برنامج مفاهيم إفتائية (11) - القطعية والظنية - مفاهيم إفتائية

برنامج مفاهيم إفتائية (11) - القطعية والظنية

24 دقيقة
  • قسم الله النصوص الشرعية إلى قسمين: قطعية مجمع عليها تمثل هوية الإسلام ولا تقبل الاجتهاد، وظنية تختلف فيها الأفهام وتقبل الاجتهاد.
  • المساحة القطعية لا يجوز الخروج عنها كوجوب الوضوء قبل الصلاة، وأن الصلوات خمس، والكعبة هي مكان الحج، وتحريم الزنا والخمر.
  • الإجماع إما يمنع الاحتمال لأي رأي آخر في النصوص أو يكون كاشفاً عن دليل غير ظاهر.
  • تختلف الأفهام في النصوص الظنية بسبب خصائص اللغة العربية كالحقيقة والمجاز والمشترك والأضداد.
  • اختلاف المذاهب في المسائل الظنية رحمة للأمة تعطي الدين مرونة، مثل اختلافهم في نقض الوضوء بلمس المرأة.
  • الاجتهاد له شروط محددة ولم ينقطع، لكنه نادر عبر التاريخ بوجود نحو تسعين مجتهداً خلال أربعة عشر قرناً.
  • المجتهدون المطلقون كالسيوطي وابن دقيق العيد التزموا بمذاهب سابقة بعد أن وافق اجتهادهم اجتهاد أئمة المذاهب.
محتويات الفيديو(27 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن القطعية والظنية

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حلقة جديدة من حلقات برنامج مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، العالم الأزهري الجليل ومفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: تحدثنا يا مولانا عن حجية الأصول والثبوت والفهم، نريد أن نتكلم بعد إذن فضيلتكم عن القطعية والظنية للنص؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أراد الله سبحانه وتعالى وهو يبلغنا دينه عن طريق الكتاب والسنة أن يجعل هناك مساحةً قطعيةً يقينيةً لا يختلف فيها اثنان؛ ولذلك لم يختلف المسلمون على هذه المساحة القطعية عبر التاريخ.

المساحة الظنية في الشريعة وأسباب اختلاف الفقهاء المجتهدين

وأن يجعل هناك مساحةً أخرى ظنيةً تختلف فيها الأفهام، وأسباب الاختلاف كثيرة، وقد وصلت أسباب اختلاف الفقهاء إلى أكثر من ستةٍ وثلاثين سببًا من أسباب اختلاف الآراء والأذهان.

ونتكلم هنا عن آراء المجتهدين العظام وليس عن آراء الصبيان، ستة وثلاثين اختلافًا نتكلم عنهم إن شاء الله أو عن بعضهم.

المساحة القطعية المجمع عليها تمثل هوية الإسلام ولا يجوز الاجتهاد فيها

إنما هناك مساحة قطعية أجمعت عليها الأمة، وهذا الإجماع يمنع الاجتهاد بعده؛ لما أجمعت الأمة، والأمة لا تجتمع على ضلالة كما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم، على شيءٍ ما فإنه لا يجوز أن نخرج عنه؛ لأنه يُعتبر ويُعدّ هوية الإسلام.

أجمع المسلمون على أشياء سواء كانت مذكورة في الكتاب والسنة أو لم تكن مذكورة. فإذا كانت مذكورة في الكتاب والسنة فمعنى الإجماع أنه يمنع الاحتمال لأي رأي آخر، نعم.

وإذا لم تكن مذكورة في الكتاب والسنة فمهمة الإجماع أنه كاشف عن دليل لم يصل إلينا ليس واضحًا بالقدر الكافي، فالإجماع هذا قطع أن هناك دليلًا وأن هذا الدليل ظني وليس صحيحًا واضحًا.

أمثلة على الإجماعات القطعية في العبادات والمعاملات كهوية الإسلام

فمثلًا هناك إجماع على أن صلاة الظهر أربع ركعات، وهناك إجماع على أن الصلوات خمسة وليست ستة، وهناك إجماع على أن الوضوء إنما هو قبل الصلاة، وهناك إجماع على أن الخمر حرام والزنا حرام.

وهناك إجماع على أنّ الشهر الذي نصومه هو رمضان، وهناك إجماع على أنّ المكان الذي نقصده حاجّين لأداء فريضة الحج الذي هو ركن من أركان الإسلام هو الكعبة وليس مثلًا بيت المقدس أو أيّ مكان آخر.

هناك إجماع على أنّ البيع حلال، وهناك إجماع على أنّ الزواج حلال، وهناك إجماع على أنّ الطلاق جائز، وهناك إجماع وهكذا إجماعات. إجماع وهو ما نعبّر عنه بـهوية الإسلام، هوية الإسلام، هوية الإسلام.

التصحيح اللغوي لكلمة هُوية وبيان أنها مشتقة من هو

جميل، ونقول لأنه كثيرًا ما يخطئون فيها: هُوية؛ لأنه هو في الذهن وهو في الخارج هو هو، فالمشتق منه نقول هُوية ولا نقول هَوية كما هو شائع على الألسنة.

مثال على من يخالف الإجماع القطعي بزعم أن الوضوء بعد الصلاة

أنا الآن عندي إجماعات قطعية لا يجوز الاجتهاد بعد ذلك، فيأتي مثلًا ظريف من الظرفاء الذين خرجوا علينا في آخر الزمان، مثلًا يعني تطرأ في ذهنه هكذا، يقول لي: والله، ربنا يقول:

﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا﴾ [المائدة: 6]

فاغسلوا، قمتم فعل ماضٍ، فإذا والفاء للتعقيب، يصبح إذا نحن نغسل وجوهنا وأيدينا إلى المرافق ونمسح برؤوسنا وأرجلنا إلى الكعبين بعد الصلاة ليست قبل الصلاة.

فهذا هو ما الذي فعله؟ أولًا قال لي إن القرآن هو الحجة، نعم صحيح، أنا أقول إن القرآن هو الحجة. ثانيًا قال: أنا سمعتك تقول في الأدوات اللغة العربية، فاللغة العربية هنا "قمتم" هذه فعل ماضٍ مضى، والفاء للتعقيب، فالتعقيب يأتي بعده، بعده.

إذن فأنا أستعمل الأدوات، يعني أنا الحجية سرت معها والأدوات في الفهم سرت معها، فخرجت برأي عجيب غريب لم يقله أحد في العالمين من المسلمين قبل ذلك أبدًا ولن يقولوه إن شاء الله: أن الوضوء بعد الصلاة وليس قبل الصلاة. من قال هذا؟ هذا تخريف.

الرد على من يخالف الإجماع في الوضوء ببيان أن قمتم تعني أردتم القيام

يقول: لماذا تشتمني؟ لماذا تقول لي؟ لماذا تفعل بي؟ أقول له: لأن هنا "إذا قمتم" يعني إذا أردتم القيام، نعم، إذا قمتم يعني أردتم القيام.

قال: مَنْ قال أنّ "قمتم" معناها أردتم القيام؟ قلتُ له: الإجماع. الإجماع هنا ظهر قضية القطعية والظنية.

الإجماع الذي اتفق عليه المسلمون منذ عصر الصحابة إلى يومنا هذا، بمجتهديهم وعوامّهم، وبكل مَنْ تدبّر وقرأ وهكذا إلى آخره: أن الوضوء إنما هو قبل الصلاة.

فلا يجوز لك يا أخي أن تأتي وتقدح في هذه القطعية وترى أن المسألة يمكن الاجتهاد فيها. لو كان أمكن الاجتهاد فيها لرأيناها من لدن الصحابة قد اختلفوا: هل الوضوء قبل أو بعد؟ أو كان فريق قال قبل وفريق قال بعد ويبقى فينا سعة وخلاف.

الفرق بين المسائل القطعية والظنية في مثال لمس المرأة ونقض الوضوء

يمكن أن نتخيّر منها مثل ما حدث في لمس المرأة أو "لامستم النساء"، وهذه من نواقض الوضوء عند الشافعي، وقال أبو حنيفة إنها أبدًا ليست من نواقض الوضوء، وقال مالك إذا قصد [الشهوة] تكون ناقضة، وإذا لم يقصد اللمسة أو الشهوة تكون ليست بناقضة، وقال خلاف.

نعم، أي انظر: الأمران متعلقان بصحة الصلاة؛ هذه [مسألة الوضوء قبل الصلاة] لا خلاف فيها وهي أن الوضوء قبل الصلاة، وهذه [مسألة اللمس] فيها خلاف وهو أن اللمس مباشرة - البشرة بالبشرة - ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء، اختلفوا على ثلاثة أو أربعة مذاهب.

نعم، هذه قطعية وهذه ظنية.

الرد على من يبيح الزنا بدعوى القرآنية وبيان أن تحريمه إجماع قطعي

فلا يأتي أحدهم ويبيح الزنا كما سمعنا من البعض الذين يسمون أنفسهم - والعياذ بالله - قرآنيين، أي بعضهم نشر في بعض الصحف السيارة أن الزنا حلال وكل شيء. لماذا؟ لا أعرف طبعًا لماذا، لكن يبدو لأنه لم يُذكر في القرآن "حرّمت الزنا" أو ما شابه ذلك.

كلام هراء في هراء، وخطأ في خطأ، وكلام ليس له علاقة لا بدين ولا بعلم، ولا يوجد أناس لديهم انحراف في الفكر.

نحن نرجع ونقول:

قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]

أي أنه أمر سيء جدًا، فلا تأتِ وتقول لي ليس حرامًا وما إلى ذلك. هذا خلاف الإجماع، وقد أُغلقت القضية قبل أن تُجهد نفسك فيها، كما يقولون: جهاد في غير وغى.

مثال دون كيشوت على من يحارب الإجماعات القطعية بلا طائل

نعم، كانت هناك أمور كهذه في الأدب، شخص في الروايات دون كيشوت، فيقول يحارب طواحين الهواء. كلام مثل هذا يعني نموذج بشري يضيع وقته، لكن لا علاقة له بالمسلمين ولا بعلم المسلمين ولا بعلم السلف الصالحين.

الخلاف الفقهي في نجاسة الخمر بين الصحابة وموقف سيدنا عمر ممن يشربها

الخمر كذلك، الخمر نجس أم ليس نجسًا؟ نعم، هناك خلاف في الفقه؛ كان سيدنا خالد يرى أنها ليست نجسة، وسيدنا عمر يرى أنها نجسة. انظر كيف كان الخلاف بين الصحابة.

لكن عندما بلغ سيدنا عمر أن بعض الناس يشربون الخمر ولا يزالون غير فاهمين لتحريمها، قال: اعرضوا عليهم تحريمها، فإن أبوا فاقتلهم، فإن أبوا فاقتلهم.

حسنًا، هذا يحلّ الحرام المحرّم عليه، صحيح؟ لقد خرج عن الملة وأحدث فتنة في النظام العام وفي المجتمع تستوجب هذه العقوبة. يعني هذه عقوبة قضائية، نعم، أنت تهتم بنظام المجتمع، والمجتمع حينئذٍ حساس؛ لأنه لو حدث فيه شيء سيؤثر علينا نحن هنا في مجتمعنا.

سيدنا خالد كان يستحم بالخمر لأنه يراها غير نجسة ومذهب الأحناف في الكحول

نعم، يعني هو كما قلنا، خالد يستحم بالخمر رضي الله تعالى عنه، هو سيف الله المسلول وهو المجاهد في سبيل الله وهو وهو وهو. سبب ذلك أنه كان يرى أنها ليست نجسة، نعم، سائل يتطهر به.

هي حرام شربها، نعم، لكنها مثل الكولونيا نتطهر بها، بهذا الشكل.

وبعد ذلك يرى الأحناف أن الكحول وما شابهه يجوز استخدامه للتطيّب إذا لم تكن للشرب، لم تُعَدّ للشرب، لم تُعَدّ للشرب. نعم، وعليه الشوكاني وعليه كذا، يعني تفاصيل كثيرة.

لكن هنا عندما يأتي ويقول لي: شرب الخمر مُجمع عليه، مقفول، وملعون فيها عشرة، ومن يبيعها وشاريها وحاملها وجالس في مجلسها وناظر إليها وشاربها وبائع كرمها وآخذ ثمنها.

التفريق بين إجماع تحريم شرب الخمر والخلاف الفقهي في نجاسة الكولونيا

[المذيع]: كل هذا يعني حضرتك يا مولانا أنك تريد أن تقول لنا أن شرب الخمر في الأمة كلها بالإجماع أنه حرام، أما بالنسبة للكولونيا نجسة أو غير نجسة، هنا فيه اختلاف بين الفقهاء؟

[الشيخ]: نعم، والراجح أيضًا أنها ليست بنجسة، والراجح أنها ليست بنجسة، نعم عندي، نعم؛ لأدلة أخرى منها أنها كانت عندما ألقاها الصحابة في المدينة، غوّط فيها الصحابة في المدينة من غير كلام من النبي أنها نجسة.

وهناك كلام طويل عندما حُرّمت وأُلقيت في أزقة المدينة كان يمشون وتعلق في ملابسهم، ولو كانت نجسة لكانوا تحرّوا هذا. يقول هكذا الشوكاني، نعم، يعني يقول إنها ليست كذلك نجسة.

حكم استخدام الكولونيا للتطهير والخلاف الفقهي فيها وعدم تضييق الواسع

[المذيع]: إذا عند فضيلتك يمكنني أن أضع الكولونيا للتطهير إذا جُرحت لأنها ليست نجسة كما يخرج بعض الناس ويقولون إنها حرام؟

[الشيخ]: لا، هناك مذهب يقول إنها حرام، وليس بعض الناس فقط، نعم، هناك مذهب وأئمة يقولون إنها حرام، وأئمة آخرون يقولون إنها ليست حرامًا.

ونحن نقف مع الذين يقولون ليس حرامًا لقوة أدلتهم، هذه قضية أخرى. لكن لكن لكن لا نُضيّق واسعًا، لا نجعل هذا محل إجماع، لا نجعل هذا الأمر محل إجماع.

فهذه مسألة محل خلاف، وكل ما كان محل خلاف لنا فيه اختيار فقهي.

الانتقال للجزء الثاني وتلخيص المساحة القطعية والظنية في الشريعة

[المذيع]: حسنًا، سنذهب إلى الفاصل يا مولانا ونعود لنستكمل الفهم مع فضيلتك. فاصل، نعود إليكم فابقوا معنا.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم بعد الفاصل في الجزء الثاني من حلقة اليوم من مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة. نتحدث عن قطعية وظنية النصوص، تفضل يا مولانا.

[الشيخ]: إذن فنحن تكلمنا عن أن هناك مساحة هي قطعية ومجمع عليها ولا يجوز مخالفتها ولا يجوز الاجتهاد فيها بشأنها؛ لأنها هي التي تمثل هوية الإسلام.

وهناك مساحة أخرى وهي الأوسع؛ لأنها هي أغلب الشريعة. عندما ألّف ابن حزم الظاهري رحمه الله، أو عندما ألّف ابن المنذر في الإجماع، كتب صغيرة معدودة محصورة موطن الإجماع. بعد ذلك محل الظن، والظن يمكن أن يختلف فيه المجتهدون.

أسباب اختلاف المجتهدين بسبب ظواهر اللغة العربية وخصائصها

بسبب اللغة العربية ودلالات الألفاظ، فهناك في اللغة العربية ظواهر وهناك في اللغة العربية خصائص. وبناءً على تبنّي المجتهد لبعض هذه الظواهر والخصائص وترتيبها فإنه يختلف مع أخيه المجتهد الآخر في فهم النص.

أي إن هناك مثلًا ظاهرة تسمى الحقيقة والمجاز، وهناك ظاهرة تسمى الإضمار، وهناك ظاهرة تسمى النقل، وهناك ظاهرة تسمى المشترك، وهناك ظاهرة وهكذا ظواهر وخصائص في اللغة العربية: الإطلاق والتقييد وهكذا.

أثر إقرار المجاز أو إنكاره في فهم النصوص القرآنية

فيأتي شخص ويُقرّ المجاز في اللغة العربية، ويأتي شخص آخر وينفي المجاز في اللغة العربية كـأبي إسحاق الإسفراييني وابن تيمية وغيرهم. بناءً على إقرار المجاز وعدم إقرار المجاز - وجماهير العلماء أقروا المجاز في القرآن - تترتب على ذلك موقف آخر في الفهم.

إذا ما أنكرت المجاز، يعني:

﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 72]

يعني معناه أن الضرير سيكون أعمى يوم القيامة؟ صحيح، إذا لم يكن هناك مجاز فماذا ستقول؟ ستضطر إلى أن تُنشئ له آلية أخرى حتى لا تقع في مثل هذه الورطة.

المقارنة بين المجاز والاشتراك وأولوية المجاز لوجود القرينة

فتقول بالاشتراك. حسنًا، ألا يكون المجاز أولى من ذلك الاشتراك؟ لأن المجاز معه قرينة تصرفه عن الحقيقة إلى المجاز وتحدد معناه، لكن الاشتراك كلاهما حقيقة.

نعم، وبناءً على هذا، تجعل الأعمى ليس هو الضرير، إنما هو أعمى البصيرة وليس أعمى البصر، وليس أعمى البصر. وتضطر لأن تركّب معنى آخر حتى لا تصل إلى معنى ظالم ومعنى غير صحيح.

وحاشا للشرع الشريف أن يُنسب إليه هذا، باتفاق أبي إسحاق الإسفراييني وابن تيمية وغيرهم، متفقين على أن هذا لا يُقال به ولا يقول به أحد: أن من كان في الدنيا ضريرًا كان في الآخرة ضريرًا. لا أحد يقول ذلك، سيدنا عبد الله بن أم مكتوم الصحابي الجليل سيُبعث يوم القيامة أعمى! مثلًا.

مثال الخلاف في معنى القرء بين الطهر والحيض كظاهرة الأضداد في اللغة

والنبي عليه الصلاة والسلام تحدث عن من فقد حبيبتيه فصبر وما إلى آخره، لكن القصة التي نتناولها هنا هي عن الحقيقة والمجاز والاشتراك.

فمثلًا عندما يأتي ويأمر المرأة بتربّص ثلاثة قروء، ثم يبدأ الخلاف حول ما إذا كان القرء معناه الطهر أم معناه الحيض، وهذا ما يسمونه الأضداد، حيث تعني كلمة واحدة معنيين متضادين متناقضة.

[المذيع]: يعني مثل المشترك في اللغة يا مولانا، هذا مشترك مثل الظن معناها يقين ومعناها شك مثلًا.

[الشيخ]: أي مثل جون، نعم، يعني معنى الجون أبيض وأسود. أو مثلًا لفظة أخرى سليم معناها مريض أو معناها صحيح.

أمثلة على الأضداد في اللغة العربية مثل جلل وعفا وأعفوا اللحى

نعم، جلل: كل أمر بعدك جلل يا رسول الله، يعني هيّن، وحادث جلل يعني عظيم.

عفا: عفا معناها ترك الشيء تمامًا أو أزاله تمامًا. ولذلك عندما يُقال:

«أعفوا اللحى»

يعني اتركوها وليس لكم شأن بها. أما "عفت الديار" و"عفت الآثار" فيعني أُزيلت تمامًا.

سبحان الله، هذا من الألفاظ المتضادة، وهو نوع من أنواع الاشتراك يُسمى بـالأضداد. فإذا اتحد اللفظ وتعدد المعنى وتعدد الوضع أيضًا يكون أن هذا المشترك. جميل.

الخلاف في معنى القرء والملامسة بين الشافعية والحنفية كمسائل ظنية باقية

[المذيع]: حسنًا، القرء هنا هل هو حيض أم طهر؟

[الشيخ]: هناك خلاف بين الشافعية والحنفية، فتكون هذه ظنية، تبقى ظنية وستظل ظنية إلى يوم القيامة.

"لامسته" يعني اليد وُضعت على اليد هكذا، الشافعي يقول هكذا، نعم، أو اجتماع الرجل بالمرأة، الاجتماع الجنسي والعلاقة الزوجية، أي أن أبا حنيفة يقول هكذا.

نعم، إلى يوم القيامة "لامستم" ليس مقصود بها اللمس هذا، مقصود بها الزوجية، نعم. ويقول الشافعي أن العلاقة الزوجية في لغة القرآن: مسّ، مسّ، نعم.

﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: 3]

نعم.

﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: 20]

مسّ وليس لمس، ليس لمسًا. ما شاء الله، فهذا جدال وكلام لغوي مؤصَّل من كلا الطرفين.

اختلاف المذاهب الفقهية رحمة للأمة إذا بُني على الاجتهاد والدليل

ولما أراد الله هذا ولم يرده في القطعي، أرادنا أن نفهم أن هذه المذاهب المختلفة هي في حقيقتها رحمة للأمة إذا كان الاختلاف من هذا الجنس، وهو أن يُبنى على الاجتهاد ويُبنى على الدليل ويُبنى على اللغة ويُبنى على الرحمة.

ولذلك تجد الناس مختلفة في مشاربها، ويأخذ كل واحد من هؤلاء المختلفين نصيبه من هذا الاختلاف، فتكون الدين له مرونة.

كما أنه عندما تتمادى الأزمان فإنه يجوز للمتأخرين أن يختاروا اختيارًا فقهيًا ما دام قد قال به المجتهد واعتمد على دليل.

شروط الاجتهاد وندرته عبر التاريخ الإسلامي وتسعون مجتهدًا في أربعة عشر قرنًا

ظهرت طائفة تقول لك: أنا الدليل، أنا الذي يقدم الدليل. أنت حر، هذه قضية نفسية شخصية لا علاقة لها بالأمة ومسارها. الأمة لديها مجتهدون عظام والاجتهاد لم يُغلق.

الاجتهاد باقٍ إلى يوم القيامة والاجتهاد له شروطه، وهذه الشروط على فكرة غير متحققة فيك، ولكن هذا الاجتهاد الذي له شروطه إذا تحقق في شخص أخذنا به وأصبح قوله معتمدًا.

ولكن الاجتهاد عبر التاريخ نادر، فهناك تسعون مجتهدًا في الألف وأربعمائة سنة، ما شاء الله، تسعون مجتهدًا، تسعون مجتهدًا.

انتهاء القسمة العقلية للاجتهاد المستقل والفرق بينه وبين الاجتهاد المطلق

ثم إن هناك أيضًا شيء كأنه انتهى، وهو القسمة العقلية للاجتهاد المستقل، فأصبح الاجتهاد المطلق غير الاجتهاد المستقل.

يعني لو كان لدينا ثلاثة أشخاص: ألف وباء وجيم، ولدينا ثلاثة كراسي: واحد واثنان وثلاثة، كم طريقة نستطيع أن نرتب بها هؤلاء الأشخاص مع هذه الكراسي؟ ست طرق.

حسنًا، أعطني سبعة طرق، لا يوجد. اجتهد هكذا وأخرج طريقة سابعة، سبعة طرق غير ممكن. لماذا؟ قالوا: لانتهاء القسمة العقلية.

فكل ما قيل في الاجتهاد قيل استقلالًا وجلس. ولذلك ترى الناس الذين بذلوا جهودهم أصبحوا من المجتهدين المطلقين مثل السيوطي وابن دقيق العيد والعز بن عبد السلام والتقي السبكي وأمثال هؤلاء، التزموا بالمذهب.

السيوطي اجتهد بنفسه فوجد نفسه شافعيًا إلا في سبع عشرة مسألة

يقول السيوطي في كتاب [التحدث بنعمة الله]: إنني اجتهدت بنفسي، وبعد أن اجتهدت وجدتُ أنني شافعي. وجد أنه شافعي!

نعم، يعني بعد ما اجتهد في فروع الفقه كلها ووجد نفسه أنه وصل لنتيجة التي وصل إليها الشافعي، سبحان الله، إلا في سبعة عشر مسألة.

نعم، هي قول ضعيف في المذهب، هي قول ضعيف في مذهب الشافعي في نفس المذهب الشافعي. سبحان الله، فذهب ولم يعمل مذهبًا جديدًا اسمه السيوطي.

نعم، لماذا؟ لأنه عندما سار على المنهج والنمط وصل بالحق إلى نفس ما وصل إليه الإمام الشافعي.

ابن دقيق العيد وافق اجتهاده اجتهاد الشافعي وتوافق شرح الرملي وابن حجر

نفس الكلام عن ابن دقيق العيد، يقول: ما قلّدنا الشافعي ولكن وافق اجتهادنا اجتهاده. ما شاء الله، يعني كل الكلام الذي يقوله هكذا جاء من اجتهاده هو نفسه شخصيًا، ولكن بعد ذلك عندما قارناه وجدناه كما قال الإمام الشافعي. يقولون سبحان الله.

يعني هناك أشياء عجيبة غريبة، يسأل الشيخ سعيد سنبل عن كيفية توافق شرح الرملي وشرح ابن حجر الهيتمي على منهاج النووي في الربع الأخير حيث يكاد يكون نسخة منه.

هل هذا من وضع الحافر على الحافر أو من اتفاق المصادر أو ماذا؟ يعني هذان الاثنان ألّفا وهما بعيدان عن بعضهما؛ لأن الثقافة والمدرسة الفقهية كانت تحفظهم. هؤلاء كانوا يحفظون هذا.

خاتمة الحلقة وأثر حفظ العلم عند المشايخ في تكوين المدرسة الفقهية

نعم، يحفظونه، وهذا ما حدث لنا في طلب العلم. كنا عند الشيخ الحسيني مثلًا، نأخذ منه العبارة ونحفظها ونتلوها من أنفسنا، فكأننا نحن نسخة من الشيخ.

طبعًا هذا يحتاج إلى مزيد أن الكلام ويُعرف حينها من هؤلاء تلاميذ الشيخ الفلاني.

[المذيع]: نعم، بارك الله فيك يا مولانا وزادك علمًا ونفعنا بعلمك. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعده بلقاء في حلقات قادمة إن شاء الله.

إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.