحدثنا عن التربية وتحدثنا عن حسن الخلق، وكأن ذلك كله يصبّ فيما نحن فيه اليوم.

حديث صفوان بن سليم في فضل الساعي على الأرملة والمسكين

من حديث صفوان بن سليم رضي الله تعالى عنه، حيث يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

قال رسول الله ﷺ: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل»

صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. رواه البخاري ومسلم.

معنى السعي على الأرملة ودور المجتمع في رعايتها وكفالتها

هذا الحديث فيه أن الساعي على الأرملة [يعني المرأة التي] مات زوجها، امرأة ضعيفة لا عائل لها، فماذا تفعل؟ لا بدّ أن يقوم بها المجتمع.

كيف يقوم بها المجتمع؟ بأن يسعى إليها؛ لقد وُضعت في حساباته، فهو يحسب حساب أولاده، ويحسب حساب زوجته، ويحسب حساب جيرانه، ويحسب حساب نفسه، ويحسب أيضًا [حساب الأرملة]؛ انتهى الأمر فقد أصبحت من الحسابات، أي نحسب حسابها، نحسب حسابها، ولذلك سنجعل لها راتبًا شهريًا.

الحرص على سمعة الأرملة وأولادها والتعامل معها بأدب وحشمة

الأرملة وضعها الاجتماعي أضعف من المتزوجة، فلا بدّ من الحرص في التعامل معها، فيبقى المرء مثل أخته حريصًا على سمعتها، حريصًا على كلام الناس، حريصًا على وضع أولادها إن كان لديها ولد.

ولذلك الساعي إلى الأرملة لم يقل لك: اذهب فتزوّجها، لم يقل لك: اذهب فعاكسها، لم يقل لك: اذهب فادفع وانتظر مقابلًا لهذا الدفع. لا بدّ أن يكون لديك حسن خلق، لا بدّ أن [تمسك] شهواتك وتمسك عقلك عن أفكاره الرديئة، وتمسك تصرفاتك عن أوضاعها غير المناسبة.

شروط تحقيق السعي على الأرملة من حسن الخلق والإخلاص لله تعالى

وكيف يتأتّى هذا [السعي الصحيح على الأرملة]؟ يتأتّى بعد أن تكون قد أحسنت خلقك.

كيف يتأتّى هذا؟ عندما تنبت في قلبك مسألة الوقوف مع الضعيف وأنها من المهمات.

كيف يتأتّى هذا؟ عندما ترى الآخرة ونحن في الحياة الدنيا، وترى أنك تفعل هذا لوجه الله.

كيف يتأتّى هذا؟ أنك تفعله رجاء ثوابه وتصديق وعده، رجاء الثواب الخاص به، فلا تفسدوه. وأنت ذاهب من أجل أن تحلب اللبن من البقرة أو من الجاموس حلبته، فلا تفسده بالتراب فيصير طينًا غير صالح للشرب.

اشتراط أعالي الأخلاق للسعي على الأرملة والبدء ببناء النفس أولًا

إذن لا يتأتّى أن تكون ساعيًا على الأرملة إلا إذا كنت [من] أعالي أخلاق المسلمين. فإذا وجدت أن هذا السعي لا يكون سعيًا وإنما هو نوع من أنواع ضعف النفس، لا تفعل هذا.

ابدأ الأول بالبناء من أسفل:

  • ابدأ بتحسين خلقك.
  • ابدأ برعاية الضعيف واليتيم.
  • ابدأ بمقاومة نفسك والتدريب على هذا الشأن.

حتى تصل إلى قضية الساعي على الأرملة.

جعل واسطة بين الساعي والأرملة لتجنب الشبهات وحل مشاكلها

ولذلك بعض الناس ممن يخلصون وممن يريدون أن يكون هذا السعي بعيدًا عن الشبهات وبعيدًا عن الإنسان وضعفه، فإنهم يجعلون هناك واسطة بينه وبين هذه الأرملة.

يصرف لها ويضع لها في البنك راتبها الشهري، ويسأل عنها بالهاتف، وينظر في المشاكل ويحلّها: مشكلة الأطفال في المدارس، ومشكلة صحية، ومشكلة كذا إلى آخره. في قضايا تنتهي [مثل] إعلان وراثة يريد أن يُخرج ما لا ندري ما هو، كذلك في مشاكل يمكن حلّها فيقوم بحلّها.

التحذير من الانحراف بالسعي على الأرملة وعظم أجر المجاهد في سبيل الله

ولكن إياك أن تدور حول نفسك فتنحرف بهذا [العمل]؛ لأنه حينئذٍ لن يكون ساعيًا، ولن تكون ساعيًا تستحق هذا الأجر الكبير.

الأجر الكبير كالمجاهد في سبيل الله، هو المجاهد في سبيل الله يبذل نفسه ولا يوجد شيء أكثر من ذلك، يبذل نفسه في سبيل الله. أي أنه [الساعي على الأرملة] في حاجة إلى المال المقدور عليه والجهد والعلم الذي تملكه، لكن هذا [المجاهد] ذاهب ليُميت نفسه، ذاهب يعرض نفسه للموت، ليس يقتل نفسه بل يعرض نفسه للموت، فإن رجع منتصرًا فبها ونعمت، وإن مات شهيدًا.

عظم أجر الساعي على الأرملة كالصائم القائم ومكانته في قمة الأخلاق

إذن هذا أجر عظيم. الثاني: أو كالقائم الصائم، كمن صام النهار وقام الليل، هذا أجره عظيم. أتتصور أن الساعي [على الأرملة] أجره هكذا؟

وذلك لأن الساعي على الأرملة في قمة الهرم للأخلاق وللتعامل الحسن، ولضبط النفس، وللإخلاص في النية، وللتوجه إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، ورجاء الثواب والتصديق موعودها.

حديث أربعين خصلة أعلاها منحة العنز والعمل رجاء الثواب وتصديق الموعود

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «أربعون خصلة أعلاها منحة العنز، العامل بواحدة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها أدخله الله بها الجنة»

الصنف الثاني الذي تكلّم عنه الحديث هو المسكين، والمسكين قد يكون مع المرأة [الأرملة] في صورة اليتيم، ونحن تحدثنا [في حلقات سابقة] عن اليتيم، وتحدّث عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرشدنا إرشادًا تامًّا في هذا المقام.

خلاصة الحديث في جمع الخصال وفعل الخير والدعاء بالتوفيق

إذن نحن أمام حديث يجمع لنا خصالنا ويرتّب لنا أمورنا ويدرّبنا حتى نختبر أنفسنا على فعل الخير.

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

الساعي على الأرملة مسألة صحّت عن رسول الله في البخاري ومسلم، وهي من أعلى أنواع الخلق الكريم.

فاللهم اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين الرحمن الرحيم. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.