برنامج مفاهيم إفتائية (13) - تابع القياس والإلحاق - مفاهيم إفتائية

برنامج مفاهيم إفتائية (13) - تابع القياس والإلحاق

23 دقيقة
  • تحدث الدكتور علي جمعة عن أن الأمية في حق النبي صلى الله عليه وسلم كانت معجزة ليلا يتهم بأن القرآن من عنده، بينما هي نقص في حق غيره.
  • شرح أركان القياس الأربعة وهي: الأصل والفرع والحكم والعلة، وكيفية استخدامها في استنباط الأحكام الشرعية.
  • أوضح كيف قاس العلماء تحريم الحشيش على الخمر لاشتراكهما في علة الإسكار وإزالة العقل.
  • بيّن أن العلة هي الإجابة على سؤال "لماذا؟" وتسمى إجابة السؤال الثاني بعلة العلة وهكذا.
  • ذكر أن الفقهاء وضعوا شروطاً لكل ركن من أركان القياس لضبط هذه الآلة الدقيقة.
  • أورد مثالاً لشرط من شروط الأصل وهو ألا يكون معدولاً به عن سنن القياس، كقصة خزيمة بن ثابت الذي جعل النبي شهادته بشهادة رجلين.
  • أكد أن القياس هو جوهر الفقه، وأن من أنكره لا يمكن أن يكون فقيهاً.
محتويات الفيديو(28 أقسام)

مقدمة الحلقة واستكمال الحديث عن الأمية والقياس في الفقه الإسلامي

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون معكم في ضيافة فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا بحضرتك.

[الشيخ]: أهلًا بكم.

[المذيع]: في الحلقة الماضية يا مولانا كنا نتحدث عن أن الأمية في حق رسول الله عليه الصلاة والسلام معجزة، وفي حق الآخرين تُعتبر من أنواع الجهل. فنستكمل الحديث عن موضوع القياس يا مولانا.

فهم الحقائق على وجهها وأمية النبي ﷺ كرامة لا نقص

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

لا بد عندما تأتينا الحقائق أن نفهمها على وجهها وأن نضعها في مكانها. فالنبي صلى الله عليه وسلم أكرمه الله أن كان يرعى الغنم، ولكن رعاية الغنم ليست هي المهنة التي تتقدم على المهن؛ فإن طلب العلم وشرفه فوق كل شرف، ومن ذاق عرف ومن عرف اغترف، ما شاء الله.

ولكن سيدنا رسول الله أُكرم بالأمية من أجل ألا يُتَّهم بأن هذا الإبداع والإعجاز من عنده عندما جاء بالقرآن. ولكن الأمية في حق غيره إنما هي نقص.

تنزيه الأنبياء عن تشبيه السفهاء وحرمة القياس على أحوالهم

ولذلك أشرنا في حلقة سابقة إلى الإمام السيوطي وهو يؤلف كتابه الممتع «تنزيه الأنبياء عن تشبيه السفهاء»؛ لأن رجلًا قيل له إن أباك (أبا هذا الرجل) أُمِّي، فقال: أتعيرونني بأبي أنه أُمِّي أم تعيرونني بأني أُمِّي؟ فلقد كان النبي أُمِّيًّا.

مثل هذا التشبيه في حق النبي صلى الله عليه وسلم ممنوع. وكذلك التشبيه في حق الأنبياء؛ عندما يصيب النبي من الأنبياء بلاء أو يصيب نبيًّا من الأنبياء نقص في جسده، إنما هذا هو نوع من الاختبار والابتلاء وعلو الدرجة والمكانة.

الابتلاء للأنبياء لا يعني تمني البلاء والتمثل بالصبر

ولكن لا يؤدي هذا إلى مثلًا أن نتمنى هذا البلاء أو أن نتمنى هذا المرض. مثلًا سيدنا أيوب كان مبتلى، إنما نحن لا نسأل الله البلاء، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«لا تسألوا الله البلاء، فإذا نزل فاصبروا»

هذه قضية أخرى. نتمثل إذن بسيدنا أيوب في صبره وبإكرام الله له.

مفهوم العلة والحكمة في تحريم الخمر والأسئلة الممتدة

القضية كانت في قضية فهم الفقهاء للحقائق، للحكم، للعلل. وذكرنا أن هناك ما يسمى بالأسئلة الممتدة.

وعندما نسأل السؤال الأول: لماذا حرَّم الله الخمر؟ فنقول: لإسكارها. يسمون هذا بـالعلة؛ الإجابة على السؤال الأول يسمونها العلة.

ولما كان الإسكار موجبًا للتحريم فيقولون: ذهاب العقل، فهذا يسمونه الحكمة. وفي بعض الأحيان يسمونه العلة الثانية، والعلة الثالثة، والعلة الرابعة، والعلة العاشرة.

ما معنى الثانية والثالثة وكذا؟ أي أنها هي الإجابة على السؤال الثاني الذي هو علة العلة، وعلة علة العلة. ما هي إلا كلمة «لماذا»؛ أي نطلب العلة ولكن نطلبها في أي مستوى. في البداية فتكون هي علة الحكم.

أركان القياس الأربعة: الأصل والفرع والحكم والعلة

هذا لأنهم عندما بنوا أداة الإلحاق أو القياس بنوها على أركان أربعة: الأصل والفرع، وهذا الأصل له حكم، وهذا الحكم له علة، وهذا الفرع فيه تلك العلة. ولذلك فيأخذ نفس الحكم.

ولذلك قالوا إن أركان القياس أربعة: الأصل، والفرع، والحكم، والعلة.

فمثلًا الخمر هو الأصل، ويأتي بشيء مثل الخمر لكنه ليس خمرًا، مثلًا من مغيبات العقل، فيقول: نعم، هذا مُغيِّب من مغيبات العقل اشترك مع الخمر في الإسكار. والعلة هي حرمة الخمر لإسكارها، يبقى إذن هذا المخدر الجديد حرام لذهابه أيضًا بالعقل أو لإسكاره قياسًا على الخمر.

حديث كل مسكر خمر وتوسيع مفهوم الخمر شرعًا

[المذيع]: قياسًا على الخمر، جميل.

[الشيخ]: سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني سهَّل علينا الأمور وقال:

«كل مسكر خمر، كل مسكر خمر»

يعني أصبح شرعًا خمرًا.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: هنا إما أنه وسَّع المفهوم وإما أنه يعلمنا القياس. هو صحيح:

«كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»

يبقى إذن أي ما يُسكر هو خمر. الخمر في لغة العرب كانت خاصة بعصير العنب المتخمر الذي فيه الكحول الذي يُذهب العقل. الكحول هذه جاءت من الغول، كلمة الغول العربية. هذا الغول أو الكحول يغتال العقل، يسدُّه.

قياس تحريم الحشيش على الخمر وظهوره في التاريخ الإسلامي

حسنًا، لنفترض أن هناك [شيئًا] يغتال العقل أيضًا ولكنه ليس سائلًا، مثلًا مثل الحشيش. ظهر الحشيش ولم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الحشيش، فالعلماء وجدوا أن تناول الحشيش عن طريق مثلًا شم دخانه أو شرب دخانه يُحدث في العقل مع الكميات الكثيرة أيضًا غيابًا، ولا يستطيع الإنسان إلا أن يزول عقله. فقاسوا حرمة الحشيش على حرمة الخمر.

وألَّف مثلًا رجل لما ظهر هذا الكلام مثل الشيخ الزركشي (توفي سنة سبعمائة وخمسة وتسعين هجرية) كتاب «ظهر العريش في تحريم الحشيش».

طائفة القلندرية والحشاشين وأول من استعمل الحشيش

ظهر العريش في تحريم الحشيش. أي عندما ظهر هذا النبات كان الناس الذين تناولوه أول ما تناولوه كانت طائفة يُقال لها طائفة القلندرية. واحد اسمه ابن قلندر وجد القنب الهندي هذا، فوقع في شيء؛ شمَّه، دخَّنه، فوجد أنه يُحدث له جوًّا آخر ويدخله في أمور أخرى، فاستعمله.

وكان قبل ابن قلندر هناك طائفة من أتباع الصباح الذين يُسمَّون الحشاشين في قلعة الجبل، الذين يُطلق عليهم القرامطة. فالقرامطة الحشاشون هؤلاء أيضًا كانوا يستعملون شيئًا مثل الحشيش هذا؛ أي أشياء مسكرة أو أشياء مُفتِّرة أو شيء مخدر إن صح التعبير.

الفرق بين المواد المخدرة والمسكرة وتحريمها بالاتفاق

لأنه طبعًا هناك فرق بين التأثير المخدر أي المواد المخدرة والمواد المسكرة؛ فكلاهما تأثيرهما ليس واحدًا على الجسم. أحدهما يُفتِّر العقل وآخر يُسكر، ولكن هذا الذي يُفتِّر العقل إلى درجة معينة يُذهب العقل.

ولذلك حُرِّم باتفاق العلماء؛ أي لم نرَ أحدًا من العلماء قط [أباحه]. وكان هذا سببًا في ثورة عارمة على القرامطة هؤلاء واتهامهم بالفسق والزندقة وما إلى ذلك، وكذلك على طائفة الحشاشين.

جرائم الحشاشين وتلوث قضية الحشيش في التاريخ الإسلامي

والحشاشون هؤلاء وقعوا في جريمة شنيعة وهي الاعتداء على بيت الله الحرام وسرقوا الحجر الأسود. ولذلك دائمًا قضية الحشيش هذه تبقى ملوثة في التاريخ الإسلامي وفي الأحكام الإسلامية، ليس فقط بالإسكار بل أيضًا بانحراف أصحابها عن الجادة؛ لأن الحشيش تلاعب بعقولهم ولم يجعلهم أهلًا للتكليف.

[المذيع]: هؤلاء يا مولانا الذين كانوا يسقون الشباب مخدرات ويوهمونهم أنهم دخلوا الجنة.

[الشيخ]: نعم، وبعد ذلك يقولون لهم: اقتلوا فلانًا لكي تدخلوا الجنة التي خرجوا منها أساسًا.

أصل كلمة أساسين من الحشاشين وانحرافهم عن الدين

[المذيع]: نعم، أساسين [Assassins].

[الشيخ]: نعم، وهم الحشاشون تمامًا. أساسًا أي كأن الشين صارت سينًا، هم الذين يقومون بعمليات اغتيال وأشياء مثل هذه.

[المذيع]: نعم، أجل، هذا انحراف.

[الشيخ]: أجل.

منهج الفقيه في تطبيق أركان القياس الأربعة وحكم الفرع

المهم، الحاصل أن الفقيه كان يذهب وفي ذهنه الأركان الأربعة للقياس.

[المذيع]: أجل.

[الشيخ]: الأصل.

[المذيع]: أجل.

[الشيخ]: الفرع يشترك في العلة، فيبقى هناك علة هنا وعلة هنا.

[المذيع]: أجل.

[الشيخ]: فيأخذ الفرع حكم الأصل. فيبقى عندنا أربعة: حكم، وأصل، وعلة، وفرع.

طيب، فما حكم الفرع؟ قال: لا، هذا ناتج القياس. وناتج الشيء لا يكون هو الشيء؛ لأنه متولد منه. عندما يكون لدينا بقرة وتتولد منها بقرة صغيرة، فهذه البقرة غير تلك. صحيح ستكون مختلفة، فتمامًا ما يتولد من الشيء لا يكون هو نفسه.

فحكم الفرع هذا الناتج من القياس.

شروط أركان القياس الأربعة والانتقال إلى تفصيلها

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وبدأوا يضعون شروطًا للأصل، ويضعون شروطًا للفرع، ويضعون شروطًا للعلة، ويضعون شروطًا لحكم الأصل.

[المذيع]: فلنأخذ فاصلًا يا مولانا ونعود لننظر في الشروط الخاصة بهؤلاء الأربعة. فاصل، نعود إليكم فابقوا معنا.

شروط الأصل في القياس وألا يكون معدولًا به عن سنن القياس

[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من الحلقة اليوم من برنامجكم مفاهيم إفتائية. نتحدث مع فضيلة مولانا المفتي الدكتور علي جمعة عن القياس، عن الأصل والفرع والعلة والحكم. تفضل يا مولانا.

[الشيخ]: الأركان الأربعة هذه يعني وضع الأصوليون لها شروطًا حتى يضبطوا هذه الآلة الحقيقة الدقيقة القوية التي تسمى بالقياس.

فمثلًا يقول لك من شروط الأصل: ألا يكون معدولًا به عن سنن القياس. يقولون هكذا: ألا يكون معدولًا به عن سنن القياس. وألا يكون خاصًّا بالمحل. يقولون هكذا شروط.

قصة شراء النبي ﷺ الجمل من الأعرابي وبداية الحادثة

يضربون مثلًا لكي يتضح الحال. مرة كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلًا المدينة، وبعد ذلك وجد أعرابيًّا معه جمل جميل هكذا. فالأعراب يأتون بالإبل والجمال لكي يبيعوها ولكي يستعملوا هذه الأموال بعد ذلك في الطعام والشراب وما إلى ذلك، وهذه الجمال تتناسل في البادية عندهم ولا تكلفهم شيئًا.

والجمل رآه سيدنا رسول الله فوجده حسنًا وجيدًا، حسنًا جدًّا. فقال للأعرابي: أتبيعه لي؟ قال: نعم، وإلا فلماذا جئت أنا؟ فباعه له. الأعرابي لا يعرف من هذا عليه الصلاة والسلام.

محاولة الأعرابي بيع الجمل مرة أخرى بعد أن باعه للنبي ﷺ

فصار النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أعطاه المال واتفقا وكل شيء، أصبحت الإبل ملكًا للنبي. والأعرابي سيدنا رسول الله يمشي والأعرابي يمشي خلفه وممسك بزمام أو حبل الجمل في يده لكي يوصله إلى المكان، خدمة هكذا. أي لكن النبي اشتراه أخيرًا، النبي اشتراه.

فلما دخل المدينة بهذه الصفة، كان الناس يعرفون أن هذا الجمل لا يوجد مثله في المدينة. أجل، أنهم يعرفون جمال المدينة وشكلها، وأن هذا الجمل جميل هكذا وصنف جديد ويعرفونه.

وبعد ذلك أيضًا في يد الأعرابي، فيقول له صاحبه: يا أخا العرب، بعه لي. فالجمل يسكت الرجل لأنه باعه وانتهى الأمر. وهم يرون سيدنا رسول الله يمشي والأعرابي يمشي ولم يخطر في بالهم أنه يكون قد اشتراه أو شيئًا.

الأعرابي يحاول بيع الجمل ثانية والنبي ﷺ يتعجب من خيانته

أتبيعه لي يا أخا العرب؟ أتبيعه لي يا أخا العرب؟ فكَّر الأعرابي أنه يبيعه مرة أخرى، يرفع السعر قليلًا. آه، يبيعه ثانية، يبيعه ثانية أم يرفع السعر؟ يبيعه مرة أخرى.

فواحد قال له: أتبيعه لي يا أخا العرب؟ قال له: نعم. فالنبي عليه الصلاة والسلام سمع، وتعجب: أنا كنت أظنك أمينًا! فالتفت إليه وقال: ماذا يا أعرابي؟ ألم أشتره منك؟ قال له: لا، هل يوجد شهود؟ هل يوجد شهود؟ ينكر تمامًا عملية البيع.

شهادة خزيمة بن ثابت للنبي ﷺ وتصديقه بأمر السماء

فيقف خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه، قال له: يا رسول الله، أنا أشهد أنك قد اشتريته منه. فيقول له [الأعرابي]: تشهد بماذا يا خزيمة؟

انظر جمال سيدنا رسول الله! سيدنا رسول الله اشتراه ونقده، والأعرابي نفسه كلامه: هل يوجد شهود؟ لا يوجد شهود، فأنا سوف أبيعه مرة أخرى. أجل، فهو ينوي اللعب وما شابه ذلك.

وبعد ذلك قال له [النبي ﷺ]: بِمَ تشهد يا خزيمة؟ هل رأيت شيئًا؟ قال له: يا سيدي يا رسول الله، أُصدِّقك بأمر السماء ينزل من السماء إلى الأرض ولا أصدقك في هذا الأعرابي؟ أي في جمل، في جمل!

استحسان النبي ﷺ لتقوى خزيمة وجعل شهادته بشهادة رجلين

فالنبي عليه الصلاة والسلام استحسن هذه التقوى، استحسن هذه العقيدة. الأعرابي سيترك الجمل، سيتركه، لا فائدة. هذه عملية هكذا يفعلونها، نوع من أنواع المزاح، نوع من أنواع التي نسميها عندنا بالعامية المصرية فهلوة، شيء مثل ذلك.

لكن سيتركه، هي ليست محتاجة، ولا أحد بعد ذلك بعد [أن قال] النبي «أنا اشتريته» سيجرؤ على أن يقول له: لا، بعه لي مرة أخرى.

إنما استحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه العقيدة، وقال:

«شهادة خزيمة بشهادة رجلين»

لماذا لا يصح قياس شهادة أبي بكر على شهادة خزيمة بن ثابت

طيب، عندما يأتي النص معي أنا هكذا: «شهادة خزيمة بشهادة رجلين»، يمكنني أنا كفقيه أن أفكر كالآتي، وهو تفكير منهي عنه:

أفكر أقول هكذا: خزيمة استوجب أن تكون شهادته بشهادة رجلين. حسنًا، لماذا؟ لأنه تقي نقي صدَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم. جميل.

فيبقى أبو بكر شهادته بكم رجل؟ صحيح، أنت منتبه؟ هذا تجد شهادته بمائة رجل إذن؛ لأنه هذا الصديق! صحيح، هذا الذي نصر النبي ووقف معه ضد كل [الصعاب].

هذا خزيمة هذا في موقعة هكذا في جمل، لكن هذا لا، هذا سيدنا أبو بكر في الحياة كلها! صحيح، لا يصلح هذا الكلام.

شرط ألا يكون الأصل معدولًا به عن سنن القياس وقاعدة الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه

لا يصلح أن أجعل خزيمة بن ثابت هذا مقياسًا أصلًا. لماذا؟ جيد، لأنه فقد شرطًا من شروط كونه أصلًا. وما هو؟ أنه معدول به عن سنن القياس.

يعني ليس هذا الذي يُقاس على مثله. يعني لا أبحث وأقول لماذا، لا أقول لماذا. أي اعتبرها حالة نادرة يعني، هذه حالة فريدة خارجة عن القياس.

يقول لك: والشاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه. ولا يُقاس عليه. لماذا؟ لأنه خرج عن سنن القياس لخصوصيته.

قصة خزيمة بن ثابت في جمع القرآن وشهادته بآيتي سورة التوبة

جميلة هذه الخصوصية لهذا الرجل. بعد ذلك تقلبت الدنيا وجاء سيدنا زيد بن ثابت واشترط أن يقبل الآيات القرآنية من رجلين في جمع القرآن. فأشهد على كل آية من الستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية التي في القرآن، أشهد عليها شاهدين يشهدان أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا.

والآيتان في نهاية سورة التوبة:

﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [التوبة: 128-129]

لم يجداهما إلا عند خزيمة بن ثابت! فتعجب، سبحان الله!

تصديق أبي بكر لشهادة خزيمة والغرض الإلهي في حفظ القرآن

وقال [زيد بن ثابت]: لا يوجد إلا عند هذا، ونحن متأكدون جميعًا أن هؤلاء [الآيتين] من القرآن ومن السنة، ولكن نريد الشاهد الثاني؛ لأن المنهجية العلمية هكذا.

فقام أبو بكر وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد سمعته يقول:

«من شهد له خزيمة فهو حسبه»

فشهادته برجلين، فشهادة خزيمة بشهادة رجلين. ما شاء الله!

تبقى القصة والكلام النبوي وكان له غرض إلهي أن يُحفظ به القرآن في هذا المقام. إذن هذه حالة خاصة لا ينفع قياس عمر وعلي، سيد السيد علي الكبير باب العلم، وسيدنا عمر، سيدنا أبو بكر، سيدنا عاصم، لا يصح أن أقيسهم على خزيمة بن ثابت.

خصوصية خزيمة وتحرير أداة القياس لتكون أداة علمية دقيقة

خزيمة رضي الله عنه له خصوصية خاصة عُدل بها عن سنن القياس. هذا شرط مثلًا من شروط الأصل.

الأصل له شروط هكذا، ولكن لو وقفنا عند كل شرط نجد أن المقصد أنهم حرَّروا هذه الأداة حتى تكون أداة علمية حادة وجادة، حادة وجادة، وتُستخدم عبر الأزمان وتُستعمل عبر الأزمان.

ويستطيع بها الفقيه أن يستنبط الأحكام الشرعية المرعية من أدلتها التفصيلية، دون تعدٍّ على الشرع أو افتئات على الشرع.

التحذير من الإفتاء بغير علم وخطورة التكلم في الدين بلا تقوى

كما نراه الآن قد اتسع من أبنائنا الذين يخرجون بغير علم ولا تقوى، ولا يعلمون أنهم يرتكبون جريمة في حق الدين ولا في حق أنفسهم ولا في حق أمتهم. هم لا يدركون هذا ولا يدركون أي مصيبة يفعلون.

وقد استسهلوا الأمر وتكلموا في دين الله بما لا يعلمون:

«أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من كلام خير البرية، لا يجاوز إيمانهم تراقيهم»

فإنا لله وإنا إليه راجعون.

القياس هو الفقه ومن أنكره لا يصح أن يكون فقيهًا

القياس هو الفقه. يقول ابن القيم رضي الله تعالى عنه ورحمه الله: أنه لو أوقف أحدهم على الفقهاء، قال: والله البستان هذا أو العمارة هذه أو العقار هذا موقوف ثمرته على الفقهاء، أي لا يدخله من أنكر القياس. لا يدخله من أنكر القياس، لا يصح أن يكون فقيهًا.

جميل، ما دام لا يوجد قياس فلا يوجد فقه. فالفقه مدخله وبابه هو الإلحاق وهو القياس.

خاتمة الحلقة والوعد بحلقات قادمة عن القياس

[المذيع]: ربنا يفتح عليك يا أستاذنا يا مولانا، الوقت مع فضيلتك يمر سريعًا. إن شاء الله هناك حلقات قادمة إن شاء الله.

على وعد باللقاء، اسمحوا لي إلى ذلك الحين أن نشكر مولانا العلامة الدكتور علي جمعة على أن نلتقي بكم في حلقات قادمة إن شاء الله من مفاهيم إفتائية.

فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.