برنامج مفاهيم إفتائية (14) - الترجيح
- •الحلقة تستكمل الحديث عن أصول الفقه بعد شرح القياس في الحلقات السابقة، منتقلة للحديث عن الترجيح عند التعارض الظاهري بين النصوص.
- •يشدد مفتي الديار المصرية على أهمية العلم الشرعي المنهجي وضرورة تلقيه على يد العلماء المتخصصين، مستشهداً بتجربته مع شيخه محمد أبو نور زهير الذي شرح تعريف القياس في سنة كاملة.
- •يوضح أن العلم الشرعي له أركان خمسة: الأستاذ والطالب والكتاب والمنهج والجو العلمي، وليس مجرد قراءة ذاتية.
- •يشرح طرق حل التعارض الظاهري بين النصوص وأولها الجمع بينهما من خلال انفكاك الجهة (اختلاف الزمان أو المكان أو الحال أو الأشخاص).
- •إذا تعذر الجمع يُلجأ للنسخ.
- •قدم مثالين للتعارض الظاهري: حديث النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وحديث الصلاة في أوقات النهي.
- •بيّن كيف جمع الشافعي بين الأحاديث المتعارضة ظاهرياً في مسألة الصلاة في أوقات النهي.
مقدمة الحلقة والترحيب بالدكتور علي جمعة والانتقال من القياس إلى الترجيح
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون معكم في ضيافة سماحة العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا بكم.
[المذيع]: لقد تحدثنا في الحلقتين الماضيتين يا مولانا عن القياس، وفضيلتكم ما شاء الله بحر علوم، يمكن أن نتحدث عن هذا القياس حلقات وحلقات، ولكن بعد إذن فضيلتكم نبدأ نتحدث عن الترجيح.
قصة الشيخ محمد أبو نور زهير وشرحه لتعريف القياس في سنة كاملة
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أنا أتذكر أن شيخنا الشيخ محمد أبو نور زهير رحمه الله تعالى، وهو الأصولي الفذ الذي شرح الأثنوي على متن البيضاوي في أربعة مجلدات من ذاكرته وحفظه.
كان يُملي على الطلاب هذه المجلدات الأربعة الموجودة في الأسواق الآن، ما شاء الله، أملاها من ذهنه من غير مراجع كتابًا؛ لأنه كان متمكنًا.
أنه يعلم لنا الأصول ونحن في السنة الرابعة، فجلس سنة في تفسير تعريف القياس عند الإمام البيضاوي. سنة يفصّل في تعريف القياس، تعريف القياس عند البيضاوي مدرسة الإمام الرازي لا يتعدى سطرًا واحدًا، ما شاء الله، فجلس فيها سنة.
تفصيل تعريف القياس عند البيضاوي وشرحه في محاضرات متعددة
أي ندرس عليه تعريف القياس عنده: «إثباته مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت». هذا الكلام كان بداية الكتاب الرابع في القياس.
الكتاب الرابع في القياس جلس معنا حوالي أربع إلى خمس محاضرات، أربع إلى خمس محاضرات وهو يشرح كلام الكتاب الرابع في القياس.
نعم، وهو «إثبات نقطتين مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت». ما شاء الله، تمام السنة هكذا، السنة في هذه الجملة، في هذه الجملة. ولكن تعلمنا المنطق، نعم، تعلمنا دروسًا في البلاغة، في النحو، تعلمنا الأصول، تعلمنا القياس كله، ولكن جلس في شرح القياس من خلال تعريفه سنة.
القراءة على الشيخ القرنشاوي وأهمية التعلم على يد المشايخ المتمكنين
بعد ذلك كنا نقرأ في الدراسات العليا على الشيخ القرنشاوي، فقرأ لنا كتاب القياس لابن الحاجب، فكان يلاحظ أننا نستوعب بعمق مسائل في القياس ويسأل: ماذا قرأتم يا أولاد؟ فقلنا: قرأنا على الشيخ محمد أبو نور زهير، ما شاء الله.
والله وهو لا يعرف الشيخ القرنشاوي، وكان من كبار العلماء رحمه الله تعالى. إن الشيخ زهير شرح لنا هذا السطر صدرًا واحدًا، لكنه فتح لنا به مغاليق ذلك العلم.
أنا أتكلم هذا يعني آخذًا من البرنامج جزءًا من وقتك من أجل أهمية التعلم على المشايخ والقراءة والدرس، وكذلك وليست المسألة بالكم.
التحذير من التصدر للعلم بلا تخصص والفرق بين العلم والثقافة
أضحك كثيرًا عندما يتحدث بعض أبنائنا الذين يتصدرون الآن من غير علم وغير تخصص وغير دراسة أنه قد قرأ مثلًا مغني ابن قدامة مرتين. أي قرأ ماذا؟ شبه مغني ابن قدامة مرتين!
هذا هو سطر واحد جلسنا فيه سنة، صحيح، ولكن هذه السنة أسست تلك العلوم كلها، كشفت كل شيء.
ولذلك والحمد لله رب العالمين مما منّ الله به علينا وعلى جيلنا أن أدركنا هؤلاء الأفذاذ، ولكن كانت لدينا القضية واضحة أنه لا بد من التعلم، وأن الأمر ليس هزلًا إنما هو جد، وأن دين الله ليس بهذا أن تُستباح حرمته بهذه الطريقة.
وجوب تقوى الله في طلب العلم والتأسيس المنهجي للمعرفة الشرعية
ولكن لا بد علينا أن نتقي الله سبحانه وتعالى فيما نأخذ وفيما نقول، وأن يتأسس الأمر بعضه فوق بعض حتى نصل إلى ما يقارب طاعتنا لربنا سبحانه وتعالى.
أما هذا الهراء الذي نراه فلا يسعنا أمامه إلا أن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، سيغنينا الله من فضله ورسوله.
والقضية التي تسأل عنها هي ننتقل من القياس الذي له أركان أربعة، اشترط الأصوليون في كل ركن من الأركان شروطًا كثيرة، لعلنا لم نتكلم إلا عن شرط واحد عن الأصل، عن ركن واحد.
سؤال المذيع عن استكمال القياس وتنبيه الشيخ على أهمية المنهج العلمي
[المذيع]: صحيح، ولكن لو دخلنا في شروط الفرع، لو دخلنا في بقية الأصل، لو دخلنا في شروط العلة... لو تفضلت، تحب أن نأخذ الحلقة في القياس أيضًا؟
[الشيخ]: أنا أريد فقط أن أنبه جميع الناس أن هذا علم صحيح، له منهج، له أدواته، له علوم مساعدة، له شبكة من المعلومات، وأن الإنسان فيه له تخصص وله درجة في العلم.
يعني ليس كل أصولي مستواه مثل الأصولي الثاني، وأن الأمر جد وأنه دين، ولا ينبغي لنا أن تكون الأبدان أولى عندنا من الأديان.
تشبيه العلم الشرعي بالطب والتحذير من الدجل في الدين
أي أننا عندما نريد أن نذهب إلى الطبيب لا نذهب إلى صاحب خبرة [غير متخصص]، ولا نذهب إلى الدجال والمشعوذ، ولا نسكت فلا نذهب إلى أحد، وكل شخص يقول: هذا أنا جربت الدواء الفلاني فنستخدمه. هذا هلاك، وهذه عقلية خرافة.
وكذلك الأديان هي علم، وعلم عميق، وعلم له بداية ونهاية، وله أستاذ وله تلميذ وله منهج. يعني العملية ليست شيئًا يتلاعب به أي شخص.
الأركان الخمسة للعلم الشرعي والجو العلمي المطلوب لبناء العقل
[المذيع]: يا مولانا ما هي الأركان الخمسة للعلم؟
[الشيخ]: الأركان الخمسة: الأستاذ، والطالب، والكتاب، والمنهج، والجو العلمي.
الجو العلمي هذا مهم جدًا؛ تذهب فتُمتحن تحريريًا، وتنجح وتسقط وتعيد، وتقول وتحفظ، وبعد ذلك تُمتحن شفهيًا، وبعد ذلك تتدرج من سنة إلى سنة إلى سنة إلى دراسات عليا إلى كتابة رسالة إلى كذا إلى آخره.
في كل هذا ليس عبثًا، وليس تضييعًا للوقت، وليس اسمًا وظاهرًا دون حقيقة أبدًا. هذا كله يبني الأداة ويبني العقل وتكوينه، ولذلك فلا بد منه.
نقد ادعاء العلم بالقراءة الذاتية دون التتلمذ على العلماء
أما أن نُلقي كل هذا ثم نعود إلى بساطة الخرافة، وهو أنني أستطيع أن أتثقف وأن أقرأ وحدي وأدّعي العلم بهذه الطريقة الفجة التي نراها، والتي في بعض الأحيان المضحكة، وفي بعض الأحيان المؤلمة والمؤسفة والمبكية.
فهذا هو ما لا يرضي الله ولا يرضى الله عنه. فالله سبحانه وتعالى قال:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
ولا بد لنا أن نزاحم العلماء بالرُّكَب، وأن نصبر على طلب العلم. وقالوا: أعطِ العلم كلّك يعطك بعضه، يعطك بعضه، آه ليس كله. إذن ليس كله أيضًا، ولكن أنت تعطيه كل شيء ووقتك وجهدك ومالك وكل [ما تملك]، وهو إذ به العلم يعطيك بعضه. وآدم للعلم مذاكرة، فحياة العلم مذاكرته.
الانتقال من الإلحاق إلى الترجيح والتنبيه على جدية العلم الشرعي
فالمهم الحاصل أن هذه مقدمة كان لا بد منها، ونحن ننتقل من الإلحاق الذي أطللنا عليه إطلالة ولم نستوفِه أو نشرحه شرح العلماء المدرسين للطلبة التلامذة؛ لأن هذا يحتاج إلى سنين، ويحتاج إلى جد وإلى حضور وإلى أمر آخر.
ولكننا هنا في البرنامج ننبه الناس إلى أن الأمر جدي وليس هزلًا، وأن الأمر علم وليس ثقافة، وأن الأمر مبني على أركان العلم الخمسة وليس شهوة تُتّبع.
مراحل الاجتهاد الخمس من الحجية إلى الإلحاق ثم الترجيح
نتحدث بعد ذلك عن الإلحاق، وقد تحدثنا حتى أيضًا لنلقي نظرة على الحجية أولًا، ثم على الثبوت، ثم على كيفية الفهم، ثم على القطعية والظنية، ثم على الإلحاق فكان خامسًا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: تكلمنا اليوم على قضية الترجيح. عندما فعلنا كل هذا اتضح لنا أن هناك مساحة من النصوص يحدث فيها تعارض ظاهري.
فالحمد لله ليس هناك تعارض حقيقي بين النصوص، إلا أنهم لما بحثوا عن ذلك التعارض الحقيقي بين النصوص لم يجدوه أبدًا، وليس له مثيل في الشريعة على اتساعها، ما شاء الله والحمد لله.
الحمد لله على قوة المنهج العلمي في الإسلام وظهور التعارض الظاهري بين النصوص
والحمد لله الذي جعلنا مسلمين أتباع هذا الدين الجميل القوي، صاحب المنهج العلمي والعقلي، صاحب الحق والبرهان والحجة التي هي في منتهى القوة.
فبعد هذه الخمسة [المراحل الخمس للاجتهاد] وجد المجتهد نفسه وهو يفكر أن هذا الحديث في ظاهره يتعارض مع هذا الحديث، فماذا نفعل؟
فأصبح الآن هناك تعارض ظاهري عند بعضهم ما بين القرآن والقرآن، أو بين الحديث والحديث، أو بين القرآن والحديث.
[المذيع]: أي لا يعرفون التعارض [الحقيقي] يا مولانا؟ بعد الفاصل.
[الشيخ]: نعم.
[المذيع]: فاصل نعود إليكم، فابقوا معنا.
كيفية حل التعارض الظاهري بين النصوص بالجمع وانفكاك الجهة
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من الحلقة اليوم من برنامجكم مفاهيم إفتائية. قبل الفاصل يا مولانا فضيلتكم وضحتم لنا التعارض الظاهري ما بين نص قرآني ونص قرآني، أو حديث وحديث، أو حديث ونص قرآني.
[الشيخ]: نعم، ولذلك فكر الفقهاء في كيفية حل أي تعارض ظاهري ليس حقيقيًا والحمد لله. في هذا الشأن فقالوا: إن أول شيء نفعله هو أن نجمع بينهما، أن نجمع بينهما فيكون توفيقًا بينهم كما يكون توفيقًا بينهم.
كيف نجمع بين أمرين متعارضين؟ قالوا: بانفكاك الجهة.
شرح معنى انفكاك الجهة في إحدى وعشرين خطوة عند الأصوليين
[المذيع]: ما معنى انفكاك الجهة؟
[الشيخ]: أي اذهب إلى الزمان، لعل هذا في زمان وهذا في زمان. جميل، اذهب إلى المكان، لعل هذا في مكان وهذا في مكان. اذهب إلى الأحوال، لعل هذا في حال وذلك في حال آخر.
اذهب إلى الأشخاص، فهذا في شيء وذلك في شيء. اذهب إلى المبتدأ أو المسند إليه، فلعل المسند إليه هنا مختلف. اذهب إلى المآل، فلعل مآل هذا غير مآل ذلك.
اذهب وقعدوا يحللون الجهة في إحدى وعشرين خطوة، ما شاء الله.
أهمية التوثيق والثبوت قبل الجمع بين النصوص المتعارضة
هذا بعد أن نقوم بأمر مهم وهو الثبوت. أي فانتهى الأمر: هذه الآية وهذه الآية عرفنا أنها قراءة متواترة وأنها صحيحة وأنها [ثابتة]، نعم، فلا يوجد شيء في الثبوت [يُشكل].
شيء هذا الحديث صحيح وهذا صحيح، نعم، ليس حديثًا ضعيفًا أو مجهولًا. أما لو كان صحيح وضعيف فيكون الصحيح أولى، وبين ثلاثة فيكون لا صحة على الإطلاق.
فيكون إذا كان في التعارض ما بين الحديثين فسنقدم الأصح. أي القضية الثانية أنني أبحث في قضية [التوثيق]، فيكون لدينا الآن التوثيق وبعد ذلك لدينا الجمع.
النسخ كوسيلة لحل التعارض عند تعذر الجمع بين النصوص
أي لا نستطيع أن نجمع بين الحديثين أو بين الآيتين، فقالوا إذن بالنسخ. النسخ الذي هو الناسخ والمنسوخ، يكون في شيء نسخ شيئًا، إذن انحلت المعارضة.
إذن ليس هناك شيء يمكن أن يكون فيه تناقض وهكذا.
مثال النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة والجمع بين الأحاديث
قالوا: اضرب لنا بعض الأمثلة. قال لك مثلًا حديث ينهى عن استقبال القبلة أثناء قضاء الإنسان حاجته:
«نهى رسول الله ﷺ عن استقبال القبلة أثناء قضاء الحاجة»
حسنًا، إذن إذا كان هذا ما سنسير عليه، فلما دخلوا الشام وجدوا الحمامات التي نحن نستعملها الآن. العرب لم يعرفوها، كانوا يقضون حاجتهم في الخلاء في الصحراء، في الخلاء في الصحراء، والصحراء واسعة هكذا.
فقال: حسنًا فلنفعل ماذا إذا كان أصلًا الحمام مبنيًا في وجه القبلة؟
حديث ابن عمر في رؤية النبي يستقبل القبلة في البنيان والجمع بين الحديثين
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وجئنا فوجدناه كذلك، والإسلام دين عالمي منفتح. فابن عمر قال: إنني كنت مرة على شيء عالٍ كذلك، فرأيت سيدنا رسول الله ﷺ في البنيان وهو يستقبل القبلة أثناء قضاء حاجته.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: إذن الجمع بينهما أن الأمر لو كان في البنيان [فلا حرج]، إلا إذا كان في الصحراء الخالية.
جميل، لو كان في البناء الخاص بنا داخل المباني مثل الحالة التي نحن فيها هذه، فلن يكون هناك شيء اسمه استقبال أو عدم استقبال، وإنما ستبقى كما هو مصنوع. لو كان أمامها قبلة كان بها فلا يوجد كراهة ولا شيء، لو كان منحرفًا كان بها.
تقييد النهي عن استقبال القبلة بالصحراء والأماكن الخالية دون البنيان
[المذيع]: نعم، ربِّ لك الحمد.
[الشيخ]: لكن هذه الحكاية الخاصة بعدم استقبال القبلة بالبقاء للحاجة بالبول أو بالغائط، هذه في الصحراء.
[المذيع]: نعم، في الأماكن الخالية.
[الشيخ]: فإذا جمعنا بين الحديثين [حديث النهي وحديث ابن عمر].
[المذيع]: جميل، ما هو ممكن أن يقول أحد: والله إن حديث ابن عمر نسخ هذا النهي؟
[الشيخ]: نعم، تمامًا. ويبقى أيضًا، انظر إلى الفرق بين الاثنين، انظر إلى الفرق بين الجمع والنسخ.
الفرق بين الجمع والنسخ في التعامل مع الأحاديث المتعارضة ظاهريًا
إذا جمعنا فسنقول: انتهى، فليكن هذا في البنيان، هذه حالة كما قلنا ننتبه إلى الحالة، وهذا نجعله في الصحراء، هذه حالة أخرى. وقلنا إننا ننتبه إلى الحالة من الحالة.
صحيح، لكن الذي يريد أن يقول بالناسخ والمنسوخ ألغى واحدًا وأعمل الثاني. وفي هذه الحالة عمل الذي هو الأحدث، يعني الذي جاء بعده، الذي جاء بعده.
هذا لو عرفوا [تاريخ الورود]، وكذلك في قضية عرف [الناسخ من المنسوخ]. وهذه قضايا إذن: وكيف تعرفه وكيف تعمله؟ الراوي هذا كان أسلم بعد هذا، وتشابكت العلوم.
تشابك العلوم الشرعية واحتياج أصول الفقه لعلوم الرجال والسيرة واللغة
وأنت في أصول الفقه احتجت لعلم الرجال، واحتجت إلى الفقه، واحتجت إلى اللغة، واحتجت إلى السيرة، واحتجت إلى مجموعة من العلوم حتى تصل إلى المعلومة.
يعني انظر الشافعي هذا بذل جهدًا كم! وأبو حنيفة هذا بذل جهدًا كم! والأوزاعي هذا بذل جهدًا كم!
مثال حديث بني عبد مناف في الطواف والصلاة في أي ساعة من ليل أو نهار
حسنًا، هذا مثلًا مثال آخر: يقول لك تعال، هذا سيدنا [رسول الله ﷺ]:
قال رسول الله ﷺ: «يا بني عبد مناف، لا يمنعنّ أحدكم أن يطوف بهذا البيت في أي ساعة كانت من ليل أو نهار أن يصلي لله ركعتين»
يا بني عبد مناف، سدانة الكعبة، الخدام والمسيطرون والذين ينظفون الكعبة وكذلك إلى آخره، إلى يومنا هذا بنو شيبة.
[المذيع]: نعم، معهم مفاتيح الكعبة.
[الشيخ]: مفاتيح الكعبة. أي واحد يطوف بهذا البيت في أي ساعة شاء، يبقى الأربع والعشرون على مدار الساعة.
[المذيع]: نعم، من ليل أو نهار.
[الشيخ]: هذا واضح تمامًا، هو أي أن يصلي لله ركعتين.
[المذيع]: نعم، أتنتبه حضرتك؟ يعني خلال الأربع والعشرين ساعة من الحق أن يصلي ركعتين.
[الشيخ]: نعم.
التعارض الظاهري بين حديث بني عبد مناف وحديث النهي عن الصلاة في أوقات ثلاثة
وفي حديث آخر يقول:
«نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بعد العصر إلى غروب الشمس، وعن الصلاة بعد الفجر إلى شروق الشمس، وعن الصلاة حين الاستواء»
عندما تكون الشمس في كبد السماء في المنتصف قبل الظهر بأربع دقائق.
[المذيع]: ما هي المدة؟ أربع دقائق.
[الشيخ]: نعم. حسنًا، الآن أنا بعد العصر وأردت أن أصلي، أصلي ركعتين أم لا أصلي؟
صحيح، الحديث الأول يقول لي: صلِّ، الحديث الثاني يقول لي: لا تصلِّ.
طريقة الجمع بين حديث بني عبد مناف وحديث النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لو أنني قلت إن الحديث الأول هو الذي يتسلط على الحديث الثاني فسيكون الكلام هكذا: يا بني عبد الله [عبد مناف] لا تمنعوا أحدًا طوال النهار إلا في هذه الأوقات الثلاثة؛ أي لأنني نُهيت عنها.
جميل، لو ربطت الحديث الأول الخاص ببني عبد مناف بالحديث الثاني، أي سيصبح يحرم أو يُكره الصلاة [في تلك الأوقات].
وعلى فكرة يُكره هنا عند الشافعية معناها أنها صلاة باطلة. يُكره معناها أن الصلاة باطلة.
رأي الشيخ الباجوري في بطلان النافلة المطلقة في أوقات الكراهة واستثناء الكعبة
يقول الشيخ الباجوري: والذي يصلي إذن في وقت الكراهة هذا، يعني على مذهب الشافعية، نافلة مطلقة هكذا من غير أي سبب، فتكون صلاته عملًا مكروهًا يتعبد به إلى الله، فهي باطلة.
أي وأوقات الكراهة هذه إلا في الكعبة. إن في الكعبة، رأيت كيف انعكست؟ يعني في الأولى كنا سنجعل أن الكعبة [تُستثنى] إلا الأوقات هذه.
وُجد [الاحتمال] الثاني يقول: في كل العالم تصلي [النوافل] إلا في الكعبة تصلي الأربع والعشرين ساعة.
استنباط الإمام الشافعي التفريق بين النوافل ذات السبب السابق والمقارن واللاحق
فجاء الشافعي فقال: يا جماعة أنا أجلس أتفكر فيها قليلًا، ووجدت واستخرجت من الحديثين شيئًا جميلًا جدًا.
ما هو الشيء الجميل؟ قال: إن المكروه في هذه الأوقات المنهي عنها هي الصلاة النافلة التي ليس لها سبب، التي ليس لها سبب، أو لها سبب لاحق.
قلنا له: لا، فسّر لنا إذن. قال: الصلوات النوافل إما سببها يكون سابقًا، وإما يكون مقارنًا لها، وإما يكون لاحقًا، وإما يكون لا سبب لها.
حكم النوافل في أوقات النهي بحسب نوع السبب السابق والمقارن واللاحق
جميل، التي لا سبب لها والسبب اللاحق ممنوعان في الكعبة وفي غير الكعبة في الأوقات الثلاثة المنهي عنها. في هذه الأوقات هي أوقات النهي.
التي لها سبب سابق والتي لها سبب مقارن تبقى جائزة في الحرم وفي غير الحرم.
جميل، قلنا له: لا، فسّر إذن ما هذا الكلام؟ قال: السبب السابق مثل تحية المسجد. أي أنا دخلت المسجد هاهنا، فدخول المسجد معناه أن أحيي الله بركعتين، أحيي المسجد بركعتين.
دخولي قبل الصلاة أم بعد الصلاة؟ فقلت له: لا، قبل. فقال لي: إذن السبب سابق هو.
نعم، إذن يجوز أن أصلي ركعتين ولو كان بعد العصر؛ لأن لها سببًا سابقًا عليها.
ختام الحلقة والوعد باستكمال السبب السابق واللاحق في الحلقة القادمة
[المذيع]: حسنًا يا مولانا، وقت الحلقة انتهى، فنحن بعد إذن فضيلتكم نستكمل في الحلقة القادمة السبب السابق والسبب اللاحق، سنأخذهم مع بعضهم مرة أخرى إن شاء الله.
اسمحوا لي باسمكم أن نشكر فضيلة الأستاذ العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. على وعد باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم مفاهيم إفتائية.
فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
