برنامج مفاهيم إفتائية (10) - الفهم من الأصول الفقهية
- •تطرق اللقاء إلى كيفية فهم القرآن والسنة بعد إثبات حجيتهما وتوثيقهما.
- •أوضح الدكتور علي جمعة أن القرآن الكريم يحتوي على 1820 جذراً لغوياً فقط من أصل ثمانين ألف جذر في اللغة العربية.
- •استخدم العلماء المسلمون علوم اللغة العربية لفهم النصوص الشرعية، شملت متن اللغة والنحو والصرف والبلاغة.
- •اهتم العلماء بدراسة حروف المعاني البالغة 90 حرفاً، منها 33 حرفاً فقط وردت في القرآن.
- •طور الأصوليون أدوات فهم إضافية لم يتعرض لها أهل اللغة كالعموم والخصوص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ.
- •اعتمد المفسرون على السياق والسباق واللحاق وكذلك الدلالة الاستقلالية للنصوص.
- •اعتبر العلماء القرآن وحدة بنائية متكاملة لا يناقض بعضها بعضاً.
- •اختلفت مدارس العلماء في التعامل مع ظاهر تعارض النصوص بين القرآن والسنة.
مقدمة الحلقة والسؤال عن كيفية فهم الكتاب والسنة
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامج مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا وسهلًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: تحدثنا يا مولانا في الحلقة الماضية والتي قبلها عن حجية الأصول وعن الثبوت. اليوم بعد إذن فضيلتكم نريد أن نتحدث عن الفهم؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الأسئلة التي يسألها المجتهد لنفسه وهو يفكر في استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية: ما الحجة؟ وتكلمنا أنه توصل المجتهدون إلى أن الحجة هي الكتاب والسنة.
سؤال الثبوت وكيفية وصول الكتاب والسنة إلينا وحفظهما
السؤال الثاني: أين الكتاب والسنة؟ كيف يصل إلينا؟ كيف نوثق نص الكتاب وصحيح السنة؟ ومن هنا أنشأ المسلمون بتوفيق الله علومًا كثيرة استطاعوا بها أن يحفظوا نقل الكتاب والسنة كما هما.
ولذلك نجيب أنفسنا أن هذا هو الكتاب، المصحف الشريف، وهذه السنة الصحيحة التي بين أيدينا، والتي بذل العلماء جهودهم عبر التاريخ والغالي والنفيس بتوفيق الله لهم في حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا الكتاب والسنة أمامي، فكيف أفهمهما؟
منهج المجتهدين في فهم الكتاب والسنة عبر اللغة العربية
وهنا حتى يجيب المجتهد أو جماعة المجتهدين، أو إن شئت فقل الأمة: كيف نفهم الكتاب والسنة؟ للإجابة على هذا فكروا بطريقة علمية أن الكتاب والسنة باللغة العربية.
اللغة العربية مكونة من متن اللغة؛ ألفاظ بإزاء معانٍ. ما معنى سماء؟ ما معنى أرض؟ ما معنى قسورة؟ ما معنى صلاة؟ ما معنى زكاة؟ ما معنى الألفاظ القرآنية؟ أي مثلًا، والألفاظ الواردة أيضًا في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما معناها؟
جذور اللغة العربية في القرآن الكريم وعددها ألف وثمانمائة وعشرون جذرًا
الكتاب والسنة: الكتاب في ألف وثمانمائة وعشرين لفظًا عبارة عن جذر. يعني مثلًا "ضرب" هذا جذر، نعم، معناه ماذا؟ ما هو؟ قد يكون "ضرب في الأرض" يعني سار في الأرض، وقد يكون "ضرب" بمعنى آذى، وقد يكون "ضرب" بمعنى قال مثلًا "وضرب مثلًا" أي [قال مثلًا].
ولذلك الجذر الواحد أيضًا قد يأخذ أشكالًا مختلفة: اسم الفاعل، اسم المفعول، فعل ماضٍ، مضارع، وهكذا إلى آخره. ولكن كله يدور حول الجذر. عدد جذور القرآن ألف وثمانمائة وعشرون جذرًا، بما فيها الأعلام الأعجمية كإبراهيم وإسماعيل وغيرها من الأنبياء التي ورد ذكرها في القرآن الكريم.
مقارنة جذور القرآن بجذور اللغة العربية الثمانين ألفًا في المعاجم الكبرى
لكي نعرف أن جذور اللغة العربية ثمانون ألفًا، ثمانون ألف جذر. سنجدها في مثل كتاب جامع لشتاته، ما هنالك كلسان العرب لابن منظور مثلًا. سنجد في القاموس المحيط والقاموس الوسيط فيما ذهب من لغة العرب شماطيط للرجل الفيروزآبادي العالم الجليل، سنجد أربعين ألف جذر.
فألف وثمانمائة وعشرون من أربعين ألفًا أو ثمانين ألفًا يعني شيئًا يعادل واحدًا ونصفًا في المائة. وبقية اللغة غير موجودة [في القرآن].
أمثلة على كثرة أسماء الأسد والكلب في اللغة العربية مقارنة بالقرآن
كلمة "أسد" تجدها وردت في القرآن "قسورة":
﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: 50-51]
والأسد له في لغة العرب سبعمائة اسم، سبعمائة اسم، نعم.
كلمة "كلب" مثلًا وردت في القرآن أي:
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ﴾ [الأعراف: 176]
أي، وهو له في لغة العرب أكثر من أربعين اسمًا وقيل سبعين اسمًا، نعم. يعني فهو الواشق والواسق والجرو والسبع، وهي أسماء للكلب.
قصة أبي العلاء المعري وأسماء الكلب الأربعين في لغة العرب
ويقال أن أبا العلاء المعري كان وهو ضرير يسير في مكان فاصطدم بأحد الأشخاص من الناس، فقال له: إما أن تفتح يا كلب! فشتم أبا العلاء. فقال له: والله إن الكلب من لا يعرف للكلب في لغة العرب أربعين اسمًا. أجل، قال له: أتعرف أنت للكلب أربعين اسمًا في لغة العرب؟ قال: نعم. وذهب يسمعهم.
الرواية وهي آتية هكذا، الطريفة هذه عن أبي العلاء، هم الأربعون الذين قالهم.
السيوطي ومنظومة التبري من معرة المعري في أسماء الكلب
فذهب السيوطي لما سمع بهذه الحكاية، والسيوطي كان يفتش في الكتب وعلامة كبير، فغضب قائلًا: أنا لا أعرف للكلب أربعين حديثًا [أي اسمًا]، فيصبح كلب أعلم مني بالمعرفة! فبحث وألف منظومة وسماها "التبري من معرة المعري".
أقول هذا الكلام لكي نبين مكانة القرآن من اللغة العربية، وأن القرآن غضٌّ طريٌّ سهلٌ جميلٌ، ارتقى باللغة العربية. يعني اللغة العربية فيها ثمانون ألف جذر فانتقى منها ألفًا وثمانمائة، هذا إعجاز، صحيح، جذر وتحدث عنه.
جذور السنة النبوية ثلاثة آلاف وستمائة جذر وعلاقتها بجذور القرآن
خدموا القرآن والسنة في اللغة العربية. عندما نذهب إلى السنة نجد أن فيها ثلاثة آلاف وستمائة جذر، يعني ضعف الذي في القرآن تقريبًا. ألف وثمانمائة كلمة كلها الموجودة في القرآن موجودة في السنة، فتكون الزيادة التي في السنة ألفًا وثمانمائة.
يعني لو أن الكتاب والسنة مع بعضهما البعض هما الاثنان فيكون فيهما ثلاثة آلاف وستمائة أيضًا التي هي موجودة في السنة.
[المذيع]: طيب، هي ألف وثمانمائة التي تتكرر والزيادة؟
[الشيخ]: نعم، والزيادة التي تخصه [أي تخص الحديث النبوي]. تكون إذا كان هذا ثلاثة في المائة من اللغة.
نسبة الجذور المقدسة من اللغة العربية وبقية الألفاظ غير الموجودة في القرآن والسنة
الشيء المقدس الذي لدي [أي الكتاب والسنة]، المصادر تريد معرفة الثلاثة في المائة من اللغة، والباقي لن يكون موجودًا. بقيت الأسماء: الأسد السبعمائة هذه، ولا أسماء الكلب السبعين، ولا أسماء لا أعرف، لن تكون موجودة في القرآن ولا في السنة، وإنما هي موجودة في اللغة العربية [الواسعة].
عندما ذهبوا أي يبنون الفهم قالوا: هذا باللغة العربية. فذهبوا يؤسسون علومًا في اللغة العربية لخدمة الكتاب والسنة.
جعل المسلمين الكتاب والسنة محور حضارتهم وانبثاق العلوم منهما
وهذا الذي نقوله أنهم جعلوا الكتاب والسنة محور حضارتهم، محور الحضارة. أي أن لهذا المحور الخدمة: نخدمه، ومنه المنطلق، وإليه المرجع، وعليه انبثاق العلوم والآراء والأفكار.
جعلوا محور حضارتهم [الكتاب والسنة]، فبنوا حول هذا خدمةً له علوم اللغة:
- رقم واحد: متن اللغة كما ذكرنا.
- رقم اثنين: النحو.
- رقم ثلاثة: الصرف.
النحو أصبح نعرف إعراب الكلمة: هي هذه فاعل أم مفعول، مسند إليه أم مسند، مضاف أم مضاف إليه، صفة أم [موصوف].
معنى الإعراب في اللغة العربية ودوره في الكشف عن المعنى
ونقول إنه بهذا النحو أي يتم الإعراب عما في النفس أو الإعراب عن المعنى. ولذلك سموه إعرابًا، إعراب الكلمة، إعراب الكلمة، إعراب الكلمة. سموه إعرابًا لماذا؟ لأنه يعرب عما في نفسك، أنت تريد أن تقول ماذا؟
نعم، تريد أن تقول أي أن "المسلمين" هنا فاعل وأن "الأرض" مفعول في قولك أي "أصلح المسلمون [الأرض]". قل يعني نريد إذن أن نصلح هذه [الجملة]، فتكون معناها ماذا في متن اللغة، وبعد ذلك "المسلمون" هذه تكون فاعلًا، وبعد ذلك "الأرض" هذه تكون مفعولًا، وهكذا إلى آخره.
هذه القضية، قضية اللغة، كانت مهمة جدًا في قضية الفهم.
أدوات الفهم الأصولية التي تتجاوز اللغة العربية كالعموم والخصوص والمجمل والمبين
نعم، ولكن اللغة وحدها لا تكفي للفهم العميق. ولذلك وضعوا أدوات أخرى غير اللغة العربية، كما يقول البلقيني وكما يقول الزركشي في البحر المحيط وكذلك إلى آخره.
تكلموا فيها عن العموم وعن الخصوص، عن المجمل وعن المبين، عن حتى الناسخ والمنسوخ. تكلموا فيها عن قواعد أخرى لم يتعرض لها أهل العربية: المطلق والمقيد.
وهذا موجود في أصول الفقه، وترى الأصوليين يتكلمون في هذه المباحث الفهمية التي نفهم بها ما لم يذكره أهل اللغة في كتبهم.
تكامل جهود أهل اللغة والأصوليين في بناء أداة فهم الكتاب والسنة
يبقى إذا أهل اللغة قاموا بجانب، والأصوليون خدموا عليهم لخدمة الكتاب أو السنة بجانب آخر. وأصبح هناك أداة للفهم التي نقولها الآن وهو موضوع الحلقة: الفهم.
كيف نفهم الكتاب والسنة؟ باللغة العربية المكونة من:
- •متن العربية.
- •النحو.
- •الصرف.
- •البلاغة بأقسامها.
- •الأدوات [الأصولية].
هذه الأدوات تشمل أشياء كثيرة، من ضمنها حروف المعاني، من ضمنها حروف المعاني.
[المذيع]: نعم، نخرج للفاصل يا سيدي ونعود لحروف المعاني.
[الشيخ]: نعم.
[المذيع]: فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.
حروف المباني وحروف المعاني في اللغة العربية والفرق بينهما
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني، حلقة اليوم من مفاهيم أساسية عن فهم القرآن والسنة وفهم اللغة العربية. تفضل يا مولانا، كنا نتحدث قبل الفاصل عن حروف المعاني.
[الشيخ]: حروف المعاني. وتحدث اللغويون فقالوا إن اللغة العربية فيها حروف المباني وفيها حروف المعاني. أما حروف المباني فهي الثمانية والعشرون التي كانت موجودة في "أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ"، التي هي الثمانية والعشرون التي رتبت بعد ذلك في الحروف الهجائية: ألف باء تاء ثاء جيم حاء إلى آخره، من الألف إلى الياء كما يقولون.
والذي رتب هذه الحروف بهذه الكيفية عبد الملك بن مروان.
تعريف حروف المعاني وأنها حروف يقع معناها في غيرها وليس في ذاتها
وحروف المباني تتكون منها الجملة. وحروف المباني ألفوا فيها ووجدوا في معانيها في قواميس اللغة وكذلك إلى آخره.
إنما حروف المعاني هي حروف لها معنى، ومعناها يقع في غيرها وليس في ذاتها. هي حروف قد تكون على حرف واحد مثل الواو والفاء والباء: بالله، تالله. فالواو والفاء والباء والتاء على حرف واحد هكذا.
وقد تكون على حرفين: عن، من. وقد تكون على ثلاثة أحرف: إلى، على. وقد تكون على أربعة أحرف: لعل، لأن الحرف المشدد يحسب باثنين. وقد تكون على خمسة أحرف، وليس هناك زيادة على الخمسة أحرف.
معاني حروف المعاني الستة والخمسون كالظرفية والبداية والغاية والعلو
ولكن هذه خمسة أحرف وهي أحرف لها معانٍ. ما معانيها؟ فجلسوا يبحثون عن معانيها، فوجدوا أنها ستة وخمسون معنى، ستة وخمسون معنى.
نعم، ففي معنى الظرفية نعم، فتقول مثلًا: نحن في الحجرة، أنت مظروف في الحجرة، أنت داخل الحجرة. وهناك معنى البداية: من هنا إلى هناك. وهناك معنى الغاية: إلى هناك، إلى المرفقين. يقول لك: حسنًا، الغاية داخلة أم غير داخلة؟
نعم، لكن "إلى" هنا يعني تعطيني معنى الغاية مثلًا. هناك معنى العلو: على الكتاب، على المنضدة أو الطاولة.
أنواع معاني الحروف كالتحضيض والقسم والعطف بأنواعه المختلفة
حسنًا، وفي التحضيض، وفيه القسم: بالله، والله، تالله، هذه هي حروف القسم. وفيه حروف العطف مثل الواو، وفيه العطف.
وفي "لكن" العطف هنا: مطلق الجمع مثل الواو، أم مع التعقيب، أم مع التراخي مثل "ثم"، أو التعقيب مثل الفاء، أو كذلك سبحانه.
ستة وخمسون معنى، علم غزير. بهذا الشكل حصروا هذه الحروف وألف فيها المؤلفون.
كتاب مغني اللبيب لابن هشام من أبدع المؤلفات في حروف المعاني
ومن أبدع من ألف فيها مثلًا واحد مثل ابن هشام ألف كتابًا اسمه "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب". يعني عندما نقرأ كتابه سنفهم اللغة العربية كلها، لسنا بحاجة إلى الكتب الأخرى، لسنا بحاجة إلى الكتب الأخرى جميعها. طبعًا ليس هناك كتاب يغني عن كتاب، ولكنه فعلًا كتاب ممتع وجميل، "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب"، وتحدث فيه بكلام واسع عن حروف المعاني.
عدد حروف المعاني في اللغة العربية تسعون حرفًا وتعدد معاني الحرف الواحد
نعم، حصروا حروف المعاني هذه كم حرفًا. نحن نقول إن بعضها يقع على حرف واثنان وثلاثة وأربعة وخمسة وهكذا. ولكنهم كم عدد الحروف في اللغة العربية؟ فوجدوها في حدود تسعين حرفًا. بعضهم طبعًا عدّ ثمانين، لكن بعضهم عدّ تسعين، لا بأس بذلك.
إذن إذا كان لدي تسعون حرفًا يمكنني أن أكتبها تحت بعضها البعض، وعندي كل حرف يمكن أن يكون له معنى من ستة وخمسين معنى، فأعمل جدولًا. وقد اكتشفوا شيئًا: أن الحرف الواحد له معنى ما.
تعدد معاني حرف الباء بين الظرفية والابتداء والتبعيض والزيادة
فالباء هذا مثلًا له معانٍ كثيرة. فيمكن أن يكون للظرفية: فأنا أستاذ بالأزهر الشريف.
﴿بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123]
فالباء هنا تعني داخله أي فيه. ويمكن أن يكون للابتداء، ويمكن أن يكون للتبعيض، ويمكن أن يكون زائدة، ويمكن أن يكون الباء كذلك.
أي نفتح ملف الباء فنجد أنه ليس معنى واحدًا ولا اثنين ولا ثلاثة، هذه سبعة أو تسعة أو أحد عشر أو كذلك، ولا يزيد عن خمسة عشر.
الحرف الواحد لا يزيد عن خمسة عشر معنى وقصة الدكتوراه في حتى
نعم، الحرف لا يزيد عن خمسة عشر معنى من الستة والخمسين.
[المذيع]: لذلك يا مولانا كان هناك فيلم الذي يقولون "حاصل على دكتوراه في حتى"، وكان الناس يسخرون.
[الشيخ]: "حتى" لها عدة معانٍ، لها عدة معانٍ ولها عدة أوضاع، وأوضاعها مختلفة، نعم.
فعندما نرسم هذا الهيكل كله، هذا انظر ماذا فعل المسلمون! وكل هذا لكي يخدموا القرآن والسنة، لكي يفهموا.
حروف المعاني الموجودة في القرآن ثلاثة وثلاثون من أصل تسعين حرفًا
فحروف المعاني قالوا: حسنًا، هل التسعون حرفًا موجودة في القرآن؟ قالوا: لا، ثلاثة وثلاثون منها فقط. ما شاء الله، وستة [وخمسون معنى]. والباقي لم يعد موجودًا، أي سبعة وخمسون غير موجودة، وثلاثة وثلاثون موجودون في القرآن.
وأجروا أبحاثًا على هؤلاء الثلاثة والثلاثين.
[المذيع]: دقة يا سيدي أن نعرف كم حرفًا موجود داخل القرآن.
[الشيخ]: نعم، كم حرفًا من الثمانية والعشرين [أي من التسعين]؟ في ثلاثة وثلاثين فقط، نعم. شيء من العلم الغزير.
احتمالات معاني كل حرف بين الاشتراك والحقيقة والمجاز وأثرها في الاستنباط
وكل حرف يحتمل ماذا؟ وكل حرف ما أصله وما مجازه؟ ما دام هذا له عدة معانٍ، فهل هو على سبيل الاشتراك أم على سبيل الحقيقة والمجاز؟ وهذه ستؤثر كثيرًا جدًا في الاستنباط وفي الفهم وفي المعنى.
وهكذا فعملوا كل هذا، وعملوا أيضًا دراسة للثلاثة والثلاثين حرفًا هؤلاء الذين هم واردون في القرآن: فما هي الحروف الأكثر شيوعًا واستعمالًا في الكتاب والسنة من الثلاثة والثلاثين؟ وجدوها ثلاثة عشر حرفًا.
الحروف الثلاثة عشر الأكثر التصاقًا بالاستنباط الفقهي وأهميتها للمجتهد
إذا ركزت عليها فكأنك حفظت بل وفهمت أيضًا الحروف الأخرى. فلماذا اخترنا هذه الثلاثة عشر؟ اخترناها لأنها الأكثر التصاقًا بالاستنباط، بالاستنباط الفقهي.
وبقية الثلاثة والثلاثين سيحتاجها المفسر؛ لأن المفسر يفسر آيات قد لا تكون لها علاقة بالفقه، وتكون لها علاقة بالعقيدة، وتكون لها علاقة بالأخلاق، وتكون لها علاقة بحياة الإنسان وبتكوين رؤية شاملة للكون والإنسان والحياة.
ولكن الذي يفيد المجتهد ويفيد الفقيه هو هذه الثلاثة عشر. وهكذا انظر إلى الإبداع الذي توصلوا إليه والذي عملوه، والخدمة التي يقومون بها من أجل الوصول إلى الفهم.
الدلالة الاستقلالية للقرآن والاستدلال بالآية خارج سياقها الأصلي
وبعد ذلك تحدثوا عما يسمى بالسياق والسباق واللحاق، أي عندما تأتي آية أو حديث فما الذي يسبقها. ومن هنا تحدثوا عما يسمى بالدلالة الاستقلالية، أي أن هناك دلالة استقلالية للقرآن؛ لأنه كلام رب العالمين، ولأنه محفوظ لم يمسه التغيير ولا التحريف ولا أي شيء. ولذلك هو في ذاته جليل المعنى.
فيقول لك: الدلالة الاستقلالية هذه معناها أن من الممكن أن تكون عبارة مفيدة في القرآن الكريم تؤسس بها بغض النظر عما قبلها وعما بعدها.
أمثلة على الدلالة الاستقلالية كاستدلال الشافعي بآية سبيل المؤمنين على الإجماع
جميل. ولذلك الإمام الشافعي جاء واستدل بقوله:
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾ [النساء: 115]
على أن الآية ليست في سياق الإجماع [ومع ذلك استدل بها عليه].
رأينا الفقهاء يستدلون بقوله تعالى:
﴿فَٱعْتَبِرُوا يَـٰٓأُولِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ [الحشر: 2]
على القياس، بالرغم من أن الآية تتحدث عن اليهود وأوضاعهم وخلافاتهم وما إلى ذلك.
رأينا:
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]
يأخذونها من السياق والسباق ويستدلون بها على تحريم الانتحار مثلًا، بالرغم من أن سياقها وسباقها على ذلك [أي في سياق آخر].
الفرق بين الدلالة الاستقلالية وقاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
[المذيع]: إذا لهذا يا مولانا يقول لذلك العبرة بعموم اللفظ هذا بخصوص السبب؟
[الشيخ]: لا، هذه مسألة أخرى تمامًا. هذه الدلالة الاستقلالية معناها أن عبارة معينة في الكتاب أو في السنة يعتمد عليها في معنى آخر غير الذي تفيده في سياقها. فأصبحت تفيد أمرين: ما تفيده في سياقها في سياق الآية، وما تفيده وهي مطلقة.
نعم، أتلاحظ كيف جعلوا القرآن وحدة بنائية واحدة؟ يعني كأنه كالجملة الواحدة. ولذلك لا ينقض بعضه بعضًا، بل يحمل بعضه على بعض.
القرآن كالجملة الواحدة وأسس الفهم البديعة في اللغة والأصول والتفسير
نعم، بالطبع وجدنا:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: 24]
فإذا القرآن كالجملة الواحدة، وضعوا أسسًا للفهم في الحقيقة بديعة وتفصيلية ووافية في هذا المقام. ووضعوها يعني ليس فقط في اللغة العربية، بل أيضًا في الأصول، وأيضًا في التفسير ودلالاته، أو في شراح الحديث.
ولذلك فالكلام كله أصبح علمًا واحدًا متسقًا، وكله يؤدي إلى كيف نفهم كتاب الله وكيف نفهم سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وكيف نتعامل معهما.
العلاقة بين القرآن والسنة والمدارس المختلفة في الترجيح عند التعارض
وكل هذا ورد بالتفصيل وبآراء مختلفة ومدارس مختلفة وليس على مذهب واحد. والعلاقة الناشئة بين كتاب الله وسنة رسوله: فكثير من العلماء يقولون إن القرآن المصدر الأول والسنة المصدر الثاني، أي أن هذا كلام له دلالة: أنه إذا ما تعارض نص ظاهر في القرآن مع ظاهر نص في السنة سنقدم القرآن.
نعم، سنغلب النص القرآني، نعم؛ لأنه أقوى في الحجية من السنة، نعم أجل.
والثاني يقول: لا، دعونا نتأنى قليلًا، مدرسة أخرى. ولأن السنة هذه هي التفسير والتطبيق المعصوم لكتاب الله، فهيا بنا نتعمق قبل أن نقدم هذا على ذاك.
منهج الجمع بين النصوص المتعارضة قبل اللجوء إلى الترجيح وختام الحلقة
نتعمق فلعل أو أن يمكن أن يكون هناك جمع بين الظاهرين المتعارضين، أي فلا يكرّ أحدهما على الثاني بالبطلان، بل نجمع بحيث ننفذ الأمرين. لعلنا نعمل ذلك تمامًا.
نلجأ إلى الترجيح عندما ينتهي بنا الحال ولا نستطيع أن نرجح، فما نقدر أن نرجح أو نجمع بين القولين، بأن ساعتها نفضل نص القرآن على نص الحديث. تمام.
[المذيع]: اسمحوا لي باسمكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة العالم الأزهري الجليل ومفتي الديار المصرية على هذا الجهد وعلى هذا اللقاء، وعلى وعد باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله من مفاهيم إفتائية.
إلى ذلك الآن نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
