برنامج مفاهيم إفتائية (16) - شروط المجتهد
- •يشترط في المجتهد أن يكون مسلماً متقياً عالماً صاحب خبرة وتصور مبدع.
- •التعليم يمنح المجتهد المعلومات، والتربية تمنحه الملكات، والتدريب يكسبه المهارات.
- •المجتهد المسلم يراعي وجه الله في فتواه، ويميز بين المعتبر والملغى من الأحكام.
- •الخبرة تأتي من المواظبة والاستمرار، وتنتج كيفية راسخة تدرك بها المعلومات.
- •يجب أن يكون المجتهد عارفاً بالرؤية الكلية (العقيدة) وإجراءات المنهج.
- •أصول الفقه تشمل معرفة المصادر وطرق البحث وشروط الباحث.
- •يجب على المجتهد معرفة الحجية والثبوت والفهم والقطعية والظنية وطرق الإلحاق والترجيح.
- •من تصدر للإفتاء قبل التعلم تذبذب قبل أن يتحسن.
- •المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور يظهر خلاف حقيقته.
- •يحتاج المجتهد إلى الإخلاص بالنية الصادقة والصواب بالعلم.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن شروط المجتهد
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون معكم، وأن نكون جميعًا في ضيافة فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: تحدثنا يا مولانا في الحلقات السابقة من برنامج مفاهيم إفتائية عن معنى المفاهيم الإفتائية وأدب المستفتي إلى آخره، ووصلنا إلى الترجيح. نريد اليوم يا مولانا أن نتحدث عن شروط الباحث أو شروط المجتهد؟
منهج تحويل ألفاظ الأصوليين إلى مصطلحات حديثة مفهومة للمشاهد
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. في الحقيقة، أنا سأحاول أن أحوّل الألفاظ التي استعملها الأصوليون في كتبهم إلى ألفاظ مساوية لها وحديثة، حتى تصل إلى قلب المشاهد وإلى ذهنه من أقرب طريق.
أعني أن الذي أقوله هذا ليس في الكتب بهيئته، لكن هو مسطور في الكتب بمعناه. جميل، نجده في ثنايا الكلام، في كلام الإمام النووي، وفي كلام ابن الصلاح، في كلام الفتوحي، في كلام حسن العطار في حاشيته، وفي كلام البيضاوي أو الرازي أو ابن الحاجب وهكذا.
شروط المجتهد الثلاثة: التعليم والتربية والتدريب وأثرها في بناء الباحث
نستطيع أن نقول إن شرط المجتهد أن يكون عالمًا، وأن يكون تقيًّا، وأن يكون أيضًا صاحب خبرة. صاحب خبرة نعبّر عنه بالألفاظ الحديثة الخاصة بنا، يقول: التعليم والتربية والتدريب.
ما هو التدريب؟ يجعل الباحث لديه مهارة. والتعليم يجعل الباحث لديه معلومات. والتربية تجعل الباحث لديه ملكات. انظر الفرق بين المهارات والملكات والمعلومات.
هذا موجود في كتبنا ولكن ليس بهذه الألفاظ؛ ألفاظ تخص علم التربية وعلم الإدارة وعلم كذا. كأنه -والله الذي لا إله إلا هو- كأن علومنا قد عادت إلينا ولكن خالية من الوحي.
كيف أُخذت العلوم الإسلامية وأُعيدت مجردة من الوحي والتعلق بالله
كانت علومنا حية بالوحي، وكان لها حياة وكان لها تعلق بالله، فأخذوها منا، وسلبوا الوحي وأعادوها لنا جسدًا هامدًا. سبحان الله!
لو أننا قرأنا بتلك العين الفقه وأصول الفقه وتاريخ التشريع، لخرجنا بمبادئ عامة لا يزال بعض البشر يكتشف بعضها حتى الآن.
اشتراط الإسلام في المجتهد وعلاقة التقوى بفهم النصوص الشرعية
لا بد للمجتهد أن يُشترط فيه -مثلًا- أن يكون مسلمًا. يعني تصوّر أن رجلًا غير مسلم قد أوتي ذكاء المجتهد وعلم المجتهد، لكنه لا يُؤخذ منه؛ لأن الأمر ليس متعلقًا بأمور مادية ومعرفة مادية فحسب، بل هو متعلق بأمور تتعلق بالتقوى بيني وبين الله سبحانه وتعالى، وإسلام لله سبحانه وتعالى.
فيمكن أن ينحرف بفهم النص إلى ما يحقق بعض المصالح الموهومة. انظر ماذا أقول: الموهومة. والمصلحة في غاية التعقيد، تحتاج مع حسبانها إلى تقوى تحيط بها حتى تخرج مصلحة صالحة، مصلحة صالحة جميلة وليست مصلحة متوهمة.
تعريف المنفعة عند العلماء واختلاط اللذة بالألم في واقع الناس
فالمصلحة كالمنفعة وزنًا ومعنى، ولما عرّفوا المنفعة قالوا: هي جلب اللذات ووسائلها، أي جلب وسائل اللذات، ودفع الآلام ووسائلها. فتكون المنفعة معناها أنني أجلب اللذات وأدفع الآلام.
حسنًا، في واقع الناس فإن اللذة والألم تختلط اختلاطًا شديدًا، وليست هناك لذة صافية محضة كاملة، وليس هناك أيضًا ألم صافٍ محض، بحيث أن الإنسان بمحض عقله يستطيع أن يميز بين المنفعة وبين الضرر، بل هناك تداخل.
أمثلة القرافي على اختلاط اللذة بالألم في الطعام والولادة
يقول الإمام القرافي: انظر مثلًا عندما تريد أن تُنضج شيئًا من الطعام، فتأتي بالطعام وتضعه على النار فتحترق يدك. أنا أُعدّ الطعام، وأنت تُعدّ الطعام لكي يصبح لذيذًا، أي أن اللذة مختلطة بشيء من الألم.
انظر إلى المرأة وهي تضع جنينها من بطنها، تعاين الموت حقًّا من الألم، تصرخ وتتألم، وهي متعبة ومُجهَدة حقًّا، ولكنها يا أخي لديها فرح حقيقي لا يخطر على قلب بشر.
وعلاقتها مع هذا الجنين الذي وُلد وأتعبها، أي أنه منذ أن جاء وأتعبها يا أخي، سبحان الله! فمهما أعطيتها من مال الدنيا فإنك إن آذيته تؤذيها، ولكن لا تأخذه منها بل اتركه معها فحسب.
علاقة الأم بوليدها وأجر الشهادة للمرأة التي تموت في الولادة
فيعني شيئًا عجيبًا غريبًا، علاقة الأم بطفلها وبوليدها حب ليس له مثيل، وهو الذي كان سيكون سببًا في موتها [جراء عملية الولادة] وهو ينزل، كان سيكون سببًا في موتها.
وفي بعض النساء استُشهدن في الولادة، والنبي عليه الصلاة والسلام جعل لها أجر شهيد.
قال النبي ﷺ: «المرأة تموت بجُمْع شهيدة»
لكن إذا كان الألم واللذة مختلطة، من الذي يحدد أن اللذة التي في الزواج معتبرة واللذة التي في الزنا ملغاة؟ من الذي يقول هذا؟ لا إله إلا الله.
ضرورة إيمان المجتهد بالله للتمييز بين المصالح المعتبرة والملغاة
إذن فالمجتهد إذا لم يكن مؤمنًا بالله، مسلمًا وجهه إليه، مراعيًا وجه الله سبحانه وتعالى، فإنه بمنتهى البساطة سيختلط عليه الأمر ولا يعرف الملغى من المعتبر؛ لأن هذه لذة وهذه لذة، ما الفرق بينهما؟
الفرق بينهما كلمة. هل للكلمة اعتبار مادي؟ يعني "زوّجتك نفسي"، قالت: "قبلتُ" أمام شاهدين مع وجود الولي. يعني هذا هو الذي يُحلّل الحالة هذه؟ ما قبل هذا الكلام أعتبره زنا وهدرًا وفاحشة وفيها حد وكبيرة.
والذي بعد هذا الكلام زواج يُضرب عليه بالدف ويفرح به الناس، صحيح. ويثبت به النسب. ما هذا؟ من عند الله.
الفرق بين الزنا والزواج في القرآن وضرورة وجود الله في منظومة الاجتهاد
هذا الله هو الذي قال:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]
وهو الذي أمرنا إنّ:
﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]
هذا غير هذا. من الذي فعل هذا؟ الله. إذن لا بد أن يكون الله في المنظومة هذه.
ولذلك اشترطوا الإسلام في المجتهد، واشترطوا أن يكون عالمًا، وأن يكون متربيًا لديه قيم، وأن يكون متدربًا أي لديه مهارات.
رأي الغزالي في التصور المبدع كمعيار للتفاضل بين المجتهدين
يقول الإمام الغزالي في حقيقة القولين -كما نقل عنه ابن برهان، ونقل عن ابن برهان الإمام السيوطي في كتابه الماتع "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض"- يقول: إن الذي يفرّق المجتهد عن أخيه القدرة على تصور تداعيات الأمر.
تداعيات الأمر، أي الذي يسمونه التصور المبدع الآن. يعني عندما أقول هذه الفتوى، ما الذي سيترتب عليها؟ فأنا أستطيع، أنا أعرف ما الذي سيترتب عليها إلى المرحلة السابعة. هناك آخر يعرف إلى المرحلة العاشرة، فيكون هو أشد مني اجتهادًا.
التصور المبدع والمهارة والتدريب كأساس للتفاضل بين المجتهدين
جميل. التصور المبدع وتصور المآلات وتصور العلاقات البينية وتصور الأمر، هو هذا الذي يجعل هذا المجتهد أعلى من هذا المجتهد. الاثنان مجتهدان بالمناسبة، صحيح، ولكن ما الذي يجعل واحدًا أعلى من الآخر؟ هذا يعني بهذه المهارة، بهذه الخبرة.
وهذه المهارة من أين تأتي؟ من التدريب، من كثرة المواظبة والاستمرار.
قال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ»
هذه المواظبة والاستمرار تُحدث في النفس كيفية راسخة بها تُدرك المعلومات وبها نستطيع أن نتصرف.
ملخص شروط المجتهد الأربعة: الإسلام والعلم والتقوى والتصور
إذن نستطيع أن نقول إن المجتهد لا بد أن يكون مسلمًا، ولا بد أن يكون عالمًا، ولا بد أن يكون ذا خلق تقيًّا، ولا بد أن يكون صاحب تصور ومهارة.
[المذيع]: فلنتوقف عند صاحب التصور والمهارة يا سيدي، ونستكمل بعد الفاصل. فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.
العودة من الفاصل واستكمال الحديث عن ثلاثية التعلم والتربية والتدريب
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل. الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم مفاهيم فقهية، نتحدث مع مولانا العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية عن صفات المجتهد أو شروط الباحث.
تفضل يا مولانا، قبل أن نخرج فضيلتكم قلتم لنا إنه يكون مسلمًا وإنه يكون تقيًّا وأن يكون لديه خبرة وأن يكون لديه تصور، كلما كان لديه تصور كلما كان مجتهدًا أكثر؟
[الشيخ]: نعم، تفضل يا سيدي. التعلم والتربية والتدريب، أي هذه الثلاثية لا بد فيها من الباحث.
مفهوم المنهج كرؤية كلية تنبثق عنها إجراءات وعلاقته بالعقيدة الإسلامية
لدينا الآن شيء يسمى المنهج. المنهج هذا يعني هو رؤية كلية ينبثق عنها إجراءات. فما هذه الرؤية الكلية التي تفيد الباحث؟ ما قصة هذا الأمر؟
القصة أن الرؤية الكلية هي العقيدة. نحن سميناها في تاريخنا الإسلامي بالعقيدة. أنا أتصور وأنا هكذا هنا في الأرض أن هذا الكون مخلوق لخالق. في أناس آخرون لا يتصورون هذا.
أتصور أن الخالق لم يتركنا عبثًا، بل إنه أرسل الرسل وأنزل الكتب والوحي، وهذان ركنا الشهادة.
أركان العقيدة الثلاثة: الإله والوحي والتكليف وأثرها في حياة المسلم
وهذا رقم واحد: الإله؛ لأنه من لا يؤمن بالإله لا يعرف لا جنة ولا نارًا ولا حلالًا ولا حرامًا ولا تكليفًا ولا أي شيء. فهناك لا إله إلا الله، وكذلك هو يوحي لبعض خلقه وينزل كتبه.
رقم ثلاثة: التكليف، أن الإنسان مكلف. ولذلك في إقدام وإحجام، في افعل ولا تفعل، في فرق بين الخير والشر، بين الطاعة والمعصية، بين الحق والباطل.
ولذلك فالبرنامج الخاص بي موجود: أشهد الشهادتين، أصلي، أصوم، أزكي، أحج، أذكر، أعمل النذر، أعمل الكفارات، كذلك إلى آخره، عبادات ومعاملات.
تفصيل الحلال والحرام والإقدام على الطاعات والإحجام عن المعاصي
البيع حلال والزواج حلال والطلاق حلال وما إلى ذلك حلال. وهناك محرمات يقول لي: إياك أن تزني، وإياك أن تقتل، وإياك أن تشرب الخمر، وإياك أن تكذب، وإياك أن تشهد بالزور، وإياك وعقوق الوالدين.
إياك! إذن ففيه إقدام على الطاعات وإحجام عن المعاصي، برنامج مفصّل وأنا مستعد لتفصيله. صحيح، يبقى إذن تكليف، هذه مهمة جدًّا.
المطلق والنسبي في العقيدة الإسلامية والإيمان بالغيب
كذلك أنا أرى في هذا العالم المطلق والنسبي. الأخلاق مطلقة. الله جل جلاله غيب الغيب جل جلاله، نعم؛ لأنه لم يره لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولذلك فهو غيب الغيب مطلق.
ولكن الزمان الذي نحن فيه والعلاقات، هذا نسبي. ولذلك أنا مؤمن. والنسبي، في واحد يقول لي: لا، هذا كله نسبي، فيكون غير مؤمن بالله. أو يقول إن كله مطلق، طيب هذا لا ينفع.
إذن الحياة المتغيرة هذه ما هي؟ فأنا لي عقيدة أقعد أفصّلها لك هكذا في عشرين ثلاثين نقطة نتكلم فيها.
مفهوم القداسة في الإسلام وكرامة الإنسان وتسخير الكون له
أنا عندي قداسة، أنا أقدّس وأقدّس المصحف. هناك الكعبة. هناك أناس ليس لديهم قداسة؛ لديهم الشجرة مثل البقرة مثل الحجر مثل الإنسان، كل شيء تحت المجهر وكل شيء يفعلون به ما يريدون. لا، أنا ليس لديّ هذا.
فأنا لديّ كرامة للإنسان وأنه مكرّم، أسجدت الملائكة له من قبلُ الله، وأنه مكلّف، وأن هذا الكون مسخّر له، وأن هذا الكون ولذلك نحترمه ونتفاعل معه.
ونؤمن أن هناك سجودًا لله سبحانه وتعالى من الشمس ومن القمر ومن الشجر ومن النجم.
﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6]
يعني سبحان الله! أنا أتفاعل مع الكون.
الرؤية الشاملة التي علمنا الله إياها من خلال الأوامر والنواهي القرآنية
وقال لي [الله سبحانه وتعالى] عمّره ونهاني عن الفساد وقال إنه لا يحب المفسدين. وقال لي:
﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
فقال لي إنه لا يحب المتكبرين، ولا يحب المسرفين، ولا يحب المفسدين، ولا يحب كذا وكذا. علّمني رؤية شاملة، رؤية شاملة جميلة انبثقت عنها إجراءات.
ما هي الإجراءات؟ ما هو المنهج هكذا؟ والباحث شروطه أن يعلم المنهج. ولذلك اشترطنا أن يكون مسلمًا حتى تكون رؤيته الكلية كذلك.
تعريف أصول الفقه: معرفة المصادر وطرق البحث وشروط الباحث
وبعد ذلك قال: معرفة المصادر وكيفية البحث وتوافر شروط الباحث فيه. هذه ثلاثة أمور هي الإجراءات: معرفة المصادر، وشروط البحث، وطريقة البحث.
هذا تعريف أصول الفقه: معرفة الأدلة الفقهية إجمالًا -هذه هي المصادر-، وكيفية الاستفادة -هذه طرق البحث-، وحال المستفيد -هذه شروط الباحث-.
التي هي الأمور الثلاثة الخاصة بإجراءات المنهج. أي شروط الباحث أن يكون واعيًا بهذا، بالرؤية الكلية وبمصادر المعرفة.
شروط الباحث المعرفية من الحجية والثبوت والفهم إلى التعارض والترجيح
ولذلك قلنا أن هذا الباحث من شروطه أن يكون عارفًا بالحجية وبالثبوت وبالفهم وبالقطعية والظنية وبطريقة الإلحاق وأيضًا بالتعارض والترجيح.
وهذه المعرفة تصب في النهاية في أنه مدرك لذاته وعارف لشأنه، وأنه بعد معرفة كل ذلك فهو إذن يعرف كيف يبحث بشكل جميل.
وهذه أيضًا تعيدنا يا مولانا إلى النقطة التي نكررها دائمًا في البرنامج، أنه ليس أي شخص يتصدى للإفتاء وليس أي شخص يجعل نفسه عالمًا إلا بعد أن يمر بهذه المراحل.
التحذير من التصدر للفتوى بدون علم وطلب الدنيا باسم الدين
يعني أن الذي يحدث الآن إنما هو عن هوى وطلب للدنيا. طلب للدنيا، هذا طلب للدنيا، طلب زعامة، طلب مال. لكن نحن نتحدث عن دين الله الذي ائتمننا عليه.
ونحن نتحدث حتى نبيّن للناس أن الأمر جدّ وليس هزل، وأنه ينبغي عليهم أن يُعلوا من شأن العلماء، وأن يقفوا عند حدهم أمامهم، وأن يجعلوهم حيث ما جعلهم الله، وأن يقيموهم حيث ما أقامهم الله.
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
وجوب سؤال أهل العلم في كل مجال وخطورة العبث بالدين والعلم
مما لا شك فيه أن العالم في مجاله لا بد أن يُسأل؛ عالم السياسة والطب والكون وما إلى ذلك، أي شيء لا بد أن نسأل. هل إلا أن تفسد الدنيا ولا يصبح لها لا طعم ولا لون ولا رائحة ولا أي شيء؟
وهذا العبث الذي يتم أمامنا وتحت أعيننا، يعني أننا اعتقدنا أنهم سوف يصطدمون بأنفسهم، لكن يبدو أنهم تمادوا في السير في طريق جهنم خطوات وخطوات.
فبدلًا من أن يعلّموا أنفسهم أو أن يرتدعوا أو أن يذهبوا إلى العلماء وأن يكونوا تحت جناحهم، فإنهم سبّوا العلماء وانتقدوا العلماء الأقدمين والمحدثين، واعترضوا على العلماء وشوّهوا سمعة العلماء، ويكذبون في هذا الإنترنت وفي الصحافة يكذبون على العلماء.
دفاع الله عن العلماء وإلقاء محبتهم في قلوب العباد رغم الأكاذيب
ولكن:
﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]
﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا﴾ [الحج: 38]
وبالرغم من الأكاذيب والضلالة التي يسعون في شأنها، فإن الله سبحانه وتعالى يلقي في قلوب العباد محبة العلماء بالرغم من كل هذا، والحمد لله رب العالمين.
فنحن نأمر بما أمر الله به، وننهى عما نهى الله عنه، ونتوكل على الله سبحانه وتعالى، ونقول: ألا هل قد بلّغت؟ اللهم فاشهد.
ملخص شروط الباحث: الإيمان بالرؤية الكلية ومعرفة المنهج وأصول الفقه
إذن فشروط الباحث تتمثل في الإيمان بالرؤية الكلية التي نسميها في اعتقادنا العقيدة، وتتمثل في معرفة المنهج حيث ينبثق عن العقيدة إجراءات، وهذه الإجراءات هي أصول الفقه عند المسلمين.
على فكرة، هذا الكلام الذي هو أن مصادر البحث وطرق البحث وشروط الباحث، كلام تجده موجودًا عند روجر بيكون، ولكنه أخلاه من الوحي. صحيح.
وهو ما يتحدث عنه الإمام الرازي والإمام البيضاوي في تعريف أصول الفقه. إذن هذا الأمر أُخذ منا ولكن نُزعت الروح منه، نُزعت الروح منه، بقي معهم هيكل فقط وأرادوا أن يمرّروا الهيكل.
دعوة أهل الإدارة لقراءة التراث الإسلامي وضرورة الاجتهاد على منهج الأسلاف
أنا أدعو أيضًا أهل الإدارة أن يقرأوا في التراث الإسلامي، فإنهم سيستفيدون وتُفتح عليهم فتوحات لم تُفتح على أحد في العالمين، ما شاء الله. ولو أن هناك وقتًا لكنت شرحت كيفية ربط الشبكة الإدارية بالنفوس السبعة مثلًا في الإدارة.
ولكنني أنبّه تنبيهات وأرسل رسائل بأنه ينبغي علينا ألا ننسلخ عن تراثنا، كما أنه ينبغي علينا ألا نقف عنده وحده، بل ينبغي علينا أن نجتهد كما اجتهد الأسلاف على آثارهم وخطاهم وبطريقتهم ومنهجهم وبإخلاصهم.
شرط قبول العمل عند الله: الإخلاص بالنية والصواب بالعلم
لأن كما يقول الفضيل بن عياض: إن العمل لا يُقبل عند الله إلا بالإخلاص والصواب.
أما الإخلاص:
قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»
وأما الصواب فهو [اتباع] رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا يتأتى ذلك إلا بالعلم؛ فالإخلاص بالنية الصادقة، والصواب بالعلم، وليس بالتالي على الله ولا بالتصدر قبل التعلم.
التحذير من التصدر قبل التعلم والنهي عن النفاق في طلب العلم
جميل. كنت فضيلتك قلت لنا أنه من تصدّر قبل أن يتعلم تزبّب قبل أن يتحصرم.
[الشيخ]: نعم، أجل؛ لأنه كما يقول أهل الخليج: من الخارج رخام ومن الداخل فحم. صحيح، أي من الخارج كما يقول أهل مصر: ما شاء الله، ومن الداخل يعلم الله. صحيح، أي الظاهر غير الحقيقة.
صحيح، والله سبحانه وتعالى نهانا أن نكون كذلك في حال النهي عن النفاق. أي فالمنافق عبارة عن ماذا؟ أن له ظاهرًا مستسلمًا خاضعًا وباطنٌ بخلاف ذلك متمرد كافر.
ولذلك فإن المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
حديث المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور وختام الحلقة
النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال النبي ﷺ: «المتشبّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور»
كلابس ثوبي زور؛ لأنه مزوّر، لأنه يُجمّل نفسه أمام الناس بينما هو عند الله سبحانه وتعالى ليس كذلك.
[المذيع]: ربنا يفتح عليك يا مولانا وليزدك الله علمًا يا مولانا ولينفعنا بعلمك. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا الجهد. شكرًا لك يا مولانا، على الوعد باللقاء إن شاء الله في الحلقات القادمة من مفاهيم إفتائية.
