برنامج مفاهيم إفتائية (12) - القياس والإلحاق
- •يوضح الإمام علي جمعة أن الشريعة جاءت بنصوص محدودة (ثلاثمائة آية للأحكام وألفي حديث) مقابل وقائع غير متناهية تتجدد بتجدد الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
- •لذلك ابتكر الفقهاء آلية "الإلحاق" أو "القياس" لمعرفة حكم الله في المستجدات من خلال ربطها بالنصوص المحدودة.
- •مثال ذلك: نهي النبي ﷺ عن البيع على بيع الأخ والخطبة على خطبته، حيث استنبط العلماء العلة وهي منع النزاع والشقاق.
- •بالقياس يمكن إلحاق الإيجار والوظائف وكل ما يسبب الخصام بالحكم نفسه رغم عدم ورودها في النص.
- •يتم استنباط روح النص من خلال التساؤل المستمر "لماذا؟" للوصول إلى الحكمة والعلة.
- •مثال آخر: تحريم الخمر لإسكارها وذهاب العقل، وبالإلحاق يُحرم كل ما يذهب العقل أو يعطله كالجهل ورفض التعليم.
- •الأمية كانت معجزة في حق النبي ﷺ لكنها نقص في حق غيره.
مقدمة الحلقة والترحيب بالإمام علي جمعة للحديث عن الإلحاق
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية.
يسعدنا ويشرفنا أن نكون مع حضراتكم في ضيافة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: تحدثنا يا مولانا في الحلقات السابقة، وفي آخر حلقة تحدثنا فيها عن القطعية والظنية، كنا تحدثنا عن الأصول الفقهية: الحجية، الثبوت، الفهم، قطعية وظنية الدلالة. اليوم إن شاء الله نتحدث عن الإلحاق.
النصوص الشرعية محدودة وآيات الأحكام نحو ثلاثمائة آية فقط
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
الشريعة كما يقول الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني جاءت بنصوص محدودة من الكتاب والسنة، بل إن النصوص الشرعية المتعلقة بالأحكام العملية قليلة، حتى أنهم حصروا في الكتاب نحو ثلاثمائة آية فقط تتكلم عن الأحكام في كل شيء: في العبادات، وفي المعاملات، وفي القضاء، وفي العلاقات الدولية.
تُستنبط من هذه الآيات التي عُرفت فيما بعد وأُلِّف فيها تحت عنوان آيات الأحكام.
أحاديث الأحكام ألفان فقط من ستين ألف حديث والبقية في الأخلاق
وهناك في السنة وقد ورد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، هناك الذي استدل به الفقهاء من هذه الأحاديث الكثيرة يؤول إلى ألفي حديث، وعدد الوارد من الأحاديث نحو ستين ألف حديث، منهم ألفان فقط للأحكام لكل الفقه الإسلامي من أوله إلى آخره، والبقية هي في الأخلاق المرتبطة بالعقيدة.
فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق يقول:
قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
اثنان من ستين، يعني واحد على ثلاثين، يعني ثلاثة في المئة للأحكام الشرعية كلها، وسبعة وتسعون في المائة للأخلاق والعقيدة.
الإسلام دين الأخلاق والعبادات تصب في قضية الأخلاق
[المذيع]: ما شاء الله.
[الشيخ]: هذا هو الإسلام دين الأخلاق، وهذه العبادات والأحكام إنما هي تصب في قضية الأخلاق التي أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون على أعلى مستوى، والمثال الصالح والشهادة الطيبة للعالمين.
فيقول أبو إسحاق الإسفراييني: إذن فالنصوص محدودة، وهذه النصوص المحدودة مهمتها أن تعطي الأحكام لأحداث وأفعال البشر غير المحدودة.
أفعال البشر غير محدودة بسبب تنوع الأزمنة والأمكنة والأشخاص
ولماذا أفعال البشر غير محدودة؟ لأن الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم مثلًا وحضروا حجة الوداع مائة وأربعة عشر ألفًا من الصحابة، والآن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم مليار ونصف. انظر إلى الفرق بين مائة ألف ومليار ونصف!
كان هذا في الجزيرة العربية، آمن به العرب، وكان الذين آمنوا به من غير العرب أفراد مثل صهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي، هكذا. ولكن الآن أمم كثيرة جدًا دخلت بعاداتها وتقاليدها وتاريخها وثقافاتها، انتشر الإسلام في كل بيت وفي كل ركن من بيوت العالم وربوعه.
التنوعات في الزمان والمكان تستلزم أحكاماً شرعية جديدة
إذن هذه التنوعات في الزمان وفي المكان وفي الأشخاص وفي الأحوال المتقلبة على الناس، هذا العدد الضخم، كل هذا يحتاج إلى أحكام شرعية تسأل عنها الناس. أي هذه الأحكام الشرعية التي تسأل عنها الناس، كيف نجدها بالنص في ثلاثمائة آية وفي ألفين من الأحاديث؟
فيقول الإمام أبو إسحاق الإسفراييني أن النصوص محدودة والوقائع غير متناهية؛ لأنها تتجدد بتجدد الزمان، وباختلاف المكان، وبانتشار الأشخاص، وبتقلب الأحوال. فكيف نفعل؟
اختراع آلية القياس والإلحاق لمعرفة حكم الله في الوقائع المتجددة
فاخترعوا ووضعوا آليّة، هذه الآليّة التي تمكنهم من معرفة رأي الشرع الشريف وحكم الله سبحانه وتعالى من هذه النصوص المحصورة في الوقائع المتجددة، وأسموا هذه الآلة أو المفتاح أو الأداة - سمِّها كما تشاء - القياس، وبعضهم أسماها الإلحاق.
ولذلك فنحن نمتلك أداة علمية رصينة نعرف تفاصيلها جيدًا، ونستخدمها فيما بين النصوص والواقع من أجل أن نخرج بحكم. هذا الحكم لا يكون منصوصًا عليه، وإنما يكون من نسيج هذا النص، لا يخالفه، كأنه خرج من رحمه بشكل جميل، وُلد منه. ولذلك نطمئن إلى أن الشرع هو الذي أراد هذا قياسًا على ما ورد فيه من نصوص جميلة.
مثال تطبيقي على القياس من النهي عن البيع على بيع الأخ والخطبة على خطبته
نضرب مثالًا أو أمثلة، فبالمثال يتضح المقال كما يقولون.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن أن يبيع أحدنا على بيع أخيه، وأن يخطب أحدنا على خطبة أخيه حتى يذر، يعني حتى يدع هذا الأخ البيعة، أو حتى يدع هذه الفتاة ويترك خطبتها، فأتقدم أنا بعده لأنال هذه البيعة مثلًا أو أنال هذه الفتاة.
وقد تأمل العلماء في هذا النص ووقفوا عنده وسألوا أنفسهم سؤالًا - وها نحن قد بدأنا في عملية القياس والإلحاق - مفاده: لماذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الفعل؟ لماذا حرّمه؟
تحليل علة النهي عن البيع على بيع الأخ وسد منابع النزاع
أنا عند شخص يشتري كتابًا وأنا دخلت المكتبة، فإذا بي نظرت إلى الكتاب وطمعت فيه وليس هناك إلا هذه النسخة وأريد أن أشتريه، فإذا بي أريد أن أبيع على بيع أخي، فإذا كان الكتاب بعشرة أقول للرجل: هل يمكن أن تأخذ أحد عشر وتعطيني إياه؟
فيقع في نفس أخي الذي كان ممسكًا بالكتاب وواقفًا في الطابور لأجل أن يدفع الألم، ويحدث بيننا وقد يحدث نزاع وخصام وشقاق.
فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يسد منابع النزاع والشقاق بين المسلمين. يمكننا القول إنه كأنه لا يريد من أحدنا أن يظهر بهذه الصورة الفجة التي يؤلم بها أخاه من غير داعٍ لهذا الألم ولا دافع شرعي له.
إلحاق الخطبة بالبيع في النهي عن إيقاع النزاع والشقاق بين المسلمين
قد يكون هذا، وكذلك نرى أن الإنسان ذهب لخطبة فتاة، فإذا بالآخر يذهب من أجل أن يعكر عليه الأجواء أو أن يظهر في الصورة اثنان، وتبدأ نفس الفتاة تحتار بينهما، أو الأهل يحتارون بينهما، أو ما شابه ذلك.
وسيدفع شبكة أكبر، وسيدفع أكثر وأكثر، فتصبح مساومة، ويصبح الأمر خصامًا ونزاعًا.
فيأخذ العلماء من هذا أن سبب هذا النهي هو التصرفات التي تؤدي إلى النزاع والشقاق.
إلحاق الإيجار بالبيع والخطبة في التحريم لاتحاد العلة وهي النزاع
فكل تصرف - هنا القياس، هنا الإلحاق - نحن الذي في الحديث ماذا؟ البيع والخطبة فقط.
[المذيع]: فقط، صحيح.
[الشيخ]: فكل تصرف مثل الإيجار مثلًا، أي أنا ذاهب لاستئجار شقة، فإذا بأخي يذهب لاستئجار هذه الشقة وينازعني فيها ويخاصمني عليها.
حسنًا، إنها هي بالفعل، صحيح أن الإيجار - وإن لم يكن منصوصًا عليه - يكون مثل البيع والخطبة؛ لأنه سيؤدي إلى نفس المنهي عنه وهو النزاع والشقاق.
فيأتي شخص ويقول لي: والله النبي لم يقل «لا يستأجر أحدكم على إيجار أخيه»، إنما قال البيع والخطبة. أقول له: لا، فالاستئجار على الاستئجار حرام أيضًا.
حقيقة الإلحاق هي توسيع النص المحدود ليشمل الوقائع المتجددة
مثل - هنا تلاحظ الإلحاق - مثل إلحاق الإيجار الذي ليس منصوصًا عليه بالنص الموجود معي فعلًا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في كلام الله. هذا هو ما يسمى بالإلحاق.
ما الذي حدث عندما ألحقت هذا الإلحاق؟ الحقيقة أنني قد وسّعت النص؛ النص بدلًا أن كان في بندين جعلته في ثلاثة وأربعة وخمسة وستة، ويمكن جعلته في عشرة.
ولذلك أجيب على الوقائع المختلفة، وأحرِّم كل ما يوقع البغضاء والخصام والنزاع بين المسلمين، ويكون هذا على سبيل القياس والإلحاق بالنص اليقيني الذي نهانا عن ألّا نؤلم إخواننا في البيع بمنازعتهم أو في الخِطبة بمنازعتهم.
تطبيق الإلحاق على الوظائف وامتثال المسلمين لروح النص
فإذا كان هذا سيحدث - مثلًا - في وظيفةٍ وأنا ذاهب لأخذها، فإذا بي وجدت أخي يريد أن يستولي عليها ويأخذها. ولذلك وجدنا المسلمين عندما امتثلوا لهذا يقول أحدهم: يا أخي، إنها أرزاق، هذا رزقه، فلا، هذا هو أحق بها لأنه سبقني إليها.
وهكذا أصبحنا يمكن أن نسميها - إذا جاز التعبير - روح النص. يعني الفقهاء يأخذون الحديث أو الآية، يأخذون روح النص ويطبقونه على الحالات المتشابهة.
مفهوم روح النص والأسئلة الممتدة بلماذا لاستنباط العلة والحكمة
وفي الأدبيات الحديثة، كما ورد في تعبيرات وأدبيات القانون:
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يقولون روح القانون، الذي هو روح النص. أين هو؟ يعني وهو الناتج عن سؤال: لماذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الشيء؟
فالإجابة على كلمة «لماذا» تعطيني العلة، وعندما أُسأل مرة ثانية «لماذا» تعطيني الحكمة، وعندما أُسأل ثالثًا ورابعًا وخامسًا وسادسًا، ولا تتناهى الأسئلة بـ«لماذا» إلى أن نصل إلى البديهيات، نُسميها الأسئلة الممتدة؛ لأنني أقول لماذا لماذا لماذا لماذا دائمًا.
استئناف الحديث عن الأسئلة المتتالية وجهد المجتهدين الأوائل
[المذيع]: يعني بعد إذن فضيلتكم، نستكمل الأسئلة الممتدة بعد إذنكم إن شاء الله، فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.
بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عُدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامج مفاهيم إفتائية عن الإلحاق والقياس. تفضل يا مولانا، قبل أن نخرج كنا نتحدث عن الأسئلة «لماذا»، لكي نستنبط التساؤلات من روح النص، نسميها إذن الأسئلة المتتالية.
[الشيخ]: المتتالية، جميل. فلديك مثال، مثلًا يقول لك الفقيه يجلس ويفكر هكذا، ولقد بذل المجتهدون الأوائل هذا الجهد كله، أي وسنجده مبثوثًا في كتبهم، فوفروا علينا أشياء كثيرة جدًا.
أهمية التراث الفقهي وضرورة فهم المناهج لا الوقوف عند المسائل
ولذلك الاطلاع على التراث والتمسك به وتدريسه وحفظه وفهمه مسألة ضرورية لكي نستمر ولكي نعيش. إن نبذ هذا التراث انتحار.
ولذلك لا بد أن نقرأ هذا الفكر المبدع الجميل الذي قام به المجتهدون المسلمون عبر العصور. لا نقف عند مسائلهم؛ لأن الدنيا تتغير، وإنما نفهم مناهجهم وكيف يستعملون هذه المناهج في تطبيق الشرع الشريف في الواقع المعيشي.
[المذيع]: جميل، وهذه نقطة مهمة جدًا.
[الشيخ]: لا يوجد نبذ للتراث، ولا يوجد وقوف عند مسائل التراث، ولكن سنظل في المسائل التي لم تتغير نعيش فيها، الثوابت نعيش فيها، والمناهج نستعملها لمواجهة عصرنا ولمواجهة كل عصر سوف يأتي، وسنعيش بذلك في فقه مرن صالح لكل زمان ومكان.
[المذيع]: الله أكبر.
مثال الأسئلة المتتالية في تحريم الخمر والبحث عن علة التحريم
كان يجلس الفقيه ويفكر: يا رب، لماذا حرّمت الخمر؟ سؤال هو - على فكرة - خلاص، هو عرف أن الخمر حرام، معروف هذا، لكن السؤال: لماذا؟ وهذا هو البحث الذي يحتاج إلى الجواب: لماذا حرم الله الخمر؟
يقول: يا رب لماذا حرّمت الخمر؟ من أجل لونها؟ حسنًا، ألا يشبه شراب الورد لون الخمر؟ وشراب الورد حلال والخمر حرام. لا، ليست هي.
حسنًا، من أجل رائحتها؟ قال: لا. حسنًا، ألا يشبه الخل رائحة الخمر؟ لكن هذا حلال، وقد قال [النبي ﷺ]:
قال رسول الله ﷺ: «نِعْمَ الإدام الخل»
وهذا ليس حلالًا، هذه خمر حرام. قال: حسنًا يا رب، لماذا؟
الوصول إلى علة الإسكار كسبب لتحريم الخمر وسؤال لماذا الثاني
المهم وصل لصفة من الصفات؛ لأنها سائل مثلًا، والماء سائل وحلال. فيصبح إذن لخاصية الإسكار، لخاصية أنها تُسكر.
فتكون الإجابة على «لماذا» - ونستطيع أن نضع عليها رقم واحد - لماذا الأولى؟ لماذا رقم واحد؟ لإسكارها.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: طيب، السؤال الثاني: ولِمَ كانت يا رب صفة الإسكار موجبة للتحريم؟
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فيأتي الجواب بعد ذلك البحث والتأمل والتدبر وربط نصوص الشريعة بعضها ببعض واستعمال اللغة العربية والمعيشة في جو الشريعة: لذهاب العقل؛ لأنها مذهبة للعقل.
العقل مناط التكليف ولذلك حرم كل ما يذهبه
يقول بعض الناس: يا رب، لماذا كان ذهاب العقل هذا أو ذهاب العقل موجبًا للتحريم؟ لقد ذُكر أن العقل يذهب، ولذلك فهي حرام، ولكن لماذا كان هناك ربط ما بين ذهاب العقل والتحريم؟
فتأتي الإجابة بأن العقل مناط التكليف، أي أنه متعلق التكليف، فلا أستطيع أن أكلف من ليس عاقلًا.
ولذلك رأينا في الشريعة أنها لا تكلف المغمى عليه، ولا تكلف من هو تحت تأثير البنج في عملية، ولا تكلف الصبي الصغير الذي لم يعقل، ولا تكلف النائم لا يُكلّف، وكذلك المجنون والمعتوه.
لماذا كان العقل مناطاً للتكليف وأهداف الحياة الثلاثة العبادة والعمارة والتزكية
إذا كان الله سبحانه وتعالى قد جعل العقل هذا مهمًا جدًا، فذلك لأن العقل هو مناط التكليف.
فيأتي ويقول لك: طيب يا رب، لماذا حين كان العقل مناطًا للتكليف؟ فيقال له: نعم، إذا كانت هناك أهداف لهذه الحياة:
- أولها العبادة، والعبادة لا تكون إلا من عاقل.
- ثانيها العمارة، والعمارة تحتاج إلى ترتيب لا يمكن أن يصدر إلا من عاقل.
- ثالثها تزكية النفس، وتزكية النفس لا يمكن أن تصدر إلا من عاقل.
أين إذن يا رب أن هذه الدنيا أصلها العبادة؟
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
الاستدلال بالقرآن على أهداف العبادة والعمارة والتزكية
فيقوم بالبحث، يدور ويجد ويفهم أن معنى قوله تعالى:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
أي طلب منكم عمارتها، فالمقصود هنا هو الإعمار.
وفي المقابل:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: 204-205]
فهذا ضد الإعمار، ويهلك الحرث والنسل، فهو ضد الإعمار، والله لا يحب الفساد، إلى آخره.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]
خلاصة الأسئلة الممتدة: تحريم كل ما يقدح في العقل
إذا اتضح لنا أن الله سبحانه وتعالى أراد من الإنسان العبادة والعمارة والتزكية، ولذلك فلا بد أن يكون عاقلًا، ولذلك فقد حرّم عليه كل ما يقدح في هذا العقل.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يأتي قوم يقولون: طيب، كل ما يقدح في هذا العقل هو الخمر والإسكار وكذا، فما بالك بمن يدعو الأمة إلى عقلية الخرافة؟
إننا انتقلنا إلى شيء آخر تمامًا، فالعقلية العلمية هي التي تعمر الأرض وتحافظ عليها. أما العقلية الخرافية الأسطورية والدجل والشعوذة فهي حرام، وتُعَدُّ عدوانًا على العقل، عدوانًا على العقل.
الدعوة إلى عدم التعليم عدوان على العقل وضد الشريعة الإسلامية
طيب، قال لي: فما بالك بمن [يدعو] ألا يتعلم الناس؟ ونقول له: لماذا؟ قال: يا أخي، ما المشكلة؟ فالنبي كان أميًا يا أخي، هل تدرك أننا أمة أمية؟ نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، فما المشكلة؟
أنا لن أعلم أولادي، سأذهب بهم إلى الغيط - الذي هو الحقل، الذي هو الأرض - لكي يزرعوا ويفلحوا ويُدخلوا لنا إيرادًا، أو أُرسلهم ليتعلموا صنعة؛ لأن الولد عندما يذهب لتعلم صنعة وهو صغير يتقنها، سواء كان نجارًا أو ميكانيكيًا أو غير ذلك، أو أنا وهكذا.
ألن تعلمهم؟ قال: لا، لن أعلمهم. هذا عدوان على العقل، وهذا ضد الشريعة.
الإلحاق أساس لفهم الشريعة وتحريم كل ما يستهين بالعقل والتعليم
من أين أتوا بهذا الكلام؟ من الإلحاق الذي تحدثنا عنه أنه أساس من أسس تطبيق الشريعة وفهمها.
فنرى أن أي دعوة تدعو إلى الاستهانة بالعقل، إلى تعطيل العقل، إلى عدم تعليم الإنسان، إلى حرمانه من هذه الأوامر الإلهية الربانية:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
وبعد ذلك يقول له:
﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ﴾ [العلق: 3]
يكرر القراءة مرتين.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]
إلى آخره.
كتاب الإمام السيوطي تنزيه الأنبياء عن تشبيه السفهاء وقصة قلعة الكبش
ولذلك الإمام السيوطي له كتابٌ ألّفه لحادثةٍ تتعلق بهذا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الإمام السيوطي تُوفي سنة تسعمائة وإحدى عشرة هجرية، يعني مرّ عليه اليوم خمسمائة سنة. سمّاه «تنزيه الأنبياء عن تشبيه السفهاء». انظر إلى هذا الاسم الجميل: تنزيه الأنبياء عن تشبيه السفهاء.
يقول أنه حدثت حادثة في قلعة الكبش - وقلعة الكبش موجودة عندنا حتى اليوم في السيدة زينب - أن رجلًا كان يجادل أخاه أحد أصحابه، فقال له: يعني أنت ابن من؟ أنت ابن غنّام، أبوك يسوق الغنم!
حادثة التشبيه بالنبي في رعي الغنم والأمية واتفاق العلماء على عدم جوازه
فرد عليه الرجل وقد حزن من هذه المعايرة وقال له: يا أخي، إذا كان أبي يرعى الغنم فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يرعى الغنم أيضًا.
ورفعوا الأمر إلى العلماء: هل يجوز هذا؟ يقول له: يا أخي، إن أباك جاهل لا يقرأ ولا يكتب. فيرد عليه: يا أخي، حسنًا، ألم يكن النبي أميًا؟
[المذيع]: نعم، فهل يجوز هذا؟
[الشيخ]: فاتفق العلماء على أنه لا يجوز، على أنه لا يجوز.
[المذيع]: لا يجوز، نعم.
[الشيخ]: قالوا هذا النبي معجزة.
[المذيع]: جميل.
أمية النبي معجزة تزيد إعجاز القرآن وليست مدعاة للافتخار بالجهل
رعايته للغنم، أميته صلى الله عليه وسلم، هذا قطع الطريق لمن يقول أن هذا الرجل عالم علامة تربى على الكتب وفتش فيها وعرف اللغات وأتقنها؛ لأن معجزة القرآن هذه تزداد إعجازًا عندما يكون الذي نقلها لنا وصدر منه صلى الله عليه وسلم بعد وحي ربه إليه أمي لا يقرأ ولا يكتب.
فهو ليس له علاقة، ليس لك من الأمر شيء:
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
يعني هو صلى الله عليه وسلم يرى الوحي:
﴿فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 18-19]
أنت ليس لك علاقة.
الأمية في حق النبي معجزة وفي حق غيره منقصة وجهل
فالنبي صلى الله عليه وسلم كانت الأمية في حقه معجزة، لكن في حق الآخرين هذه منقصة ونقص وجهل. عدم صحة وجهل من قال أن الأمية يُفتخر بها.
الأمية لا يُفتخر بها. الأمية وردت للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل المعجزة، لكنها نقص في أي شخص من أتباعه.
ولذلك كان حريصًا على أن يزيل أميتهم، وفي أسرى بدر جعل كل واحد متعلم للقراءة والكتابة يعلم عشرة. أي وهذا القرآن:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]
ويقول [النبي ﷺ]:
قال رسول الله ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة»
خاتمة الحلقة والتأكيد على أن الأمية معجزة في حق النبي ومنقصة في حق غيره
[المذيع]: حسنًا، لقد انتهى الوقت يا مولانا، يمكننا أن نستكمل في الحلقة القادمة. موضوع أن الأمية في حق الأمي والآخر منقصة، لكن في حق سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام تعتبر معجزة عليه الصلاة والسلام، عليه الصلاة والسلام.
اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا الجهد، على وعد باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله من مفاهيم إفتائية.
إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
