برنامج مفاهيم إفتائية (15) - الترجيح والإدراك
- •تحدث الدكتور علي جمعة عن التعارض والترجيح في الفقه الإسلامي وكيفية معالجة الفقهاء للنصوص المتعارضة ظاهرياً.
- •شرح حالة التعارض بين حديثين: الأول يبيح الصلاة في أي وقت لمن طاف بالبيت، والثاني ينهى عن الصلاة في أوقات الكراهة.
- •أوضح كيف جمع الإمام الشافعي بينهما بتقسيم النوافل إلى أقسام: ما له سبب سابق كتحية المسجد وركعتي الطواف، وما له سبب مقارن كصلاة الكسوف، وما له سبب لاحق كالاستسقاء، وما ليس له سبب.
- •بيّن أن النوافل ذات السبب السابق والمقارن تجوز في أوقات الكراهة، بينما لا تجوز ذات السبب اللاحق أو التي بلا سبب.
- •تطرق لمسألة "الإدراك" في الصلاة: إدراك الركعة يكون بإدراك الركوع، وإدراك الوقت يكون بركعة كاملة، وإدراك الجمعة بركعة، وإدراك الجماعة بإدراك الإمام قبل السلام.
- •حذر من تصدر غير المؤهلين للفتوى وانتقادهم للعلماء الراسخين.
مقدمة الحلقة واستكمال الحديث عن التعارض والترجيح عند الفقهاء
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية.
يسعدنا ويشرفنا أن نكون معكم في ضيافة فضيلة العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا بكم.
[المذيع]: في الحلقة الماضية مولانا كنا نتحدث عن الترجيح، ووصلنا في نهاية الحلقة للإمام الشافعي في صلاة ركعتين في أوقات الكراهة؛ أن معها سببًا سابقًا، أو سببًا معها، أو سببًا لاحقًا، أو لا سبب، وأننا سنستكمل في الحلقة القادمة إن شاء الله.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. نتحدث عن التعارض والترجيح وكيف فكر فيه الفقهاء، وهو باب واسع وهو حقيقة الفقه.
الباب الذي يدخل منه الفقيه هو القياس، والأداة التي يستعملها الفقيه ويبدع فيها هي التعارض والترجيح؛ كيف يرجح المتعارضات وكيف يفعل ذلك.
خطوات الفقيه في التعامل مع النصوص المتعارضة ومثال حديثي الطواف والنهي
تكلموا عن قضية الإثبات أولًا، ثم بعد ذلك عن قضية الجمع، ثم بعد ذلك عن قضية النسخ، وهكذا في خطوات متتالية يقوم بها الفقيه عندما يرى نصين يبدو أن هناك تعارضًا بينهما.
وضربنا مثالًا بحديثي رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما قال:
«يا بني عبد مناف، لا يمنعنَّ أحدكم أحدًا يطوف بالبيت من أي ساعة شاء من ليل أو نهار أن يصلي لله ركعتين»
مع حديث:
«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وعند غروب الشمس، وعن الصلاة بعد الفجر حتى تشرق الشمس وعند شروق الشمس، وعن الصلاة عند الاستواء»
وهو [الاستواء] قبل الظهر بدرجة، والدرجة تستغرقها الشمس في أربع دقائق، أي قبل أذان الظهر بأربع دقائق يكون هناك نهي عن الصلاة.
منهج الإمام الشافعي في الجمع بين حديثي الطواف والنهي عن الصلاة
أي صلاة هذه [التي يُنهى عنها]؟ فالإمام الشافعي قال: أيها الجماعة، إنني أستطيع أن آخذ من الحديثين مفهومًا جديدًا يجمع بينهما من غير تعارض؛ لأن التعارض الظاهر للفقيه: أيهما يُقدَّم من الحديثين؟
لو قدمت حديث النهي فسأمنع ركعتي الطواف في أوقات الكراهة، ولو قدمت حديث الطواف [ركعتي الطواف] مطلقًا فسوف يقدح ذلك ويخصص النهي الذي نهى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في هذه الأوقات؛ ليكون كل العالم نَنهى [عن الصلاة فيه] إلا الكعبة فإننا يمكن أن نصلي فيها ركعتين.
فكيف جمع الشافعي بينهما؟ فأتى بهذا التقسيم الذي قال فيه: إن الصلاة النافلة - إذا لم تكن صلاة الفريضة بل صلاة النافلة - فصلاة الفريضة يجوز أداؤها في هذه الأوقات لو كانت فائتة.
حكم قضاء الفريضة الفائتة في أوقات الكراهة وسؤال الإدراك
يعني شخص كان قد فاتته العصر، صلى العصر الخاص باليوم فيقوم يصلي العصر التي فاتته، كان قد فاتته الظهر أو الفجر، صلى العصر فعليه أن يقوم فيصلي ما عليه. فإذا كان الكلام مختصًا بالنوافل [فهذا هو محل التفصيل].
[المذيع]: وعندما أردتَ - بعد إذن فضيلتك - فالحديث:
«من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر»
يعني أنني لو كنت ناسيًا أن أصلي العصر وقبل المغرب نصلي ركعتين، فأصلي أربع ركعات العصر، أليس هناك وقت كراهة بذلك؟
[الشيخ]: هذا اسمه الإدراك، والإدراك فيه تفصيل، سأجعل بعد أن ننتهي أُفصِّل لك فيه الإدراك؛ لأن هذه كلمة اسمها الإدراك فيها تفاصيل حسنة جميلة يمكن أن يستفيد الناس منها.
تقسيم النوافل بحسب السبب السابق كتحية المسجد وركعتي الطواف
فقالوا: هو فلنجعل الصلاة النافلة - تكون ليست الفرض - حسنًا. النافلة إما أن يكون لها سبب سابق عليها، مثل تحية [المسجد]؛ دخولي المسجد سابق على الصلاة، دخولي كان سببًا في الركعتين.
الركعتان كذلك: طوافي بالبيت العتيق كان سببًا لركعتي الطواف.
[المذيع]: سابق أم لاحق أم بعدهما أم مقارن؟
[الشيخ]: سابق.
[المذيع]: لا، سابق، نعم.
[الشيخ]: إذن يبقى طواف الركعتين، تحية المسجد وركعتا الطواف وأشياء من هذا القبيل بسبب سابق.
صلاة الكسوف والخسوف كمثال على النافلة ذات السبب المقارن
[المذيع]: نعم، حسنًا.
[الشيخ]: افترض أنني أصلي صلاة الكسوف أو الخسوف، صلاة الكسوف ليست فرضًا وصلاة الكسوف والخسوف ليست فرضًا.
[المذيع]: نعم، هذه سنة، ولكن ما سببها؟
[الشيخ]: كسوف الشمس أو خسوف القمر، مقترن؛ أي هو أثناء الصلاة، لأنه بعد أن تنجلي الشمس وينجلي القمر لا توجد صلاة، انتهى. صلاتها وقتها الخسوف انتهى والخسوف انتهى.
فإذا كان هذا بسبب مقارن، نفترض أن هذا قد حدث في هذه الأوقات التي نهى فيها رسول الله عن الصلاة، تجوز صلاتها. لماذا؟ لأن سببها مقارن.
النافلة ذات السبب اللاحق كصلاة الاستسقاء وحكمها في أوقات الكراهة
سببها مقارن، فتبقى النافلة التي سببها سابق، والنافلة التي سببها - أي السبب الذي يجعلني أصلي فيها - مقارن، تجوز في هذه الأوقات.
وإنما رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة التي سببها لاحق. ما الذي سببها لاحق؟ هذه صلاة الاستسقاء؛ أذهب فأصلي ثم أدعو ربي أن ينزل المطر، فيكون الدعاء الذي هو سبب الصلاة قد جاء بعدها.
هذا تأخير لها، ليس ضروريًا في أوقات الكراهة هذه، ليس ضروريًا أن أنتظر حتى ينتهي [وقت الكراهة] وأصلي هذه.
حكم الصلاة بلا سبب في أوقات الكراهة وقصة ابن عباس مع الأعرابي
وكذلك ما لا سبب له؛ صلِّ ركعتين، تقول لي تصلي ركعتين لماذا؟ هكذا لله، اشتقت للصلاة فذهبت صليت ركعتين.
ولذلك كان هناك واحد من الأعراب قام صلى ركعتين أمام ابن عباس، فابن عباس قال له: لماذا تصلي الآن؟ قال له: هكذا. نعم، يعني ألا يوجد [سبب]؟ اشتقت للصلاة! أليس هناك أسباب شرعية دفعتني مثل الاستسقاء ومثل دخول المسجد ومثل الطواف ومثل الكسوف والخسوف؟
هذه الأمور مشروعة، وقلنا إن الاستسقاء لا يصلح [في أوقات الكراهة]، وإن تحية المسجد والطواف يصلحان، وكذلك الكسوف والخسوف.
قال له: أي من غير سبب هكذا؟ قال له: لعل الله يأجرني. قال له: والله ما أنا أعلم إن كان الله سيأجرك أم سيحاسبك على هاتين الركعتين.
الطاعة باتباع النبي لا بالابتداع والعبادة وفق مراد الله تعالى
من أين يأتي الحساب؟ من أن الطاعة ليست بمزاجنا، وليست بعقلنا، بل باتباع النبي صلى الله عليه وسلم. الطاعة لا تكون من أنني أبتدع شيئًا في الدين أعبد الله به كما أهوى وكما أريد، بل كما يريد هو سبحانه وتعالى.
نهانا عن هذه الأوقات فننتهي:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]
وعندما أمرنا في هذه الأوقات نأتمر. وهكذا تبقى إذن العملية واضحة.
خلاصة منهج الشافعي في الجمع بين الحديثين وفن نفي التعارض الظاهري
أن الشافعي حتى يجمع بين الحديثين استنبط أنه «يا بني عبد مناف» لأن هناك سببًا سابقًا، ويبقى السبب السابق هو والمقارن الذي يجوز معه الصلاة في هذه الأوقات [أوقات الكراهة].
والسبب اللاحق وغير السبب يبقى لا يجوز لي أن أوقعها [الصلاة في أوقات الكراهة]. وأنفي التعارض الظاهري بالتفكير العميق، بالاستنباط، بالجمع.
وهذا هو حال التعارض والترجيح، وهذا هو فن الفقه؛ كيف لا يضرب أحدنا بعض الدين ببعض، لا القرآن بالقرآن، ولا السنة بالسنة، ولا السنة بالقرآن. أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!
خطورة تصدر غير المؤهلين للفتوى في القنوات الفضائية بلا علم
ولذلك أيضًا نؤكد مرارًا وتكرارًا أن هذه الجريمة التي يرتكبها غير المؤهلين وغير العلماء في القنوات الفضائية دون علم ودون دراسة ودون معرفة بهذه العلوم الحقيقية، إنها جريمة كبيرة في حق أنفسهم وفي حق أمتهم وفي حق الناس والمسلمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
مفهوم الإدراك عند الفقهاء وإدراك الركعة بإدراك الركوع
[المذيع]: لا إله إلا الله، أنت سألتَ حضرتك عن قضية الإدراك، نعم، «من أدرك ركعة من العصر [فقد أدرك العصر]».
[الشيخ]: إن الإدراك هذه [كلمة] جميلة حسنة، كلمة جعلها الفقهاء وتكلموا في تفصيلها تفصيلًا لطيفًا. يقول لك: والله إذا دخلت خلف الإمام فأدركت الركوع فهذا إدراك، إذن فقد أدركت الركعة.
فقد أدركت الركعة، إذن تُدرَك الركعة بإدراك الركوع.
[المذيع]: حسنًا، ألا نُفتي بقراءة الفاتحة؟ وقراءة الفاتحة عند جمهور الفقهاء فرض.
[الشيخ]: قال: ما عليها شيء، ولكن لما أدركت الركعة أدركت الركوع، وأتوا بأحاديث في هذا وألَّفوا فيها مؤلفات. نفس الموضوع في إدراك الركعة بالركوع.
إدراك الوقت بركعة كاملة والفرق بينه وبين إدراك الركعة في الجماعة
[المذيع]: حسنًا، هذا إدراك الركعة.
[الشيخ]: قال حسنًا، وإدراك الوقت؟ قال: إدراك الوقت بركعة كاملة.
[المذيع]: بركعة كاملة، نعم.
[الشيخ]: أقول إنني أدركت الظهر في موعده، أما العصر فيؤذَّن له في الساعة الثالثة، وقد قمت لأصلي الظهر قبل الثالثة بقليل، وأنهيت ركعة كاملة. وأعني بكاملة: الفاتحة مع الركوع والقيام من الركوع والسجود الأول والقيام من السجود الأول والسجود الثاني والقيام من السجود الثاني، ثم شرعت في الركعة الثانية.
[المذيع]: ركعة كاملة أنت من السجدة الثانية، نعم، هكذا أصبحت ركعة كاملة وأدركت الوقت، نعم.
[الشيخ]: فإدراك الركعة في الجماعة يكون بالركوع، نعم، وإدراك الصلاة في الوقت يكون بإدراك ركعة كاملة.
التفريق بين إدراك الركعة بالركوع وإدراك الصلاة في الوقت بركعة كاملة
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: لأن بعض الناس يخلط بين الحالتين هاتين ويقول: إننا سندرك الصلاة في الوقت بركعة مثل نظيرتها في الجماعة. لا، هذا هو إدراك في الجماعة بالركوع، وإدراك الصلاة في الوقت بركعة كاملة.
إدراك صلاة الجمعة بركعة كاملة وحكم من فاته الركوع الثاني
[المذيع]: جميل، حسنًا.
[الشيخ]: قالوا حسنًا، وإدراك الجمعة؟ قالوا: بركعة كاملة أيضًا، بإدراك الركعة. بإدراك ركعة يكون قد أدرك الجمعة.
بمعنى أنني دخلت في الركعة الثانية وأدركته [الإمام] راكعًا وركعت معه، انتهى الأمر، أدركت الجمعة. هكذا قمت وسجدت معه السجدتين والتحيات، أقوم فآتي [بالركعة الثانية].
إذن لو فاتني الركوع هذا فقد فاتتني الركعة كلها. دخلت معه فسجدت السجدتين وأتيت معه وسلَّم، فأقوم لأصليها ظهرًا، أصليها ظهرًا أربع ركعات، أربع ركعات كما هي كذلك.
لغز فقهي: نوى ولم يصلِّ وصلى ولم ينوِ في صلاة الجمعة
وقعد [الإمام] في التشهد الأخير، ليس هناك شيء اسمه جمعة [بالنسبة لهذا المصلي]، فأقوم لأصليها. ليس هناك شيء، وأنا في التشهد الأخير ولا أعرف هو بين سجدتين، هو في الأول أم في الثاني، دخلت معها لأنها جمعة.
[المذيع]: نعم، وجدته سلَّم.
[الشيخ]: أقوم فآتي بأربعة.
[المذيع]: نعم، لا آتي باثنين جمعة؟
[الشيخ]: نعم، آتي بأربعة.
[المذيع]: هذا كثير من الناس لا يعرفونها هذه.
[الشيخ]: أي لا، هذا أنا أقوم فآتي بأربعة. لماذا؟ قال لك: هذا حتى كان يُلغِزها، كان يُلغِزها هكذا مثل المسابقات وما شابه ذلك. يقول لك ماذا؟ يقول: نوى ولم يصلِّ، وصلى ولم ينوِ.
حل اللغز الفقهي: من فاتته ركعة الجمعة نوى الجمعة وصلى الظهر
[المذيع]: فلنعرف إجابتها يا مولانا بعد الفاصل، نعرف اللغز، نعرف اللغز، فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم مفاهيم إفتائية. قبل أن نخرج للفاصل يا مولانا تحدثنا عن اللغز الخاص بـ«صلى ولم ينوِ ونوى ولم يصلِّ».
[الشيخ]: صلى ولم ينوِ ونوى ولم يصلِّ، الذي هو شخص ذهب متأخرًا في يوم الجمعة وفاته الركوع الثاني، فلم يُدرك ركعة من الجمعة. لو أدرك ركعة فسيصلي الجمعة ركعتين في أمانة الله.
طيب، ما لم يُدرك الركعة، وتجد الرجل من الركعة الثانية قال: سمع الله لمن حمده، وهذا كبَّر ودخل معه في الجماعة. قال: يصلي أربعًا.
تفسير اللغز: نوى الجمعة ولم يصلها وصلى الظهر ولم ينوه
هو نوى الجمعة، نويتها صلاة الجمعة في قلبه، كذلك أي وصلى الظهر. أي يبقى نوى [الجمعة] وهو صلى الظهر.
[المذيع]: أجل، لكن ما لم ينوِ الظهر يوم الجمعة.
[الشيخ]: وصلى الظهر، وما نوى الظهر.
[المذيع]: جيد، ما نوى الظهر، نعم، ولكن نوى الجمعة.
[الشيخ]: كان نوى وصلى الجمعة، وصلى الجمعة ولكن ما صلى الجمعة [فعليًا لأنه لم يُدرك ركعة]. فهو نوى وما صلى الذي نوى [وهو الجمعة]، وصلى وما نوى الذي صلى [وهو الظهر]. جيد.
فنحن جئنا أن ننوي الجمعة وصليناها ظهرًا.
إدراك الصلاة في وقتها يكون بركعة كاملة لا بمجرد التكبير
[المذيع]: نعم، فضيلتكم وضحتم لنا مولانا أن هناك أناسًا كثيرين يقولون: إن الأذان سيؤذَّن، تلحق! يقول: الله أكبر حتى تلحق الصلاة. لا ينفع أن يلحق الصلاة إلا بركعة كاملة.
[الشيخ]: الصلاة لا تُدرَك - بالنسبة للجمعة - هذا يتكلم عن الصلاة العادية الآن. في مثلًا أناس معروفون في مجتمعنا يكون مثلًا العصر سيؤذَّن، هذا قول الله أكبر قبل أن يقيم المؤذن الصلاة حتى تتمكن من إدراك صلاة الظهر.
أي ما يحدث، يعني حتى يكون في وقته، الله أكبر قبل الأداء، ما لم يفت الأداء لا بد أن يكون فيه ركعة كاملة. وركعة كاملة يعني معها سجدتان، معها سجدتان، مع السجدتين وحاجتك أن تُدرك الوقت.
أنواع الإدراكات الأربعة وإدراك الجماعة يكون قبل السلام
ونقول: حيَّ على الصلاة، ليس هناك شيء يُسمى هكذا، لا، ليس هناك شيء هكذا، لا أبدًا.
فالقضية هي أن لدينا الإدراكات أربعة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: نحن قلنا منها ثلاثة. الإدراك الرابع هو: متى تُدرَك الجماعة؟ بماذا تُدرَك الجماعة؟
نحن قلنا تُدرَك الركعة بالركوع، طيب ما أدركت الركوع وليس لها الفاتحة، فتُفتيني [بأنه] ما يحدث شيء. وتُدرَك الجمعة بإدراك ركعة، أي وتُدرَك الوقت في الصلاة بإدراك ركعة كاملة.
ركعة كاملة، طيب، الجماعة تُدرَك كيف؟ قبل السلام.
[المذيع]: قبل السلام، ولو في التشهد؟
[الشيخ]: ولو في التشهد، تُحسَب لك خمس وعشرون درجة.
إدراك الجماعة بالدخول قبل سلام الإمام ولو في التشهد الأخير
[المذيع]: متى؟
[الشيخ]: عندما تلحق الإمام قبل أن يسلِّم.
[المذيع]: جميل، ما شاء الله! هذا في - نحن الآن في صلاة العصر أم المغرب - ودخلت فوجدت الإمام جالسًا في التشهد.
[الشيخ]: فقام، فوجدت بعض الناس ينتظرون حتى ينتهي.
[المذيع]: أي لا، هذا خطأ!
[الشيخ]: ادخل معه. لما دخلت مع أنك لم تُدرك شيئًا.
[المذيع]: نعم، دخلت قلت الله أكبر وجلست فقط.
[الشيخ]: نعم، وهو ذهب مسلِّمًا، احتُسبت لك خمسة وعشرون درجة.
[المذيع]: ما شاء الله، احتُسبت لك الجماعة!
[الشيخ]: احتُسبت لك الجماعة، ما شاء الله؛ لأنك ربطت صلاتك بصلاته.
[المذيع]: نعم، وانتبهت.
وجوب متابعة الإمام في سجود السهو حتى لمن أدرك التشهد الأخير فقط
ولذلك لو أنك دخلت معه وبعد ذلك هو سجد للسهو، أنت دخلت في التحيات الأخيرة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هو سجد للسهو، أنت أصلًا لم تسجد ولم تكن حاضرًا معه لتسجد معه، اسجد معه؛ الإمام ليُؤتَمَّ به.
يبقى إذا أنت الجماعة تُدرَك بماذا؟ تُدرِكه قبل السلام، ولو قبل السلام على الفور، ما دام أدركته قبل السلام يبقى انتهى.
هيئة الدخول في الصلاة عند إدراك الإمام جالسًا وحكم التكبير
في الحركة هذه التي حضرتك صوَّرتها الآن في وسط الكلام، هو يقول ماذا؟ إنه قال الله أكبر وواقف وذهب قاعدًا، إلا القعود.
انظر التدقيق بتاع الفقهاء وتوسعهم: قالوا ليس فيه تكبير، ليس فيه تكبير. ما أقول الله أكبر طيب ثم الله أكبر لكي أجلس.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: تكبير دخول الصلاة، هذا تكبير دخول الصلاة انتهى، كبَّرناه.
[المذيع]: نعم، الذي هو النية.
[الشيخ]: لو كان هو راكعًا كنت أقول الله أكبر ثانية لكي أوافق في الركوع، أي فأقول الله أكبر.
[المذيع]: نعم، صحيح، لا نقولها بعد أن ننهي تكبيرة الإحرام، نقول الله أكبر للحركة.
[الشيخ]: نعم، ولكن ليس في الصلاة شيء أنه من الوقوف تقول الله أكبر وتجلس.
تفصيل حكم التكبير عند الدخول في الصلاة بحسب هيئة الإمام
ولذلك لو كان [الإمام] ساجدًا تكبِّر تكبيرة الإحرام وتكبِّر للسجود. لو كان راكعًا تكبِّر تكبيرة الإحرام وتكبِّر للسجود [أي للركوع]. لو كان جالسًا قال: لا، تكبِّر تكبيرة الإحرام وتجلس من غير تكبير.
[المذيع]: جميل، وتجلس من غير تكبير.
[الشيخ]: لأن ليس في الصلاة التي تصليها الواحدة شيء يُسمى تكبير للجلوس. شيء يُسمى تكبير للجلوس في شيء من قيام لجلوس هكذا؟ ليس هناك تكبير.
ولذلك تكبِّر تكبيرة الإحرام لكي تدخل الصلاة لأنها فرض، تكبيرة الإحرام هذه، وبعد ذلك تأتي جالسًا من غير شيء، من غير تكبير ولا شيء.
[المذيع]: جميل.
خلاصة النقاط الثلاث: الجمع بين الحديثين والإدراك وهيئة الجلوس بلا تكبير
فهذه النقاط الثلاث [التي] عالجناها الآن: وهو الجمع بين الحديثين، وجررنا هذا على قضية الإدراك وهنا بصوره الأربعة، ثم جررنا هذا على قضية من الهيئات اللطيفة وهي أنه يجلس من غير تكبير في هذا المقام.
أهمية مبحث التعارض والترجيح للفقيه والمفتي ومدارك الأحكام
فيعني هذه إطلالة على قضية التعارض والترجيح وفيها مدى ما بذله الفقهاء. ولذلك لسنا بحاجة لأن نسمع أحدًا يريد أن يهدم كل هذا التراث بكل هذا الفكر من أجل تصورات فاسدة يتصورها أنه يفهم بها النص أكثر من كل هذه العقول التقية النقية العالمة.
التي باعت نفسها لله فتقبَّلها الله وأجرى علمها في العالمين وعظَّم شأنها في المسلمين: الإمام الشافعي والإمام الليث والإمام الأوزاعي والإمام مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل والسفيانان - سفيان الثوري وسفيان بن عيينة - والحَمَّدان والطبري. ما هذا يعني! أئمة كبار، وبارك الله في علمهم وأحسن سيرهم وجعل الناس تتحدث بمدحهم وتعديدهم عبر العصور.
ولذلك فإن التعارض والترجيح مبحث مهم جدًا من مباحث أصول الفقه، وهو مبحث مهم جدًا أيضًا للفقيه، وهو مبحث مهم جدًا للمفتي؛ حيث إنه يبين له مدارك الأحكام؛ أي من أين جاءوا بهذا الكلام، ولماذا أتوا به، وكيف أتوا به، فكيف ولماذا وما أثره. كله هذه الأشياء أشياء ينبغي أن نلتفت إليها وأن نتعلم منها ومن خلالها.
التأكيد على خطورة تصدر غير المؤهلين للفتوى وسب العلماء
[المذيع]: الحلقات التي فاتت عندما شرح فضيلتكم لنا الأصول الفقهية من أول الحجية والثبوت والفهم، قطعية وظنية، الحق والقياس وترجيح، معناها أيضًا نؤكد مرة أخرى ما قاله فضيلتكم أنه ليس أي واحد قرأ كتابًا أو كتابين أو مقالة أو [يتصدر] للإفتاء ولدعوة الناس إلى دين الله.
هذا هو الذي للأسف نراه، ثم نرى داءً آخر أشد أيضًا من هذا أو هي خطوة إلى الجحيم يخطونها، وهي أنهم يسبون العلماء، يسبون العلماء.
[الشيخ]: نعم، أنا رأيت بعيني في الإنترنت وفي المقالات وما إلى ذلك، هؤلاء المتصدرون من الأغرار الصغار يسبون العلماء، لا حول ولا قوة إلا بالله.
أسباب سب العلماء وعمى البصيرة عند المتطاولين على أئمة الدين
فلأنهم اعتقدوا أن العلماء يخطئون في دين الله، وأنهم ليسوا على هواهم، وأنهم يتكلمون بأشياء لا تصل إلى عقولهم، إذن فهي خطأ! ولم يروا جذع النخلة في أعينهم، وإنهم قد حُجبوا وعَمِيَت بصائرهم عن الحق.
مصيبة عظيمة أن بعضهم مثلًا يسبون الإمام أبا حنيفة نحوها، ويصف مذهبه بأنه يعني بعيد عن السنة! هذا الكلام تضحك منه الثكلى وتسقط منه الحبلى ويشيب منه الأقرع.
وهذا كلام فيه سفه وفيه قلة أدب وحياء مع الله ومع المسلمين ومع التاريخ ثم مع الواقع؛ لأننا من الذي ارتضاه الله هاديًا وعالمًا ومتصدرًا، ومن الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى متكسبًا وآكلًا على جميع الموائد؟!
حماية الله لأئمة الدين من سفه السفهاء وخطورة الحجاب بين الخلق والخالق
من ربنا سبحانه وتعالى حمى أئمتنا من سفالة السافلين ومن سفه السفهاء. ولذلك هذه خطوات يفعلونها من أجل زيادة الطمس على قلوبهم وعلى بصائرهم، وهي حجاب يحجبون بها بين الخلق والخالق، لا حول ولا قوة إلا بالله.
[المذيع]: فإن مولانا ليست مسألة تجرؤ [على] الفتيا فحسب، وأيضًا يسب العلماء.
[الشيخ]: هذا في سب العلماء، نعم. وأنا تتبعت هذا بنفسي ورأيت أنهم قد تطاولوا كثيرًا وبكلام قبيح.
ختام الحلقة والوعد بالحديث عن سب العلماء في الحلقة القادمة
[المذيع]: فهل يمكن يا مولانا في الحلقة القادمة - لأن وقتنا ينتهي مع فضيلتكم - أن نستطرد في الحلقة القادمة ونتحدث عن ألا نتحدث عنهم إلا بما يستحقونه من كلام؟
[الشيخ]: بهذا نحن نتحدث في العلم إن شاء الله.
[المذيع]: إن شاء الله، ربنا يفتح عليك يا مولانا. واسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا الجهد وعلى وعده باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله من مفاهيم إفتائية.
وإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم.
